← Фикх общий

Фикх общий · id 14368

نفح العبير

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (326 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثانيًا: تفسير الأحاديث ومعناه: اعلم أن الخبر معناه النهي، فقوله: «لا تشد الرحال»، معناه: لا تشدوا الرحال، وهذا نهي يفيد حرمة شد الرحل لغير المساجد الثلاثة، وقال بعضهم: ليس بنهي وإنما معناه أنه لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب، بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها. ورده شيخ الإسلام بقوله؛ تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا أحصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب، كان فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر فإذا تبين له السنة لم يجز له مخالفة النبي ﷺ ولا التعبد بما نهى عنه. قلت: فعلم أن الحديث أراد الأسفار المنشئة للتعبد لا الأسفار المباحة للمصالح الدنيوية وبهذا يرتفع الإشكال الذي عرض لمن سوغ سفر الزيارة. والله المستعان. ثالثًا: أقوال أهل العلم في مسالة شد الرحال للقبر النبوي: اعلم أن الأقوال في شد الرحل وأعمال المطي إلى مجرد زيارة القبر، إنما هي قولان: أحدهما: القول بالإباحة كما يقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد.

стр. 177

والثاني: أنه منهي عنه كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول ﷺ فصلى في مسجده وصلى في مسجد قباء وزار القبور كما مضت به سنة النبي ﷺ ، فهذا هو الذي عمل العمل الصالح، ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في المسجد وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجد النبي ﷺ ولا سلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع مخالف لسنة النبي ﷺ ، والإجماع والصحابة ولعلماء أمته، وهو الذي فيه القولان: أحدهما أنه محرم، والثاني أنه لا شيء عليه ولا أجر له، والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية يصلون في مسجده ﷺ ويسلمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة، وهذا مشروع باتفاق المسلمين - إلى أن قال - مع أنه فيه نزاعًا إذ من العلماء من لا يستحب زيارة القبور مطلقًا ومنهم من يكرهها مطلقًا كما نقل ذلك عن إبراهيم النخعي والشعبي ومحمد بن سيرين، وهؤلاء من أجلة التابعين ونقل ذلك عن مالك، وعنه أنها مباحة ليست مستحبة، وأما إذا قدر من أتى المسجد فلم يصل فيه ولكن أتى القبر ثم رجع فهذا هو الذي أنكره الأئمة كمالك وغيره وليس هذا مستحبًا عند أحد من العلماء، وهو محل النزاع، هل هو حرام أو مباح، وما علمنا أحدًا من العلماء استحب مثل هذا والله أعلم. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: وأما التصريح باستحباب السفر لزيارة قبره دون مسجده فهذا لم أره عن أحد من أئمة المسلمين، ولا رأيت أحدًا من علمائهم صرح به، وإنما غاية الذي يدعي ذلك أنه يأخذه من لفظ مجمل قاله بعض المتأخرين، مع أن صاحب ذلك اللفظ قد يكون صرح بأنه لا يسافر إلا إلى ثلاثة مساجد أو أن السفر إلى غيرها منهي عنه، فإذا جمع كلامه علم أن الذي استحبه ليس هو السفر لمجرد القبر بل للمسجد، ولكن قد يقال: إن كلام بعضهم

стр. 178

ظاهر في استحباب السفر لمجرد الزيارة، فيقال: هذا الظهور إنما كان لما فهم المستمع من زيارة قبره ما يفهم من زيارة سائر القبور، وأطلق هذا كان ذلك متضمنًا لاستحباب السفر لمجرد القبر، فإن الحُجاج وغيرهم لا يمكنهم زيارة قبره إلا بالسفر إليه، لكن قد علم أن الزيارة المعهودة من القبور ممتنعة في قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ﵃ ومن اتبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره، وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده سواء أكان القبر هناك أم لم يكن. رابعًا: فهم الصحابة للمنع من شد الرحل للزيارة: قال شيخ الإسلام: إن أبا هريرة لما سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس». وقال الشيخ في مكان آخر: فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبًا، وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا وإذا قيل هذا كان قولًا ثالثًا في المسألة وحينئذٍ يبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم إلى انقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي ولا رجل صالح وقبل الخليل ﵇ بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة، كانوا يأتون بيت

стр. 179

المقدس ويصلون فيه ولا يذهبون إلى قبر الخليل .. إلى أن قال: ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي ﷺ بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة ويسلم من يسلم عند دخول المسجد والخروج منه وهو مدفون في حجرة عائشة فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجًا عنها في المسجد عند السور، وكان يقدم في خلافة أبي بكر وعمر أمداد اليمن الذين فتحوا الشام والعراق وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ويصلون في مسجده كما ذكرنا، ولم يكن أحد يذهب إلى القبر ولا يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد بل السلام عليه خارج الحجرة. وقال في موضع آخر: ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم باسم زيارة قبره ﷺ لا ترغيبًا في ذلك ولا غير ترغيب فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم. وقال أيضًا: ومن ظن أن زيارة المسجد إنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ ولم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين. وقال ﵀: فأما السفر لأجل القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة، وكان عمر ومن معه من المهاجرين والأنصار يقدمون إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ﵇، وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وسائر الشام لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇ ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة كإتيان قبور الشهداء وأهل البقيع وما لم يكن قربة لأهل المدينة لم يكن قربة لغيرهم كاتخاذ بيته عيدًا واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا وكالصلاة

стр. 180

إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها والطواف وغير ذلك مما يفعله جُهال القادمين، فإن هذا بإجماع المسلمين ينهى عنه الغرباء كما ينهى عنه أهل المدينة ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين وبالجملة فجنس الصلاة عليه والثناء عليه ﷺ ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر للواردين والصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وأما إذا ما كان سؤالًا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة ولا غيرهم. وقال الشيخ أيضًا: وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرهم من الشام مثل معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وغيرهم، لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع. وقال ﵀: ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إذا دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر الله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك ولا يقفون خارج الحجرة كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضًا لزيارة قبره، فلم يكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضًا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا السلام والصلاة عليه وبينوا أن السلف لم يفعلوها كما ذكره مالك في «المبسوط»، وقد ذكره أصحابه كأبي الوليد الباجي والقاضي وغيرهما.

стр. 181

خامسًا: مخالفة فاعل ذلك للإجماع: قال ﵀: وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده ﷺ ولا سلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال مخالف لسنة رسول الله ﷺ ولإجماع الصحابة ولعلماء أمته. وقال أيضًا: وما علمنا أحدًا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب فدعوى من ادعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر وكذلك إن ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال: إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك وهو بعد أن تعرف صحة نقله نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف مخالفًا لنصوص الرسول فكفى بقوله فسادًا أن يكون قولًا مبتدعًا في الإسلام مخالفًا للسنة والجماعة لما سنّهُ رسول الله ﷺ ولما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها. سادسًا: أنه لا يلزم الناذر للسفر لمجرد القبر الوفاء بنذره: قال ﵀: ولو سافر من بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها أو بالعكس أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يف بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم. وقال أيضًا: ولو نذر السفر إلى غير المساجد أو السفر لمجرد قبر نبي أو صالح لم يلزمه الوفاء بنذره باتفاقهم فإن هذا السفر لم يأمر به النبي ﷺ ، بل قال: «لا

стр. 182

تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفى بنذره، وإن كان مقصوده مجرد زيارة القبر من غير صلاة في المسجد لم يفِ بنذره، قال: لأن النبي ﷺ قال: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». وقال الشيخ أيضًا: وهذا الذي قاله مالك وغيره، ما علمت أحدًا من المسلمين قال بخلافه بل كلامهم يدل على موافقته. وقال أيضًا: وقال مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل للحديث الذي جاء فيه: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». سابعًا: ضعف الأحاديث الواردة في مشروعية شد الرحل لأجل القبر وزيارته: قال الشيخ ﵀: الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل قوله: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن زارني بعد مماتي حلت له شفاعتي»، ونحو ذلك كلها أحاديث ضعيفة بل موضوعة ليست في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين لا الأئمة الأربعة ولا نحوهم، ولكن روى بعضها البزار والدارقطني ونحوهما بإسناد ضعيف؛ لأن من عادة الدارقطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن ليعرف وهو وغيره يبينون ضعف الضعيف من ذلك. وقال أيضًا: ولهذا لما احتاج المنازعون في هذه المسألة إلى ذكر سنة الرسول ﷺ وسنة خلفائه وما كان عليه أصحابه لم يقدر أحد منهم على أن يستدل في

стр. 183

ذلك بحديث منقول عنه إلا وهو حديث ضعيف، بل موضوع مكذوب وليس معهم بذلك نقل عن إمام من أئمة المسلمين أنه قال يستحب السفر إلى مجرد زيارة القبور، ولا السفر إلى مجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ولا السفر لمجرد زيارة قبره. ثامنًا: مراد من أطلق الزيارة من الأئمة: قال ﵀: ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر، كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة ولم يبق إلا السفر إلى مسجده وهذا مشروع بالنص والإجماع والذين قالوا: يستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا فليس بين العلماء خلاف في المعنى بل في التسمية والإطلاق. وقال أيضًا: وذلك أن لفظ الزيارة ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره فإن قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده ولا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره بل دفنوه في بيته بخلاف غيره. وقال أيضًا: وقبر النبي ﷺ خُصَّ بالمنع شرعًا وحسًا كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة كما يزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر وقبر النبي ﷺ ليس كذلك فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن. تاسعًا: أقسام الناس في الزيارة: قال ﵀: ثم إن الناس أقسام منهم من يقصد السفر الشرعي إلى مسجده ثم إذا صار في مسجده المجاور لبيته الذي فيه قبره فعل ما هو مشروع، فهذا سفر

стр. 184

مجمع على استحبابه وقصر الصلاة فيه ومنهم من لا يقصد إلا مجرد القبر ولا يقصد الصلاة في المسجد ولا يصلي فيه فهذا لا ريب أنه ليس بمشروع ومنهم من يقصد هذا وهذا، فهذا لم يذكر في الجواب إنما ذكر في الجواب من لم يسافر إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء الصالحين. اهـ كلامه ﵀. ولمزيد الفائدة إليك رقم الصفحات للفقرة السابقة: (إحالات الأقسام التسعة من كتاب: «الصارم المنكي»): ١ - ص [٢٧]. ٢ - ص (٤٦، ٤٧). ٣ - ص (٢٦، ٥٣، ٥٤، ٨٤، ٨٥). ٤ - ص (٤٤، ٤٧، ٨٣، ١٠٧، ١٠٨، ١٠٩، ١١٠، ١٦٦). ٥ - ص (٥٣، ٢١٩). ٦ - ص (٤٥، ٤٦، ١٢٥، ٢١٨). ٧ - ص (٦٧، ٨٤). ٨ - ص (٨٤، ١٢٧، ١٦٧، ٢٠٤، ٢١٣). ٩ - ص (١٢٢، ١٢٧). والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 185

بحث في تكفير الأعمال الصالحة هل هو خاص بالصغائر أم لا؟ وهل إجتناب الكبائر شرط أم لا ؟ الحمد لله: قال النووي ﵀ في «شرح مسلم» على حديث عثمان سدد خطاكم: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة وذلك الدهر كله»، قال: معناه أن الذنوب كلها تغفر، إلا الكبائر فإنها لا تغفر، وليس المراد أن الذنوب ما لم تكن كبيرة فإن كانت لا يغفر شيء من الصغائر فإن هذا وإن كان محتملًا فسياق الأحاديث يأباه، قال القاضي عياض: هذا المذكور في الحديث من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة، وإن الكبائر إنما تكفرها التوبة (١) أو رحمة الله تعالى وفضله والله أعلم. وقال ابن رجب (٢) في «شرح الأربعين»: وقد اختلف الناس في مسألتين: أحدهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد روى هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي سدد خطاكم في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصّغار، والمشي إلى المساجد يكفر أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد نصر المروزي (٣). وأما الكبائر فلابد لها من توبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب

стр. 186

ظالمًا، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام؛ لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع (١)، وأيضًا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض، لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه «التمهيد». وحكى إجماع المسلمين على ذلك واستدل بأحاديث منها قول النبي ﷺ : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»، وهو مخرج في الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض، وقد حكى ابن عطية في تفسيره (٣) في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما: وحكاه عن جمهور أهل السنة أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائض شيئًا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقًا، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها ورجح هذا القول، وحكاه قول الحذاق وقوله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها مرادُه أنه إذا أصر عليها صارت كبيرة فلم تكفرها الأعمال والقول الأول الذي حكاه غريب مع أنه قد حكي عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثله. ثم سرد ابن رجب أحاديث فيها تكفير الأعمال الصالحة للسيئات نحو ما تقدم ثم قال: (وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أن هذه الأعمال تكفر الكبائر ومنهم ابن حزم الظاهري، وإياه عنى ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» بالرد

стр. 187

عليه، وقال: وقد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغتر به جاهل، فينهمك في الموبقات اتكالًا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة والله نسأله العصمة والتوفيق (١). قلت- ابن رجب: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أهل الحديث في الوضوء ونحوه، ووقع مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر قال: يُرجى لمن قامها أن يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها (٢).اهـ. وانظر: «الفتاوى» (٧/ ٤٨٩). وقال ابن رجب أيضًا في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ط. الغرباء (٤/ ٢٢٣): ... وقد ذهبت طائفة من العلماء منهم أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا إلى أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصلوات الخمس الصغائر، فإن لم يجتنب الكبائر لم تكفر الصلوات شيئًا من الصغائر (٣)، وحكاه ابن عطية في تفسيره عن جمهور أهل السنة لظاهر قوله: «ما اجتنبت الكبائر»، والصحيح الذي ذهب إليه كثير من العلماء، ورجحه ابن عطية، وحكاه عن الحذاق وأن ذلك ليس بشرط، وأن الصلوات تكفر الصغائر مطلقًا إذا لم يصر عليها فإنها بالإصرار عليها تصير من الكبائر (٤)، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١/ ٢٦٠) على حديث عثمان في الوضوء قوله: (من ذنبه) ظاهره يعم الكبائر والصغائر، لكن العلماء خصوه بالصغائر لوروده مقيدًا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية وهو في حق من له

стр. 188

كبائر وصغائر، فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزداد في حسناته بنظير ذلك. وقال الحافظ أيضًا في «الفتح» (٢/ ١٢) على حديث أبي هريرة يرفعه: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا»، وفيه: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا»، قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب، وهو مشكل، لكن روى مسلم قبله حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر»، فعلى هذا المقيد يحمل ما أطلق في غيره. فائدة: قال ابن بزيزة في «شرح الأحكام»: يتوجه على حديث العلاء إشكال يصعب التخلص منه؛ وذلك أن الصغائر بنص القرآن مكفرة باجتناب الكبائر وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ انتهى، وقد أجاب شيخنا الإمام البُلقيني بأن السؤال غير وارد لأن مراد الله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء: ٣١]، في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت. والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها- أي في يومها- إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. اهـ. وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل، وذلك أن لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبًا للكبائر؛ لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها والله أعلم. وقد فصّل شيخنا الإمام البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة، فقال: تنحصر في خمسة: أحدها: ألا يصدر منه شيء ألبته، فهذا يعاوض برفع الدرجات. ثانيها: يأتي

стр. 189

بصغائر بلا إصرار، فهذا تكفر عنه جزمًا. ثالثها: مثله لكن مع الإصرار فلا تكفر إذا قلنا إن الإصرار على الصغائر كبيرة. رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر. خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر بل تكفر الصغائر، ويحتمل أن لا تكفر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح؛ لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به، فهنا لا تكفر شيئًا إما لاختلاط الكبائر والصغائر أو لتمحض الكبائر أو تكفر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين فلا يعمل به، ويؤيد أن مقتضى تجنب الكبائر أن هناك كبائر، ومقضى ما اجتنبت الكبائر، إن لا كبائر فيصان الحديث عنه ... اهـ. وقال الحافظ أيضًا (٨/ ٣٥٧): وتمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] والمرجئة وقالوا: إن الحسنات تكفر كل سيئة كبيرة كانت أو صغيرة، وحمل الجمهور هذا المطلق على المقيّد في الحديث: «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر»، فقالت طائفة: إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفارة لما عدا الكبائر من الذنوب وإن لم تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئًا، وقال آخرون: وإن تجتنب الكبائر لم تحط الحسنات شيئًا منها وتحط الصغائر وقيل المراد بالحسنات ما تكون سببًا في ترك السيئات كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، لا أنها تكفر شيئًا حقيقة، وهذا قول بعض المعتزلة، وقال ابن عبد البر: ذهب بعض أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب. قلت: تقدم أن المراد بعصريه ابن حزم وتقدم قوله.

стр. 190

وقال الحافظ (٣/ ٥٩٨) على حديث: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما»، واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع اجتناب الكبائر يكفر فماذا تكفره العمرة؟ والجواب: أن تكفير العمرة مقيد بزمنها وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد (١) اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» (١١/ ٢٥١) على حديث عثمان وفيه: «لا تغتروا» قال: حديث شرحه في الطهارة وحاصله لا تحملوا الغفران على عمومه في جميع الذنوب فتسترسلوا في الذنوب اتكالًا على غفرانها بالصلاة فإن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة ولا اطلاع لأحد عليه، وظهر لي جواب آخر وهو أن المكفر بالصلاة هي الصغائر فلا تغتروا فتعملوا الكبيرة ... إلخ (٢). وقال الأبُي على مسلم (٢/ ١٤): وقوله: «ما لم تؤت كبيرة»؛ لأن الكبيرة لا يكفرها إلا التوبة أو فضل الله ، قلت (٣): يريد عندنا وأما عند المعتزلة فلا يكفرها إلا التوبة، وليس المعنى على ما يقتضيه الظاهر من أن ترك الكبيرة شرط في محو الصغائر بالوضوء، وإنما المعنى أن بالوضوء يغفر ما تقدم إلا أن يكون فيما تقدم كبيرة، فإن تلك الكبيرة لا يكفرها إلا التوبة أو فضل الله تعالى. اهـ. وقال أيضًا في شرح حديث: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه»، أي: بلا ذنب وهو يتضمن الصغائر والكبائر. قلت: قال ابن العربي هذه الطاعة لا تكفر الكبائر وإنما يكفرها الموازنة أو التوبة والصلاة لا تكفرها فكيف تكفرها العمرة أو الحج؟ ولكن هذه الطاعات ربما أثرت في القلب فحمله على التوبة، ويحتمل أن يكون الثواب بالجنة بعد المؤاخذة بمقدار الذنب. قلت:

стр. 191

وقوله: ويحتمل أن يكون الثواب بالجنة بعد المؤاخذة بمقدار الذنب لا يصح لأنه لا فائدة، إذن للعبادة الخاصة؛ لأن دخول الجنة بعد المؤاخذة بمقدار الذنب ثابت في كل العصاة على مذهب الأشعرية، واختار ابن بزيزة أن هذه الطاعات تكفر الكبائر، قال: ويدل لذلك حديث مباهاة الملائكة ﵈ بالحاج؛ لأن الملائكة مطهرون مطلقًا ولا يباهي المطهر مطلقًا إلا بمطهر مطلقًا (١) ... (ثم استدل ابن بزيزة بحديث غفران الذنوب لأهل عرفة وضمان التبعات) (٢). ثم قال: (فإن قلت): قد جاء أن الجهاد يكفر كل شيء إلا الدَّين فما بال الحج يكفر كل شيء على مقتضى هذه الأحاديث، قال: (قلت): أسرار الله تعالى لا يطلع عليها غيره فنقف مع ما فهمنا ولا سبيل إلى الخروج عنه. اهـ. وقال المباركفوري في «شرح الترمذي» (١/ ٦٢٨) بعدما نقل كلام ابن عبد البر والنووي، قال: قال العلامة الشيخ محمد بن ظاهر في «مجمع البحار» ما لفظه: (لابد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرة وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يخفف عن الكبائر وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات) اهـ. وقال شيخنا ابن باز في تعليقه على «فتح الباري» (٢/ ٣٧٢): وظاهر المذكور أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر. وأفاد نحو هذا الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ في حاشيته على «صحيح

стр. 192

الترغيب والترهيب» ص [١٤١]. وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في «شرح رياض الصالحين» (٣/ ٢٢١): (واختلف العلماء ﵏ في قوله ﷺ : «إذا اجتنبت الكبائر»، هل معنى الحديث أن الصغائر تكفر إذا اجتنبت الكبائر وأنها لا تكفر إلا بشرطين وهما: الصلوات الخمس واجتناب الكبائر، أو أن معنى الحديث أنها كفارة لما بينهن إلا الكبائر فلا تكفرها، وعلى هذا فيكون لتكفير السيئات الصغائر شرط واحد وهو إقامة هذه الصلوات الخمس، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان، وهذا هو المتبادر- والله أعلم- أن المعنى أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها إلا الكبائر فلا تكفرها. وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان؛ وذلك لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة، فإذا لم يتب توبة خاصة فإن الأعمال الصالحة لا تكفرها، بل لابد من توبة خاصة) اهـ. قلت: فتلخص لنا من أقوال العلماء في هذه المسألة أقوال: ١ - أن الأعمال الصالحة تكفر الصغائر والكبائر وهو منسوب لابن حزم. ٢ - أن الأعمال الصالحة منها ما يكفر الصغائر بل والكبائر، وتقدم هذا عن ابن المنذر وابن بزيزة، واختاره شيخ الإسلام (١) وابن القيم، وقال في قصة حاطب: إن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة (٢) (٣).

стр. 193

٣ - ومن العلماء من قال: إن الأعمال الصالحة تكفر الصغائر دون الكبائر وهذا الذي اختاره ابن رجب والنووي وابن عطية وحكاه عن الحذاق؛ بل حكاه القاضي عن أهل السنة، وكذلك ابن الملقّن قال: هو مذهب أهل السنة (١)، واختاره وهو ظاهر كلام ابن القيم كما في «طريق الهجرتين» عند كلامه على الطبقة التاسعة. ٤ - ومنهم من قال: إن الأعمال الصالحة لا تعمل في الصغائر أصلًا إلا باجتناب الكبائر، وهذا الذي حكاه ابن عطية عن جمهور أهل السنة (٢)، وحكاه ابن رجب عن أبي بكر عبد العزيز واستغربه واختاره شيخنا ابن باز ﵀ (٣)، وتقدم النقل عنه قريبًا. ٥ - ومنهم من خصّ التكفير للأعمال الصالحة بانتفاء الكبائر في اليوم لا مطلق وجود الكبائر. ٦ - راجح - والعلم عند الله - القول الثالث، والقول الثاني، حيث لا منافاة. فائدة مهمة: قال شيخ الإسلام في «منهاج السنة النبوية» (٦/ ٢١٦): (العمل الذي يمحو الله به الخطايا ويكفر به السيئات هو العمل المقبول، والله تعالى إنما يتقبل من المتقين، والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، فالخوارج يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر، وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال، والمرجئة يقولون: من اتقى

стр. 194

الشرك، والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أُمر به خالصًا لوجه الله .. ثم قال ﵀: فالمحو والتكفير يقع بما يُتقبل من الأعمال وأكثر الناس يقصدون في الحسنات حتى في نفس صلاتهم، فالسعيد منهم من يُكتب له نصفها وهم يفعلون السيئات كثيرًا، فلهذا يكفر بما يُقبل من الصلوات الخمس شيء، وبما يقبل من الجمعة شيء، وبما يقبل من رمضان شيء آخر، وكذلك سائر الأعمال، وليس كل حسنة تمحو كل سيئة، بل المحو يكون للصغائر تارة ويكون للكبائر تارة باعتبار الموازنة) (١) اهـ. ونبه على مثله ابن القيم كما في «الوابل الصيب» (٢). وتقدم قول الحافظ: أن الصلاة التي تكفر الذنوب هي المقبولة ولا اطلاع لأحد عليه ... إلخ. فائدة: ظاهر الآية الكريمة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] تكفير الصغائر بسبب اجتناب الكبائر، وعليه فتكفير الصغائر يقع بشيئين: أحدهما: الحسنات الماحية. والثاني: اجتناب الكبائر (٣)، وقد نص عليها في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا ...﴾ [النساء: ٣١] الآية. اهـ من كلام ابن القيم بنصه في «طريق الهجرتين» عند كلامه على الطبقة التاسعة طبقة أهل النجاة. والله نسأله النجاة من عذابه ودخول جنته بمنِّه وكرمه آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ... تم تحريره في ١٠/ ٧/١٤٢٠هـ.

стр. 195

ماذا نعمل إذا وقع البلاء ؟ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فإنه لما وقع البلاء في بعض قرى جنوب المملكة العربية السعودية بما يسمونه مرض حمى الوادي المتصدع، كتبت في هذا مقالًا أثناء ذلك الوباء الذي أسأل الله أن يصرفه عنا وعن المسلمين (١). فضل الصبر على البلاء قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. قال ابن كثير: (أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم .. فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، أي: بقليل من ذلك، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾، أي: ذهاب بعضها، ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾، كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾، أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا﴾ أي: يتسلون بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما شاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة؛ فأحدث لهم ذلك أعترافهم بأنهم عبيدة، وأنهم راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما

стр. 196

أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ثناء من الله عليهم، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: «نعم العدلان ونعمت العلاوة، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة») (١). وفي «صحيح مسلم» (٢/ ٦٣٢) عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها»، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله. وفي الصحيحين عن أنس: أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ فقال له رسول الله ﷺ : «هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟»، قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، قال: فدعا الله له فشفاه. [لفظ مسلم]. فهذا هو الواجب أولًا عند الابتلاء بمصيبة مرض أو غيره؛ فالواجب الصبر وأن يعلم أنها من عند الله، وأن يتكلم بخير؛ فيسأل الله الأجر والثواب والعافية وقد وردت أحاديث في فضل المرض مع الاحتساب فمن ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها»، وفي لفظ: «ما يصيب

стр. 197

المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». وفي لفظٍ عند مسلم من حديث عائشة ﵂: «إلا رفعه الله به درجة وحط عنه بها خطيئة»، وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا: حصول الثواب ورفع العقاب، وشاهده ما أخرجه الطبراني في «الأوسط» من وجه آخر عن عائشة بلفظ: «ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حطَّ الله به عنه خطيئة، وكتب له حسنة ورفع له درجة» (١). وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء، والفاجر كالأرزة الصماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء»، وفي حديث كعب ابن مالك: «مثل المؤمن كالخامة من الزرع تُفيؤها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة». وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من يرد الله به خيرًا يصب منه». وعند الترمذي وابن ماجه وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: قال يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»، ولفظ حديث أبي سعيد عند الحاكم: «الأنبياء ثم الصالحون»، الحديث، وذكره البخاري في ترجمة باب في كتاب المرضى. وفي الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ

стр. 198

فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك»، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها. وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: سمعت النبي ﵁ يقول: «إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة» يريد عينيه. وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي دخل على أعرابي يعوده وكان النبي ﵁ إذا دخل على مريض يعوده قال: «لا بأس طهور إن شاء الله». والصبر على بعض الأمراض سبب لدخول الجنة كما في الصبر على العمى وعلى الصرع، وكما جاء في المبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والمطعون، والمحترق وغيرهم أنهم شهداء. ما ورد في الوباء والطاعون مما جاء في الطاعون حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه»، أخرجه البخاري وأخرج نحوه عن أسامة بن زيد. تعريف الطاعون: قال الخليل: هو الوباء. وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة سمي

стр. 199

بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله. وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج في الأرقاع وفي كل طي من الجسد، والصحيح أنه الوباء. وقال عياض: أصل الطاعون القروح الخارجية من الجسد، والوباء عموم الأمراض؛ فسميت طاعونًا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونًا. وقال ابن سينا وغيره: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن وأغلب ما يكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة. قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد ويستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية ردئية فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان ... إلى أن قال: والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء: فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده (١). وقصة عمر مشهورة لما وقع الطاعون المسمى طاعون عمواس بالشام أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما، وفيها: أن عمر رجع بالناس لما بلغه الحديث الذي فيه النهي عن دخول أرض الوباء والطاعون. قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٤/ ٢٤): وقد جمع النبي ﷺ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو فيها، ونهيه من الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه؛ فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرض للبلاء، وموافاة له في محل

стр. 200

سلطانه، وإعانة للإنسان على نفسه، وهذا مخالف للشرع والعقل؛ بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية، وأما نهيه عن الخروج من بلده ففيه معنيان: أحدهما: حمل النفوس على الثقة بالله والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضى به. الثاني: ما قاله الأئمة من الأطباء أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضيلة، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفف من كل وجه إلا الرياضة والحمام .. إلى أن قال: ويجب عند وقوع الطاعون السكون والدعة وتسكين هيجان الأخلاط، ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسفر إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدًا ... إلى أن قال: وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدة حكم: أحدها: تجنب الأسباب المؤذية، والبعد عنها. الثاني: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد. الثالث: ألا يستنشقوا الهواء الذي قد فسد وعفن فيمرضوا. الرابع: ألا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم. الخامسة: حمية النفوس عن الطيرة والعدوى .. وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمر بالحذر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف، وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل، والتسليم والتفويض: فالأول تأديب وتعليم، والثاني تفويض وتسليم. (١) اهـ.

стр. 201

فضل الطاعون: أخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطاعون شهادة لكل مسلم». وعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فقال ﷺ : «إنه كان عذابًا على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد» [أخرجه البخاري وغيره]. وأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، ما الطاعون؟! قال ﷺ «غدة كغدة الإبل، المقيم فيها كالشهيد، والفار منها كالفار من الزحف»، إسناده جيد (١)، وله شاهد عن جابر عند أحمد وابن خزيمة. وقال الحافظ في «الفتح»: وأخرج الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى أنه قال: «إن هذا الطاعون قد وقع فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل: خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب، فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان». ولكن أبا موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضًا، ولا شك أن الصور الثلاث: ١ - من خرج لقصد الفرار محضًا؛ فهذا يتناوله النهي لا محالة. ٢ - ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلًا فلا يدخل في النهي. ٣ - والثالث: من عرض له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد

стр. 202

الراحة من الإقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع. اهـ. حكم الفرار من الطاعون: الفرار من الطاعون كبيرة كما دل عليه حديث عائشة، والمكث بالأرض التي وقع بها يدرك به أجر الشهيد بثلاثة شروط: ١ - المكث وعدم الخروج. ٢ - الصبر وعدم الانزعاج والضجر. ٣ - يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فلا يقع منه الندم على عدم الخروج ولا يظن أنه لو خرج لما وقع به أصلًا أو أنه بإقامته يقع به. القنوت لرفع الطاعون: اختلف العلماء في مسألة القنوت لرفع الطاعون؛ فالمشهور من مذهب الحنابلة عند المتأخرين ألا يقنت، قالوا: لأنه رحمة. صرح به صاحب الزاد وغيره، ونصر الحافظ في بذل الماعون في فضل الطاعون ص [٣١٥] أنه يقنت له، واستدل بأن الدعاء برفعه لا يعارض فضله كما في النهي عن تمني لقاء العدو وهو سبب للشهادة، فكذلك هنا. ومن ذلك أن النبي ﷺ ثبتت عنه الاستعاذة في أمور كثيرة جاء أن صاحبها شهيد فقد أخرج أبو داود والنسائي والحاكم من حديث أبي اليسر أن رسول الله كان يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الغرق والحرق، وأعوذ بك أن أموت لديغًا ..». الحديث. إلى أن قال ﵀ ص [٣٨٨]: وأما الاجتماع له كما في الاستسقاء فبدعة .. وأنه لو كان مشروعًا ما خفي على السلف ثم على فقهاء الأمصار وأتباعهم في الأعصار الماضية؛ فلم

стр. 203

يبلغنا في ذلك خبر ولا أثر عن المحدثين. اهـ. سبب الكوارث والمصائب: إن سبب الكوارث والبليات والنكبات والأزمات في الأرواح والنفوس والممتلكات والأموال هي المعاصي والموبقات والتجاسر على هتك المحرمات ومحاربة رب البريات في الليل والنهار، والسر والجهار. وهذا مستقر عند كل مؤمن صادق وبه نطق الكتاب، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. نعم لما كفرت بأنعم الله، ولم تقابلها بالشكر والإحسان إلى مسديها؛ أذاقها الله الجوع الذي يلازمها، والخوف الذي يصاحبها مصاحبة اللباس للابسه، فلم تنفك عنه ليلًا ولا نهارًا والعياذ بالله. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]. ويقول تعالى بعد ما ذكر الأقوام المكذوبة: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا.

стр. 204

والمخرج من كل بلية، والنجاة من كل مهلكة وعذاب، هو بالتوبة النصوح المشتملة على الاعتراف بالذنب، والندم عليه، ومفارقته، والعزم على عدم العودة إليه، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. وفي الصحيح: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها». فلم ينزل بلاء إلا بالذنب، ولم يرفع إلا بتوبة، إلا أن يعفو الله. فنسأل الله أن يتوب علينا أجمعين وأن يصرف عنا كل بلاء وفتنة، إنه خير مسؤول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ .

стр. 205

تفضيل الشمال على اليمين في الإنصراف من الصلاة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . أما بعد: فقد ورد إليَّ سؤال لبعض الإخوة عن معنى قول شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب ﵀ في آداب المشي إلى الصلاة في سنن الصلاة الفعلية وتفضيل الشمال على اليمين في الانصراف من الصلاة قلت: أراد الشيخ ﵀ ما رواه الدارقطني في سننه (١/ ٣٥٦) حدثنا بدر بن الهيثم القاضي ويحيى بن محمد بن صاعد قالا: حدثنا أبو الفضل فضالة بن الفضل التميمي بالكوفة حدثنا أبو بكر ابن عياش عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر بن عمار بن ياسر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا سلم عن يمينه يُرى بياض خده الأيمن، وإذا سلم عن شماله يُرى بياض خده الأيمن والأيسر وكان تسليمه السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. إسناده قوي. وقد سبق شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في ذكر هذا الكلام غير واحد كالموفق في «المغني» حيث قال (٢/ ٢٤٧): ويكون التفاته في الثانية أوفى، ولكن هذه اللفظة منكرة وغير محفوظة وإليك الأدلة. فقد أخرج حديث عمار المذكور ابن ماجه رقم (٩١٦) من طريق يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش به ولفظه عن عمار قال: كان رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. ورواه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٦٨) من طريق يوسف بن عدي عن أبي بكر به ولفظه عن عمار أن النبي ﷺ كان يسلم في صلاته عن يمينه وعن

стр. 206

شماله. فقد اجتمع يحيى بن آدم ويوسف بن عدي على مخالفة فضالة بن الفضل وإليك ما قيل في الثلاثة: - يحيى بن آدم الأموي الكوفي روى له الجماعة قال ابن معين في رواية الدارمي: ثقة، وكذا قال النسائي وقال أبو حاتم: كان يتفقه وكان ثقة، وقال يعقوب: به شُبَه ثقة كثير الحديث فقيه البدن ووثقه ابن سعد وقال العجلي: كان ثقة جامعًا للعلم عاقلًا ثبتًا، وقال ابن حبان كان متقنًا يتفقه، وقال ابن شاهين في الثقات: قال يحيى بن أبي شيبة ثقة صدوق ثبت حجة ما لم يخالف من هو فوقه مثل وكيع. اهـ. من «التهذيب» وفي «التقريب»: ثقة حافظ فاضل روى له الجماعة. - ويوسف بن عدي التيمي الكوفي، قال أبو زرعة: ثقة وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبي في «سيره» الإمام الثقة الحافظ، وروى له البخاري. - وأما أبو الفضل فضالة بن الفضل التميمي قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما أخطأ روى له الترمذي وفي «التقريب»: صدوق ربما أخطأ. فتبين أن فضالة ﵀ دون أي واحد منهما فكيف إذا اجتمعا وخالفاه، وهما ثقتان حافظان أخرج البخاري لهما، وهو لم يخرج له صاحبا الصحيح. ثم يقال ثانيًا إن اللفظ المروي من طريق يحيى ويوسف هو الموافق للروايات الثابتة عن النبي ﷺ في صفة السلام من الصلاة كما في حديث سعد عند مسلم [٥٨٢]. وحديث ابن مسعود في «السنن» وأصله في مسلم مختصرًا وغيرهما من الأحاديث.

стр. 207

ثم يقال ثالثًا: قد أخرج حديث عمار المذكور الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٧١). قال: حدثنا ابن مرزوق حدثنا ابن وهب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة ابن مضرب، قال: كان عمار أميرًا علينا سنة لا يصلي صلاة إلا سلم عن يمينه وعن شماله (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) هكذا موقوف. وهذا اختلاف آخر على أبي إسحاق في رفع الحديث ووقفه (١) وفي تسمية شيخه. ولا شك أن شعبة أحفظ وأثبت من أبي بكر بن عياش فالقول ما قال شعبة. وعلى كلا التقديرين في رفع الحديث ووقفه ليس فيه هذا الحرف تفضيل الشمال على اليمين في التسليم؛ فلا يشرع هذا وليس بسنة .. ثم رأيت الحديث أخرجه البزار (٤/ ٢٣٢) عن فضالة بالإسناد نفسه ولفظه: كان يسلم عن يمينه وعن يساره في الصلاة، قال البزار: وهذا الحديث رواه شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن عمار موقوفًا ولا نعلم أحدًا قال عن صلة عن عمار إلا أبو بكر بن عياش. اهـ. تنبيه: أبدى بعض الفضلاء اعتذارًا عن رواية الدارقطني بقوله: لعل ذلك لأن المتورك في آخر صلاته يسهل عليه المبالغة في الالتفات على الشمال، ويشق عليه المبالغة في الالتفات على اليمين كذا قال وهو مع وجاهته، فهو مردود فالمقام توقيف ولا سبيل إلى الاستحسان كما قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». والله أعلم.

стр. 208

الجمع بين الصلاتين بعذر المطر "أحكام وفوائد" إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فقد اشتدت الحاجة إلى إبراز كلام أهل العلم في مسألة الجمع في الحضر لأجل المطر، وما ذلك إلا لكثرة الكلام في هذه المسألة وعدم معرفة السبيل السوي لدى كثير من الناس، والواجب على العلماء وطلاب العلم إظهار العلم للناس، إبراءً للذمة، وقيامًا بما أوجب الله من تبليغ دينه إلى الناس كافة. وقد جمعت كلامًا نفيسًا أغلبه لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة وما تعلق بها، أسأل الله أن ينفع به كل من رآه وأصل هذا الكلام هو حديث ابن عباس المخرج في الصحيحين وغيرهما ولفظه: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعًا والمغرب والعشاء جميعًا من غير خوف ولا سفر. وفي لفظ: ولا مطر، وفي لفظ: صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال شيخ الإسلام ﵀ (٢٤/ ٧٦): وبهذا استدل أحمد ﵀ على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع ليدفع الحرج الحاصل بدون الخوف والسفر والمطر فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها.

стр. 209

وقال ﵀ (٢٤/ ٨٤): فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب؛ بل إثبات منه لإنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر. وقال أيضًا (٢٤/ ٧٦): ومما يبين أن ابن عباس لم يرد الجمع للمطر - وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز - ما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد عن الزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاء رجل من بني تميم لا يفتر الصلاة الصلاة، فقال: أتعلمني السنة أمَّ لك؟ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته، ورواه مسلم من حديث عمران بن حُدير عن ابن شقيق قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت. ثم قال: الصلاة فسكت، ثم قال: لا أمَّ لك أتعلمنا الصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ ؟!. فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على ما فعله، فعلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ورأى أنه إن قطعه ونزل فاتت المصلحة، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي ﷺ كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تعرض كما قال: «أراد ألا يحرج أمته»، ومعلوم أن جمع النبي ﷺ بعرفة ومزدلفة لم يكن لخوف ولا مطر

стр. 210

ولا سفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه لسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة كما كان يقصر بها، ولجمع لما خرج من مكة إلى منى وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل يصلي كل صلاة ركعتين غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنُسُك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذٍ صار محرمًا، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة لم يكن لمطر ولا خوف ولا لخصوص النسك ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه في المدينة الذي رواه ابن عباس، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا. وقال ﵀ يرد على من زعم أن جمعه بالمدينة، كان صوريًا، قال (٢٤/ ٥٤): ومراعاة هذا من أصعب الأشياء وأشقها، فإنه يريد أن يبتدئ فيها إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات أو ثلاث من المغرب، ويريد مع ذلك ألا يطيلها، وإن كان بنية الإطالة تشرع في الوقت الذي يحتمل ذلك، وإذا دخل في الصلاة ثم بدا له أن يطيلها أو ينتظر أحدًا ليحصل الركوع والجماعة لم يشرع ذلك ويجتهد في أن يسلم قبل خروج الوقت، ومعلوم أن مراعاة هذا من أصعب الأشياء علمًا وعملًا، وهو يشغل قلب المصلي عن مقصود الصلاة والجمع شرع رخصة ودفعًا للحرج عن الأمة، فكيف لا يشرع إلا مع حرج شديد ومع ما ينقض مقصود الصلاة، فعلم أنه كان ﷺ إذا أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء، يفعل ذلك على الوجه الذي يحصل به التيسير ورفع الحرج له ولأمته ولا يلتزم أنه لا يسلم من الأولى إلا قبل خروج وقتها الخاص، وكيف يعلم ذلك المصلي في الصلاة وأخر وقت الظهر وأول وقت العصر إنما يعرف على سبيل التحديد بالظل، والمصلي في الصلاة لا يمكنه معرفة الظل! ولم

стр. 211

يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت، ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك، وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب، فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب، بل لابد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم معه أنه سلم قبل خروج الوقت، ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت، وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يراعيه بل ولا أصحابه، فهؤلاء لا يمكن الجمع عندهم على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون الجمع إلا في وقتين، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل، وكلا القولين ضعيف. والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا، والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع في مزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد تقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، كل هذا جائز؛ لأن أصل المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة، ففي عرفة ونحوها يكون جمع التقديم هو السنة، وكذلك جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد،

стр. 212

هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على وجهين. وقال الحبر البحر الحراني (٢٤/ ٨٠): وكيف يليق بابن عباس أن يقول فعل ذلك كي لا يحرج أمته والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يحتج على من أنكر عليه التأخير لو كان النبي ﷺ إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل (١)، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا. وإنما قصد ابن عباس جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره ... فعلم أن لفظ الجمع في عُرْفهِ وعادته إنما الجمع في وقت إحداهما، أما الجمع في الوقتين فلم يعلم أنه تكلم به، فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟ وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته، أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأل عنه إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه وإنما

стр. 213

وقعت الشبهة لبعضهم في المغرب خاصة وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان. وجواز تأخيرها ليس معلقًا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقًا إلى آخر الوقت، حتى يؤخر العشاء أيضًا، وهكذا فعل النبي ﷺ حين بيَّن أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح: «وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل كما قال: وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، فهذا الوقت المختص الذي بيَّنه بقوله وفعله، وقال «الوقت ما بين هذين»، ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به، ولو قال قائل: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرق، فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟ وأيضًا فقد ثبت هذا من غير طريق ابن عباس رواه الطحاوي (١). حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود وعمران بن موسى أنبأنا الربيع ابن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن ينظر في حال الأشناني (٢). وجمع المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان

стр. 214

إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر، قال البيهقي: رواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق وروى الشافعي في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني بالإسناد الثابت عن هشام بن عروة وسعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وإن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك. فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي ﷺ لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما إنه إذا جمع في السفر وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر، فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه

стр. 215

الله عن الأمة وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور. وقال تقي الدين حفيد المجد في موضع آخر (٢٥/ ٢٢٩): وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على أظهر القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك في أظهر قولي العلماء وهو قول مالك وأظهر القولين في مذهب أحمد. وقال أيضًا ص [٢٣٠] من الجزء نفسه: ولهذا كان الجمع المشروع للمطر هو جمع التقديم في وقت المغرب ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على الناس، وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون. وقال أيضًا: وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع. وقال تقي الدين (٢٤/ ٢٨): فأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإن نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل لحديث روي في ذلك (١)، قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا: يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع، يجوز عنده وعند مالك
следующие страницы →