Полный текст (228 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
والمذاهب المشهورة في علم العدد ستة هي: العدد المدني الأول، والعدد المدني الثاني، والمكي، والبصري، والشامي أو الدمشقي، والكوفي.
وسأذكر عدد آي القرآن في كل مذهب من المذاهب الستة:
١ - العدد المدني الأول: (٦٢١٧).
٢ - العدد المدني الثاني: (٦٢١٤).
٣ - العدد المكي: (٦٢١٩)، وقيل: (٦٢٢٠).
٤ - العدد البصري: (٦٢٠٤).
٥ - العدد الدمشقي: (٦٢٢٦)، وقيل: (٦٢٢٧).
٦ - العدد الكوفي: (٦٢٣٦).
وتنقسم سور القرآن من حيث الاتفاق والاختلاف في عد آيها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما لم يختلف فيه لا في إجمال ولا في تفصيل، وهو أربعون سورة، منها: سورة: (يوسف - النحل - الأحزاب - الحجرات - التغابن).
القسم الثاني: ما اختلف فيه تفصيلًا لا إجمالًا، وهو أربع سور: (القصص - العنكبوت - الجن - العصر).
القسم الثالث: ما اختلف فيه إجمالًا وتفصيلًا، وهو بقية السور (سبعون سورة).
والمقصود بالإجمال: عدد آي السورة، والتفصيل: موطن الاختلاف في عد الآية داخل السورة.
стр. 72
فمثلًا: سورة العصر (٣ آيات) باتفاق علماء العد، فهذا اتفاق في (الإجمال)، لكنهم اختلفوا في تفصيل العد، فبعضهم عد ﴿والعصر﴾ آية، وبعضهم لم يعدها آية، وعد ﴿وتواصوا بالحق﴾ آية، فهذا اختلاف في (التفصيل).
* مراجع إثرائية:
الميسر في علم عد الآي، د. أحمد خالد شكري، ط. معهد الإمام الشاطبي.
стр. 73
ما الحكمة من تكرار قصص القرآن الكريم؟
إذا أردنا أن نُعدد الفوائد التي يضفيها هذا الأسلوب على مجمل ما في القرآن الكريم لعددنا شيئًا كثيرًا، ولكنا نقتصر هنا على بعض هذه الفوائد:
١ - زيادة بعض التفاصيل التي لم تذكرها الآيات من قبل.
٢ - تأكيد التحدي الذي جاء به القرآن لمشركي العرب أن يأتوا بشيء من مثله، فقد كشف هذا التنوع في العبارة عن عجزهم عن الإتيان بمثله بأي نظم جاء، وبأي عبارة عبَّر.
٣ - إذهاب السآمة والملل عن القصة، وذلك أن العرض الجديد يشد الأسماع، ويلفت الأنظار، ويبقي صلة المتعة والفائدة بين القارئ والنص المقدس.
٤ - ظهور الأمر العجيب في إخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد، وقد كان المشركون في عصر النَّبي ﷺ يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير النظم، وبيان وجوه التأليف، فعرفهم الله سبحانه أن
стр. 74
الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية، ولا يقع على كلامه عدد.
٥ - التناسق مع الموضوع والمناسبة التي وردت القصة لأجلها، فأحيانًا تقتضي هذه المناسبة إبراز معنى في الحوار الدائر لم يكن من الضروري إبرازه في مناسبة أخرى وردت فيها القصة، وهذه الفائدة باب واسع من أبواب اكتشاف بحور بلاغة القرآن وإعجازه، وأمثلتها التفصيلية موجودة في بطون كتب التفسير.
٦ - ليتهيأ لمن لا يقرأ القرآن كاملًا الوقوف على قصص القرآن، وما تحويه من عبر في الجزء الذي يتلوه.
* مراجع إثرائية:
١ - دعوة الرسل، للشيخ محمد أحمد العدوي، اعتناء: عمرو الشرقاوي، ط. مركز تفكر.
٢ - القصص القرآني، د. صلاح الخالدي، ط. دار القلم.
стр. 75
هل قصة يوسف ﵇ هي أحسن قصص القرآن؟
اشتهر بين الناس أنَّ أحسن قصة في القرآن قصة يوسف ﵇، والصحيح أنَّها ليست أحسن قصص القرآن، وأنَّ أحسن قصص القرآن قصة موسى ﵇.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]، فليس المراد به قصة يوسف وحدها، بل هي مما قصه الله، ومما يدخل في أحسن القصص.
ومعلوم أن قصة موسى ﵇ وما جرى له مع فرعون وغيره، أعظم وأشرف من قصة يوسف، ولهذا هي أعظم قصص الأنبياء التي تذكر في القرآن.
وقد تكررت قصة موسى ﵇ في القرآن، وبسطت أكثر من غيرها، وفيها من العبر والعظات ما يجعلها أفضل قصص القرآن.
بل إنَّ قصص سائر الأنبياء، كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم، أعظم من قصة يوسف، ولهذا كرر الله تعالى تلك القصص، ولم يكرر قصة يوسف.
وهذا مما يدعو المؤمن إلى النظر في تلك القصص، وتأملها.
فما فعلته الأنبياء من الدعوة إلى توحيد الله وعبادته ودينه، وإظهار آياته وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومجاهدة المكذبين لهم، والصبر على أذاهم =
стр. 76
هو أعظم عند الله، ولهذا كانوا أفضل من يوسف صلوات الله عليهم أجمعين، وما صبروا عليه وعنه أعظم من الذي صبر يوسف عليه وعنه، وعبادتهم لله وطاعتهم وتقواهم وصبرهم بما فعلوه، أعظم من طاعة يوسف وعبادته وتقواه، وأولئك هم أولوا العزم الذين خصهم الله بالذكر في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ٧﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ١٣﴾ [الشورى: ١٣].
وهم يوم القيامة الذين تطلب منهم الأمم الشفاعة، وبهم أُمر خاتم الرسل أن يقتدى في الصبر، فقيل له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ٣٥﴾ [الأحقاف: ٣٥]، فقصصهم أحسن من قصة يوسف.
فعلى المؤمن أن ينظر في قصص الأنبياء، وأن يعتبر بها، وأن ينزل ما جرى لهم على حاله = فإنهم خير العالمين، وصفوة الخلق، وهم الذين أمر الله بالاقتداء بهم كما قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ٩٠﴾ [الأنعام: ٩٠].
* مراجع إثرائية:
مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية: (١٧/ ١٩ - ٣٤).
стр. 77
ما المراد بالنسخ في القرآن الكريم؟
يطلق النسخ في كتب العلم على نوعين:
١ - نسخ كلي: وهذا الذي يدخل في الأحكام، ولا يجري على الأخبار، وتعريفه: (رفع حكم دليل شرعي، أو لفظه، بدليل).
٢ - نسخ جزئي: وهذا يدخل في الأحكام والأخبار، وفي هذا توسيع لمصطلح النسخ، فأي رفع من معنى الآية يعتبر - على هذا الاصطلاح - نسخًا، ويدخل في ذلك تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل.
ومن أمثلته:
أن ابن عباس حكم على قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤] أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
والآية المنسوخة خبر، وقد تقرر في قواعد النسخ أن الأخبار لا تنسخ.
ولكن إذا حملت النسخ على مطلق الرفع، وأنَّه هنا رفع بعض العموم الوارد على لفظ الشعراء، وبهذا يكون الاستثناء الوارد بعد هذا العموم قد خصص من الشعراء من آمن بالله = صحَّ لك ما ورد من الحكم بالنسخ، وأنه لا يراد به
стр. 78
النسخ على الاصطلاح المتأخر الذي استقر عليه علماء أصول الفقه وغيرهم، والله أعلم.
* وقد انتهى النسخ بوفاة النبي ﷺ ، ولا يمكن بحال أن يقع نسخ بعد ذلك، لأن الدين قد كمل واستقر، فلا يجوز لأحد أن يدعي نسخ حكم من الأحكام الشرعية بحجة عدم موائمته للعصر، لأن النسخ موقوف على الدليل الشرعي، وليس متروكًا لأهواء الناس.
فليس لعالم أن يدعي نسخ شيء في القرآن إلا بدليل شرعي.
* والنسخ من الأمور التي يدخلها الاجتهاد، فقد يقول عالم بنسخ آية، ويرى آخرون أنها ليست منسوخة، ولم يقع النسخ في كثير من الآيات، بل في قليل منها، فالأصل: الإحكام لا النسخ، فليس الأمر بمهولٍ، حتى إنَّه ليظن الظان أن القرآن منسوخٌ كله، فإن هذا خلاف الحقيقة، فإن الحقيقة أن الأقل من آيات القرآن هو المنسوخ، وبعض أنواع النسخ أقل من البعض الآخر.
* وإيماننا بوقوع النسخ في الإسلام، تابعٌ لإيماننا بعلم الله تعالى وحكمته، وهو من أفعال الله تعالى، فالله تعالى قد علم الحكم الأول، وعلم أنه سيُنسخ في الزمان المتأخر، فإيماننا بكمال علم الله تعالى، وإحاطته بخلقه، يجعلنا نؤمن بالنسخ، وأنه من محاسن الشريعة، بل من محاسن الشرائع السماوية.
فإذا آمنت أن الحكم لله، وأنه يعلم من خلق، ويعلم ما يصلحهم = سهُل عليك الإيمان بالنسخ تبعًا لذلك.
* وفكرة النسخ - في ذاتها - فكرةٌ سائغة لأن الحوادث والمستجدات تتطلب حلولًا متنوعة، والله تعالى نص في بعض الآيات على كونها مؤقتة، مثل: ﴿حَتَّى
стр. 79
يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، و ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فبعض الأحكام كان لمدة محددة، ينتهي بانتهائها.
* والنسخ انعكاس لفكرة التدرج، والمسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبًا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفس الواعية المستنيرة المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين.
* وفرض وقوع النسخ لا يترتب عليه وقوع محال عقلي، بل إنَّ العقل ليجد في النسخ مراعاةً لمصالح العباد، ورحمة بهم، وهذا واقعٌ في كثير من وقائع النسخ التي يذكرها العلماء، فكم من حكمٍ خُفف وأثبت مكانه حكمٌ آخر.
وقد تكون المصلحة ابتلاءً يبتلي الله به بعض عباده، ليقول أهل الثبات: آمنا به كلٌ من عند ربنا، وليعترض عليه السفهاء من الناس.
* ووقوع النسخ في الشريعة، له عدة فوائد تترتب عليه، من أهمها:
١ - التدرج في الأحكام على الأمة حتى لا تنفر ويسهل عليها تقبله، كما حصل في تشريع تحريم الخمر، واستخدام هذا الأسلوب في الدعوة، فالداعي يبدأ مع المدعو بالتدرج وتعليقه بالدار الآخرة وزرع الإيمان في قلبه، ثم يخبره بأحكام الإسلام شيئًا فشيئًا.
٢ - بيان رحمة الله بهذه الأمة؛ فهو سبحانه يراعي أحوال الناس وعاداتهم ويتدرج معهم رحمة بهم حتى لا ينفروا من الإسلام، بل يحببهم به حتى يكونوا من أهله.
٣ - التذكير بنعمة الله لاسيما في بعض أنواع النسخ الذي يكون فيها النسخ من أثقل إلى أسهل كما هو الحال في عدة المتوفى عنها زوجها وغير ذلك.
стр. 80
٤ - إرادة الخير بهذه الأمة، فإنَّ النسخ إن كان إلى ما هو أخف ففيه سهولة ويسر، وإن كان إلى ما هو أثقل ففيه زيادة الثواب والأجر.
٥ - يقع في النسخ تطييب نفس رسول الله ﷺ ونفوس أصحابه بتمييز هذه الأمة على الأمم وإظهار فضلها، ومثاله قصة نسخ استقبال القبلة، حيث كانت حين فرضت الصلاة إلى بيت المقدس، ثم حولت إلى الكعبة.
* والقرآن ينسخ بالقرآن باتفاق العلماء، واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة.
* وقد وقع النسخ في القرآن الكريم، والأدلة على وقوعه كثيرة، ويمكننا أن نردها إلى عدة معاقد:
الأول: دلالة الوقوع.
وهو أصدق دليل على وجوده، فقد وقع النسخ في القرآن، ونحن إذا تلمسنا دلالة تلك الآيات على النسخ، لوجدناها نصوصًا صريحة بوقوعه، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿*سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ١٤٢﴾ [البقرة: ١٤٢]، فهذه الآية دليل على وقوع النسخ، لأنها تدل على تغير في القبلة، وهذا التغير نسخ من قبلة إلى أخرى، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤﴾ [البقرة: ١٤٤].
وهذا أول نسخ حصل في الإسلام.
هذا من غير ضميمة الأحاديث المصرحة بوجود النسخ في هذه الآيات، فكيف بوجودها؟!
стр. 81
ومن أمثلة الوقوع أيضًا قوله تعالى: ﴿*إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٢٠﴾ [المزمل: ٢٠]، فهذه الآية نسخت أول السورة، وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ٤﴾ [المزمل: ١ - ٤].
فقد نُسِخ فرض قيام الليل الكائن في أول الإسلام، وأصبح مستحبًا كما ورد في آخر السورة المباركة.
ثانيًا: دلالة الإجماع.
فقد أجمع العلماء على وقوع النسخ في القرآن، وإن اختلفوا في تفصيل الآيات المنسوخة، وهذا الإجماع من أقوى مراتب الإجماع، لأنه إجماع الصحابة ﵃، وسائر من بعدهم من علماء المسلمين.
وقد نص الصحابة أنفسهم، وهم أعلم الناس بالقرآن والسنة على أهمية تعلم الناسخ والمنسوخ.
وقد ألَّف العلماء مؤلفات كثيرة في علم (الناسخ والمنسوخ) وهذا دليل عملي على أهمية هذا العلم، ومن باب أولى على وقوعه، ووجوده.
ومن أمثلة ما أجمع العلماء على نسخه: نسخ إيجاب الصدقة بين يدي رسول الله الثابت في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢].
стр. 82
حيث نسخها قوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٣﴾ [المجادلة: ١٣].
ثالثًا: دلالة القرآن.
فقد ذكر الله النسخ في عدد من الآيات، من أظهرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ١٠١ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ١٠٢﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿*مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ١٠٦﴾ [البقرة: ١٠٦].
فهذه الآيات تتحدث عن وجود النسخ ووقوعه في القرآن الكريم.
- ومن المهم أن نعلم أن سور القرآن، من حيث وجود الناسخ والمنسوخ فيها، فيما ذكره بعض العلماء، إلى أربعة أقسام:
الأول: قسم ليس فيه ناسخ ولا منسوخ؛ وهو ثلاث وأربعون سورة: (الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، وعمَّ، والنازعات، والانفطار، وثلاث بعدها، والفجر وما بعدها إلى آخر القرآن، إلا التين والعصر والكافرون).
الثاني: قسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهي خمس وعشرون: (البقرة، وثلاث بعدها، والحج، والنور وتالياها، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والمدَّثر، وكُوِّرت، والعصر).
стр. 83
الثالث: قسم فيه الناسخ فقط، وهو ستٌّ: (الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى).
الرابع: قسم فيه المنسوخ فقط، وهو الأربعون الباقية.
* ويقع النسخ في القرآن على وجوه:
١ - نَسْخ الحكم، وبقاء التلاوة: فتبقى الآية في المصحف، ولكن لا يعمل بها، مثاله: قوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ [النساء: ١٥]، نُسِخ بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، ونُسِخ بالرجم.
٢ - نَسْخ التلاوة، مع بقاء الحكم: فترفع الآية من المصحف، ويبقى العمل بحكمها، وهذا النوع قليل الوجود في النصوص المنقولة إلينا، وثبوت حكمه مع نسخ تلاوته إنما عرف عن طريق النقل الثابت، ومثاله: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إنَّ الله بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله، ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله» [رواه البخاري: (٦٨٢٩)، ومسلم: (١٦٩١)].
ومن الناس من ذهب إلى رد وجود هذا النوع من النسخ، وتعرض لبعض الأحاديث الواردة بذلك بالتضعيف، ولأخرى بالتأويل، ولم يتعرض لطائفة أخرى منها وهي ثابتة صريحة، كهذا الذي ذكرت، والصواب ما بينت من ثبوت هذا
стр. 84
النوع من النسخ، واندراجه تحت القول بصحة النَّسخ، وهذا أصح مَسْلكًا من رد الصحيح الثابت بغير حجة مع إمكان حمله على معنى صحيح.
٣ - نسخ التلاوة والحكم:
وهو نوعَان:
الأول: ما بلغنا لفظه أو موضوعه، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات» [رواه مسلم: (١٤٥٢)].
والثاني: ما بلغنا مجرد الخبر عنه ورفع منه كل شيء، كما في حديث زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب: «كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدها؟ قال: قلت له: ثلاثًا وسبعين آية، فقال: قط؟ لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة» [رواه أحمد في زيادات المسند: (٢١٢٠٧)].
* مراجع إثرائية:
١ - النسخ في القرآن، د. مصطفى زيد، ط. دار اليسر.
٢ - الآيات المنسوخة، د. عبد الله الأمين الشنقيطي، ط. مكتبة ابن تيمية.
٣ - محاضرة: الرد على من أنكر وقوع النسخ في القرآن، للشيخ د. الشريف حاتم العوني.
стр. 85
هل يقع التعارض في القرآن الكريم؟
لا يوجد تعارض حقيقيٌ في القرآن، هذه حقيقة لا جدال فيها، لأن الله أخبرنا بذلك، فالقرآن لا ريب فيه، ولا يمكن أن يتطرق إليه الاختلاف بوجه من الوجوه؛ لأن الله سبحانه حين أنزل القرآن للناس، جعله هاديًا للتي هي أقوم، جعله نورًا يهتدي به الناس ليخرجوا من الظلمات.
ومن تمام كون القرآن نورًا وهدى ألا يكون فيه تعارض ولا اختلاف بوجه من الوجوه؛ لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، قال سبحانه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: ٨٢]، وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤].
فالذي يمكن حصوله أن يتوهم العقل وجود تعارض بين آية وآية، أو بين آية وحديث، أو بين حديث وحديث، أمَّا أن يحصل هذا التعارض حقيقة فلا يمكن بحال من الأحوال.
* من حِكَمِ حصول توهم التعارض:
١ - لا شك أن عقول بني آدم متفاوتة، وعلمهم متفاوت كذلك، ومن تمام حكمة الله تعالى في خلقه أن يُظهر فضل أهل العلم، وشرفهم، فإذا توهم متوهم
стр. 86
حصول التعارض وكشف العالم ما يزيل هذا التعارض؛ ظهر فضله، وتبينت مكانته.
٢ - ومن حكمة الله أن ينشأ في العقل توهم للتعارض ليتحفَّز العقل للبحث عما يزيل هذا التعارض، فيكون باعثًا له على التعلم، ومعرفة أهل العلم، والأخذ عنهم.
٣ - وقد ينشأ توهم التعارض لأجل خلل في القلب، وخلل في تلقي الوحي، وإنك إذا تأملت العوائق التي ذكرها القرآن متعلقة بفهمه = ستجد أنه أثبت عائقًا، ونفى عائقًا:
- فأما العائق الذي نفاه، فهو: وجود الاختلاف فيه.
- وأما العائق الذي أثبته، فهو: إغلاق القارئ قلبه.
ونحن إذا تأملنا قوله: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، سنجد أنه أرجع الخلل إلى القلوب، لأن القلب إذا تأثر بالهوى قاده إلى الزيغ والانحراف عن طريق الوصول إلى المعنى الصحيح.
٤ - ولذلك أمر الله بترك العجلة في تلقي الوحي، وأن يُتلى القرآن على مُكث ومَهَلٍ، وأن يرجع غير العالم إلى العالم لإزالة ما يلتبس عليه فهمه في القرآن المجيد.
قال سبحانه: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ١١٤﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ١٠٥﴾ [الإسراء: ١٠٥].
ولا يخلو كتاب من كتب تفسير القرآن من إزالة ما قد يوهم التعارض بين آيات القرآن المجيد.
стр. 87
وإذا حصل إشكال في توهم التعارض بين آية وآية، أو بين آية وحديث، أو بين حديث وحديث، فإنَّ هناك طرقًا لدفع هذا التوهم، منها:
١ - تحرير وجه التعارض.
٢ - جمع الآيات في نفس الموضوع.
٣ - النظر في السياق.
٤ - تلمس الأحاديث والآثار الصحيحة لدفع التعارض.
٥ - إعمال قواعد الترجيح.
فإن حصل لك إشكال، ولم تستطع الوصول إلى ما يدفع هذا التعارض فسَلْ أهل العلم، وسيجيبونك بدفع ما توهمته من تعارض.
وقد كان النبي ﷺ يزيل للصحابة ما قد يوهم التعارض بين آيات القرآن الكريم بعضها البعض، وبين آيات القرآن وكلامه ﷺ ، وكان الصحابة يفعلون.
وقد أتي رجلٌ لابن عباس ﵄ ليعرض عليه ما توهمه من تعارض في القرآن الكريم، فقال الرجل لابن عباس: «إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي.
١ - قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد كتموا في هذه الآية.
٢ - وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] إلى قوله: (﴿دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩] إلى ﴿طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء.
стр. 88
٣ - وقال: وكان الله غفورًا رحيمًا، وكان الله عزيزًا حكيمًا، وكان الله سميعًا بصيرًا، فكأنه كان، ثم مضى».
هذه نماذج ثلاثة، لموهم التعارض بين آيات القرآن الكريم، وقد أجاب عنها ابن عباس إجابة شافية، فقال ﵁:
«١ - لا أنساب في النفخة الأولى: ثم نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
٢ - وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، فإنَّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم وقال المشركون تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثًا وعنده ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] الآية.
٣ - وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فخلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، وكان الله غفورًا رحيمًا، سمى نفسه بذلك، وذلك قوله: إني لم أزل كذلك».
ثم قال ابن عباس للرجل في وصية جامعة لكيفية التعامل الصحيح مع موهم التعارض:
«فإنَّ الله لم يرد شيئًا إلَّا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فإنَّ كلًّا من عند الله».
فإنَّ كُلًّا من عند الله!
стр. 89
ثالثًا: إعجاز القرآن
«الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يصنع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده، ثم لا يزال ينقحها حولًا كاملًا، ثم تعطى لآخر نظيره فيأخذها بقريحة جامَّة فيبدل فيها وينقح ثم لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل.
وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها؛ لم يوجد.
ونحن تبين لنا البراعة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام».
ابن عطية
стр. 90
ما المراد بالإعجاز في القرآن الكريم؟
القرآن الكريم هو أعظم آيات النَّبي، وقد تحدى الله به العرب، فعجزوا عن الإتيان بمثله، بل ولا الإتيان بسورة من مثله.
وقد تنوعت ألوان الإعجاز في القرآن الكريم.
والذي ينتظم - من وجوه الإعجاز المحكية - في كلِّ سورة من سور القرآن، ولا يتخلف عن واحدةٍ منها = هو ما يتعلق بالنظم العربي، دون ما سواه من أنواع الأوجه المحكية في إعجاز القرآن، مع الإقرار بأن أوجه الإعجاز متنوعة.
стр. 91
أريد مثالًا على إعجاز القرآن الكريم من جهة نظمه.
إنَّ التعامل مع القرآن الكريم يحتاج إلى تجرد، وصدق في طلب الحق، ونحن نرى من صدق في طلب الحق يقوده القرآن إلى الإيمان بالله والتصديق بكلامه.
ونحن نبين إن شاء الله تعالى شيئًا من إعجاز القرآن في هذه السورة المباركة، سورة الكافرون، وكيف أنها مع وجازتها حوت من المعاني الشيء الكثير، والكثير جدًّا، وسنجعل هذه الفوائد على هيئة نقاط ليتضح لك الأمر.
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يا أيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [سورة: الكافرون].
وهذه السورة الكريمة، جمعت التوحيد العملي، فهي سورة البراءة من الكافرين.
١ - افتتحها الله بقول (قل) ليبين أن أمر الدين ليس بيد أحد، ولو كان محمدًا ﷺ ، بل الدين لله، منه وإليه.
٢ - ثم يأتي النداء ﴿يا أيها﴾، الذي يستدعي إقبال المنادى، وانتباهه إلى ما يقال.
٣ - جمع الله في الآية الأولى بين عدة أصناف في وصف واحد، فجمع بين كل من لم يؤمن برسول الله ﷺ ، لأنهم جميعًا يشتركون في وصف الكفر، فهذه آية واحدة تتحدث عن الكافرين من مشركين، ويهود، ونصارى، وبوذيين، وغيرهم.
стр. 92
٤ - ثم أمر الله نبيه أن ينفي عبادته لآلهة المشركين في الحاضر، فقال: ﴿لا أعبد ما تعبدون﴾، أي: الآن.
٥ - وأن ينفي عبادته لآلهة المشركين في المستقبل، فقال: ﴿ولا أنا عابد ما عبدتم﴾.
٦ - وفي مقابل نفي عبادته لآلهة المشركين في الحاضر، جاء إثبات الشرك لهم في الحاضر، في قوله: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾، وفي مقابل نفي عبادته لآلهتهم في المستقبل قال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾.
٧ - وعبر عن الله تعالى المعبود ب (ما)، والتي تعني في هذا السياق المعبود الموصوف بكونه أهلًا للعبادة، ولم يعبر ب (من) التي لا تفيد هذا المعنى.
تنبيه: (ما): تستخدم للعاقل وغيره، وتطلق على العاقل ويراد بها: التفخيم والتعظيم، أما (من) فلا تستخدم إلا للعاقل.
٨ - وقدم قوله: ﴿لكم دينكم﴾ على قوله: ﴿ولي دين﴾ ليشعرهم بسوء اختيارهم، وعسير عاقبتهم، وليخبرهم أنه اختار النصيب الأوفر، والحظ الأفضل.
٩ - في السورة عدة أساليب، منها: الأمر، والنداء، والنفي، واستخدام الجملة الفعلية، واستخدام الفعل المضارع، واسم الفاعل، والدلالة على الحال، والدلالة على الاستقبال، وأسلوب التقديم والتأخير، وغيرها من الأساليب التي اجتمعت في سورة عدد آيها (٦) آيات!
١٠ - وفي السورة بيان لشجاعة النَّبي ﷺ ، حيث خاطبهم بما يكرهون، وتبرأ منهم، ولم يخش أحدًا إلا الله الذي عصمه من شرهم ومكرهم.
تلك عشرة كاملة، وإن أردت بيانًا وزيادة زدناك، والله يؤتي فهم كتابه من يشاء، ويفتح عليه بما شاء.
стр. 93
* مراجع إثرائية:
١ - إعجاز القرآن بين ابن تيمية والباقلاني، د. محمد العواجي، ط. دار المنهاج.
٢ - كتب الدكتور فاضل السامرائي، ط. دار ابن كثير.
٣ - أسرار البلاغة القرآنية في سورة (تبت يد أبي لهب)، د. محمود توفيق سعد، ط. مكتبة وهبة.
стр. 94
هل في القرآن ما يسمى بالإعجاز العلمي؟
لا شك أن القرآن الكريم جاء بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وما يسمى الآن «الإعجاز العلمي» بصورته الحالية، فيه خللٌ كبير من الناحية الشرعية، ومن الناحية التجريبية كذلك، وأكثر التفسير الواقع بالإعجاز العلمي = جهلٌ وتخرص، وعدم مراعاة لحقوق السلف وتفسيرهم مع الخلل الشديد في تطبيق العلم التجريبي على نصوص الوحي.
والحاصل: أننا نثبت أصل الإعجاز العلمي، لكننا نحذر من الإسراف المغالي في حمل الآية على مكتشف أو نظرية أو ما يدعى أنه (علمي)، ثم إنَّ ما ثبت، وهو قليل جدًّا، ليس مركزيًّا في الاحتجاج القرآني على الإعجاز.
ومن الخلل الموجود عندهم تصحيح بعض الموضوعات والأحاديث الضعيفة جدًّا لكي تقوى حجتهم، ومن العجب أنهم يقولون إنَّ تضعيف العلماء لها، إنَّما حصل لأجل عدم علمهم بالمكتشف الجديد!!
ولو تأمَّلت أكثر الذين اهتدوا بسبب الكتاب، ستجد أنهم لا يذكرون (الإعجاز العلمي) إلا على سبيل الندرة!، بل بعضهم يهتدي بمجرد السماع، وبعضهم بفهم المعاني، وأسباب كثيرة ليس الإعجاز منها!
стр. 95
وكما لا يرضى أَهْل الإعجاز العلمي بما عند المفسرين من تفسير كل ظواهر الكون التي أثبت البحث التجريبي المعاصر خطأها، فإنَّ المفسرين لا يرضون لكل واحد من الباحثين التجريبيين أن يوافق بين البحث التجريبي وما ورد في القرآن.
ونسوق نصًّا للعلامة د. محمد دراز، يقول فيه: «القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة، لا يسوق الدروس من التعاليم الدينية والأحداث الجارية وحدها، وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة، لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب، وإنما لأنها تذكر بالخالق الحكيم القدير»، ويقول: «دفع الحماس بعض المفسرين المحدثين إلى المبالغة في استخدام هذه الطريقة التوفيقية لصالح القرآن، بحيث أصبحت خطرًا على الإيمان ذاته؛ لأنها إما أن تقلل من الاعتماد على معنى النص باستنطاقه ما لا تحتمله ألفاظه وجمله، وإما أن تُعوِّل أكثر مما يجب على آراء العلماء وحتى على افتراضاتهم المتناقضة أو التي يَصعُب التحقق من صحتها، وبعد أن نستبعد هذه المبالغات عن البحث، نرى أنَّ من مقتضيات الإيمان التي لا غنى عنها أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن مع نتائج العلماء المنهجية البطيئة».
وانظر مقالة: (﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٧] بين دعاوى الإشكال والاقتباس والإعجاز العلمي!)، د. حسام الدين حامد لتتبين منهج التعامل مع النصوص المتعلقة بالإعجاز العلمي.
ومن الكتب التي يمكن الولوج إلى الموضوع من خلالها:
١ - الإعجاز العلمي إلى أين؟، د. مساعد الطيار.
стр. 96
٢ - منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية، د. سعود العريفي.
٣ - التفسير العلمي التجريبي، د. عادل الشدي.
٤ - النظريات العلمية الحديثة، د. حسن الأسمري.
٥ - الإعجاز العلمي في القرآن الكريم عرض وتقويم، د. زاهر الشهري.
стр. 97
هل في القرآن ما يسمى بالإعجاز العددي؟
سأجيب عن السؤال في عدة نقاط لئلا يتشتَّت الكلام:
١ - البحث في العدد وأسراره له سلف من فعل الصحابة والأئمة، وهو - وإن كان قليلًا - إلا أنه لم يكن متكلفًا، ودلالة الآيات عليه ظاهرة.
٢ - ظهر التكلف فيما سمي متأخرًا بالإعجاز العددي، وبدا هذا التكلف عند من تزعم هذا الأمر، واتخذته بعض الفرق الباطنية ذريعة وسندًا لآرائهم وضلالاتهم.
٣ - افتقر هذا النوع من الدراسات إلى المنهجية العلمية، ووقع الخبط والخلط فيه ظاهرًا بين من يدعون البحث فيه، ولا أَدَلَّ على ذلك من تخطئة بعضهم بعضًا في قضايا كثيرة، من أبرزها: قضية الحادي عشر من سبتمبر، وعلاقة سورة التوبة بها!.
٤ - لم ينتبه من تكلم في الإعجاز عمومًا إلى كون القرآن كتاب هداية، وإن شئت فارجع إلى كتاب الشيخ مساعد الطيار في الإعجاز ففيه إشارات نفيسة.
٥ - الإعجاز العددي ليس من متين العلم، وإنما هو من باب اللطائف والملح.
стр. 98
كأن يقول قائل: «إنَّ من اللطائف في سورة (الكوثر) أن عدد الكلمات الظاهرة في السورة عشر كلمات، وهذا يوافق اليوم العاشر من شهر الحج (شهر ذي الحجة)، وهذا من لطائف السورة، لكنه لا يدخل في حد الإعجاز، وليس من متين العلم، والله أعلم».
وأخيرًا، فبدراسة كثير من الكتب التي اهتمت بهذا اللون، يمكننا القول: إنَّ هذه الفكرة تقوم باعتماد شروط توجيهية حينًا، وانتقائية حينًا آخر، من أجل إثبات صحة وجهة نظر بشكل يسوق القارئ إلى النتائج المحددة سلفًا، وقد أدت هذه الشروط التوجيهية أحيانًا إلى الخروج على ما هو ثابت بإجماع الأمة، كمخالفة الرسم العثماني للمصاحف، وإلى اعتماد رسم بعض الكلمات كما وردت في أحد المصاحف دون الأخذ بعين الاعتبار رسمها في المصاحف الأخرى، وأدت كذلك إلى مخالفة مبادئ اللغة العربية من حيث تحديد مرادفات الكلمات وأضدادها، إلى آخر التخبط والاختلاف الذي جر إليه زعم وجود الإعجاز العددي بهذه الصورة المعاصرة، ولذا ننصح بالابتعاد عنه.
مثال للخطأ والتحكم في مسألة الإعجاز العددي:
قال أحدهم: «ورد اليوم مفردًا (٣٦٥) مرة بعدد أيام السنة».
وإذا ما نظرنا فيما جمع وجدناه جمع لفظي (اليوم) و (يومًا)، وترك (يومكم)، (يومهم)، (يومئذ)؛ لأنه لو فعل لاختلف الحساب والعد.
стр. 99
رابعًا: التفسير .. التدبر .. التأثر
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ٢٩﴾
[سورة: ص]
стр. 100
هل يحق لكل أحد أن يفسر القرآن، وما الفرق بين التفسير والتدبر؟
هذا السؤال من أهم الأسئلة التي ينبغي التوقُّف عندها، ولأجل ذلك؛ سأحاول الإجابة عليه بصورة واضحة، ولا بأس إن طالت الإجابة قليلًا، فأقول:
التفسير هو «بيان معاني القرآن العظيم»، وهذا البيان إما أن يصل إليه المفسر اجتهادًا، وإما أن يصل إليه تقليدًا.
والاجتهاد على قسمين:
١ - الاجتهاد في بيان المعنى المراد من الآية، وأئمة المجتهدين هم الحجة من الصحابة والتابعين وأتباعهم.
٢ - أن يجتهد في التخيُّر من أقوال المجتهدين السابقين، أو بناء الأقوال على أقوالهم، وهم على طبقات شتى، ومن أجلِّهم: الإمام ابن جرير، وابن عطية، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وكثير غيرهم.
وتكاد كلمة العلماء تتفق على أهمية علم التفسير، وأنَّه من أعوص العلوم، ويقصدون بذلك حقِيقةَ كَيفِيَّة الوصولِ للمعنى من الآيات، وأنَّه يحتاج إلى آلات قد لا تتيسر للإنسان إلا بجهد جهيد.
стр. 101
فالتفسير علم عظيم، خطير، جليل، وهو من أعوص علوم الشريعة، لا كما يُظَن، ومُتعَلَّقُه كلام الله تعالى، وهو شرح له وبيان عن معانيه وأحكامه، قدر الطاقة البشرية.
ومن ثَمَّ فإنَّ مسؤوليته عظيمة، والكلام فيه بغير علم كاف وتحقيق تام = من الافتراء على الله، والقول عليه بغير علم، ولذا كان كثير من السلف، أصحاب الفهوم الصحيحة، والألسن الفصيحة، يتورعون عن الكلام فيه بحرف، ويقولون: الله أعلم بما قال، وما عندهم من العلم في القرآن أعظم مما عند أكبر كابر في الخلف.
وكثير من الناس يظن أن التفسير مجرد (تأليف)، وكتابة إنشاء حلوة حول الآيات، كتفسير نص شعري، ولربما سماه تأملًا، أو خواطر، وغير ذلك، ولا يغني هذا عن التبِعَة المذكورة.
أما التدبر فأقرب ما يمكن أن يقال في تعريفه، أنه «تأمل القرآن بقصد الاتعاظ والامتثال»، أو «الوقوف مع الآيات والتأمل فيها، والتفاعل معها؛ للانتفاع والامتثال».
وهذا التدبر لا بد أن يسبقه فهم للمعنى المراد من الآية، إذ محل التدبر مدلولات الآيات.
وعليه، فيمكن التفريق بين التدبر والتفسير من عدة وجوه:
١ - أنَّ التفسير هو كشف المعنى المراد في الآيات، والتدبر هو ما وراء ذلك من إدراك مغزى الآيات ومقاصدها، واستخراج دلالاتها وهداياتها، والتفاعل معها، واعتقاد ما دلت عليه وامتثاله.
стр. 102
٢ - أنَّ التدبر أُمر به عامة الناس للانتفاع بالقرآن والاهتداء به، ولذلك خوطب به ابتداءً الكفار في آيات التدبر، والناس فيه درجات بحسب رسُوخ العلم والإيمان وقوة التفاعل والتأثر.
وأما التفسير فمأمور به بحسب الحاجة إليه لفهم كتاب الله تعالى بحسب الطاقة البشرية، والناس فيه على درجات أيضًا.
٣ - أنَّ التدبر لا يحتاج إلى شروط إلا فهم المعنى العام مع حسن القصد وصدق الطلب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، أمَّا التفسير فله شروط ذكرها العلماء، لأنه من القول على الله، ولذا تورع عنه بعض السلف.
ومما ينبغي التأكيد عليه: أن يُعلم أنَّ الناس على درجات متفاوتة في التدبر بحسب آلاتهم وإمكاناتهم، فليس تدبر العالم المتبحر في الشريعة كتدبر العامي، ولكل درجات، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
على أن كثيرًا من الناس قد يتجرأ على كتاب الله تعالى فيفسره بمعهود قومه، أو بما يهجم على خاطره من المعاني، وقد يسمي ذلك (الخواطر أو التأملات أو التدبر أو غير ذلك)، وهذا من الخطأ ومجانبة للصواب.
فلا بد من العلم أنَّ الله تعالى حين شرع التدبر للناس لم يشرع لهم أن يتجرؤوا على كتابه، بل هذا أمر لهم بتحصيل الآلة المعينة على تدبر القرآن.
والتأثُّر بالقرآن يحصل للمتدبر، وقد لا يحتاج الإنسان لكي يتأثر بالقرآن إلى تأمل عقلي، أو حتى إلى معرفة عميقة بالدلالات، بل إنَّ بعض المشركين، وبعض الأعاجم يقع عنده من التأثر بالقرآن مع عدم معرفة المعنى، إذ للقرآن سطوة على النفوس!
стр. 103
تنبيه مهم:
هناك فرقٌ بين التفسير والمعلومات الموجودة في كتب التفسير، فليس كل معلومة موجودة في كتب التفسير هي من صلب علم التفسير، إذ كل علم له بالقرآن تعلق، وقد يستطرد المفسر في علم برع فيه، فيتكلم عليه في سياقات كلامه عن الآيات، وقد يذكر بعض اللطائف والفوائد وغير ذلك.
وهذه اللطائف والفوائد هي في الحقيقة نوع من التدبر للقرآن المجيد.
* مراجع إثرائية:
١ - أول تدبر، د. نايف الزهراني.
٢ - القواعد والأصول، وتطبيقات التدبر، د. خالد السبت، ط. الحضارة.
٣ - الخلاصة في تدبر القرآن، د. خالد السبت، ط. الحضارة.
стр. 104
نسمع عن لون من ألوان التفسير، وهو: (التفسير الإشاري) فما معناه، وما حكمه؟
مصطلح التفسير الإشاري يطلق على معانٍ، منها حقٌ، ومنها باطل.
فأما الحق الذي فيه، فهو (تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأهل العلم بالقرآن، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد).
وأما الباطل الذي فيه، وقد يسمى: (التفسير الباطني/ الصوفي/ الإشاري)، فيخضع لمبدأ حاكم، وهو:
١ - استبدال مبدأ الدلالة (اللغوية) الظاهرة بمبدأ الدلالة (الرمزية) الباطنة.
٢ - استبدال مبدأ (عمومية إمكان معرفة المعنى) - من خلال الاعتماد على بيان قائل النص (الله)، أو مبلغه (الرسول) - بمبدأ (خصوصية معرفة المعنى) عن طريق الاعتماد على علم اختص به أناس دون غيرهم، وهم:
إمَّا الأئمة المعصومون من (آل البيت)، كما عند الشيعة الإمامية أو الإسماعيلية.
أو الأولياء الذين يفتح الله عليهم، ويكشف لهم هذه المعاني الباطنة - كما عند الصوفية - عن طريق ما يُسمى عندهم ب (الكشف).
стр. 105
ولمزيد من المعرفة بهذه الطوائف، والمبادئ التي اعتمدوا عليها، يرجى مراجعة كتاب: (العقائدية، وتفسير النص القرآني)، للباحث الأستاذ: ياسر المطرفي.
* وتعود كثير من التفاسير الإشارية وتفاسير الوعاظ وما يذكره بعض المعاصرين من فوائد الآيات = إلى الاستنباط.
وهذه الفوائد والإشارات على قسمين:
القسم الأول: أن تكون هذه الفوائد والإشارات صحيحة بذاتها، لا تخالف أمرًا من أمور الشريعة، وهي على قسمين من حيث ربطها بالآية:
أولًا: أن يكون الربط صحيحًا؛ أي: أن يكون بين الفائدة المذكورة والآية ارتباط بوجه ما.
ثانيا: أن يكون الربط بالآية غير صحيح، فالكلام باستقلاله صحيح، ولكن ربطه بالآية خطأ؛ لأن الآية لا تدل عليه.
القسم الثاني: أن تكون هذه الفوائد والإشارات غير صحيحة بذاتها، لأنها تحمل خطأ ما، وفي هذه الحال فإنَّ ربطها بالآي خطأٌ.
وهذا النوع من التفسير هو نوع من الاستنباط لا يقبل إلَّا بشروط ذكرها المفسرون لا تجد تفاسير الصحابة خارجة عنها، والشروط هي:
١ - أن لا يُناقض معنى الآية.
٢ - وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه.
٣ - وأن يكون في اللفظ إشعارٌ به.
٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
стр. 106
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا.
وعند محاكمة تلك الاستنباطات إلى هذه الشروط نجدها تتوافق مع المنقول من تفسيرات الصحابة دون توافقها مع المنقول من التفاسير الباطنية المنقولة عن الشيعة أو الإسماعيلية أو بعض المتصوفة.
وبمعنى آخر: إنَّ طريق الوصول إلى الباطن في تفسير الصحابة والتابعين يكون من خلال الظاهر عن طريق دلالة التمثيل، أو دلالة الإيحاء، أو دلالات اللغة، أو المقام، أو السياق بحيث يظهر للمطلع عليه تناسبٌ بين الظاهر والباطن الذي آل إليه.
بخلاف التأويل عند الباطنية الذي لا يُتَوَصَّل إليه من خلال الظاهر، بل من خلال الإمام المعصوم أو الولي المكاشف، ولذلك لا تناسب بين الظاهر والباطن الذي آل إليه ألبتة!
ولكن هذا لا يعني عدم وجود تفسيرات إشارية عند هؤلاء هي من جنس ما عند الصحابة، فهذا قد يوجد كما يوجد عند غيرهم، لكن الشأن فيما هو من خصائص تفسيرهم الذي لا وجود له عند الصحابة، فهذا النوع يحكم ببطلانه.
ومن أمثلة التفسير الإشاري عند الصحابة، ما ورد عن ابن عباس، قال: «كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: «إنه ممن قد علمتم» قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ٢﴾ [النصر: ١ - ٢] حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، أو لم يقل بعضهم شيئا، فقال لي: يا ابن عباس، أكذاك
стр. 107
تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له: إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، فذاك علامة أجلك: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]، قال عمر: (ما أعلم منها إلا ما تعلم)»، [رواه البخاري: (٤٢٩٤)].
ومن أمثلته: الربط بين فهم القرآن وطهارة القلوب في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، قال البخاري (ت: ٢٥٦) ﵁: «﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة: ٧٩] لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلا الموقن»، [صحيح البخاري: (٩/ ١٥٥)].
ففهم البخاري (ت: ٢٥٦) من إشارة الآية، أنَّه «لا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي إلا القلوب الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه. فتأمَّل هذا النسب القريب وعقدَ هذه الأخوة بين هذه المعاني وبين المعنى الظاهر من الآية، واستنباطَ هذه المعاني كلِّها من الآية بأحسن وجه وأبينه»، [أعلام الموقعين عن رب العالمين: (١/ ٤٥١)].
قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): « .. فهذا من نوع القياس فالذي تسميه الفقهاء قياسًا هو الذي تسميه الصوفية إشارة.
وهذا ينقسم إلى: صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك.
فمن سمع قول الله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] وقال: إنه اللوح المحفوظ، أو المصحف فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين = كان هذا معنى صحيحًا واعتبارًا صحيحًا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف»، [مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٤٢)].
стр. 108
ما المراد بالأحرف المقطعة، وما قصة تفسير القرآن بالآرامية؟
الأحرف المقطعة: أحرف هجائية (لا معنى لها، ومغزاها تحدي العرب)، وإخبارهم أن القرآن مؤلف من جنس هذه الحروف، ولها هدف آخر، وهو: (التَّشويق وإثارة الانتباه).
والقرآن أَنزله الله بلسان عربي مبين، وظل العلماء يفسرونه عبر مقتضى لغة العرب جيلًا بعد جيل، حتى طل علينا في هذه العصور من يزعم أن القرآن لا يفسر إلا عبر لغة أخرى هي: الآرامية، وهي إحدى اللغات السامية، والتي كانت منتشرة في فترة قديمة.
وهذا الزعم، يقتضي عدة أمور، تدعونا عند تأملها إلى الانتهاء إلى بطلانها، ومن مقتضياتها:
١ - أنَّ النبيَّ ﷺ وصحابته لم يفهموا القرآن على وجهه، ولا عقلوا مراد الله تعالى منه، ومن باب أولى من جاء بعدهم من المسلمين.
٢ - أنَّ هذا التراث الإسلامي الضخم من تفسير وفقه وحديث وأصول وغيرها كله لا قيمة له! أو على الأقل هو محل الشك والارتياب لأن أصحابه
стр. 109
الذين أنتجوه واعتمدوا في أكثره على القرآن الكريم لم يفهموا مراد الله ولا عرفوا مقصوده، فكيف لهم أن يستنبطوا منه هذه الأحكام والمسائل وهم لم يعرفوا الآرامية، وهي الشرط عند أصحاب هذا الزعم لفهم القرآن؟ وكيف سنثق بتراثنا الفقهي المبني على الكتاب والسنةِ إذا كان أعلامُهُ لم يفهموا كلام الله؛ لأننا نعرفُ أن أكثرهم لم يدرس الآرامية ولم يشتغل بها.
٣ - ويقتضي هذا الزعمُ أن دارس الآرامية يفهم القرآن أكثر من دارس العربية المختص بها! وعندئذٍ لا معنى لقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]!! ولا معنى لأحد عشر آيةً نصتْ على عربية القرآن! بل يصدقُ عليه حينئذٍ أنه قرآن آراميٌّ غير ذي عوج!
٤ - ويقتضي هذا الزعم أن نتحير في التعامل مع حديث النَّبي ﷺ ، فما الذي سنفعله بالحديث النبويِّ الذي جاء بذات الألفاظ الموجودة في القرآن، هل سنزعمُ أيضًا أنه ذو جذور آرامية ونفسره على هذه الوجه؟ أم سنجري الحديث النبوي على مقتضى العربية ونقتصر في التفسير الآرامي على القرآن الكريم فيكون لدينا معنيان متعارضانِ للفظِ الواحدِ؟ الحور العين مثلًا في الحديث النبوي هل هي العنب كذلك كما يزعمه أصحابُ المدخل الآرامي؟ وهل نتكلف تفسيرها بهذا؟ وماذا عن قوله ﷺ : (له سبعون من الحور العين)؟ هل هي سبعون حبة عنب؟ أم سبعون عنقودًا؟ أم سبعون جفنة؟ وإذا كانت سبعين عنبة .. فماذا عمن نُصَّ أنَّ له اثنتين من الحور العين؟ هل سيكون نصيبه في الجنة عنبتينِ مثلًا؟ وهل هذا غايةُ نعيمه؟! وكيف نصنع بقوله ﷺ : (زوجتان من الحور العين)، زوجتانِ من العنب مثلًا؟ وقوله في صفة الحور العين: (ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)، والنصيف الخمار، كيف نفهمه؟ وهل تلبس العنبةُ خمارًا ثم يكون خمارها خيرًا من الدنيا وما فيها؟
стр. 110
هكذا يذهب بنا المدخل الآرامي إلى حالة من التشظي والتفكك بين الوحيين، أو حالة من التكلف المعيب الذي لا يقبله عقل ولا منطق.
هذه كلها مقتضياتٌ مباشرةٌ، ولوازم عقلية لا فكاكَ منها، فإذا أضفتَ إلى ذلك إمكانيةَ أن يكون مدخلًا كما أسلفنا للطعنِ والتشكيك في كتابِ الله فإنَّ الأمر يعظُمُ عندك ويكبُرُ.
ويمكن الرجوع لسلاسل د. سامي عامري، في بيان تلك المسألة، وهي بعنوان: (سلسلة: شبهة القراءة السريانية للقرآن .. تزييف التاريخ وتحريف اللغة)، (شبهات وسائل التواصل حول الإسلام ومقدساته).
ومقال الدكتور عادل بانعمة: (القرآن الكريم والمدخل الآرامي، تعليقات حول تفسير القرآنِ العربيّ بمقتضى اللغةِ الآرامية)، ومقال: (نقد دعوى تفسير القرآن باللغة الآرامية، ردود متفرقة في مكان واحد).
следующие страницы →