Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا.
وعند محاكمة تلك الاستنباطات إلى هذه الشروط نجدها تتوافق مع المنقول من تفسيرات الصحابة دون توافقها مع المنقول من التفاسير الباطنية المنقولة عن الشيعة أو الإسماعيلية أو بعض المتصوفة.
وبمعنى آخر: إنَّ طريق الوصول إلى الباطن في تفسير الصحابة والتابعين يكون من خلال الظاهر عن طريق دلالة التمثيل، أو دلالة الإيحاء، أو دلالات اللغة، أو المقام، أو السياق بحيث يظهر للمطلع عليه تناسبٌ بين الظاهر والباطن الذي آل إليه.
بخلاف التأويل عند الباطنية الذي لا يُتَوَصَّل إليه من خلال الظاهر، بل من خلال الإمام المعصوم أو الولي المكاشف، ولذلك لا تناسب بين الظاهر والباطن الذي آل إليه ألبتة!
ولكن هذا لا يعني عدم وجود تفسيرات إشارية عند هؤلاء هي من جنس ما عند الصحابة، فهذا قد يوجد كما يوجد عند غيرهم، لكن الشأن فيما هو من خصائص تفسيرهم الذي لا وجود له عند الصحابة، فهذا النوع يحكم ببطلانه.
ومن أمثلة التفسير الإشاري عند الصحابة، ما ورد عن ابن عباس، قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: «إنه ممن قد علمتم» قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ٢﴾ [النصر: ١ - ٢] حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك
стр. 107
تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، قال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تعلم)»، [رواه البخاري: (٤٢٩٤)].
ومن أمثلته: الربط بين فهم القرآن وطهارة القلوب في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال البخاري (ت: ٢٥٦) ﵁: «﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن»، [صحيح البخاري: (٩/ ١٥٥)].
ففهم البخاري (ت: ٢٥٦) من إشارة الآية، أنَّه «لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه. فتأمَّل هذا النسب القريب وعقدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباطَ هذه المعاني كلِّها من الآية بأحسن وجه وأبينه»، [أعلام الموقعين عن رب العالمين: (١/ ٤٥١)].
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): « .. فهذا من نوع القياس فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة.
وهذا ينقسم إلى: صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك.
فمن سمع قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وقال: إنه اللوح المحفوظ، أو المصحف فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين = كان هذا معنى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف»، [مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٤٢)].
стр. 108
ما المراد بالأحرف المقطعة، وما قصة تفسير القرآن بالآرامية؟
الأحرف المقطعة: أحرف هجائية (لا معنى لها، ومغزاها تحدي العرب)، وإخبارهم أن القرآن مؤلف من جنس هذه الحروف، ولها هدف آخر، وهو: (التَّشويق وإثارة الانتباه).
والقرآن أَنزله الله بلسان عربي مبين، وظل العلماء يفسرونه عبر مقتضى لغة العرب جيلًا بعد جيل، حتى طل علينا في هذه العصور من يزعم أن القرآن لا يفسر إلا عبر لغة أخرى هي: الآرامية، وهي إحدى اللغات السامية، والتي كانت منتشرة في فترة قديمة.
وهذا الزعم، يقتضي عدة أمور، تدعونا عند تأملها إلى الانتهاء إلى بطلانها، ومن مقتضياتها:
١ - أنَّ النبيَّ ﷺ وصحابته لم يفهموا القرآن على وجهه، ولا عقلوا مراد الله تعالى منه، ومن باب أولى من جاء بعدهم من المسلمين.
٢ - أنَّ هذا التراث الإسلامي الضخم من تفسير وفقه وحديث وأصول وغيرها كله لا قيمة له! أو على الأقل هو محل الشك والارتياب لأن أصحابه
стр. 109
الذين أنتجوه واعتمدوا في أكثره على القرآن الكريم لم يفهموا مراد الله ولا عرفوا مقصوده، فكيف لهم أن يستنبطوا منه هذه الأحكام والمسائل وهم لم يعرفوا الآرامية، وهي الشرط عند أصحاب هذا الزعم لفهم القرآن؟ وكيف سنثق بتراثنا الفقهي المبني على الكتاب والسنةِ إذا كان أعلامُهُ لم يفهموا كلام الله؛ لأننا نعرفُ أن أكثرهم لم يدرس الآرامية ولم يشتغل بها.
٣ - ويقتضي هذا الزعمُ أن دارس الآرامية يفهم القرآن أكثر من دارس العربية المختص بها! وعندئذٍ لا معنى لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]!! ولا معنى لأحد عشر آيةً نصتْ على عربية القرآن! بل يصدقُ عليه حينئذٍ أنه قرآن آراميٌّ غير ذي عوج!
٤ - ويقتضي هذا الزعم أن نتحير في التعامل مع حديث النَّبي ﷺ ، فما الذي سنفعله بالحديث النبويِّ الذي جاء بذات الألفاظ الموجودة في القرآن، هل سنزعمُ أيضًا أنه ذو جذور آرامية ونفسره على هذه الوجه؟ أم سنجري الحديث النبوي على مقتضى العربية ونقتصر في التفسير الآرامي على القرآن الكريم فيكون لدينا معنيان متعارضانِ للفظِ الواحدِ؟ الحور العين مثلًا في الحديث النبوي هل هي العنب كذلك كما يزعمه أصحابُ المدخل الآرامي؟ وهل نتكلف تفسيرها بهذا؟ وماذا عن قوله ﷺ : (له سبعون من الحور العين)؟ هل هي سبعون حبة عنب؟ أم سبعون عنقودًا؟ أم سبعون جفنة؟ وإذا كانت سبعين عنبة .. فماذا عمن نُصَّ أنَّ له اثنتين من الحور العين؟ هل سيكون نصيبه في الجنة عنبتينِ مثلًا؟ وهل هذا غايةُ نعيمه؟! وكيف نصنع بقوله ﷺ : (زوجتان من الحور العين)، زوجتانِ من العنب مثلًا؟ وقوله في صفة الحور العين: (ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)، والنصيف الخمار، كيف نفهمه؟ وهل تلبس العنبةُ خمارًا ثم يكون خمارها خيرًا من الدنيا وما فيها؟
стр. 110
هكذا يذهب بنا المدخل الآرامي إلى حالة من التشظي والتفكك بين الوحيين، أو حالة من التكلف المعيب الذي لا يقبله عقل ولا منطق.
هذه كلها مقتضياتٌ مباشرةٌ، ولوازم عقلية لا فكاكَ منها، فإذا أضفتَ إلى ذلك إمكانيةَ أن يكون مدخلًا كما أسلفنا للطعنِ والتشكيك في كتابِ الله فإنَّ الأمر يعظُمُ عندك ويكبُرُ.
ويمكن الرجوع لسلاسل د. سامي عامري، في بيان تلك المسألة، وهي بعنوان: (سلسلة: شبهة القراءة السريانية للقرآن .. تزييف التاريخ وتحريف اللغة)، (شبهات وسائل التواصل حول الإسلام ومقدساته).
ومقال الدكتور عادل بانعمة: (القرآن الكريم والمدخل الآرامي، تعليقات حول تفسير القرآنِ العربيّ بمقتضى اللغةِ الآرامية)، ومقال: (نقد دعوى تفسير القرآن باللغة الآرامية، ردود متفرقة في مكان واحد).
стр. 111
لماذا أتدبر القرآن، وما الطريق إليه؟
إنَّ الله يقول جوابًا عن مثل هذا السؤال، ببيان عام للناس جميعًا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
إنَّنا نريد من القرآن = الحياة!
فلا حياة للقلب، ولا سلامة له بغير الإقبال على هذا الكتاب المجيد، إنَّ للمسلم أوصافًا يستمدها بحسب تعلقه بالقرآن، فله من المجد، والحفظ، والرحمة، والهدى، والذكر، بحسب تعلقه بالقرآن تلاوة وفهمًا وعملًا، وقد وعد ربنا الأكرم من أقبل على كتابه تعرضًا لنفحاته بالكرم الجزيل، والأجر العميم.
ففي القرآن الشفاء من الأدواء القلبية المهلكة في العاجل والآجل، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
وفي التعلق بالقرآن يجد الإنسان البصيرة التي هي النور الذي يبصر به مواضع قدمه، ومن يضلل الله فما له من هاد، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].
стр. 112
وفي القرآن يحصل القارئ السكينة التي تنزل على القلب بردًا وسلامًا، لتطفئ النار التي تشتعل، لأنه يرى في القرآن مصارع الظالمين، وإن طال الزمان، ومهلكهم الذي جعل الله له موعدًا.
إنَّه لا يحدثك عن القرآن وما يفعله في النفوس، مثل القرآن، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢].
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩].
أما التدبر، فهو تجربة تخوضها، ونعيم تتذوقه، ومهما أخبرت عنه، فلا بد أن تحياه بنفسك، إنه يبدأ من معرفة مراد الله تعالى بكلامه، بفهم الكلام أولا، وبتثوير هذه المعاني.
إنَّ القرآن كالتمرة كلما زدتها مضغا أعطتك حلاوة، والقرآن يحلو كلما كررته، ولذا ينبغي عليك أن تزيد تكراره، فإنَّ عجائبه لا تنقضي، ولا يخلق على كثرة الرد.
ليس للتدبر دروب وعرة، ولا مسالك موحشة، لأن الله يسر القرآن للناس يأخذ كل منهم بمقدار استعداده، لكن أحدًا لا يجالس القرآن إلا خرج منه بشيء، ولا تزال تخرج بالشيء تلو الشيء حتى تقف على ما يدهش الألباب، ويأخذ بالنفوس.
افهم المعنى، وكرر الآية، ولا تستعجل، بل ازدد في الفهم، وابحث بصدق عن دواء دائك، وشفاء نفسك = فإنك لاقيه.
стр. 113
وآفة كثير من الناس انشغالهم بالحديث حول التدبر عن التدبر نفسه، فانشغلوا بالوسيلة عن الغاية، وببنيات الطريق عن واضحاته.
أقبل على القرآن متأملًا، وباحثًا عن مرادك، وتلمسه = تجده.
إنَّ في القرآن الكفاية، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، اللهم اكفنا بالقرآن، ولا تسلبنا نعمته، واجعل لنا حظا منه!
ولمن يحب الخطوات العملية:
١ - لا بد من تهيئة نفسك لتدبر القرآن، وذلك بمحبة القرآن، وتعظيمه، واستشعار الافتقار لهداياته.
٢ - كن مع القرآن دائمًا، تلاوة، واستماعًا، وبحثًا عن الأسئلة التي تدور في ذهنك فيه.
٣ - افهم المعنى من كتب التفسير، فشرط التدبر فهم المعنى.
٤ - استعن بالكتب التي تعينك على إدراك بعض اللطائف الموجودة في الآيات.
٥ - لا تمل من إعادة وتكرار التلاوة مرة بعد أخرى.
ويمكن للمتدبر أن يحدد موضوعًا، ويفتش عنه في القرآن، أو يبحث عن هداية القرآن في مسألة، أو قضية، وسيجد خيرًا عظيمًا.
стр. 114
هل التدبر خاص بالآيات التي تتكلم عن الدار الآخرة، وهل يمكن أن يتدبر الإنسان آيات الأحكام؟
اعلم - نفعك الله بما تعلم - أنَّ القرآن نور كله، وهداية كله، ورحمة كله، وهو كتاب عظيم في حديثه عن الله، واليوم الآخر، وفي حديثه عن التشريع.
وليس التدبر أن تدمع عينك، وأن يحضر قلبك عند آيات الآخرة فحسب، بل إنَّ حضور القلب، وانفعال الجوارح بالعمل بأحكام الله وشرائعه، باب عظيم من أبواب التدبر، من وَلَجه نال خيري الدنيا والآخرة.
وتأمل - مثلًا - ختام آيات المواريث، والآيات الأولى من سورة النساء، تأمل خواتيم الآيات بالعظات الباهرات، والآيات النيرات على عظمة هذا الدين.
تأمَّل آية الميراث الأولى، وختامها بقوله سبحانه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، وتأمَّل في أولئك الذين يتفننون في منع هذا أو ذاك من الميراث الذي جعله الله حقًّا له.
стр. 115
بل تأمَّل في آية هجر النساء بعد الوعظ، ثم يأتي الضرب في مرتبة متأخرة عنهما، وتختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، عليٌ على من طغى وجاوز الحد مطلع عليه، كبير لا يرضى أن تُظلم المرأة ولا أن تضرب ضربًا مؤذيًا لها، وتأمل في الآية التي تليها، وختمه لها باسمي العليم الخبير!
إنَّ القرآن عظيم في كل تفاصيله، جليل في كل مفرداته، يحتاج إلى إقبال وفهم، مع إيمان وحسن تلقٍ، فإذا حصل ذلك أثمرت شجرة الإيمان في القلب، وآتت أُكْلَها بإذن ربها، وصار أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وهذا غيضٌ من فيضٍ، وقطرةٌ من بحرِ العظمة في آيات الأحكام، وحسن نظمها وجلاله.
стр. 116
كيف أحب القرآن؟
بالإقبال عليه!
لا بد من القرب من القرآن بإزالة العوائق بينك وبينه، ولتتحايل على نفسك بالاستعانة بمشوقات القلب لكلام الرب.
القرآن نور، وهدى، ورحمة، وموعظة.
القرآن حياة.
القرآن الروح التي تغذي الأرواح، فالأرواح دون القرآن في شقاءٍ وتعبٍ، ونكدٍ، وهمٍّ، بل هي فاقدة للحياة.
ولا يحدثك عن القرآن مثل القرآن = فأقبل عليه.
اسمع القرآن من قارئ تحب صوته.
واجتهد في الدعاء أن يجعل الله القرآن ربيع قلبك.
واستعن بما يعينك على الإقبال على القرآن دون الاستغراق في ذلك، فاقرأ: (الطريق إلى القرآن، والمشوق إلى القرآن)، واسمع محاضرات الشيخ فريد الأنصاري عن القرآن.
стр. 117
وأول طريق التصالح مع القرآن أن تتحايل على نفسك بالإكثار من تلاوة القرآن، تلاوة لا كالتلاوات السابقة، تلاوة لا تنتظر فيها موعدًا، تلاوة لا تنشغل فيها بغير القرآن، إنَّ القرآن كتاب عزيز لا بد أن تُعطِيه أنْفَس ما تملك من أوقات، فأقبل عليه وإياك أن تبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه!
إنَّ القرآن لهو بحق مشروع العمر، وبرنامج العبد في سيره إلى الله حتى يلقى الله!
وما كان تنجيم القرآن، وتصريف آياته على مدى ثلاث وعشرين سنةً، إلا خدمةً لهذا المقصد الرباني الحكيم!
إنَّ نور القرآن لا يمتد شعاعه إلى الآخرين؛ إلا باشتعال قلب حامل كلماته، وتوهجه بحقائقه الإيمانية الملتهبة!
стр. 118
ما فائدة التعرض المتكرر للقرآن؟
القرآن .. كالبحر من أي النواحي أتيته!
لو أنزله الرحمن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله.
ولا شك أنَّ التلاوة (اليومية) للقرآن تعطي القلب زادًا إيمانيًّا يجعل القلب في جاهزية مستمرة لتلقي حقائق الوحي نورًا يبدد الظلمات والران من القلب.
ففي التَّعرض المتكرر للقرآن فائدة عظيمة، لأنه يصادف أحوال القلب المختلفة.
فإذا صادف حال البلاء، أو النعمة، أو المرض، أو العافية، أو الغنى، أو الفقر، أو الخوف، أو الأمن، أو التفكر في الآخرة، أو البعد عنها .. إلى آخره؛ ووافقت قراءة التالي أو استماعه موضعًا من كتاب الله يتكلم عن تلك الحالة، أحدث ما لا يمكن وصفه!
إنَّ الارتباط بالقرآن يعطيك تميزًا عن بقية الخلق، لأن ارتباطك به يجعلك من أهل الله! كما قال رسول الله ﷺ : «أهل القرآن هم أهل الله، وخاصته» [رواه أحمد: (١٢٢٧٩)، والدارمي: (٣٣٦٩)، وابن ماجة: (٢١٥)، وإسناده حسن].
стр. 119
(أولئك أهل الله والصفوة الملا)
ومن المعلوم، أن الارتباط لا بد أن يكون عبر فهم القرآن والعمل به، وهما مقصود إنزاله للخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤﴾ [النحل: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ١١٣﴾ [طه: ١١٣].
وقد قال عزوجل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ٩١ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ٩٢﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].
стр. 120
هل من دلالة على ما يمكن تتبعه وتدبره في القرآن؟
كثيرةٌ هي المشاريع القرآنية التي يمكن تتبعها وتدبرها، والانتفاع بالقرآن من خلالها، غير أني أنبهك على بعض المشاريع التي يمكن أن يجد فيها مريدٌ بُغيته.
١ - ومن المشاريع: (مشروع المضغ).
قال بشر بن السري: «إنَّما الآية مثل التَّمرة كلما مضَغْتَها استَخرْجت حلاوتها» [البرهان في علوم القرآن: (١/ ٤٧١)].
إنَّ القرآن كالتمرة كلما زِدتها مضغًا أعطتك حلاوة، فجرِّب أن تأخذ آية من كتاب الله، أو سورة، وقلب هذه السورة، تعرَّف على معناها العام، ثم صلِّ بها، وتوسع فيما أنت بحاجة إلى التوسع فيه من معانيها، ولاحظ المعاني المتكررة في السورة، وكررها مرة أخرى.
إنَّ القرآن «لا تزيده تلاوته إلا حلاوة، ولا ترديده إلا محبة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام، ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه؛ يُمل مع الترديد، ويُعَادى إذا أعيد، لأنَّ إعادة الحديث على القلب أثقل من الحديد.
стр. 121
وكتابنا بحمد الله يُستلذ به في الخلوات، ويُؤنس به في الأزمات» [معترك الأقران: (١/ ١٨٤)].
٢ - ومنها: مشروع (ختمة موضوعية).
خذ موضوعًا وتتبعه في القرآن، لاحظ - مثلًا - كيف تحدث القرآن عن الدنيا، وكيف تعرض القرآن لحل الإشكالية في الموازنة بين الدنيا والدين.
في الأزمات التي يحياها الناس، تأمل كيف عالج القرآن المجيد هلع الناس، وجزعهم، ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ١٦ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ١٧﴾ [الأحزاب: ١٦ - ١٧].
٣ - ومنها: مشروع (تَتَبُّع آية).
اختر آية من آيات القرآن، وتتبع أقوال أهل التفسير فيها، اقرأ كل ما تعرفه من التفاسير، ولو وصلت مائة تفسير، ثم سَلِ الله الفتح.
أَمَا كان ابن تيمية (ت: ٧٢٨) يقول: «ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير! ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم.
ويذكر قصة معاذ بن جبل، وقوله لمالك بن يخامر لما بكى عند موته، وقال: أنا لا أبكي على دنيا كنت أصيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك.
فقال: إنَّ العلم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، فاطلب العلم عند أربعةٍ وسمَّاهم، فقال: عند أبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام، فإن أعياك العلم عند هؤلاء؛ فليس هو في
стр. 122
الأرض، فاطلبه من معلِّم إبراهيم» [الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون: (٢٨٣)].
والتتبع (المعرفي) يستتبع أن تقوم بتلك الآية مرددًا إياها، مستخرجًا كنوزها، مستمتعًا بتلك الفوائد التي حصَّلتها.
عن أبي ذر، أن النَّبي ﷺ «قرأ هذه الآية فرددها حتى أصبح: إ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ١١٨﴾ [المائدة: ١١٨]» [رواه أحمد: (٢١٣٨٨)].
وعن أبي سعيد الخدري «أنَّ رسول الله ﷺ ردَّدَ آية حتى أصبح»، [رواه أحمد]: (١٨/ ١٣٧)].
وقال عبد الرحمن بن عجلان: «بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ٢١﴾ [الجاثية: ٢١] الآية، فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد» [فضائل القرآن، لأبي عبيد: (٢/ ١١٢)].
٤ - ومنها: مشروع (ما تكرر).
ما تكرر من معاني القرآن، فإنَّ العناية بتدبره آكد، ولذا جعل الله الفاتحة أفضل سور القرآن، وهي التي تتكرر في كل ركعة.
وكان النَّبي ﷺ يكرر سورًا بعينها لما تحويه من معان جليلة، وفي الصلاة تكرر سور بعينها: (الأعلى - الغاشية - الكافرون - الإخلاص)، فتأمَّلها، وأعطها مزيدًا من العناية.
стр. 123
وفي القرآن نفسه من القصص ما تكرر مما يدل على أهميته وجلالة قدره، كقصة الكليم موسى ﵇.
فلتأخذ طرفًا من هذه المعاني، ولتُذِقْ قلبك حلاوة هذا الكتاب المجيد.
٥ - ومنها: مشروع (علمتني قصة).
في تلاوتك لقصة إبراهيم ﵇ تجد أن (القلب السليم) لم يُذكر إلا في قصته وحده دون سائر الأنبياء، لم لا يأخذك هذا الطَرَف لتتأمل قصة إبراهيم في القرآن كلها، لتستخرج منها كيف حصل إبراهيم الخليل ﵇ على (القلب السليم).
(علمني أبي)، و (علمني موسى)، سلسلتان للشيخ الكريم د. سلمان العودة، فيهما تتبع جميل، وتدبر رائع لقصتي نبي الله آدم وموسى في القرآن الكريم، فاصنع كصنيعه.
٦ - ومنها: مشروع (تأمُّل مثل).
الأمثال لا يعقلها إلا العالمون، فلم لا تحرص على تأمُّل أمثال الكتاب المجيد، هذا مثلٌ قرآني جليل، يتردد على مسامعنا كثيرًا، هل وقفت عنده يومًا متأملًا؟
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ٢٤ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ٢٦﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٦].
стр. 124
وكما قال الشيخ عبد القاهر (ت: ٤٧١) إنَّ «التمثيل إذا جاءَ في أعقاب المعاني أو بَرَزَتْ هي باختصار في مَعرِضه، ونُقِلت عن صُوَرها الأصلية إلى صورته، كساها أُبَّهةً، وكَسَبها مَنْقَبةً، ورفع من أقدارها، وشَبَّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النُّفوس لها، ودعا القُلوب إليها، واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابةً وكلَفًا، وقَسَر الطِّباع على أن تُعطيها محبَّة وشَغَفًا» [أسرار البلاغة: (١١٥)].
وإن شئت أن تنبهر بطرفٍ من تأمُّل العلماء للأمثال، فانظر ما كتبه الشمس ابن قيِّم الجوزية في كتابه (الأُبَّهة) «إعلام الموقعين عن رب العالمين».
٧ - ومنها: (قفزة معرفية متعلقة بالقرآن).
مما يمكن لصاحب الهمة أن يفعله، أن يقفز قفزة معرفية تتعلق بالقرآن المجيد، كالانتهاء من جرد تفسير كامل للقرآن في وقت وجيز.
وكلٌ يأخذ من التفسير بحسب ما آتاه الله، فمنهم من يستفتح الطريق عبر تفسير مختصر، ومنهم من يتوسط، وللمنتهي شأنٌ يخصُّه، ألحقنا الله بمنازل السابقين!
تلك سبعةٌ كاملةٌ، وحَسْبنا السَّبعة، لأنهم قالوا: إنَّ (العَرَبَ تضَعُ التَّسْبيعَ مَوضِع التَّضْعِيفِ وَإِنْ جاوَزَ السَّبْعَ)، وفي القرآن العزيز: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١﴾ [البقرة: ٢٦١]!
واعلم أنَّ «القرآن مشروع العمر، وبرنامج العبد في السير إلى الله إلى أن يلقى الله، وليس المقصود أن تدرك الهدف كله، لكن يكفيك أن تموت وأنت على الطريق».
стр. 125
خامسًا: حفظ القرآن .. وتجويده
«وأمَّا طلب حفظ القرآن: فهو مقدمٌ على كثير مما تسميه الناس علمًا، وهو إما باطل، أو قليل النفع.
وهو أيضًا مقدمٌ في التعلم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإنَّ المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين.
والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم، والدين، والله سبحانه أعلم»
ابن تيمية
стр. 126
هل يجب على كل مسلم أن يحفظ القرآن؟
ليس من الصواب حمل الناس جميعًا على حفظ القرآن، ولا طلب العلم، وهكذا .. ، بل لا بد من توجيه المسلم لمعرفة فروض الأعيان عليه، وحفظ ما يقيم به صلاته من القرآن، مع إتقان تلاوته، والإتقان مهم جدًّا.
فإن وجد من نفسه همَّة، فليحفظ المفصل [(من سورة ق أو الحجرات وحتى ختام المصحف)]، مع فهم المعنى، ولا يتجاوز المفصل حتى يفهم معناه.
وإنَّما يبدأ بالمفصل؛ لأنه يجمع أكثر معاني القرآن، وحفظه يسير على أغلب الناس، فسيجد من نفسه همةً لإكماله وبركة.
فإن فعل: انتقل إلى حفظ سورتي (البقرة وآل عمران)، وقد قال أنس ﵁: «كان الرجل إذا قرأ: البقرة، وآل عمران، جد فينا - يعني عظم -»، [رواه أحمد: ١٢٢١٥].
فإن حفظ سورتي (البقرة وآل عمران) فليحفظ السور التي ثبت فضلها، فباقي المصحف.
والذي أراه يدل على هذا الأصل: ما ذُكر عن محفوظ الصحابة من القرآن مع كونهم أحد أذهانًا، وأصفى أفئدة، ومع ذلك فإنَّ كثيرًا منهم لم يحفظ القرآن المجيد كله.
стр. 127
وليُعلم: أن حفظ القرآن فرض كفاية على أهل الإسلام، وحافظ القرآن يرجى أن يكون له من المنزلة - إن كان من أهل القرآن - ما ليس لغيره.
والقرآن محفوظ، وحافظ المحفوظ محفوظ، مع ما ثبت من فضل حُفَّاظ القرآن، وكرامتهم عند الله، ليس هم فحسب، وإنما هم وآباؤهم، جعلنا الله من أهل القرآن.
قال الإمام السخاوي (ت: ٦٤٣):
وبعد فالقرآن نورٌ مشرقُ … حاملُه مُسَددٌ موفَّقُ
وجاءَ عن سيدِنا محمد … ذي الفضْلِ والفخر الرَّسولِ المرشد
في فضلِ حفَّاظ القران المهَرَة … أنَّهمُ معَ الكرامِ السَّفَرة
لأنَّه في صحفٍ مُطَهَّرة … وهْيَ بأيدِيهِم كما قد ذَكَرَه
فالحافظُ المتقنُ قد ساوى المَلَك … فاستعمِلِ الجِدَّ فمن جَدَّ مَلَكْ
стр. 128
هل تجب قراءة القرآن بالتجويد على كل مسلم؟
تعلُّم أحكام القراءة والتجويد التي تحفَظ اللسان من اللحن المفسد للمعنى واجب على كل مسلمٍ ومسلمةٍ، كي يقرأَ الفاتحة وسائر سور القرآن الكريم قراءة صحيحة في مقتضى اللغة العربية الأصلية.
أما تعلم الأحكام التحسينية التي تتعلق بصفات الحروف ومخارجها وأحكامها التي لا يُؤدي الجهل بها إلى إفساد المعنى واللحن الجلي فهو تعلم مندوب ومستحب، وليس بواجب.
وقد أمر الله بتدبر القرآن وفهم معانيه، وحثَّ نبيه ﷺ على الإكثار من تلاوته لتحقيق هذا الغرض، وهذا الأخذ للقرآن تلاوة أو حفظًا أو تدبرًا لا يتهيأ على الوجه المأمور به لمن قرأ قراءة ملحونة مختلة، وفاعل هذا خارج بالقرآن عن سننه.
فضبط التلاوة سببٌ للتدبر وفهم القرآن، كما أنه سبب للخشوع عند تلاوته وانتفاع القلب به، وكل هذا مأمور به مطلوب إما وجوبًا وإما ندبًا، فضبط التلاوة يأخذ حكم ما كان سببًا فيه.
стр. 129
وإذا كان اللحن منفيًّا في الأصل عن القرآن، فإضافته إليه من باب تحريف الكلم عن مواضعه.
وقراءة القرآن بغير التجويد أو بغير النحو عدول به عن المسموع من رسول الله ﷺ ، وخروج به عن عربيته، وهذا لا يحل.
والقراءة بالتجويد تتم بمراعاة القواعد التي وضعت من قبل الأئمة القراء، وصنفت فيها المصنفات، مع الاستعانة ما أمكن بأخذها عن صاحب دراية ومعرفة من القراء المتقنين للتلاوة بتلك القواعد، ولا يجوز للمسلم أن يفرط في ذلك ما وجد إليه سبيلًا، فإن عجز اجتهد في الضبط بما تيسر له، بالسماع من قارئ متقن بواسطة الوسائل السمعية الحديثة، أو بأخذه من الكتب والرسائل التي ألفت فيه.
وقد بين ﷺ أن من بذل وسعه مجتهدًا في إتقان التلاوة ولم يساعده لسانه على إخراجها على وجوهها، إذ التعتعة عسر في النطق ومشقة، فهذا مأجور من جهتين: على اجتهاده في طلب الصواب، وعلى نفس تلاوته.
فالأعجمي ربما لم تساعده لغته ولسانه على أن يعطي كل حرف حقه ومستحقه، ومع ذلك يثني النَّبي ﷺ على جلوسه لقراءة القرآن، لا ينقص حسن عمله ذلك عن حسن عمل من كان معه من العرب الفصحاء، وحثه النَّبي ﷺ على التلاوة وإن كانت عجمته لا تساعده على الإتقان، وإنما ذلك لصحة المقاصد من أولئك المجتمعين، ولذا ذم بمقابلهم القراء المتكلفين لإقامة الألفاظ حتى إنَّ أحدهم ليحرص على الدقة في أدائه يقيم الحرف كإقامة السهم من القوس، لكنهم يبتغون به الدنيا.
стр. 130
فعليه، ومع ما بيناه من وجوب القراءة بالتجويد نقول: لا يجوز أن يجعل ذلك حائلًا دون قراءة القرآن لمن بذل وسعه للقراءة به لكنه لم يحققه على وجهه لعجزه.
ومن الدروس التي يمكن الاستعانة بها: تلاوات تعليمية بالصوت والصورة لجزء (عم والفاتحة) للشيخ، د. أيمن رشدي سويد، وسماع التلاوات التعليمية للشيخ محمود خليل الحصري.
وهناك العديد من البرامج والوسائط المختلفة لتعلم تجويد الفاتحة، وقصار السور، ويسهل على أي أحد أن ينتفع بها.
стр. 131
ما أسهل الطرق لتعلم الوقف والابتداء في القرآن؟
أسهل طريقة لتعلم الوقف والابتداء هي الأخذ بما وجد في المصاحف من علامات للوقف والابتداء، فينبغي على عموم المسلمين ملاحظة ما ذكر من التعريف بتلك العلامات في أواخر المصاحف، وأن يستعملوها على الصورة التي بُيِّنَت لهم، فإنَّ ذلك معين على تدبر القرآن وفهمه، خاصَّةً ما كان منه من الوقف اللازم، فعليهم التزام الوقف عنده، وما كان من الممنوع فلا يوقف عنده، ويترك الوقف في موضع ليس فيه علامة وقف أصلًا.
لا أستثني من هذا إلا من أوتي حظًّا من فهم القرآن، وعُدَّة واقية من الخطأ في ضبط المعنى، من أهل العلم والذكر، فهؤلاء قد يستحسنون مواضع للوقف باجتهادهم في تدبر القرآن.
ولا بد أن يراعى في الابتداء صحة المعنى واستقامة السياق، ولو استعمل إنسان علامات الوقف المثبتة في المصاحف في خلال الآية لا على رأسها، فوقف عند علامة من تلك العلامات غير علامة الوقف الممنوع، فلو جعل ابتداءه من الكلمة التالية لعلامة الوقف دائمًا فذلك أسلم له وأبعد عن الخلل.
стр. 132
لكن لو انقطع نفسه في غير موضع وقف، فالذي يحسن به: أن يعود إلى شيء من الآية قبل موضع وقوفه فيصله بما بعده بشرط أن يصح المعنى بذلك الابتداء.
كما لو قرأ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فانقطع النفس، وليس عند هذا في المصحف وقف، إنما الوقف على قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦]، وهو وقف كاف، ويسمى (الوقف الجائز)، فعليه حينئذ أن يعود ليبدأ في موضع يتصل به الكلام المفيد، فلا يبدأ بقوله: ﴿يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] فهذا مخل بالسياق، وإنما يرجع فيقرأ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
ومن علامات الوقف والابتداء في المصحف:
(م): وتفيد لزوم الوقف ولزوم البدء بما بعدها وهو ما يسمى بالوقف اللازم.
(لا): تفيد النهي عن الوقف في موضعها، والنهي عن البدء بما بعدها.
(صلي): تفيد بأن الوصل أولى مع جواز الوقف.
(قلي): تفيد بأن الوقف أولى مع جواز الوصل.
(ج): تفيد جواز الوقف.
(النقط المثلثة): تفيد جواز الوقف بأحد الموضعين، وليس في كليهما، وهو ما يسمى بوقف المعانقة.
وكانت المصاحف الأولى خالية من علامات الوقف، وظلت كذلك قرونًا كثيرة، وعمل الخطاطون في فترات متأخرة على وضع علامات لأنواع الوقف التي
стр. 133
ذكرها العلماء في كتبهم، مثل (م، ج، صلى، قلى، لا) ونحوها، وتجد في آخر المصاحف المطبوعة توضيحًا لدلالة تلك العلامات وما يشبهها.
وقد تختلف هذه العلامات من مصحف إلى آخر تبَعًا لاختلاف اجتهاد العلماء في فهم التركيب النحوي للآيات، وما يترتب على ذلك من تغير المعنى.
стр. 134
ما معنى أن فلانًا أخذ إجازة في القرآن؟
معناه: أنه قرأ على شيخ ضابط متقن للقرآن، وهذا الشيخ قد أخذ على شيخ آخر، وهكذا إلى أن يتصل سنده بالنبي ﷺ ، فيقرأ عليه هذا الطالب القرآن كله، ويجيزه الشيخ أن يَقرأ ويُقرئ القرآن كما تعلم، ويصير بذلك مُجازًا، ويصح له أن يجيز غيره حينئذٍ.
стр. 135
ما المراد بالتغني بالقرآن، وهل يجوز تعلم المقامات الموسيقية لتحسين الصوت؟
لقد حثَّ النَّبي ﷺ على تحسين الصوت بالقرآن، وهو معنى التغني بالقرآن، فمعناه: تحسين الصوت بالقرآن، بإقامة حروفه حَسب قوانين التلاوة الصحيحة، وهو علم التجويد.
فمن تَعلَّم التجويد حقًّا، وقرأ القرآن بلا مبالغة وتكلف، فقد تغنى بالقرآن، وله أجره.
أما تعلُّم المقامات للقراءة بها، فقد اختلف العلماء في حكمه:
١ - فقال بعضهم بجوازه، بشرط عدم الإخلال بقواعد التجويد، فإن أخلت المقامات بالتجويد، وتصنع القارئ في القراءة، وطوع القرآن لتلك المقامات فإنَّ ذلك غير جائز.
٢ - ومنع بعض العلماء من تعلم المقامات مطلقًا، واقتصروا على التجويد فحسب.
стр. 136
والخلاصة؛ أن التغني المحمود بالقرآن، هو: ما يساعد على المقصود من التلاوة وهو العظة والاعتبار، وفهم معانيه، وتدبر آياته، وتذوق جمال لفظه، وطَلَاوةِ أسلوبه، وحلاوة بلاغته، وهذا مستحسن مطلوب.
وأن على القارئ أن يلتزم بأحكام تلاوة القرآن، والتي وضعها العلماء في علم التجويد، وألا يتكلف القراءة بالمقامات.
стр. 137
ما النصيحة لمن ختم القرآن الكريم حفظًا؟
لقد أراد الله بك الخير، ووفقك لوراثة الكتاب، فاعمل على تحصيل الوراثة كما أراد الله، أنت في مقام اصطفاء فإياك أن تفرط فيه!
أقبل على شأنك، ولتستقم على أخلاق حملة الكتاب، وعليك بمراجعة محفوظك، وفهم كلام ربك، والعمل به.
كن مقبلًا على ما يعينك على القرب من كتاب الله، فبقدر قربك يكون أخذك.
стр. 138
كيف أضبط متشابهات القرآن، وما الكتب المعينة على ذلك؟
أفضل طريقة لضبط متشابهات القرآن = كثرة المراجعة، فإنَّ من كثرت مراجعته للقرآن استطاع أن يستحضر المتشابهات، وأن يفرق بينها بيسر إن شاء الله.
ومما يعين على ضبط المتشابه:
١ - تلاوة القرآن في الصلاة.
٢ - فهم القرآن.
٣ - إيجاد طريقة خاصة لضبط المتشابه.
٤ - تقييد الآيات المشتبهة على الحافظ، وإدمان النظر فيها.
٥ - معرفة الفروق البلاغية بين المتشابهات اللفظية.
ومن الكتب الجيدة في مسألة الحفظ، والمراجعة، وضبط المتشابهات اللفظية، وغايتها أن تكون كالفهرس، وإلا فإنَّ الجهد الشخصي يعد العامل الأساس في الضبط والاستحضار:
стр. 139
١ - الحصون الخمسة في حفظ القرآن الكريم، والجبال الرواسي في مراجعة وإتقان كلام رب الناس، ورسوخ، وعلامات، وجميعها للشيخ د. سعيد أبو العلا حمزة.
٢ - الكليات في المتشابهات اللفظية القرآنية، للشيخ عبد الرحمن القصير.
٣ - الضبط بالتقعيد للمتشابه اللفظي في القرآن المجيد، للشيخ فواز آل حنين.
٤ - دليل الآيات المتشابهة على الحفاظ، د. سراج صالح ملائكة.
٥ - إعانة الحفاظ للآيات المتشابهة الألفاظ، وهو كتاب جيد للشيخ محمد طلحة بلال أحمد منيار.
٦ - دليل الحفاظ في متشابه الألفاظ، للشيخ يحيى الزواوي.
وهذا الموضوع تظهر فيه بعض الإبداعات الفردية للمؤلفين، فلكل طريقته في حصر المتشابه، وفي مجموع هذه الكتب خير.
стр. 140
سادسًا: أحكام فقهية تتعلق بالقرآن المجيد
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ٧٧ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ٧٨ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٨٠﴾
[سورة: الواقعة]
стр. 141
ما حكم الطهارة لتلاوة القرآن؟
ينبغي على المسلم أن يكون طاهرًا حال تلاوته للقرآن، وأن يراعي هذا الأدب.
ويختلف حال المسلم عند قراءة القرآن بين أن يكون على حدث أصغر، أو حدث أكبر.
١ - صاحب الحدث الأصغر:
يجوز للمحدث حدثًا أصغر أن يقرأ القرآن، وإن كان الأولى أن يكون على طهارة، فالطهارة لتلاوة القرآن أدب يحسن أن يراعيه المسلم.
٢ - صاحب الحدث الأكبر:
لا يجوز للمحدث حدثًا أكبر مس المصحف في قول جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، وأئمة المذاهب الأربعة.
أما القراءة: فقد ذهب عامة الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم إلى تحريم قراءة القرآن على الجنب، ولو من غير مسٍّ للمصحف.
أما الحائض والنفساء، فذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة قراءة الحائض للقرآن حال الحيض حتى تطهر.
стр. 142
ويمكن للحائض أن تستعين بالسماع بدلًا عن القراءة فترة عذرها الشرعي.
وقال بعض العلماء - بتصرف -: «لا يجوز للحائض أو النفساء قراءة القرآن ولو غيبًا ودون لمس المصحف، فالمحرَّم عليها هو القراءة بغض النظر عن كيفية القراءة، ويجوز لها أن تنظر إلى القرآن بالعين أو تستحضره بالقلب دون التلفظ باللسان، ويجوز لها أن تنظر إلى القرآن من الكمبيوتر [أو الجوال] دون أن تتلفظ بقراءته؛ لأن ذلك لا يسمى قراءة بل هو نظر».
стр. 143
ما حكم الطهارة لمس المصحف؟
يحرم مسُّ المصحف على غير وضوء، وتحريم مس المصحف على غير وضوء يشمل تحريم مس ورقه، ومسِّ جلده المتصل به (على الصحيح؛ لأنه كالجزء منه، ولهذا يتبعه في البيع).
وأما تقليب ورقه باستعمال آلة من غير اضطرار إلى مس فلا بأس فيه ولا حرج، بخلاف حمل المصحف باستعمال قماش أو كيس ونحوه، فهذا لا يجوز وإن لم يشتمل على مسِّ للمصحف، لأن الحمل أبلغ من المس.
يُستثنى من ذلك ما إذا خشي المسلم غير المتوضئ على المصحف الشريف من التعرض للأذى والامتهان.
стр. 144
هل تأخذ المصاحف الإلكترونية حكم المصاحف المطبوعة؟
يجوز مسُّ الهاتف الموجود عليه تطبيق المصحف، سواءٌ أكان المصحف ظاهرًا على الشاشة أم لا، وسواءٌ أكان المس لجدار الجهاز أو للشاشة الظاهر عليها الكتابة، وسواءٌ أكان المس بالأصبع أو بالقلم المعروف في بعض الأجهزة.
وبالتالي: فإنَّ القراءة جائزة من الهاتف أو نحوه مما يقبل تنزيل القرآن عبر الوسائط المختلفة، وهذا للمحدث حدثًا أصغر، أما الجنب والحائض فلا يجوز لهما القراءة أصلًا كما قدمنا.
стр. 145
سابعًا: كتب الدراسات القرآنية
следующие страницы →