← Фикх общий

Фикх общий · id 14368

نفح العبير

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (326 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يكن مع النبي ﷺ آلات حسابية يعرف بها الوقت، ولا موقت يعرف ذلك بالآلات الحسابية والمغرب إنما يعرف آخر وقتها بمغيب الشفق فيحتاج أن ينظر إلى جهة الغرب هل غرب الشفق الأحمر أو الأبيض والمصلي في الصلاة منهي عن مثل ذلك، وإذا كان يصلي في بيت أو فسطاط أو نحو ذلك مما يستره عن الغرب ويتعذر عليه في الصلاة النظر إلى المغرب، فلا يمكنه في هذه الحال أن يتحرى السلام في آخر وقت المغرب، بل لابد أن يسلم قبل خروج الوقت بزمن يعلم معه أنه سلم قبل خروج الوقت، ثم الثانية لا يمكنه على قولهم أن يشرع فيها حتى يعلم دخول الوقت، وذلك يحتاج إلى عمل وكلفة مما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يراعيه بل ولا أصحابه، فهؤلاء لا يمكن الجمع عندهم على قولهم في غالب الأوقات لغالب الناس إلا مع تفريق الفعل وأولئك لا يكون الجمع عندهم إلا مع اقتران الفعل وهؤلاء فهموا من الجمع اقتران الفعلين في وقت واحد أو وقتين وأولئك قالوا لا يكون الجمع إلا في وقتين، وذلك يحتاج إلى تفريق الفعل، وكلا القولين ضعيف. والسنة جاءت بأوسع من هذا وهذا ولم تكلف الناس لا هذا ولا هذا، والجمع جائز في الوقت المشترك فتارة يجمع في أول الوقت كما جمع بعرفة، وتارة يجمع في وقت الثانية كما جمع في مزدلفة، وفي بعض أسفاره، وتارة يجمع فيما بينهما في وسط الوقتين، وقد تقعان معًا في آخر وقت الأولى وقد يقعان معًا في أول وقت الثانية وقد تقع هذه في هذا وهذه في هذا، كل هذا جائز؛ لأن أصل المسألة أن الوقت عند الحاجة مشترك والتقديم والتوسط بحسب الحاجة والمصلحة، ففي عرفة ونحوها يكون جمع التقديم هو السنة، وكذلك جمع المطر السنة أن يجمع للمطر في وقت المغرب حتى اختلف مذهب أحمد،

стр. 212

هل يجوز أن يجمع للمطر في وقت الثانية؟ على وجهين. وقال الحبر البحر الحراني (٢٤/ ٨٠): وكيف يليق بابن عباس أن يقول فعل ذلك كي لا يحرج أمته والوقت المشهور هو أوسع وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يحتج على من أنكر عليه التأخير لو كان النبي ﷺ إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل (١)، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يغنيه عن هذا. وإنما قصد ابن عباس جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء ليبين أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة، ثم ابن عباس قد ثبت عنه في الصحيح أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر في السفر إذا كان على ظهر سيره ... فعلم أن لفظ الجمع في عُرْفهِ وعادته إنما الجمع في وقت إحداهما، أما الجمع في الوقتين فلم يعلم أنه تكلم به، فكيف يعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟ وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته، أتراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت؟ وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره حتى يسأل عنه إن هذا مما تواتر عند المسلمين وعلموا جوازه وإنما

стр. 213

وقعت الشبهة لبعضهم في المغرب خاصة وهؤلاء يجوزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان. وجواز تأخيرها ليس معلقًا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقًا إلى آخر الوقت، حتى يؤخر العشاء أيضًا، وهكذا فعل النبي ﷺ حين بيَّن أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح: «وقت المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل كما قال: وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، فهذا الوقت المختص الذي بيَّنه بقوله وفعله، وقال «الوقت ما بين هذين»، ليس له اختصاص بالجمع ولا تعلق به، ولو قال قائل: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرق، فلماذا يكون الإنسان من المطففين لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه؟ ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟ وأيضًا فقد ثبت هذا من غير طريق ابن عباس رواه الطحاوي (١). حدثنا ابن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود وعمران بن موسى أنبأنا الربيع ابن يحيى الأشناني حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن ينظر في حال الأشناني (٢). وجمع المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان

стр. 214

إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر جمع معهم في ليلة المطر، قال البيهقي: رواه العمري عن نافع فقال: قبل الشفق وروى الشافعي في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبد الله بن حبيب أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني بالإسناد الثابت عن هشام بن عروة وسعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة إذا كان المطر، وإن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معهم ولا ينكرون ذلك. فهذه الآثار تدل على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة زمن الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين أنكر ذلك، فعلم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدل على أن النبي ﷺ لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جمع لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جمع من غير خوف ولا مطر، كما إنه إذا جمع في السفر وجمع في المدينة كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر فقول ابن عباس جمع من غير كذا ولا كذا ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضًا، ولو لم ينقل أنه جمع بها فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بطريق الأولى، فيدل ذلك على الجمع للخوف والمطر وقد جمع بعرفة ومزدلفة من غير خوف ولا مطر، فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه

стр. 215

الله عن الأمة وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور. وقال تقي الدين حفيد المجد في موضع آخر (٢٥/ ٢٢٩): وكذلك يجمع بين الظهر والعصر على أظهر القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويجمع بينهما للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك في أظهر قولي العلماء وهو قول مالك وأظهر القولين في مذهب أحمد. وقال أيضًا ص [٢٣٠] من الجزء نفسه: ولهذا كان الجمع المشروع للمطر هو جمع التقديم في وقت المغرب ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق، بل هذا حرج عظيم على الناس، وإنما شرع الجمع لئلا يحرج المسلمون. وقال أيضًا: وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع. وقال تقي الدين (٢٤/ ٢٨): فأوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإن نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل لحديث روي في ذلك (١)، قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا: يعني إذا كان هناك شغل يبيح له ترك الجمعة والجماعة جاز له الجمع، يجوز عنده وعند مالك

стр. 216

وطائفة من أصحاب الشافعي الجمع للمرض ويجوز عند الثلاثة الجمع للمطر بين المغرب والعشاء، وفي صلاتي النهار نزاع بينهم، ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك، ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد (١). وسئل ﵀ (٢٤/ ٢٩) عن رجل يؤم قومًا وقد وقع المطر والثلج فأراد أن يصلي بهم المغرب، فقالوا له: يجمع، فقال: لا أفعل. فهل للمأمومين أن يصلوا في بيوتهم أم لا؟ فأجاب: الحمد الله، نعم يجوز الجمع للوحل الشديد والريح الشديدة الباردة في الليلة الظلماء ونحو ذلك وإن لم يكن المطر نازلًا في أصح قولي العلماء وذلك أولى من أن يصلوا في بيوتهم، بل ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة إذ السنة أن تصلي الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين والصلاة جمعًا في المسجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع كمالك والشافعي وأحمد، والله تعالى أعلم. وقال ﵀ ص [٥٠] من الجزء نفسه: والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعًا وقصرًا لم يكن يأمر أحدًا منهم بنية الجمع والقصر. وقال أيضًا ص [٥١]: والإمام أحمد لم ينقل عنه فيما أعلم أنه اشترط النية في جمع ولا قصر.

стр. 217

وقال ص [٥٤]: والصحيح أنه لا تشترط الموالاة بحال في وقت الأولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة. وقال ص [٥٢]: وقال أحمد: إذا صلى إحدى صلاتي الجمع في بيته والأخرى في المسجد فلا بأس وهذا نص منه على أن الجمع هو جمع في الوقت لا تشترط فيه المواصلة. انتهى كلامه ﵀. تم تحريره في غرة شعبان ١٤١٦هـ.

стр. 218

تخريج حديث أبي الدرداء في فضل الذكر حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى. قال: «ذكر الله». أخرجه الترمذي في «سننه» (٣٣٨٨): حدثنا الحُسين بن حُريث حدثنا الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد هو ابن أبي هند عن زياد مولى ابن عياش عن أبي بحرية عن أبي الدرداء به، ورواه مالك عن زياد قال: قال أبو الدرداء فوقفه وهو منقطع. وأخرجه ابن ماجه (٣٧٩٠) عن يعقوب بن حميد بن كاسب ثنا المغيرة بن عبد الرحمن وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٥) عن يحيى بن سعيد ومكي وعفان خمستهم عن عبد الله بن سعيد به. وأخرجه الحاكم (١/ ٤٩٦)، والبغوي (٥/ ١٥) وابن عبد البر في «التمهيد» (٦/ ٥٨)، قال الترمذي: وروى بعضهم عنه فأرسله. يعني عن عبد الله بن سعيد. ولم أقف على من أرسله ويكفي أن الذين رووه موصولًا فيهم القطان. وهذا إسناد صحيح عبد الله بن سعيد بن أبي هند قال عنه في «التهذيب»: قال أحمد في رواية أبي طالب: ثقة والدوري عن يحيى: ثقة، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وقال يحيى بن سعيد: كان صالحًا يعرف وينكر، وقال النسائي: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ضعيف، ولخص في «التقريب» الكلام عليه بقوله: صدوق

стр. 219

ربما وهم روى له الجماعة. وزياد مولى ابن عياش هو زياد بن أبي زياد مسيرة المخزومي وثقه النسائي وابن حبان وابن عبد البر وفي «التقريب»: ثقة روى له مسلم والترمذي وابن ماجه وأبو بحرية عبد الله بن قيس الكندي السكوني التراغمي وثقة يحيى وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات» ووثقه ابن عبد البر وفي «التقريب»: مخضرم ثقة روى له الأربعة. وقد استشكل في هذا الحديث تفضيل الذكر على الجهاد مع ما روي في الجهاد من الفضائل، وقد أجاب بعض أهل العلم عن هذا قال ابن القيم (ص٥٨) من الوابل: ..... وفي «الترمذي» عن النبي ﷺ عن الله أنه يقول: «إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه» وهذا الحديث هو فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد، فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد، والمجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى، فأفضل الذاكرين المجاهدون وأفضل المجاهدين الذاكرون ... إلخ. قال الحافظ في «الفتح» (١١/ ٢١٠): وأخرج الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعًا .. فذكره. قال: وقد أشرت إليه مستشكلًا في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد أنه كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر وغير ذلك مما يدل على أفضليته على غيره من الأعمال الصالحة وطريق الجمع والله أعلم أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلًا من غير استحضار لذلك، وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد،

стр. 220

فمن اتفق له جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه باستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلًا فهو الذي بلغ الغاية القصوى والعلم عند الله تعالى، وأجاب القاضي أبو بكر العربي بأنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلًا فليس عمله كاملًا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية ويشير إلى ذلك حديث: «نية المؤمن أبلغ من عمله» (١) اهـ. كلام الحافظ والله أعلم. وقال شيخنا ابن باز: الحديث جيد، ومعناه مثل ما قال: (إذا اجتمع ذكر اللسان والقلب فهو أفضل) (٢).

стр. 221

صلاة عائشة ﵂ في الحجرة النبوية مع وجود القبور الثلاثة وجواب ذلك أخرج البخاري (٣٥٦٧)، ومسلم (٦٣٩٩) (٧٥٠٩)، وأبو داود (٣٦٥٤)، والترمذي (٣٦٣٩)، وأحمد (٢٥٣٧٧)، وغيرهم من طريق عروة قال: قالت عائشة: (ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سُبحي ولو جلس حتى أقضي سبحي لرددت عليه أن رسول الله ﷺ لم يكن يرد الحديث كردكم) لفظ أحمد (٢٥٧٥٤)، ولفظ مسلم: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان أبو هريرة يحدث ويقول: اسمعي يا ربة الحجرة! اسمعي يا ربة الحجرة! اسمعي يا ربة الحجرة! وعائشة تصلي فلما قضت صلاتها قالت لعروة: (ألا تسمع إلى هذا ومقالته آنفًا؟ إنما كان النبي ﷺ يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه. والحديث صريح في صلاتها في الحجرة، وأما قول الحافظ على شرح «البخاري»: (وكنت أسبح أي أصلي النافلة) أو ظاهره أذكر الله والأول أوجه. اهـ. ولم يزد وهو غفلة عما عند مسلم، ولكل فارس كبوة، فقد أخرجه مسلم من طريق سفيان بن عيينه عن هشام به بلفظ الصلاة، وآخر كذلك من طريق ابن شهاب عن عروة بلفظ (السبحة)، وأخرجه أبو داود من طريق سفيان عن الزهري عن عروة بلفظ (الصلاة) فكأن لسفيان فيه شيخين. والمقصود أن عائشة كانت تصلي والحديث صريح في أن هذا بعد وفاة النبي ﷺ حيث قد حدثت عروة بهذا وعروة تابعي. فوقع الإشكال في الصلاة في الحجرة وفيها الأقبر الثلاثة، وقد أجيب عن

стр. 222

ذلك بوجوه: أن قبره ﷺ لما كان يقبر في مكانه الذي مات وهذا من خصائصه وكانت السكنى في الحجرة من قبل أزواجه حاجة ملحة، ولم ينقل أن النبي ﷺ نهاهن عن الصلاة في هذه الحجرة حجرة عائشة فيحتمل الخصوصية وهذا الوجه عندي فيه نظر. فقد صرح شيخ الإسلام في «الفتاوى» (١/ ٣٥٥): أنه لا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته، فإن بيته كانت الصلاة فيه مشروعة، وكان يجوز أن يكون مسجدًا، ولما دفن فيه حرم أن يتخذ مسجدًا. وقال ﵀ في «الفتاوى» (٢٧/ ٣٢٤) ففي حياة عائشة ﵂ كان الناس يدخلون عليها لسماع الحديث لاستفتائها وزيارتها من غير أن يكون إذا دخل أحد أن يذهب إلى القبر المكرم لا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك، بل ربما طلب بعض الناس منها أن تريه القبر فترياه إياهن ... ثم ذكر أثر سفيان التمَّار، ويأتي. ونقل عنه في «الصارم» نحوه (ص: ٣٩٦). وقال أيضًا: (٢٧/ ٣٢٨): فإنه في حياة عائشة ﵂ ما كان أحد يدخل إلا لأجلها، ولم تمكن أحد أن يفعل عند قبره شيئًا مما نهى عنه، وبعدها كانت مغلقة إلى أن أدخلت في المسجد فسد بابها وبني عليها حائط آخر. ونقل في «الصارم» عنه (ص: ٤٠٨) قوله: مع أن قبره حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك، ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها وكانت ناحية عن القبور لأن القبور في مقدم الحجرة وكانت هي في مؤخرة الحجرة، ولم يكن الصحابة يدخلون هناك. اهـ. ولقائل أن يقول: ما وجه سكنى عائشة للحجرة والنبي ﷺ لا يورث بل ما تركه صدقة، فلا حاجة للسكنى ولا للصلاة؟

стр. 223

والجواب عن الأول ما ذكره الحافظ في «الفتح» (٧/ ٦٦): على قولها ﵂: (ولأوثرنه اليوم على نفسي) قال الحافظ: استدل به وباستئذان عمر على أنها كانت تملك البيت وفيه نظر، بل الواقع أنها كانت منفعته بالسكنى فيه والإسكان ولا يورث عنها، وحكم أزواج النبي ﷺ كالمعتدات لإنهن لا يتزوجن بعده ﷺ وتقدم شيء من هذا في أواخر الجنائز وتقدم فيه وجه الجمع بين قول عائشة: ولأوثرنه على نفسي، وبين قولها لابن الزبير: (ادفني عندهم) باحتمال أن تكون ظنت أنه لم يبق هناك وسع ثم تبين لها إمكان ذلك بعد دفن عمر ويحتمل أن يكون مرادها بقولها: ولأوثرنه على نفسي، الإشارة إلى أنها لو أذنت في ذلك لامتنع عليها الدفن لمكان عمر لكونه أجنبيًا منها بخلاف أبيها وزوجها ولا يستلزم ذلك أن لا يكون في البيت سعة أم لا ولهذا كانت تقول بعد دفن عمر: لم أضع ثيابي منذ دفن عمر في بيتي. أخرجه (١) ابن سعد وغيره وروي عنها حديث لا يثبت أنها استأذنت النبي ﷺ إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه فقال لها وإني لك بذلك وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر وعيسى بن مريم، وفي أخبار المدينة من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب، قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى ﵇. اهـ. وقال الحافظ أيضًا ﵀ في (٣/ ٢٥٨) في «الجنائز»: على ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵄: أنها أوصت عبد الله بن الزبير ﵄: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكى به أبدًا. قال: أي لا يثنى عليّ بسببه ويجعل لي بذلك مزية وفضل وأنا في نفس الأمر يحتمل أن لا أكون كذلك، وهذا منها على سبيل التواضع وهضم النفس بخلاف قولها لعمر: أريده لنفسي

стр. 224

فكأن اجتهادها تغيَّر أو لما قالت ذلك لعمر كان قبل أن يقع لها ما وقع في قصة الجمل (١) فاستحيت بعد ذلك أن تدفن هناك، وقد قال عنها عمار بن ياسر وهو أحد من حاربها يومئذ إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة. اهـ. فهي تملك المنفعة بالسكنى فيه ولها في هذا الاختصاص ولما كانت المرأة تصلي في بيتها كانت عائشة ضرورة تصلي مع وجود القبور حتى لو لم يرد فيه شيء، ولعل وجه الجمع بين الصلاة مع وجود الأقبر أن عائشة اتخذت سترًا بينها وبين القبور يؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبي فديك أخبرني عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّةْ اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، قال أبو علي: يقال إن رسول الله ﷺ مقدم وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه رأسه عند رجلي رسول الله ﷺ . وأخرجه الحاكم (٣/ ٩٢) من طريق هشام بن سعد عن عمرو بن عثمان وأخرجه عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» (٣/ ١٦١) بسند أبي داود ومتنه سواء. وأخرجه البيهقي (٤/ ٣) في سننه من طريق ابن وهب عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به وجعل وصف القبور من قول القاسم (٢). والخبر فيه ضعف عمرو

стр. 225

ابن عثمان مستور، ولكن الشاهد في قول القاسم فكشفت لي جاء ما يعضده أن القبور مستورة بساتر إما جدار أو غيره. فقد أخرج ابن سعد (٢/ ٢٩٤) في «الطبقات»: حدثنا موسى بن داود سمعت مالك بن أنس يقول: قُسم بيت عائشة باثنين قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط، فكانت عائشة ربما دخلت حيث القبر فُضُلا (١) فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها. وموسى بن داود هو الضبي صدوق فقيه من رجال مسلم والسنن لكن الخبر منقطع بين مالك وعائشة، لكن له ما يشده. فقد روى ابن سعد في «الطبقات» (٣/ ٣٦٤) أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدني حدثني أبي عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية عن عائشة قالت: مازلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا فتفضلت بعد. قالا ووصف لنا قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وقبر عمر، وهذه القبور في سهوة (٢) في بيت عائشة. رواه بسنده ومتنه عمر بن شيبة في «أخبار المدينة» (٣/ ١٦٢). وإسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصحبي ابن أخت مالك خلاصة القول فيه أنه حسن الحديث، وقد أخرج البخاري له قليلًا ومسلم كذلك. وأبوه عبد الله بن عبد الله بن أويس ابن عم مالك وصهره على أخته حسن

стр. 226

الحديث، وشيخاه في الإسناد يحيى بن سعيد الأنصاري وعبد الله بن أبي بكر ثقتان شهيران مدنيان، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنية حدثت عن عائشة ثقة مشهورة، فالإسناد مدني جيد حسن. وقال الحاكم في «المستدرك» (٤/ ٦) رقم (٦٧٨١) ج ٥/ ٩ الجديد ط المعرفة، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كنت أدخل البيت الذي دفن معهما عمر، والله ما دخلت إلا وأنا مشدودة علىَّ ثيابي حياءً من عمر ﵁. وهذا إسناد صحيح شيخ الحاكم هو الأصم حافظ مشهور وأبو أسامة حماد بن أسامة ثقة ثبت، وروايته عن هشام في «الدواوين الستَّة». ولكن أثر عمرة عن عائشة أن الجدار لم يبن إلا بعد موت عمر، وأيضًا سبب البناء لعله تحفظها ثم لما بنت حصلت لها الراحة بالتفضل، ولم يكن لأجل الصلاة عند القبور إذ لو كان ذلك مرادها لبنت ذلك الجدار على قبره ﷺ بُعيد موته أو لم تُصلِّ في الحجرة وكلاهما وقع خلافه، ولم ينكر عليها من الصحابة منكر في الصلاة في الحجرة مع وجود القبور. وقد فتح الله بجواب قريب من الوجه الأول، وهو أن يقال لما كانت الصلاة عند القبور من الوسائل المفضية إلى الشرك أو الغلو في المقبور كان تحريم الصلاة عندها ونحو ذلك تحريم وسائل، وقد استقرت القاعدة الشرعية أن ما حرم لأنه وسيلة جاز للحاجة والمصلحة الراجحة. قال ابن القيم في «الهدي» (٣/ ٤٨٨): والشريعة لا تعطل المصلحة الراجحة لأجل المرجوحة ونظير هذا جواز لبس الحرير في الحرب والخيلاء فيها إذ مصلحة

стр. 227

ذلك أرجح من مفسدة لبسه .. إلى أن قال: ونظير هذا نهيه ﷺ عن الصلاة قبل طلوع الشمس وبعد العصر سدًا لذريعة التشبه بالكفار، وأباح ما فيه مصلحة راجحة من قضاء الفوائت وقضاء السنن، وصلاة الجنازة وتحية المسجد ولأن مصلحة فعلها أرجح من مفسدة النهي. اهـ (١). ولاشك أن احتياج عائشة للسكنى بالحجرة ظاهره مستقر واحتياجها للصلاة في البيت أظهر من ذلك مع ترغيب الشارع في صلاة المرأة في بيتها (٢) وتفضل ذلك على صلاتها في المسجد، وإذا انضم إلى هذا الوجه ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «أني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»، أخرجاه من حديث أبي الخير عن عقبة بن عامر ﵁ وقوله فيما أخرجه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» وقد فسر المصلون بالصحابة، وقيل غير ذلك. والصحيح العموم والصحابة أول الناس دخولًا في هذا الحديث، وعلى هذا تكون الصلاة في الحجرة مباحة لدعاء الحاجة لا للخصوصية لأجل القبر ولا لأجل عائشة بل للهيئة الحاصلة من الاحتياج للسكنى وكون النبي ﷺ يدفن حيث مات ولما تقدم من القاعدة الفقهية التي دلت عليها النصوص الصريحة الصحيحة، ونظير ذلك لو حبس شخص في مكان فيه قبر فلا مناص من الصلاة في ذلك المكان بل لو

стр. 228

احتاج إلى المكث في مكان فيه قبر جازت الصلاة فيه لما تقدم (١)، وقد ذكر شيخ الإسلام أمثلة للقاعدة المذكورة بعد أن قررها فقال: ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة كما يباح النظر إلى المخطوبة، والسفر بها إذا خيف ضياعها، كسفرها من دار الحرب، مثل سفر أم كلثوم، وكسفر عائشة لما تخلفت مع صفوان بن المعطل، فإنه لم ينه عنه إلا لأنه يفي إلى المفسدة فإذا كان مقتضيًا للمصلحة الراجحة لم يكن مفضيًا إلى المفسدة. وبكل حال، فإن النبي ﷺ قد علم أنه سيدفن حيث مات في حجرة عائشة، وقد علم مكثها في الحجرة فلم يقض بشيء ولم يأمر عائشة بالتحول عن الحجرة بعد موته أو ترك الصلاة فيها وهؤلاء أصحاب محمد ﷺ بعد وفاة نبيهم متوافرون يزورون عائشة في حجرتها بكرة وعشية ويعلمون صلاتها في الحجرة مع وجود القبر النبوي، وبعده قبر أبي بكر ثم دفن عمر، فلم يستنكروا شيئًا، مع حملهم راية الدين وتبليغ الشريعة ونشر التوحيد وإزالة كل آثار الشرك فيما طالته أيديهم ووطئتهم أقدامهم من البلاد في الجزيرة وغيرها فكيف يقرون شيئًا من ذلك في المدين النبوية؟! وقد رأى عمر أنسًا يصلي إلى القبر فقال: القبر القبر (٢). بل في مرض موته ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أبيائهم مساجد». فعلم أن مكث عائشة وصلاتها في الحجرة ليس سبيله من المنهي، ثم إن عائشة كانت تصلي مبتعدة عن القبور ولهذا تقدم قول شيخ الإسلام؛ ولكن كانت عائشة فيه لأنه

стр. 229

بيتها وكانت ناحيةً عن القبور؛ لأن القبور في مقدم الحجرة وكانت هي في مؤخرة الحجرة .. ثم رأيت شيخنا ابن باز ﵀ تعقب الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٢٤) وذلك عند قول الحافظ على أثر عمر ما نصّه: "أورد معه أثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة". فعلق شيخنا وعنه كتبت ما نصه: "ليس بجيد وقد يُقال القبر ليس كالمقبرة فلو تنحى وأتم فلا بأس" اهـ. هذا ما تحرر لي في هذه المسألة فإن أصبت فالحمد لله، وإن أخطأت فاستغفر الله وصلى الله وسلم على رسول الله (١). تم تحريره في ٢٩/ ٦/ ١٤٢١ هـ.

стр. 230

أحاديث التسوك بالأصابع ١ - قال أحمد ﵀: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا مختار عن أبي مطر قال: بينا نحن جلوس مع أمير المؤمنين علي في المسجد على باب الرحبة جاء رجل فقال: أرني وضوء رسول الله ﷺ ... وفيه وتمضمض ثلاثاً فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق .. وقال عليٌّ في آخره كذا كان وضوء رسول الله ﷺ . إسناده ضعيف مختار هو ابن نافع قال أبو زرعة واهي الحديث، وقال البخاري والنسائي وأبو حاتم منكر الحديث. ٢ - حديث آخر عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه يجزي من السواك الأصابع. أخرجه البيهقي. قال الشيخ ناصر: وعيسى بن شعيب هو البصري الضرير فيه ضعف، وقد اضطرب فيه فتارة رواه هكذا وتارة قال: حدثنا ابن المثنى عن النضر بن أنس عن أبيه به رواه البيهقي أيضًا وقال: تفرد عيسى بالإسنادين جميعًا والمحفوظ من حديث ابن المثنى ما أخبرنا ... ثم ساق سنده إلى عبد الله بن المثنى حدثني بعض أهل بيتي عن أنس بن مالك به نحوه ... وفيه مجهول. وقد سماه بعض الضعفاء من طريق أبي أمية الطرسوسي ثنا عبد الله به عمر الحمَّال حدثنا عبد الله به المثنى به.

стр. 231

قلت: وأبو أمية محمد بن إبراهيم قال الحاكم: كثير الوهم وشيخه عبد الله بن عمر الحمال الظاهر أنه الذي في «تاريخ بغداد» (١٠/ ٢٣) لم يذكر بجرح ولا تعديل. اهـ. ٣ - حديث آخر: روى الطبراني في «الأوسط» (٢/ ١٠٣) من طريق كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «الأصابع تجري مجرى السواك إذا لم يكن سواك» كثير متهم وأبوه مقبول. ٤ - حديث آخر: روى الطبراني في «الأوسط» من طريق الوليد بن مسلم ثنا عيسى ابن عبد الله الأنصاري عن عطاء عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله ﷺ ، الرجل يذهب فوه يستاك؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «يدخل أصابعه في فيه فيدلك». وعيسى بن عبد الله الأنصاري قال ابن حبان: لا ينبغي أن يحتج بما انفرد به، وذكره ابن عدي (٥/ ١٩٨٣) في «كامله» وذكر من منكراته هذا الحديث، وقال: وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. ومثله في «الميزان» (٣/ ٣١٦) و «اللسان» (٤/ ٤٠٠)، وضعفه الحافظ في «الدراية» ص [١٨]. والله أعلم (١).

стр. 232

حديث في فضل سورة العصر وقال الطبراني في «الأوسط» (البحرين) (٨/ ٢٧٢): حدثنا محمد بن هشام المُستملي، حدثنا عبيد الله بن عائشة ثنا حماد بن سلمة عن ثابت البُناني عن أبي مدينة الدارمي، وكانت له صحبة، قال: كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]، ثم يسلم أحدهما على الآخر .. قال في «المجمع» (١٠/ ٢٣٣): ورجاله رجال الصحيح. قلت: محمد بن هشام هو أبو جعفر الحافظ صاحب سليمان بن حرب من أكابر مشايخ الطبراني (كذا في «الشذرات») وفي «تاريخ الخطيب»: ثقة ذكره الدارقطني فقال: لا بأس به (٣/ ٣٦١). وعبيد الله بن عائشة هو عبيد الله بن محمد بن عائشة نسب إلى عائشة بنت طلحة ويقال له العائشي والعيشي؛ لأنه من ذريتها ثقة جواد رمي بالقدر ولم يثبت روى له الأربعة إلا ابن ماجه (كذا في «التقريب»). وحماد وثابت شهيران، وأبو مدينة الدارمي صحابي ترجمه في «الإصابة» وقال عبد الله بن حصن معروف بكنيته، وذكر له هذا الحديث (١)، وذكره في «التعجيل» كذلك والحديث عزاه السيوطي للبيهقي في «الشعب» ووجدته في «الشعب» نسخة دار الكتب العلمية (٦/ ٥٠١) من طريق يحيى بن أبي كثير عن حماد به، وقال البيهقي: (ورواه غيره عن حماد عن ثابت عن عتبة بن الغافر) كذا قال: كان الرجلان وأبو مدينة ضبطه ابن ماكولا بفتح الميم بعدها دال مكسورة. والله أعلم.

стр. 233

نَفْحُ العَبِيْر تَأليف أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع العتيبي قرئَ مِنْهُ على سماحة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن باز ﵀ مفتي عَام المملكة الْعَرَبيَّة السعودية سَابِقًا «الْجُزْء الرَّابِع» دَارُ الوَطَن للنَّشر

стр. 234

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فهذه أبحاث جمعتها لنفسي ولغيري وقد أودعتها في هذا الجزء، وأسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. المؤلف ٢٤/ ٤/ ١٤٢٦ هـ

стр. 235

من أحكام التعدد

стр. 236

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ .. أما بعد: فهذا ملخص نافع- إن شاء الله- في أحكام تهم الذي تزوج أكثر من زوجة، كتبته تيسيرًا على المعددين، وتقريبًا للفقه بين المسلمين بعد طلب بعض الفضلاء؛ لكثرة الجهل في أحكام القسم بين النساء عند الخلق، إلا من رحم الله، وقد انتقيته من كتب الحديث وشروحها، وكتب الفقه والنوازل والقواعد الفقهية والله أسأل أن يجعله طريقًا لنيل رضاه ومقربًا لجنات النعيم يوم لقاه. وصلى الله وسلم على رسول الله ﷺ . ١ - يجب العدل بين الزوجات: قال ربنا ﷻ : ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]. وقد روى أحمد والأربعة من طريق همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهَيك عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». قال أبو عيسى: وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى عن قتادة ورواه هشام الدستوائي عن قتادة قال: كان يقال ولا نعرف الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ. اهـ.

стр. 237

وفي «العلل الكبير» قال: حديث همام أشبه. اهـ. قلت: وهذا مصير من الترمذي إلى ترجيح المرفوع وهو الصواب إن شاء الله؛ فالحديث ثابت. والعدل الواجب هنا: في القسم والسكن والكسوة والنفقة، وهل العدل في الواجب من ذلك فقط، أم يشمل العدل في الواجب والمستحب والمباح؟ فعلى القول الأول: يجب العدل في الواجب من النفقة والملبس والمسكن فما فضل بعد ذلك من مال أو ملابس أو حلي أو سعة في مسكن فهذا كله لا ينافي العدل؛ لأن ما زاد نفل، والنفل فضل وهذا اختيار شيخنا ابن باز، ونص عليه أحمد رحمهما الله. انظر «المغني» (١/ ٢٤٢) وهو قول أكثر أهل العلم وجمهورهم ولهذا قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في «فتح الباري» على قول البخاري باب العدل بين النساء، وذكر الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]، قال ما نصه: أشار بذكر الآية إلى أن المنتهى فيها العدل بينهن من كل جهة وبالحديث إلى أن المراد بالعدل التسوية بينهن بما يليق بكل منهن فإذا وفى لكلَّ واحدة منهن كسوتها ونفقتها والإيواء إليها لم يضره ما زاد على ذلك من ميل قلب أو تبرع بتحفة. اهـ.

стр. 238

والقول الثاني: العدل واجب في كل ما يقدر عليه مما يجب عليه أو يستحب أو يباح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله صاحب الإنصاف وكذلك اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمهما الله. وقال بعض أهل العلم: التسوية في مثل هذا تشق فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج فسقوط وجوبه أقرب. وعدم العدل بين الزوجات من كبائر الذنوب ولهذا توعد عليه في الآخرة بسقوط شقه والجزاء من جنس العمل فلما مال في الدنيا عن العدل جاء بهذه الصفة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. وأما العدل في المحبة والجماع، فعامة العلماء على عدم وجوبه لأنه ليس في ملكه، ولهذا قال ابن القيم في «الهدي» (٥/ ١٥١): (لا تجب التسوية بين النساء في المحبة فإنها لا تملك وكانت عائشة ﵂ أحب نسائه ﷺ إليه وأخذ من هذا أنه لا تجب التسوية بينهن في الوطء لأنه مُوقف على المحبة والميل وهي بيد مقلب القلوب، وفي هذا تفصيل وهو أنه إن تركه لعدم الداعي إليه وعدم الانتشار فهو معذور وإن تركه مع الداعي إليه ولكن داعيه إلى الضرة أقوى فهذا مما يدخل تحت قدرته وملكه فإن أدى الواجب عليه منه لم يبق لها حق ولم يلزمه التسوية وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به) اهـ. وقد روى أبو داود والنسائي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه

стр. 239

فيعدل ثم يقول: «اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» ورواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله لم يذكر فيه عائشة وهو المحفوظ. والنبي ﷺ كان يحب عائشة أكثر من سائر أزواجه وهذا أمر مشهور عنه ﷺ ، وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص لما سأل النبي ﷺ : أي الناس أحب إليك؟ قال ﷺ : «عائشة»، قال: من الرجال قال ﷺ : «أبوها» الحديث، وبوب البخاري: باب حب الرجل بعض نسائه أفضل من بعض على حديث ابن عباس، والجماع تابع لشهوة النفس وانبعاثها ومحبتها. وحيث قلنا: لا يجب العدل في الجماع لكن يجب أن يعفها ويعاشرها بالمعروف، وكذلك لا يجب العدل في مقدمات الجماع من أنواع الاستمتاعات لكن يستحب ذلك، وروي عن بعض السلف أنه كان يعدل بين نسائه حتى في القُبل. ٢ - القسم يكون بين الزوجات يوم لهذه ويوم لتلك. فإن أحب أن يقسم يومين يومين أو ثلاثة ثلاثة فقيل: يجوز له ذلك، وقيل: بل لابد من رضاهن فيما زاد على اليوم وهذا أرجح لأن في العمل به إزالة الوحشة عنهن لقرب عهده بهن اللهم أن يكون للزوج غرض صحيح في الزيادة على اليوم لا يمكن إدراكه إلا بذلك فيجوز والحالة هذه بلا رضاهن.

стр. 240

٣ - القسم يكون للمريضة والحائض والنفساء، فلا يسقط حقهن في القسم لأجل ما عرض لها، وكذا يقسم لمن آلى منها أو ظاهر منها أو رتقاء أو محُرمة، وكذا يقسم لكتابية ومجنونة، إلا أن تكون غير مأمونة؛ لأنه لا يحصل الأنس بها ولا لها، وكذا يجب القسم على الزوج المريض والعنيِّن والمجنون إلا أن يكون غير مأمون لأنه لا يحصل منه أنس، وأصل المسألة أن النبي ﷺ يقول في مرضه: «أين أنا غدًا؟» [رواه البخاري]. ولأن القسم القصد منه السَّكن والأنس، وهو حاصل بالمبيت. ٤ - إذا مرضت إحدى زوجاته ولم يوجد لها متعهد أو ممرض واحتاجت لتعهد زوجها فإنه يمكث معها ويقي للباقيات بعد البرء، فإن ماتت تعذر القضاء لأنه إنما يحسب من نوبتها، وإذا تعذر القسم للمريضة من أجل كونها في المستشفى، فإنه لا يقسم لها ولا يقي لها بعد خروجها من المستشفى كسفرها في حاجتها بإذنه على القول الراجح. ٥ - القسم عماده بالليل، والنهار تبع له .. ولهذا قالت عائشة ﵄: (قبض رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي)، وإنما قبض النبي ﷺ نهارًا، والنهار يتبع الليلة الماضية، وأما من كان معاشه بالليل كالحارس ونحوه فقسمه يكون بالنهار.

стр. 241

٦ - الزوجة المغمى عليها يسقط حقها في القسم لتعذر حصوله لها ولا قضاء لها. ٧ - لا قسم للناشز ولا المطلقة الرجعية. ٨ - يجوز الدخول على نسائه نهارًا، والمكث قليلًا ولو في غير نوبتهن، ولهذا قال البخاري باب دخول الرجل على نسائه في اليوم، ثم أسند حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن ...). ولفظه عند أبي داود (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم في مكثه عندنا وكان قلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها (ولفظ البيهقي (٧/ ٣ ...) (يطوف علينا جميعًا فيقبل ويلمس ما دون الوقاع ..). وهذا الدخول للحاجة من دفع نفقة أو عيادة أو سؤال عن أمر يحتاج إلى معرفته أو زيارة لبعد عهده بها وكذلك للتأنيس والمباشرة والتقبيل من غير جماع. وهذا كما ترى لا ينافي العدل بل هو العدل، ولهذا قال ابن القيم في «الهدي» (٥/ ١٥٢) في حكمه ﷺ في قسم الابتداء والدوام بين الزوجات وذكر من فوائد حديث عائشة: (أن الرجل له أن يدخل على نسائه كلهن في يوم إحداهن ولكن لا يطؤها في غير نوبتها).

стр. 242

وأما الدخول ليلًا لغير صاحبة النوبة فقد صرح العلماء بتحريمه إلا لضرورة تستدعي ذلك كحريق ومرض مفاجئ، ونحو ذلك من الضرورات أو الحاجات الملحة. ٩ - يجوز للرجل جماع نسائه كلهن في ساعة واحدة ولو كان في نوبة إحداهن فقد روى البخاري من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس قال: كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن (إحدى عشرة) قال قتادة: قلت لأنس: أو كان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أُعْطِيَ قوة ثلاثين. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس (تسع نسوة). وبوب عليه البخاري: من طاف على نسائه في غسل واحد. وجاء نحوه عن عائشة قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا) أخرجه البخاري أيضًا. فمثل هذا جائز كما ثبت به الخبر عن النبي ﷺ ، فإذا كان هذا بإذن صاحبة النوبة أو كان عادة للإنسان أنه ربما وطئ نساءه كلهن في نوبة إحداهن، فلا بأس إذ لا جور في ذلك بل هو عدل، وقد كان هذا من عادة سيد الخلق ﷺ . فإن اغتسل بعد كل جماع فحسن وإن توضأ فلا بأس، وأقل الأحوال أن يغسل ذكره حتى لا تختلط المياه لاختلاف الأرحام.

стр. 243

١٠ - إذا تزوج البكر على الثيب- زوجته أو زوجاته السابقات- قطع الدور وأقام عند البكر سبعة أيام، ثم قسم وإذا تزوج ثيبًا على زوجته أو زوجاته السابقات قطع الدور وأقام عندها ثلاثة أيام ثم قسم، فإن أرادت الثيب الجديدة أن يمكث عندها سبعًا فلها ذلك إذا رضي الزوج، فإن سبَّع لها سبَّع لسائر زوجاته، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أنه قال: من السنة إذا تزوج الرجلُ البكرَ على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قسم. قال أبو قلابة الراوي عن أنس: لو شئت لقلت إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ . وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة أقام عندها ثلاثًا فأراد أن يخرج فأخذت بثوبه فقال لها: «إنه ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبَّعت لك، وإن سبَّعت لك سبَّعت لنسائي»، وإن شئت ثلَّثت ثم درت قالت: ثلِّث. اهـ. (من مجموع الألفاظ عند مسلم). ومعنى قوله: (ليس بكِ على أهلكِ هوان: يعني بأهلك نفسَه ﵊، ومعنى هوان أي: هون يريد أنك عزيزة وغالية ولكن هذا القسم هو الحق. وتخيير الزوج الثيب بين ثلاث وسبع ليس بواجب بل هو سنة ولا يجب على الزوج مشاورة البواقي فيما تختار الثيب الجديدة؛ لأن النبي ﷺ لم يشاور زوجاته في ذلك.

стр. 244

فإن قيل: لم زاد الثيب أربعة أيام وقضى البواقي سبعًا؟ قيل: هذا من العدل لأنه أخر حقهن وزاد الأولى أربعًا. فإن قيل: لما خص البكر بسبع والثيب بثلاث؟ قيل: الحكمة ظاهرة لوجهين. أولاً: قوة الرغبة في البكر غالبًا. (وفي هذا مراعاة الرجل). ثانيًا: استيحاش البكر من الرجال غالبًا فزيد في المدة للاستئناس. (وفي هذا مراعاة للمرأة). ١١ - وإذا تزوج بكرًا على بكر ويُتصور هذا لو عقد على بكر وتردد عليها من غير جماع ثم تزوج بكرًا أخرى فهل حكمه كحكم من تزوج بكرًا على ثيب؟ الجواب: نعم ويكون معنى قوله: تزوج البكر على الثيب من باب الأغلب مع أن هذه الصورة نادرة. ١٢ - تجب الموالاة في سبع البكر وثلاث للثيب ولو فرق لم تحسب أصلًا على القول الراجح. ١٣ - بعد انقضاء أيام البكر أو الثيب يدور على باقي نسائه وتصبح الجديدة آخرهن نوبة. ١٤ - إذا سافر بجديدة وقديمة بقرعة أو برضى البواقي تمم للجديدة حق العقد ثم قسم بينها وبين الأخرى.

стр. 245

١٥ - إذا أقام الزوج عند الثيب سبعًا فأقام بغير اختيارها في الأربع الزائدة فإنه يقضي للباقيات الأربعَ الزائدة فقط؛ لأن مكثه عندها بغير رضاها فلم تؤاخذ به. ١٦ - وإذا تزوج بكرين في عقد واحد كما لو عقد له رجل على ابنته وابنة أخيه (ابنتي عم) فإنه يقرع بينهما فإذا خرجت قرعة إحداهن مكث عندها سبعًا ثم الأخرى سبعًا، وإن تقدم إحداهما على الأخرى فزفت إليه قبلًا فهي المقدمة بلا قرعة. ١٧ - إذا تزوج امرأة بكرًا أو ثيبًا وليس عنده غيرها، فلا يتعين عليه التسبيع أو التثليث؛ لأنه لم ينكحها على غيرها، وهي طِلق له دهرها، فلم تقع المشاحة في الزمن حتى يلزمه التسبيع أو التثليث على القول الراجح. ١٨ - لو تزوج وهو في سفر ومعه بعض نسائه قسم للجديدة ثلاثًا أو سبعًا (بحسب حالتها) ثم عدل بينها وبين المستصحبات في السفر. ١٩ - إذا سافر الزوج بنسائه كلهن أو بدونهن فلا إشكال، وكذا إذا سافر بواحدة أو أكثر، وترك البعض ورضي المقيمات بذلك فلا إشكال أيضًا، فإن أبين فلابد من القرعة، فمن خرجت قرعتها سافر بها سواء في يومها أو في يوم غيرها، وإذا عاد من سفره قسم لهن ولم يقض للمقيمات.

стр. 246

ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) قال ابن القيم في «الهدي» (٥/ ١٥١): (إذا أراد السفر لم يجز أن يسافر بإحداهن إلا بقرعة)، وقال: (إنه لا يقضي للبواقي إذا قدم، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يقضي للبواقي) اهـ. أما إذا خرج بدون قرعة بإحداهن أو بعضهن فإنه إذا قدم يقضي للبواقي حقهن متواليًا ويحسب عليه مدة غيابه بما فيها الذهاب والإياب، وقولنا: (يقضي حقهن متواليًا) لأن هذا الحق مجتمعًا في ذمته فليقضه من غير تأخير ومن ضرورة ذلك التوالي، ولا يسقط عليهن إلا بإذنهن. قال في «الإنصاف»: إذا رضي الزوجات بسفر واحدة معه، فإنه يجوز بلا قرعة نعم إذا لم يرض الزوج بها وأراد غيرها أقرع. اهـ. قلت: فإن خرج سهم التي لم يردها أولًا لزمه السفر بها. ٢٠ - إذا سافر بزوجتين بقرعة عدل بينهما فإن ظلم إحداهما قضى لها بالسفر فإن لم يتفق قضى في الحضر من نوبة التي ظلمها بها. ٢١ - لو اصطحب واحدة بقرعة وأخرى بلا قرعة عدل بينهما أيضًا ثم إذا رجع قضى للمخلفة من نوبة المستصحبة بلا قرعة. ٢٢ - إذا سافر الزوج بامرأة لحاجتها فإنه يقضي للبواقي.

стр. 247

٢٣ - إذا سافرت الزوجة في حاجة لها ولزوجها جميعًا فلا يسقط حقها في القسم فيقضي لها إذا عادت وضم حاجتها إلى حاجته لا يضرها. ٢٤ - إذا خرجت القرعة لإحداهن في السفر لم يجز السفر بغيرها، فإن أبت صاحبة القرعة فله إكراهها على السفر معه، فإن أبت فهي ناشز عاصية وللزوج استئناف القرعة مرة أخرى. ٢٥ - من لا يمكن اصطحابها في السفر لمرض أو نحوه فإنه يخرج بالأخرى فإن كن أكثر من اثنتين أقرع بينهن؛ لأن القرعة إنما تكون مع استواء حالهن وصلاحيتهن للسفر وهذه قاعدة القرعة. ٢٦ - إذا سافرت المرأة في حاجة لها بإذن زوجها فلا قسم لها، فإذا عادت لا يقضي لها على القول الراجح، وإذنه لها لدفع الإثم عنها، وأما إذا سافرت في حاجة له أي للزوج بإذنه، فإنه يقضي لها إذا عادت وأما إذا سافرت في حاجة لها بلا إذن الزوج فهي عاصية ناشز لا قسم لها ولا نفقة. ٢٧ - لو سافر ببعض نسائه بقرعة فأراد إبقاء إحداهن أو بعضهن في بعض المنازل في السفر فبالقرعة. ٢٨ - لو خرج مسافرًا وحده ثم نكح في سفره لم يلزمه القضاء للباقيات؛ لأنه تجدد حقها في وقت لم يكن عليه تسوية؛ وإن خرج لأجل النكاح احتسب عليه مدة الغياب بعد حق المنكوحة.

стр. 248

٢٩ - إذا سافر بإحدى زوجاته بقرعة إلى محل ثم بدا له غيره أو أبعد منه فله أن يصحبها معه لأن حكمه حكم سفر القرعة. ٣٠ - إذا تزوج امرأة وأراد السفر بها لم يجز إلا بقرعة بينها وبين نسائه ويحتمل أن له السفر بلا قرعة، ووجه ذلك أن القسم قسمان ابتدائي واستمراري وهذه الجديدة قسمتها ابتدائي بنص الحديث تستحقه بلا قرعة، وشرط القرعة تساوي جهات الاستحقاق وهذه لها البداءة، كما لو تزوجها ومكث أيامًا ثم سافر بها قبل انقضاء حق العقد فلم يحتج إلى القرعة، فكذا في مسألتنا ويتداخل حق العقد مع حق السفر فإن قدم من سفره قبل مضي مدة ينقضي بها حق العقد أتمه في الحضر. ٣١ - للمرأة أن تهب ليلتها لإحدى ضراتها فإن لم يقبل الزوج فإنه يقسم للواهبة ويرد هبتها، وإن قبل فلا يجوز للزوج جعلها لغير الموهوبة وإن وهبتها للزوج فله جعلها لمن شاء منهن، وفي حال هبتها لضرتها إذا كانت ليلة الواهبة تلي الموهوبة قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها، فهل له نقلها إلى مجاورتها؟ الصحيح عدم الجواز إلا بإذن البواقي؛ لأن في ذلك تأخير حق غيرها، وتغيير لليلتها بغير رضاها، (وهو اختيار صاحب المعني) وللزوج إن وهبته إحدى نسائه ليلتها له أن يجعلها مرة لإحدى نسائه ومرة لأخرى، أو يجعله مشاعًا بينهن ومعنى مشاعًا بينهن أن وجود الواهبة كعدمها فيبقى القسم للأخريات بينهن.

стр. 249

وأصل المسألة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة. وللواهبة أن ترجع متى شاءت في المستقبل دون الماضي؛ لأن الأيام تتجدد فهي هبة في شيء لم يقبض، فحقها يتجدد أما الماضي فقد قبض ولا رجعة لها فيه. وقولنا (للواهبة أن ترجع متى شاءت) هذا ما لم يكن صلحًا بينهما كما لو كره الزوج المقام معها أو عجز عن حقوقها أو بعض حقوقها، فخيرها بين الطلاق وبين المقام معه، على أن لا حق لها في القسم والوطء والنفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يتفقان عليه، فإن رضيت بذلك لزم وليس لها المطالبة بعد الرضى، وليس لها الرجوع بعد ذلك؛ فإن هذا الصلح جرى مجرى المعاوضة وهذا هو الصواب الذي لا يسوغ غيره. اهـ. انظر: «زاد المعاد» (٥/ ١٥٣). ٣٢ - لو وهبت نوبتها لامرأة معينة وأذن الزوج وأبت الموهوبة فيقسم للموهوبة ولا يشترط رضاها. ٣٣ - إذا شق القسم على الزوج المريض فإنه يستأذن زوجاته في المكث عند إحداهن كما فعل النبي ﷺ فإذا أذنَّ له مكث عند إحداهن فإذا أبين إلا أن يدور أو تشاححنَّ ولم يكن به قدرة على الدوران فإنه يقرع فأيتهن خرج سهمها مكث عندها؛ وعلم مما تقدم أنه إذا كان مرضه لا يمنعه من القسم فيجب عليه القسم.

стр. 250

٣٤ - القسم في أثناء السفر في النزول والمسايرة في الطريق. ٣٥ - إذا رغبت المريضة والنفساء ونحوهن في تأخير قسمهن ثم القضاء بعد متواليًا لم يجز إلى برضى الزوج وإذن سائر نسائه. ٣٦ - من كان له امرأتان في بلدين فعليه العدل بينهما لأنه اختار المباعدة بينهما فلا يسقط حقهما، فإما أن يمضي إلى الغائبة في أيامها وإما أن يقدمها إليه فإن امتنعت من القدوم مع الإمكان فهي ناشز لا حق لها في القسم، وإن أحب أن يقسم بينهما في بلديهما ولم يمكن القسم ليلة ليلة جعل القسم على حسب ما يمكن كشهر أو أكثر أو أقل. ٣٧ - يجوز للمرأة أن تبذل قسمها لزوجها بمال فتعاوضه على ليلتها على القول الراجح، وأما بذلها مالًا لزوجها ليزيدها في القسم على حساب ضراتها فحرام لأنه رشوة. ٣٨ - من أتاها زوجها ليبيت عندها فأغلقت بابها دونه ومنعته من الاستمتاع، أو قالت: لا تدخل علىَّ فهي ناشز لا قسم لها. ٣٩ - تجزي أضحية واحدة عن الرجل ونسائه؛ ولهذا ضحى النبي ﷺ بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته وأما الهدايا في الحج فعلى كل واحدة هدي إذا تمتعت أو قرنت.
следующие страницы →