Полный текст (228 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
لكنَّ بحثهم للدنيا لا لمراعاة الآخرة وشؤونها، وكذلك كان سلفهم من المنافقين.
وقد أظهر الله سريرتهم في أكثر من سورة من أجلِّها السورة الفاضحة (سورة التوبة).
إنهم ينفقون أموالهم، لكنها رِئَاءَ الناس.
إنهم لا يقيمون للدين وزنًا، ولو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوه.
إنهم يبنون المساجد، لكنَّها مساجد الضرار، ما التقوى أرادوا ببنائها.
وليحلفنَّ إن أردنا إلا الحسنى!
إنَّ اقتصادهم يحركهم، يخافون من انهياره، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩٣]!
لكنهم لا يقيمون لانهيار دين الناس وزنًا.
ومع ذلك يتبجحون قائلين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]!
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
سورة يونس
(١) ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم﴾ [يونس: ٢٣]!
ما من ذنب أجدر أن يعجِّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة، من البغي.
стр. 177
(٢) ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ - ٧٠]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
الافتراءُ على الله تعالى وطمس الحق عادة الطغاة والذين يشرعون لهم، والله يُذْهِبُهُ ويمحقُه، متاعٌ قليلٌ، ويذيقُهم الله العذاب الشديد المؤلم.
سورة هود
(١) قال هود لقومه: ﴿إنِّي أُشْهِدُ الله واشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ ممَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥].
إنَّ هذه آية من آيات الله في أنصار الحق، وعبرةٌ من العبر، من آيات الله فيهم أن يزيل من قلوبهم هيبة الظالمين، وخشية المفسدين؛ «لأنَّ قلوبهم امتلأت بالخشية من الله والخوف منه، ولأنَّهم واثقون بضعف كيد الشيطان، وأنصار الباطل، وقد أرانا الله - تعالى - أنَّ الباطل لَجْلَج، وأنَّ الحق واضح أَبْلَج، وأنَّ العاقبة لأوليائه، والخذلان لأعدائه، وقدوتنا الحسنة في ذلك أئمة الهدى، وهداة البشر، مَنْ اختارهم الله - تعالى - لقيادة الناس، وسعادة الإنسانية، فهم الذين يرسمون لنا طريق الدعوة، ويعرفوننا الاستهانة بالباطل، وإكبار الحق، ومن أجل ذلك كانوا أشجعَ الناس قلوبًا، وأوثقهم عقيدة، وأربطهم جأشًا، تضطرب الأرض ومن عليها بفساد المفسدين وهم لا يضطربون، وتضجُّ من هول الجبابرة
стр. 178
والمستكبرين، وهم على دينهم دائبون، وبدعوتهم معتصمون، وعلى ربهم متوكلون»، [دعوة الرسل، محمد أحمد العدوي].
(٢) بعد سردٍ تاريخي موسع لقصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في سورة (هود)، وذكر لعناد أقوامهم، واستعراض لمسيرة الدعوة الإسلامية في التاريخ البشري كله، وبيان أصولها، ذكرت السورة انقسام الناس في الآخرة إلى سعداءَ وأشقياء.
وذكرت السور أوصاف السعداء ليأتي في مقدمها: عدم السير في ركاب الظلمة.
إنَّ من أهم الصفات التي يتحلى بها أتباع الأنبياء من الدعاة والمصلحين ألا يناصروا ظالمًا قط، وألا يمضي أحدهم في ركابه، وألا يبيع أحدهم دينه ليرضي ظالمًا، ومن أعان ظالمًا بُلي به.
انتقم الله من الظالمين، وحشرنا في زمرة المصلحين، وبصَّرنا بالحق، وجعلنا من أهله.
سورة يوسف
(١) قال إخوة يوسف: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩].
«قديمًا قيل: من طلب الكل فاته الكل فلما أرادوا أن يكون إقبال يعقوب ﵇ بالكلية عليهم قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: ٨٤]»، [لطائف الإشارات = تفسير القشيري: (٢/ ١٧٠)].
стр. 179
(٢) «البلاء إذا هجم هجم مرة، وإذا زال زال بالتدريج!
حلَّ البلاء بيعقوب مرة واحدة حيث قالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٧]، ولما زال البلاء .. فأولًا وجد ريح يوسف ﵇، ثم قميص يوسف، ثم يوم الوصول بين يدى يوسف، ثم رؤية يوسف»، [لطائف الإشارات = تفسير القشيري: (٢/ ٢٠٥)].
(٣) صبر يوسف عن لقاء الملك، فأبدله الله عزًّا وملكًا، فمن قول الملك: ﴿ائتوني به﴾ [يوسف: ٥٠]، إلى قوله: ﴿ائتوني به أستخلصه لنفسي﴾ [يوسف: ٥٤]!
فكيف لو صبرت عن شهواتك المحرمة؟! صبر ساعة، ونجاة الدهر.
(٤) «قال بعض أهل التأويل: في هذه الآية، أي قوله: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾ [يوسف: ٥٥] = ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء وأما إن كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره، فلا يجوز له ذلك»، [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٣/ ٢٥٦)].
(٥) بعض التهم تحتاج إلى سكوت منك وتغافل، لا ترد عليها، وثق أنهم يومًا ما سيعرفون الحقيقة!
﴿قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم﴾ [يوسف: ٧٧]!
(٦) لا ينفكُّ المحب عن ذكر حبيبه وإن طال الزمن!
﴿قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين﴾ [يوسف: ٨٥].
стр. 180
(٧) طال انتظار يعقوب غير أنه لم ييأس، وابيضت عيناه من الحزن غير أنه لم يقنط.
ونصح قائلًا: ﴿لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: ٨٧] .. اللهم رحمتك.
(٨) قال الكريم لرسول الملك: ﴿ارجع إلى ربك فسأله ما بال النسوة﴾ [يوسف: ٥٠]، «فنكب عن ذكر امرأة العزيز حسن عشرة، ورعاية لزمام الملك العزيز له»، ابن عطية.
قلت: وفي قوله سبحانه عن الكريم سليل الكرام: ﴿وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن﴾ [يوسف: ١٠٠]!
تنبيهٌ على خلق عظيمٍ جدًّا.
فإنَّ يوسف لم يذكر خروجه من الجب = مع كونه أشد، وأعظم، إذ كان غلامًا صغيرًا وحيدًا في جُبٍّ مظلم متروك للأهوال والمخاوف.
لم يَذْكر الجب، وذكر السجن = لئلا يؤذي مشاعر إخوته [وهم الذين رموه في الجب]، وقد عفا عنهم قبل قليل.
اللهم صل على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم!
(٩) قد يطُول الطريق حتى تبصر لطف الله بك، فلا تأخذك العجلة، ﴿إن ربي لطيف لما يشاء﴾ [يوسف: ١٠٠].
(١٠) حين يعاين المؤمن نعم الله التي تتوالى عليه تترى؛ يتشوَّف للنعيم الخالد فينطلق لسانه داعيًا ﴿توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١].
(١١) في ختام السورة العظيمة، ابتداء تنبيه من الله تعالى على الطريق الحق، ﴿إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ [يوسف: ١٠٤]، «ابتدأ الله تعالى الإخبار عن
стр. 181
كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع العالم - نفعنا الله به وَوَفَر حظَّنا منه بعزته -»، [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٣/ ٢٨٥)].
(١٢) ﴿ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون﴾ [يوسف: ١٠٩]؟!
لم يكن الكريم يوسف حين قصَّ الرؤيا على أبيه يعلم ما تحمله له الأيام في طياتها، ولم يكن أبوه يعلم حين أخذ ولده منه إلى ما يصير.
لم يكن يوسف على علمٍ لم هذه البلاءات المتتالية، لم الجبُّ، والنِّسوة، والسجن؟
لم فارق أباه؟
لم حسده إخوته؟
لم ظُلِم ووضِعَ في السجن؟
لكنه أدرك كل هذا، وكانت الحكمة العظيمة: ﴿إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم﴾ [يوسف: ١٠٠]!
فكم لله من لُطفٍ خفي … يَدقُّ خفاه عن فهمِ الذَّكي
وكم يسرٍ أتى من بعد عسرٍ … ففرَّج كربةَ القلبِ الشَّجي
وكم أمرٍ تُسَاءُ به صباحًا … فتأتيك المسرة بالعشي
(١٣) في سورة الكريم سليل الكرماء، يوسف عبر عظيمة وآلاء جسيمة، تأمَّل كيف أنجاه الله من حسد إخوته، بوضعه في الجب، ثم أنجاه من الجب، إلى بيت العزيز.
وأنجاه من كيد النسوة، بوضعه في السجن، ثم أنجاه من السجن، ليكون العزيز.
стр. 182
خفضٌ ورفعٌ، ومحنة فمنحة= هذه هي الدنيا، ومع ذلك أعلنها حقيقة مدوية:
﴿توفني مسلمًا، وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١]!
(١٤) قميصُ يوسف: دل على كذب إخوته، ودل على براءته من الفاحشة، ورد الله بصر يعقوب به، فسبحان من يتصرف في الكون بالتدبير واللطف.
(١٥) بعض المحبة بلاء، وفي قصة الكريم يوسف النبأ = أحبته عمته، وأحبه أبوه، وأحبته امرأة العزيز، فابتُلِيَ من جرَّاء تلك المحبة بما لا يخفى!
(١٦) مهما امتلأت حياتُك بالأحداث فلا بد أن تكون غايتك كغاية يوسف ﵇، فإنَّ حياته المليئة بالأحداث بين محنة ومنحة، وبيع ومُلْك، وفراق واجتماع، ووحشة وأُنْس.
إلا أنه ختم قصته بقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
وقال جدُّه الخليل: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٣ - ٨٥].
وقال حفيده سليمان: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: ١٩].
(١٧) «أطول الناس حزنًا من لاقى الناس عن مرارة، وأراد تأخير من قدَّمه الله، أو تقديم من أخَّره الله فإخوة يوسف ﵇ أرادوا أن يجعلوه في أسفل الجبِّ فرفعه الله فوق السرير!»، [لطائف الإشارات = تفسير القشيري: (٢/ ١٧٠)].
стр. 183
سورة الحجر
(١) بعضُ الناس إذا ابتلي بذنب ومعصية أدركه اليأس والقُنوط، فيدفعه إلى الاستمرار بالذنب والمجاهرة به، والإصرار عليه.
وهذا كفعل إبليس، إذ قال لربه: (فأنظرني إلى يوم يبعثون) [الحجر: ٦٦]، فسَأَل تأخير عذابه زيادة في بلائه كفعل الآيس من السلامة، نسأل الله العافية.
أمَّا آدم ﵇ فإنه تاب فتاب الله عليه، ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
(٢) جاء قوله تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾ [الحجر: ٨٨] بعد قوله سبحانه: ﴿﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
والمعنى: «قد أغنيتك بالقرآن عمَّا في أيدي النَّاس، فإنَّه ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن، أي ليس منَّا من رأى أنَّه ليس يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارِفِ الدنيا وعندَه معارِفُ المولى»، [الجامع لأحكام القرآن: (١٠/ ٥٦)].
سورة الكهف
الكليم موسى، والخضِرُ المعلَّم يستطعمان أهل قرية فيقابلوا بالرفْضِ والإِبَاء!
فأيُّ قيمة للدنيا إذًا؟!
стр. 184
قال سبحانه: ﴿فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما﴾ [الكهف: ٧٧]، «وهذه عبارةٌ مصرحةٌ بهوَان الدنيا على الله»، [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: (٣/ ٥٣٣)].
سورة مريم
﴿ذكرُ رحمت ربك عبده زكريا﴾ [مريم: ٢] .. الذي أَعْلَن رحمة الله به، وأنه لم يخيب له دعاءً ﴿ولم أكن بدعائك رب شقيًا﴾ [مريم: ٤].
يقول: ولم أشْقَ يا رب بدُعَائِك، لأنَّك لم تخيب دعائي قبلُ إذْ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قِبَلَك.
وخافت الشريفة البتول مريم على عرضها، فاستعاذت بالرحمن، ليَقِيَها شرَّ من ظنَّت أنه يتهجم عليها، فأجابها أنَّه رسول ربها ﴿ليهب لك غلامًا زكيًا﴾ [مريم: ١٩].
في ساعات الضيق = تكون الرحمة، ومع الشدَّة يأتي الفرج، إنَّنا نتعامل مع الله الرحمن .. الكريم .. اللطيف.
وحينها نطق عيسى في المهد، ليعلن براءة أمه، وليخبر الناس - كل الناس - أنَّه عبد لله .. الله هو الحق، وهو الذي يظهر الحق، وهو الذي يقضي الحق، وهو خير الفاصلين.
стр. 185
سورة الأنبياء
لم تكن دعوةُ الأَنبياء مقصورة على بيان الحق وإيضَاحِه فحسْب، بل جمعوا إلى ذلك هدم الباطل، وتقويض صروحه، وإعلانِ البراءة منه، ومن أتباعه، وبيان وجهه القبيح.
لقد قال الخليل لقومه: ﴿أفٍ لكم ولما تعبدون من دون الله﴾ [الأنبياء: ٦٧]، وقال موسى: ﴿رب بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيرًا للمجرمين﴾ [القصص: ١٧].
ومن أصول الدين العظيمة الحبُّ في الله، والبغض في الله.
سورة الشعراء
إياك أن تهون من الوعظ، وترقيق القلوب:
فإنَّ قومًا بلغت بهم الحال إلى أن صارت مواعظ الله، التي تذيب الجبال الصُّم الصلاب، وتتصدع لها أفئدة أولي الألباب، وجودها وعدمها - عندهم - على حد سواء = لقوم انتهى ظلمهم، واشتد شقاؤهم، وانقطع الرجاءُ من هدايتهم.
ولهذا قالوا: ﴿سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين﴾ [الشعراء: ١٣٦]!
نسأل الله العافية.
стр. 186
سورة القصص
(١) العجيب أنَّ سورة القصص لا تحوي إلا قصة موسى ﵇، وقصة قارون لعنه الله!
لكنها في حقيقتها قصص فريدة تمتزج امتزاجًا عجبًا.
تبدأ بذكر تمكين المستضعفين.
فقصة الطاغية.
فقصة وزير الطاغية.
فقصة جنود الطاغية.
فقصة أم موسى.
فامرأة فرعون.
فأخت موسى.
فنشأة موسى.
فمعصية موسى، وتوبته.
فصاحب سوء لا يأمر إلا بالشر، ولا يأتي منه إلا شر.
فرجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، نصَّاح لموسى، خائفٌ عليه وعلى دعوته.
فهرب موسى من مصر، وخوفه.
فمشهد مدين، وامرأتان تذودان لأن أباهما شيخ كبير.
فشهامة موسى ومساعدته لهما على فاقته وجوعه.
فقصة الشيخ الكبير الذي آوى موسى وهدَّأ روعه.
стр. 187
فنعمة الله على الخائف الطَّريد بتزويجه وتعدُّد الإنعام عليه.
فقصة النور الذي آتاه الله لموسى.
فقصة سؤال موسى ربه أن ينعم على أخيه بالنبوة، لنعلم أنَّ الوظائف الدينية لا تتزاحم.
فقصص مجملة، تحوي مصير أمم أهلكها الله، قرى طغت وتجبرت.
ثم قصَّة الطغيان الاقتصادي بذكر مثال له، وهو قارون.
فقصَّة الجهلة الذين فرحوا به وتمنوا حاله.
فدورُ أهل العلم في إصلاح رؤية الجهلة، لأنهم أبصَروا الحقيقة التي جهلها هؤلاء.
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
فقصة خروج النبي ﷺ من مكة، ووعد الله له بالرجوع إليها في موعد يعلمه الله.
سبحانك .. سبحانك كل شيء هالك إلا وجهك، لك الحكم، وإليك المرجع.
(٢) ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ [القصص: ٥ - ٦]!
تأمَّلوا هذه العظمة والإحاطة في الحديث عن المن، وجعل المؤمنين أئمة ورثة، والتمكين، والمكر بالظالمين!
стр. 188
إنَّ المُؤمن يأوي إلى ركن شديد، فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدًا، وعليك بالظالمين ومن عاونهم.
(٣) أرسل الله تعالى موسى لفرعون (الذي يمثل سلطة الحكم)، وهامان (الذي يمثل سلطة الدين)، وجمع الله بينهما مع قارون (الاقتصاد)، فقال:
﴿إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾ [القصص: ٨].
﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون﴾ [غافر: ٢٣]، وغيرها.
فتأمَّل كيف جمع بينهما، ونسب الجنود لهما جميعًا!
فلكل فرعون هامان يخاف على سلطته ونفوذه، ويقلب الحق باطلًا والباطل حقًّا.
والله تعالى ينتقم منهم جميعًا ويأذن بهلاكهم ليكونوا لمن خلفهم آية.
(٤) من شِيَم الكرام مساعدة من يحتاج المساعدة، عرفه أو لم يعرفه، طلب منه أو لم يطلب، ذكرًا كان أو أنثى!
ألا ترى إلى الكليم، كيف حَمَله نبلُ أخلاقه وجميل صفاته، حين رأى ابنتي الرجل الصالح تذودان، وسألهما: فأخبراه الخبر،
﴿فسقى لهما﴾ [القصص: ٢٤]، بلا عوض طلبه، إلا الأجر من الكريم.
فأكرمه الله، وأمَّنَه، وزوَّجه، وصار من المرسلين.
(٥) ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧]!
هكذا أهل العلم حين ينصحون، يوجزُون في اللفظ، ويبدعُون في المعنى.
(٦) العالم بالله وأمره إن أبصَرَ الحق = بصَّر الناس به، وحثَّهم عليه!
стр. 189
﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا﴾ [القصص: ٨٠]!
(٧) العلماءُ حقًّا لا يميلون لأهل الدنيا، ولا يلهثون وراءهم طلبًا لأموالهم، بل لهم عزة ومنعة، ونصحٌ لمن مَال: ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحًا﴾ [القصص: ٨٠]!
وكم من عالم مَالَ لأهل الدنيا - بتأويل وبغير تأويل - فأفسدوا عليه دنياه وآخرته، وشانُوه واحتقروه.
ولو أنَّ أهل العلمِ صَانوه صانهم … ولو عظَّموه في النفوسِ لعظما!
سورة العنكبوت
(١) في سورة العنكبوت تثبيتٌ لأهل الإيمان أمام طواغيت الأرض، فيها ثباتٌ وصبر على المحن، فيها نصر لأهل الإيمان، فيها أن العاقبة لهم.
في سورة العنكبوت بيان أنَّ الأرض لله، وأنَّ فيها متسعًا لمن ضيق عليه في دينه.
فيها أمر ببلاغ القرآن .. بلاغ القرآن .. بلاغ القرآن، ووصف لحملته.
ذكر الله في سورة (العنكبوت) وَهَنَ الطواغيتِ وأتباعهم، وكيف أن الله أهلكهم وما كانوا سابقين.
فيها بيان لأهل الإيمان ألا يتخذوا من دون الله أولياء!
стр. 190
فيها بيان الجزاء الأخروي، وأنَّ الغُرَفَ للذين آمنوا وعملوا الصالحات، العاملين بأمر الله، الصابرين على نعمائه وبلائه.
فيها أن الرزق بيد الله لا بيد غيره.
فيها وفيها، فاملؤوا أَنْفُسَكُمْ من الوحي، عظِّموه، أزيلوا به رانًا على هاتيك القلوب، وظلمة في تلك النفوس!
﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت: ٥١].
﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون!﴾ [العنكبوت: ٦٤].
﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩].
إنه وحي فتعرضوا له!
(٢) إذا كان المقصدُ الله؛ ستجد المعِين الذي يأخذ بيدك إلى الآخرة، فيصير لك وليًا حميمًا شافعًا.
وإذا كان المقصد غير الله؛ سيجد المعين كذلك، والمجامل، ومن لا يعتقد اعتقاده لكنه يريد دنياه.
لكن: سيكفر يوم القيامة بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضًا!
قال الخليل: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
هؤلاء قومٌ أحب بعضهم بعضًا، بحيث لا يخالف أحدهم محبوبه وإن لاح له أنه على ضلال.
стр. 191
والعاقل من علم أنَّ اللذات العاجلة لا عِبرة بها إن كانت تَعقِبها ندامة آجلة.
«ويدخل في هذا كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات، أو خوفًا من أن يصفوه بكثافة الطبع وسوء الصحبة.
ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان، ومصافاة الخلان، معرضين عن رضى الملك الديان»، [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: (١٤/ ٤٢٤)].
(٣) عملية الإصلاح شاقة لا تُنَال بالراحة، بل يُرحَل إليها على جسر من التعب، وفي آخر سورة العنكبوت، بعد الحديث عن الفتنة في الدين والدنيا، وَضَعَ العلاج فقال سبحانه الكريم:
﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: ٦٩]!
فاصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله،
= لعلكم تفلحون.
سورة فصلت
(١) أتدري ما الأهوال؟!
أنَّ الإنسان قد يستخفي عن كل أحد، لكنه لن يستخفي عن جلده، ولا عن سمعه وبصره، وكيف يفعل وبهذه الآلات يستمتع؟!
стр. 192
وهذه الآلات نفسها هي التي تشهد عليه يوم القيامة، فتأمل هذا الحوار الذي أخبرنا الله عنه، بعد أن يختم الله على لسان العبد، ثم يأمر الجوارح فتتكلم، فيشهد على العبد ما لا يمكن أن يستتر عنه فقالوا:
﴿لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٢]،
لكن المصيبة حقًّا هي الغفلة عن نظر الذي لا تخفى عليه خافية،
﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٤]!
فاللهم استرنا!
(٢) من استعْمَلَه الله تعالى لدعوةِ الناس، والأَخذ بأيديهم إلى طريق الله= فإنه على خير عظيم، امتدحه الله، وأثنى على أهله،
﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا، وقال إنني من المسلمين﴾ [فصلت: ٣٣].
فلله درهم كم من عاصٍ تاب بسببهم، وكم من ضالٍ رجع بجميل خطابهم، هم الأَدِلَّاءُ على الله، وقد حازوا شرف التبليغ عن رسول الله.
والرجل منهم، إن وقف على ما يحسن، ولم يتكلم إلا فيما يتقن، فقد فاز والله بخيري الدنيا والآخرة.
وكثيرٌ من العلماء والأئمة هداهم الله وسلك بهم طريق العلم بسبب داعية موفق، فكان العالم وما عمل في ميزان هذا الداعية.
стр. 193
(٣) القواعد العشر في الدعوة إلى الله:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٦].
القاعدة الأولى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله).
أعلن تدينك ولا تخفيه، أشهر سلوكك الإسلامي، وانتماءك الحضاري، وصبغتك الربانية، وكونك من أمة محمد ﷺ ! عش بهذا المنطق، فاعرف ربك وعرف به.
القاعدة الثانية: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا).
الاستقامة على قولك ربنا الله، فاستقم عليه عقيدةً وسلوكًا، ظاهرًا وباطنًا، خوفًا ورجاء؛ تكن من الصادقين.
القاعدة الثالثة: (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا)، إلى قوله تعالى: (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ).
التبشير وعدم التنفير، وذلك ببناء الكلام في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ على قصد تحبيب العباد في رب العباد، وقلما ذكر
стр. 194
الترغيب في القرآن إلا وذكر معه الترهيب، فهما حقيقتان متلازمتان، إلا أن ضابط ذلك وجماعهما هو التحبيب.
القاعدة الرابعة: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله).
الدعوة إلى الله لا إلى ذات الهيآت والمنظمات، اجعل الله غايتك على كل حال، واتخذه هدفًا لدعوتك: تتعرف عليه وتعرف به؛ تكن أحسن القائلين في الدين.
القاعدة الخامسة: (وَعَمِلَ صَالِحًا).
العمل الصالح أساس الدعوة إلى الله، وعلى رأسه الصلاة، فاجعل عملك صالحًا حتى تكون به مصلحًا؛ ويأجرك الله مرتين.
القاعدة السادسة: (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
إعلان الانتماء لكل المسلمين، والحرص على عدم تفريق وحدتهم العامة.
القاعدة السابعة: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ).
مبدأ ثابت من مبادئ القرآن، فاثبت عليه، لا يستوي الخير والشر، لا يستوي الحق والباطل، لا يستوي المعروف والمنكر، لا يستوي الكلام الطيب والكلام الخبيث.
القاعدة الثامنة: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).
دفع الشر بالخير، وهي تفسير للقاعدة السابقة، وبيان لها، وتحقيق خاص لمناطها العام.
القاعدة التاسعة: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).
стр. 195
في الصبر على الأخذ بالمنهج القرآني، ذلك أنه يحمل النفس في معاشرة الناس على ما تكره، من تحمل الأذى في الله، ودفع الشر بالخير، ودفع الجَهَلَةِ بالحكمة والموعظة الحسنة، ودفع العداء بالتي هي أحسن، كل ذلك شديد على النفس؛ لأنها جبلت على محبة ذاتها، والانتقام لها؛ ولذلك قال في القاعدة التالية: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، فدرب نفسك على الصبر حيث يجب الصبر، وعلمها كيف تكبح جماحها؛ حتى لا ترد الجهل بالجهل، والشر بالشر؛ فتزيغ عن الصراط المستقيم.
القاعدة العاشرة: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
الحذر من الشيطان، يجب أن تعرف الشيطان وحيله الخبيثة، اعرف عدوك تنتصر عليه!
اعرف الشيطان؛ حتى تعرف طبيعة العلاقة بينه وبين المسلم عمومًا، وبينه وبين الداعية إلى الله خصوصًا، إنك إذ تدعو إلى الله تقوم بهدم ما بناه إبليس اللعين؛ فتزداد عداوته لك أضعافًا مضاعفة، ولكنك إن اعتصمت بالله واستعذت به لن يصل إليك، فلا سلطان له على عباد الله الصالحين.
ملخصٌ من كتاب [بلاغ الرسالة القرآنية: (١٣١ - ١٤٤)].
(٤) الأمن كلُّ الأمن، أمن من ﴿يأتي آمنا يوم القيامة﴾ [فصلت: ٤٠]، والخوف كل الخوف: خوف ﴿من يلقى في النار﴾ [فصلت: ٤٠].
فاعملوا ما شئتم، إن الله بما تعملون بصير!
стр. 196
سورة الأحزاب
من أعظم موارد السلوكِ الحق = معرفة أحوال رسول الله، وإدمان مطالعتها مرة تلو الأخرى، وهي الحياة لمن أحسن التأمل ورزقه الله الفهم.
وربنا يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ [الأحزاب: ٢١].
سورة سبأ
﴿وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي﴾ [سبأ: ٥٠]!
في الوحي هدايتك، فلا تطلبنَّها من غيره.
سورة فاطر، أو سورة الملائكة!
(١) هذه السورة تحتوي من شريف المعاني ما يبهر الألباب، ويستنطق القلوب بخشية الملك الجليل والإذعان له وحده لا شريك له.
في هذه السورة طمأنينة لأهل الإيمان، أن يثقوا بالله وحده، فما من نعمة إلا هي منه، فإن أمسكها فلا مرسل لها من بعده.
وفيها أنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله!
وفيها أمرٌ لأهل الإيمان بالعزة، وعدم الاستكانة والضعف.
وفيها تحذير من اتخاذ الشيطان وليًا، والأمر بإبداء العداوة له.
وفيها الآية الكاشفة:
стр. 197
﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا .. ﴾ [فاطر: ٨]!
وبعد ذكر الآلاء والنعم، يقرر الله للإنسان حقيقة أمره، ويعلن له حقيقة نفسه وفقره:
﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله .. ﴾ [فاطر: ١٥].
وفيها أن العلماء حقًّا هم أهل الخشية.
وفي السورة تنبيه عظيم على جلالة الكتاب، وفضل ورثته وحملته، وما أعد لهم من الخير، وما رفع عنهم من شر.
وفي الختام تقريع وتوبيخ للمشركين، إذ كيف يشركوا بالله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا؟!
كيف يشركوا وقد طالعوا ما حل بالأمم قبلهم؟!
فالحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا!
(٢) ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنًا﴾ [فاطر: ٨].
«يعني: كالكفار والفجار، يعملون أعمالًا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟
لا حيلة لك فيه»، ابن كثير.
قلت: وممن يدخل تحت الآية من زَيَّن الشيطان لهم موالاة الظلمة والسعي في ركابهم، والصد عن أهل الخير، والسعي في إذايتهم.
ألا في الفتنة سقطوا، وفي الوحل ولغوا، ولتعرفنهم في لحن القول، والله يعلم إسرارهم.
стр. 198
وكم ممن زين له سوء عمله، فقُلبت عنده الحقائق، فصارت الشمس مظلمة، والعذب ملحًا أجاجًا، وصرت عندما تخاطبه كأنك تنفخ في غير فحم، وكأنك تقدح بزند مُصْلَد، وهذا لعمري هو الداء العَيَاء، نسأل الله العافية!.
(٣) ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر: ٣٤].
عبَّروا عن كل ما دون الجنة بالحزن، إذ كل سعادة قبل الجنة عابرة.
المؤمن في المنظور القرآني لا ينتظر البلاء، ولا تتوقف حياته على الخوف منه، لأن غاية الدنيا إلى انقضاء، وانقضاء الحياة للمؤمن حَسَن الظن بربه = نهاية التعب والآلام، وبداية النعيم الأبدي، والراحة السرمدية.
ولذلك عبر أهل الجنة عما دونها بقولهم: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ [فاطر: ٣٤].
المؤمن يعلم أنَّ الله جعل البلاء من سنن الدنيا، والبلاء في الدنيا له صور وأشكال متعددة:
فقد يُبتَلى الإنسان بالخير كما يُبتَلى بالشر.
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والمطلوب منه حال نزول البلاء، أن يذكِّر نفسه بأنه راجعٌ إلى الله، حينئذٍ يهون عليه المصاب: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
وإذا نزل البلاء بالمؤمن كان نظره للآخرة، وللجزاء الذي أعده الله للصابرين، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
والبلاء ينزل ومعه اللطف الذي يشاهده أهل البصيرة ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠].
стр. 199
وقد ابتلى الله صفوة خلقه من أنبيائه ورسله بأنواع مختلفة من البلاءات فصبروا، فمنهم من ابتلي بأبيه، ومنهم من ابتلي بزوجته، ومنهم من ابتلي بابنه، ومنهم من ابتلي بقومه، ومنهم من ابتلي بمرض، ومنهم من ابتلي بمُلْك، ومنهم من ابتلي بسجن، ومنهم من ابتلي بتغريب، ومنهم من ابتلي بذنب!
والله تعالى إنما قص علينا قصصهم لنعتبر بحالهم، ولنعمل بعملهم، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
فاعتبروا يا أولي الأبصار!
سورة يس
﴿إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون﴾ [يس: ٥٥].
لا تنشغل بشغل الدنيا عن شغل الآخرة، فإن فعلت فأنت مغبون، فإن كل نعيم هنا لا محالة زائلٌ، أما هناك فلك ما تدعي!
ولو علم أهل الجنة عمن شغلوا ما هَمَّهُم ما شُغِلوا به!
стр. 200
سورة الصافات
لا يُشَان الإنسان ولا يُحمد إلا بعمله، فلا يُشان بعمل فرع ولا أصل!
يقول ربنا سبحانه عن الأنبياء بعد ذكر فضائلهم ومحاسنهم: ﴿ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾ [الصافات: ١١٣]!
سورة ص
العاقل لا يلتفت إلى كلِّ قول، ولا يشغل باله بكل أحد، فكثير مما يقال لا يلتفت له، ولا ينبغي أن ينشغل به!
ذكر الله عن قوم: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ [ص: ١٦]،
فلم يكن الجواب إلا الإعراض:
﴿اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب﴾ [ص: ١٧].
سورة غافر
بيع الوهم!
عملية يجيدها الطَّاغية، ﴿قال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾ [غافر: ٢٩].
стр. 201
ويصدِّقها الدهماء، ﴿أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبنائهم ونستحيي نسائهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ [الأعراف: ١٢٧]!
سورة الزخرف
المؤمن لا ينبغي أن يُحجب بإِلْف العادة عن رؤية النعم، وشكر المنعم، وهي التي تقوده لتذكر الآخرة، والعمل لها.
﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤].
سورة الأحقاف
إذا لم تنتفع بالحق، ولم تعمل به، فلا تكن مسوِّغًا للباطل، ولا داعيًا إليه، فإنَّ هذا داء قديم حذر الله منه.
وقد يُسبق الإنسان في طريق الحق، فتأبى نفسه أن يكون تابعًا، ولا ينبغي أن يكون ذلك حاجزًا عن اتباع الحق، فقد يَسبِقُ المتأخر.
قال الحق: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
стр. 202
سورة محمد ﷺ -
في سورة القتال، سورة نبينا ومولانا وسيدنا محمد رسول الله ﷺ منهاج عظيم في الحياة.
ومن فوائدها الجليلة: النهي عن طاعة من كره ما نزل الله، والتي سماها الله ردة عن الحق بعد ما تبين، وكيف أنَّ الله يُمْلي لأناس ليخرج أضغانهم، وعن فائدة البلاء في التمحيص، وعن الحذر من الوعيد الشديد= آيات فيها معتبر لمعتبر، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وأقبلوا على تأملها، وتنزيلها على قلوبنا!
﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جائتهم ذكراهم﴾ [محمد: ١٨]؟!!
سورة الممتحنة
في سورة الامتحان، دعا الخليل ربه سبحانه قائلًا: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) [الممتحنة: ٥]، وما أعظمها من فتنة.
إنَّ الباطل إذا رأى نفسه منتصرًا، ورأى الغلبة له؛ زهد الناس في الحق، وزُلزل أهله، وبلغت قلوبهم الحناجر، وظنَّ بعضهم بالله الظنونا.
لكن الخليل نبه على أصول العلاج بعدها مباشرة ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [الممتحنة: ٥] لأنك ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وارفع ما بنا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ [الممتحنة: ٥]، فلو شئت أظهرتنا عليهم، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الممتحنة: ٥] تفعل بحكمة،
стр. 203
ومن حكمته: تمييز أهل الإيمان الصادق، ذلك لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا.
سورة التحريم
الاستقصَاءُ في العتاب عادة غير المحب، وما استقصى كريمٌ قط!
ألم تر أنَّ الله ذكر عتاب نبيه لبعضِ أزْوَاجِه، فقال: ﴿عرَّف بعضه وأعرض عن بعض﴾ [التحريم: ٣].
سورة نوح
(١) في قصة نبي الله ورسوله نوح عبر كثيرة، وإحدى هذه العبر، تلك النفس العظيمة التي كان يحملها نوح صلوات الله وسلامه عليه.
لقد ابتُلي نوح في محيطه الداخلي بامرأة كافرة، وولد غير مطيع كافر هو الآخر!
نبي تكفر امرأته وولده، لك أن تتصور ما يعانيه، وهو أعظم موحد في الأرض وقتئذٍ.
ومع هذا الصراع ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، لم يفتر عن دعوته قط، لم يتعلل بمشاكله الخاصة، بل ظل ساعيًا نحو الهدف الذي بعث لتحقيقه.
стр. 204
صل اللهم وسلم على عبدك ورسولك نوح، وعلى نبينا محمد وسائر الأنبياء والمرسلين.
(٢) وقال نوح النَّبي ﷺ في الدعاء: ﴿رب اغفر لي، ولوالدي، ولمن دخل بيتي مؤمنًا، وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨]!
قال بعض العلماء: «إنَّ الإله الذي استجاب لنوح ﵇ فأغرق بدعوته جميع أهل الأرض الكفار = حقيق أن يستجيب له فيرحم بدعوته جميع المؤمنين والمؤمنات».
سورة المعارج
تأمَّل في القرآن المجيد وصف اللطيف الخبير للإنسان، وما يعتريه من هَلَعٍ!
تأمل هذه الكلمة جيدًا، وما احتوت عليه حروفها من وصف بليغ عجيب ابتداءً من (الهاء)، وانتهاءً بالعين.
إنه جزوع إذا نزل به البلاء.
تريد العلاج؛
﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢]!
стр. 205
سورة النازعات
﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ [النازعات: ٤٦]!
«تنطوي هذه الحياة الدنيا التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون، والتي يؤثرونها ويدعون في سبيلها نصيبهم في الآخرة، والتي يرتكبون من أجلها ما يرتكبون من الجريمة والمعصية والطغيان، والتي يجرفهم الهوى فيعيشون له فيها …
فإذا هي عندهم عشية أو ضحاها!
أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة؟!
ومن أجل شهوة زائلة يدعون الجنة مثابة ومأوى!
ألا إنها الحماقة الكبرى التي لا يرتكبها إنسان يسمع ويرى!»، سيد قطب.
سورة عبس
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ١٧ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ١٨ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ١٩ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ٢٢ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ٢٣﴾ [عبس: ١٧ - ٢٣]
هذه حياة الإنسان، باختصار موجز، وتفصيل عميق، لله ما أعظم هذا الكلام! وسبحان من هذا كلامه.
стр. 206
سورة الفجر
تأمل!
يقول الله اللطيف الخبير: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]
ويقول: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ٢١ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ٢٢﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].
هذه بعض صفة الإنسان - وكلنا إنسان -، وأما علاجه ففي الآيات التالية للآيات السابقة.
سورة الزلزلة
﴿من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة: ٨ - ٩].
تلك حقيقة لا بد أن تنظر إليها، فلا تحقِرَنَّ عملًا!
стр. 207
(٢) منشورات قرآنية
١ - «انظر تصويرَ القرآنِ للجُهد العنيف الذي بذله الرجل في إصدار حكمه، حيث يقول: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر: ١٨ - ٢٣]، ومعنى هذا كلّه أنه كان يقاوم فطرته، ويستكره نفسه على مخالفة وجدانه، وأنه كان في حيرة وضيق بما يقول .. وأخيرًا استطاع أن يقول ما قال نزولًا على إرادة قومه»، [النبأ العظيم: (١٢٢)].
٢ - القرآنُ المجيد لا تنقضي عجائبه.
وآيةُ ذلك أن الناس يَرِدُونَه، ويصدر كل منهم بما لم يخرج به صاحبه، وهو على ما هو عليه معين لا ينضب!
وإن أردت أن تقف على شيء من ذلك، فتأمَّل تفاسير المحققين من أهل العلم.
стр. 208
تجد الواحد منهم يستفرغ مجهوده في إيراد ما يمكن إيراده، ويستدرك المتأخر ما أغفله المتقدم.
ولا يزال الناس يأخذون منه، ويتمتعون بما فيه، لا حرمَنَا الله لذَّة فهمِه، وجعله لقلوبنا ربيعًا.
٣ - من أخبار أهل القرآن:
* «كان ابن القَلَّال لا يُجيز أحدًا ممن يقرأ عليه إلا بتعنت، وقد رحل إليه شخص من بلاد بعيدة، فلما أكمل عليه القراءات سأله الإجازة، فتعنت عليه، فشقَّ ذلك عليه وتوجه مكسور الخاطر وبات تلك الليلة، فرأى النَّبي ﷺ في النوم، فكأنه سأله عن حاله، فأخبره، وشكا إليه من قول الشيخ.
فقال له ﷺ : (لا عليك! ارجع إليه غدًا، وقل له: بأمارة زمرًا زمرًا).
فلما أصبح غدا إلى الشيخ وأخبره الخبر.
فقال: صدقت يا بني، وبكى، واستغفر الله مما مضى، وعاهد ألا يأخذ شيئًا ممن يقرأ عليه، وأجازه.
فسئل عن ذلك فقال: كنت ليلة أقرأ فوصلت إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] الآية .. حتى قرأت ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٣]، فقلت في نفسي أيدخلون الجنة كلهم جملة واحدة، أو كيف؟!
ثم نمت، فرأيته وهو يقول: (زمرًا زمرًا)!» [غاية النهاية في طبقات القراء: (١/ ٥٥٢)].
стр. 209
* صحبة نادرة، وفعل الوشاة:
ذكر الإمام ابن الجزري في جامع أسانيده صحبة نادرة بين الإمامين العالمين المقرئين:
محمد بن أحمد بن جابر الهواري، وأحمد بن يوسف بن مالك.
وذكر أنهما ولدا سنة ثمان وسبعمئة.
وأنهما اتحدا في المحبة والصفاء حتى صارا كنفسٍ واحدة!
لا يمتاز أحدهما عن الآخر في ملبس، ولا مطعم، حتى إنَّ أحدهما لو لبس ثوبًا يلبس الآخر مثله وشكله، ويجلسان للإفادة معًا.
قال أبو الخير: «ورأيت منهما في ذلك ما لم أره ولا سمعته».
وقال السخاوي: «وأخوة هذين الشيخين واتحادهما واتفاقهما في الأخلاق والأقوال والأفعال لم أر مثلها، ولم أسمع بذلك.
ولا يملك أحدهما دون أخيه شيئًا، ولا يتخصص عنه بشيء من أمور الدنيا قل أو جل.
ولا يلبس أحدهما غير ملبس الآخر، لكل واحد منهما مثل ما لصاحبه، إن فصَّلا ثيابًا فمن نوع واحد، ولون واحد، لا يمكن أن يغير أحدهما لباسًا دون الآخر، ويأكلان جميعًا، ويرقدان جميعًا في بيت واحد.
وأعرضا معًا عن التزوج والتسري رغبة في دوام الصحبة، وخوفًا من أسباب الفرقة، وكان معهما مملوك لهما يخدمهما»!
وقد نظم الأول قصيدة بديعة مطلعها:
стр. 210
بطيبة انزل ويمم سيد الأمم .. وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم
وابذل دموعَكَ واعذِل كلَّ مصطبرٍ .. والحق بمن سار والْحظْ ما على العلم
وقد شرحها صاحبه الآخر!
حصول الفرقة:
قال ابن الجزري: «وقد بلغنا وفاة الشيخين المذكورين بعد أن فرَّق الوشاة بينهما فافترقا:
وكل أخ مفارقه أخوه .. لعمر أبيك حتى الفرقدان
رحمهما الله فقد كانا من محاسن الدهر»، [التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة: (٢/ ٤٢٣)].
٤ - بشاعة الكفر، وسوء حال الكافرين.
ينبغي أن نركز على بشاعة الكفر، وأن نوصل للناس مدى السوء الذي يصل إليه الكافر برب العالمين.
إنَّ من أسئلة القرآن المجيد: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]؟.
لقد أصبح كثير من أهل الإسلام لا يعي حقيقة الكفر، ولا بشاعته، ولذلك يقع استغراب كثير منهم لمعاني ذم الكفر، وعاقبته التي وردت في الآيات والأحاديث، إنَّ بشاعة الكفران برب العالمين لا تعدلها بشاعة.
وإن ابن جدعان لن يدخل الجنة، لأنه لم يقل يومًا: «رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين!».
٥ - يا بني:
стр. 211
* وقال يومًا:
يا بني: تعوذ بالله من علم لا ينفع، فإنَّ العلم يكون وبالًا على صاحبه إن هو لم يعمل به ..
يا بني: تعوذ بالله أن تكون ممن ركن إلى الذين ظلموا ..
يا بني: إنَّ مثل العالم الذي يمشي في ركاب الظالمين، كمن عمد إلى ثوب أبيض نقي، فوضعه في أنتن ما يكون في الدنيا ..
يا بني: لا تأمنن الفتنة على نفسك، فإنهم أمنوا!
يا بني: خف عذاب الله، ويوم العرض عليه ..
يا بني: إن لم تنطق بحق، فاسكت عن الترويج للباطل ..
يا بني: إياك أن تمدح ظالمًا، وأن تعينه، فإنَّ من أعان ظالمًا بلي به، وسلطه الله عليه!.
* وقال لي الشيخ يومًا:
واعلم يا بني أنه بقدر نقص وردك من القرآن، تذهب البركة عنك.
فإن رمت البركة فتعرض للكتاب، فإنه كلام الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم.
* وسألته: ما الخسران؟
قال: اعلم أنه مراتب؛
أولاها: أن يخسر الإنسان نفسه.
وثانيها: أن يخسر أهله.
ذلك هو الخسران المبين!
стр. 212
فقلت له: وكيف يخسر الإنسان نفسه؟
فقال: يا بني إنَّ العبد إذا كان لله = كان الله له،
وإذا لم يكن لله = لم يكن الله له.
فكيف تكون نفسه له؟.
* وقرأت عليه ذات مرة من سير الصالحين، وجعلت أعجب من طول صلاتهم، وحسن عبادتهم!
فنظر إلي متبسما، وقال: أراك تتعجب؟!
ثم أردف قائلًا: يا بني لا تنظر إلى كمال النِّهاية، ولاحظ نقصَ البداية، ادْرج كما درجوا تصل كما وصلوا!.
* وسألته: أين المنتهى؟!
قال: إلى الله!.
* وسألته أين الأمل؟!
قال: في الباقيات الصالحات.
* وبادرني مرةً بلا سؤال قائلًا: لا ترض رتبة الواصفين، واسلك مع السالكين!
فقلت يا سيدي: أخبرني عنهم؟!
قال: إنَّ مثل الواصف كمثل رجل قرأ في الكتب القديمة وصفهم للطريق إلى ديار الأفراح، فأيقن بها وآمن، وعرف الطريق ومسالكه، فجعل يصفه للناس، وهم يظنون من حلاوة وصفه أنه يعرفه معرفة من سلك، فجعلوا يذهبون إليها واحدًا تلو الآخر، والواصف لم يبرح بلاد الأتراح!
стр. 213
وبذلك، قد عرفت السالك، فبضدها تتميز الأشياء!.
* وسألته: ما المؤثر؟!
قال: القرآن.
قلت: وما المحل القابل؟!
قال: القلب الحي.
قلت: وما الشرط؟!
قال: الإصغاء.
قلت: وما المانع؟!
قال: اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر.
قلت: وما الأثر؟!
قال: التذكر.
قلت: من أين سيدي؟!
قال: من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]!.
* وسألته: ما الغاية الكبرى؟!
فأجاب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
* وسألته: ما مكابدة القرآن؟!
стр. 214
فقال يا بني: معاناة معانيه إدراكًا لحقائقه لهيبًا يحرق باطن الإثم من نفسك، لأخذ حظك من النور!
قلت: وما الطريق إليه؟!
قال: تكَلَّفْه حتى يصير التكلف طبعًا، فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف، هي النفس ما عودتها تتعود!.
* وسألته عن سبب إتقانه للقرآن!
فقال: يا بني دع عنك كل شيء، ما حفظنا القرآن إلا في جَوْفِ الليل.
٦ - كثير مما كتب، ويكتب عن تدبر القرآن = مكرورٌ لا إبداع فيه!
الإبداع: أن تخوض التجربة!.
٧ - «انظر إلى موسى - صلوات الله وسلامه عليه - رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله، وهو هارون، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ ورفعه عليه = وربه تعالى يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه، لأنَّه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعدى عدو له، وصدع بأمره، وعالجَ أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر.
وانظر إلى يونس بن متى حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى، غاضب ربه مرة، فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى، وفرق بين من إذا أتى بذنب واحد، ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبين من إذا أتى بذنب جاءت محاسنه بكل شفيع، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد … جاءت محاسنه بألف شفيع
стр. 215
فالأعمال تشفع لصاحبها عند الله، وتذكر به إذا وقع في الشدائد» .. ابن القيم (ت: ٧٥١) ناقلًا عن الشيخ الإمام (ت: ٧٢٨)، [مدارج السالكين: (١/ ٥٠٦).
٨ - فريدريك ديني - كاتب غير مسلم -.
تذَكَّر (التجربة الرائعة المقلقة) التي يمارسها الإنسان أحيانًا وهو يقرأ القرآن .. عندما يبدأ القارئ في الشعور (بحضور غامض، ومخيف أحيانًا) .. فبدلًا من قراءة القرآن، يبدأ القارئ يشعر أن (القرآن هو الذي يقرأ القارئ).
وصدق والله في قوله: (يقرأ القارئ)، ويكشف أغوار نفسه!.
٩ - «كلما ازداد [الإنسان] بصيرة بأسرار اللغة، وإحسانًا في تصريف القول، وامتلاكًا لناصية البيان، ازداد بقدر ذلك هضمًا لنفسه، وإنكارًا لقوته، وخضوعًا بكليته أمام أسلوب القرآن»، [النبأ العظيم: (١١٠)].
١٠ - من لم يكابد حقائق القرآن لهيبًا = يحرِّق باطن الإثم من نفسه، فلا حظ له من نوره!.
١١ - «يرحم الله السلف الصالح، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا:
مهما كنت لاعبًا بشيء فإياك أن تلعب بدينك»!، [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: (٦/ ٢٠٨)، الجامع لأحكام القرآن: (١١/ ٢٨)].
١٢ - «ليس كل ما يتعسفه بعض المعربين، أو يتكلفه بعض القراء، أو يتأوله بعض أهل الأهواء مما يقتضي وقفًا وابتداءً ينبغي أن يتعمد الوقف عليه.
بل ينبغي تحري المعنى الأتم والوقف الأوجه.
следующие страницы →