رسول الله ﷺ ، فجعلوا يسألونه، ويقولون: أعطنا … » الحديث (١).
هكذا في جميع نسخ الكتاب الخطية، غير أن محقق الكتاب حذف اسم بريدة بن الحصيب، بحجة أنه خطأ، وأثبت مكانه عمران بن حصين، لكونه وجده في بعض مصادر التخريج عن عمران.
وتصرف المحقق غير مناسب أبدا، وذكر بريدة في الإسناد صواب، فهكذا يرويه المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، في بعض الطرق عن المسعودي، على اختلاف عليه في ذكر الواسطة بين جامع بن شداد، وعبدالله بن بريدة.
وأما جعله عن عمران بن حصين فهي رواية الثوري، والأعمش، وكذا المسعودي في بعض الطرق إليه، وكان المسعودي يضطرب فيه، لكونه اختلط، وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثاني من الباب الثالث.
وروى ابن حبان، عن أبي يعلى، عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن يحيى القطان، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: «أن عمار بن ياسر صلى ركعتين فخففهما، فقال له عبدالرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، أراك قد خففتهما … » الحديث.
هكذا أخرجه، وعلق عليه بقوله: «هذا إسناد يوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، لأن عمر بن أبي بكر سمع هذا الخبر عن جده عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عمار بن ياسر، على ما ذكره
стр. 107
عبيدالله بن عمر، لأن عمر بن أبي بكر لم يسمعه من عمار، على ظاهره» (١).
يريد ابن حبان أن ظاهر الإسناد هو رواية عمر بن عبدالرحمن بن أبي بكر للقصة بنفسه، لقوله هو: «أن عمار بن ياسر … »، وهو لم يدرك عمارا، فهو منقطع، ولكن حقيقة الإسناد أن عمر سمعه من جده صاحب القصة مع عمار، فهو متصل.
هكذا يقول ابن حبان، يعلق على هذا الإسناد كما رواه هو، سواء أصاب في هذا الإسناد، والتعليق عليه، أو أخطأ، وقد اضطر ابن حبان إلى هذا التعليق لكونه سقط عليه من الإسناد جملة (عن أبيه)، بعد عمر، فعمر يرويه عن أبيه أبي بكر بن عبدالرحمن، هكذا هو في «مسند أبي يعلى»، بهذا الإسناد (٢)، وهكذا رواه جماعة عن يحيى القطان (٣).
وقد اجتهد محقق «صحيح ابن حبان»، فأضاف جملة (عن أبيه) في الإسناد، ونبه عليه، غير أن الباحث حين التخريج لا يقلده في هذا، بل ينقل الإسناد من ابن حبان كما رواه هو، وليس كما في المصادر الأخرى، فهو خطأ رواية إذن، وليس خطأ نساخ، وبإضافة هذه الجملة لا يستقيم تعليق ابن حبان.
وجاء في إحدى طبعات «مصنف ابن أبي شيبة» هذا الإسناد: حدثنا
стр. 108
ابن نمير، عن مجالد، عن عامر، عن [الحارث] بن عبدالله، عن علي، عن
النبي ﷺ : «أنه لعن عشرة … » الحديث (١).
وذكر محقق النسخة أن كلمة (الحارث) سقطت من جميع نسخ «المصنف» المخطوطة، وأنه زادها من بعض مصادر التخريج.
ولم يصب المحقق في هذه الزيادة، فالصواب: عن جابر بن عبدالله، عن علي، هكذا رواية ابن نمير، عن مجالد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في موضع آخر هكذا (٢)، وهي رواية مشهورة وقع فيها وهم (٣)، فقد رواه الجماعة عن مجالد، عن عامر، عن الحارث بن عبدالله، عن علي، وكذلك رواه جماعة عن عامر الشعبي، وهي الروايات التي وجدها المحقق في بعض مصادر تخريج الحديث، ورواه أشعث بن عبدالرحمن، عن مجالد، عن عامر، عن جابر بن عبدالله، وعن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ ، فيحتمل أن يكون ابن نمير خلط بين الإسنادين، أو مجالد فعل ذلك حين حدث به ابن نمير، ويحتمل أن يكون ذلك وقع من ابن أبي شيبة (٤).
وبسبب تصرفات المحققين للكتب واجتهاداتهم فالباحث يوصى بقراءة حواشي الكتب، وما ينبه عليه المحقق، فقد يكون ما لم يثبته هو الصواب.
стр. 109
و قضية التغيير في النسخة خطأ قد شكى منه الأولون ، فروى أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق -والد سفيان الثوري-، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رافع بن خديج، قال: «قلت للنبي ﷺ : إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى … » الحديث (١).
ورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم، عن سعيد بن مسروق، عن عباية، عن جده رافع، ليس فيه: «عن أبيه» (٢).
ورواية أبي الأحوص رواها البخاري عن مسدد، عنه، وقد جاءت هكذا في معظم روايات ونسخ «صحيح البخاري»، قال أبو علي الجياني: «وسقط قوله: عن أبيه، في نسخة ابن السكن وحده، إنما عنده: عن عباية بن رفاعة، عن جده، وأظنه من إصلاح ابن السكن، والأولى في رواية أبي الأحوص أن يكون فيه: عن أبيه، عن جده، لأنه تنص الرواية كما حفظت عن راويها، على ما فيها».
ثم ذكر أبو علي الجياني أن عبدالغني بن سعيد الحافظ ظن أن الإسقاط من
стр. 110
البخاري، بسبب أن عبدالغني وقف على رواية ابن السكن، قال أبو علي: «وإنما تكلم عبدالغني على ما وقع في رواية ابن السكن، فإنه روى عنه بإسقاط أبيه، وظن عبدالغني أنه من عمل البخاري، وليس كذلك، لأن الأكثر من الرواة (يعني عن البخاري) يقولون: عنه، عن أبيه، عن جده» (١).
وروى مسلم، عن الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، حديث البداءة بالعشاء إذا وضع وقد أقيمت الصلاة، وفي بعض نسخ «صحيح مسلم»: حدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان بن موسى، عن أيوب (٢).
وسفيان بن موسى هذا بصري يروي عن أيوب السختياني، لكنه غير مشهور، والمشهور بالرواية عن أيوب السختياني هو سفيان بن عيينة، كما أن ابن عيينة يروي أيضا عن أيوب آخر، وهو أيوب بن موسى، ولذا حصل في تفسير هذا الإسناد اضطراب، الشاهد منه ما ذكره أبو علي الجياني، قال: «ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، ورُدَّ: سفيان، عن أيوب بن موسى، وهذا خطأ» (٣).
وخلاصة ما تقدم أن على الباحث التدقيق في الإسناد حين يريد إلحاقه بأسانيد حديثه، والحذر من التحريف والسقط الذي يقع كثيرا في المصادر،
стр. 111
خاصة إذا كان الإسناد عرضة لذلك، كأن يكون بعض رواته يشتبه مع غيره في صورة الخط، كشعبة وسعيد، أو سفيان وشيبان، أو هشام وهمام، فهذه الأسماء ونحوها يكثر الخلط بينها في النسخ والطباعة، ويمكن للناظر في حواشي كتب الأطراف، مثل «أطراف مسند أحمد»، و «إتحاف المهرة» لابن حجر، أن يدرك هذا بسهولة.
عاشرا: رب قائل يقول: ما تقدم في هذا الفصل كله حول الرسم التوضيحي، هو مرحلة مبكرة تسبق عرض التخريج، والنظر في الطرق، وما أدى إليه من الجهة الأهم، وهو حال الحديث صحة وضعفا، ولهذا فإني سأسير في هذه المرحلة على طريقة (قَمِّش، ثم فتش)، أي أنني سأكتب الرسم التوضيحي من مصادر التخريج، ومما أستفيده من جهود الباحثين، كما هو على صورته، وحسب ما أفهمه من مسارات الأسانيد في الحال، ولا أنشغل في هذه المرحلة بالنظر في وقوع التصحيف والتحريف، أو في تداخل الأسانيد، وأكون قد أجلت هذا إلى مرحلة كتابة الأسانيد وعرضها، والنظر فيها.
وأكثر من هذا، أن يقول باحث: ليس من طريقتي أن أكتب رسما توضيحيا للأسانيد، فأنا أبدأ مباشرة بكتابة التخريج بعد وقوفي على الأسانيد في مصادرها.
وما يصنعه هذان الباحثان لا إشكال فيه من الناحية العلمية، فالرسم التوضيحي اقترح للتسهيل على الباحث، ومساعدته في إتقان عمله حين يقوم بعرض التخريج، والنظر في الأسانيد، فهو وسيلة إذن، ومطالبة الباحث بإتقانه، والتأكد من صواب الأسانيد، ومساراتها، قصد به أيضا التسهيل عليه حين كتابة
стр. 112
التخريج، فيتفرغ للصياغة، ومعالجة الطرق، ويكون همه واحدا.
ثم إن الرسم التوضيحي يكون بمثابة المرجع بالنسبة للباحث في الحديث الذي قام بجمع طرقه, فما يدعه من طرق لا يحتاج إليها في صياغة التخريج, يجدها في رسمه التوضيحي حين يحتاج إلى النظر فيه مرة أخرى لغرض آخر.
ومن لم يستخدم الرسم التوضيحي، أو استخدمه بصورته الأولية، فهذه التنبيهات بالنسبة له تكون في مرحلة صياغة التخريج، والنظر في الطرق ودراستها، فلا مفر له عنها، إذ هي في جملتها تتعلق بقضايا علمية، يحتاجها الباحث وهو في طريقه إلى مرحلة لاحقة، وليست جوانب تنظيمية بحتة, بحيث يعفى منها الباحث، فتداخل الأسانيد على الباحث، أو إثباته إسناد حديث وقع فيه تصحيف من النساخ أو الطباعة، واعتماده عليه، هو نقطة ضعف في بحثه، سواء كان يستخدم الرسم التوضيحي، أو لا يستخدمه، وسواء كان يعتني به أو لا، أو يؤجل ذلك، فالمهم بالنسبة للفن وأهله ما يقدمه الباحث لقارئه، ومدى إتقان الباحث له.
وكثير من قضايا التنبيهات السابقة ستتكرر معنا في المباحث اللاحقة في هذا الكتاب، فهي مسائل علمية، لا بد من صياغة عقل الباحث وطريقة تفكيره في البحث ما هو؟ وما آلياته؟ ليحسن التعامل معها.
والذي يحذر منه الباحث ما تقرر في أذهان بعض الباحثين، وهو أنني مطالب بإتقان عملي وما أقوم به، أما ما يقع فيه الآخرون فخارج مسؤوليتي، فإذا نقلت إسنادا محرفا، أو نصا وقع فيه سقط، فالعهدة فيه على المصدر الذي نقلت منه،
стр. 113
وعلى صاحبه، فهل يصح أن أطالب بتتبع أخطاء الآخرين، وأقوم بتصحيحها؟ .
وهذا كلام مرفوض من أساسه، فالبحث العلمي لا يتجزأ، وما يقع في المصادر من أخطاء عهدتها على المصدر وصاحبه قبل أن تنقل ما فيه إلى بحثك، أما بعد نقله فعهدة ذلك عليك بلا شك، وحسب الباحث أن ينوء بما يقع فيه هو من سهو وخطأ، فإذا ضم إليه نقله لأخطاء الآخرين، تراكمت الأخطاء في بحثه، وفقد القارئ ثقته بالباحث.
وأنا مدرك تمام الإدراك لصعوبة المهمة، ومدى ما يلاقيه الباحث المتيقظ من جهد وعناء، في سبيل مراجعة الأسانيد، والنصوص، بحيث يمكن القول بأن ثلث جهد الباحث أو يزيد يستنفد وراءها، يضاف إلى ذلك ما يتطلبه الأمر أحيانا من مراجعة عدة طبعات للكتاب الواحد، ومراجعة شروحه، والناقلين عنه، بل مراجعة مخطوطات الكتب المطبوعة.
وقيام الباحث الجاد بمثل هذه الأعمال فوق أنه سبيل مهم لإتقان البحث، وكسب ثقة القارئ، فهو أيضا مجال رحب للتدرب على اكتشاف الخطأ ومعالجته.
وقضايا البحث العلمي ليست هبات توزع، أو حقوقا شخصية يتنازل عنها، فقد شاء الله تعالى للمتخصصين في السنة النبوية أن يكون هذا من صميم تخصصهم، وسيرى القارئ هذا بوضوح في مباحث لاحقة، ومن لم يوطن نفسه على تحمل هذا وتبعاته، فإن فنون العلم واسعة جدا، يختار منها ما يشاء، بل إن مسالك الحياة واسعة أيضا، يختار منها ما يشاء.
стр. 114
والباحث المتخصص في السنة النبوية هو موقع بالإنابة عن أئمة النقد، وهم كانوا موقعين عن الله في تمييز صحيح السنة من ضعيفها، فالمهمة عظيمة إذن، والطريق إليها كان شاقا جدا في عصرهم، وهو لا يزال على مشقته أو زادت، وقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا، وهو المتعلق بجمع الطرق، أن الباحث في مرحلة جمع الطرق والبحث عنها في المصادر، ينوب عن أئمة النقد الذين كانت هذه الطرق محفوظة في رؤوسهم، فكذلك ما يتعلق بالنظر الأولي فيها من جهة التصحيف والتحريف والتداخل، فهذا كان أيضا جزءا من مهمتهم، والله الموفق والهادي.
* * *
стр. 115
الفصل الرابع
النقد في عصر الرواية
وفيه: مدخل، وخمسة مباحث:
المبحث الأول: التثبت من الرواة.
المبحث الثاني: مراجعة كتب الرواة.
المبحث الثالث: تمييز أحاديث الرواة.
المبحث الرابع: مجالس التحديث.
المبحث الخامس: الباحث والنقد في عصر الرواية.
стр. 116
مدخل:
من أعظم الأسس التي قامت عليها الرواية أنه لا يسلم من الخطأ والسهو أحد، فكل معرض لذلك، ولا عيب فيه، ولهم في تأكيد هذا الأساس كلمات مشهورة، منها قول سفيان الثوري: «ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك» (١).
وقال مالك: «ومن ذا الذي لا يخطئ؟ » (٢).
وقال ابن المبارك: «ومن يسلم من الوهم؟ » (٣).
وقال النسائي في كلامه على حديث أخطأ فيه عبدالله بن المبارك بعد أن أثنى عليه: «ولكن لا بد من الغلط، قال عبدالرحمن بن مهدي: الذي يبرئ نفسه من الخطأ مجنون، ومن لا يغلط؟ » (٤).
وقال أحمد: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟ » (٥).
وقال أحمد أيضا وقد ذكر له مهنا أن محمد بن جعفر المعروف بغندر يغلط: «أليس هو من الناس؟ » (٦).
стр. 117
وقال ابن معين: «لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب» (١).
وقال أيضا: «من لا يخطئ في الحديث فهو كذاب» (٢).
وقال مسلم: «ليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا وإتقانا لما يحفظ وينقل- إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (٣).
وقال الترمذي: «وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم» (٤).
وذكر ابن عدي أن عفان بن مسلم أخطأ في أحاديث مراسيل وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، ثم قال: «هذا مما لا ينقصه، لأن الثقة -وإن كان ثقة- فلا بد أنه يهم في الشيء بعد الشيء» (٥).
وذكر أبو حفص البرمكي للدارقطني أن عمرو بن يحيى المازني أخطأ في ذكره الحمار موضع البعير، حين توجه النبي ﷺ لخيبر، وأن أحمد لم يضعفه بذلك، فقال الدارقطني: «مثل هذا في الصحابة، روى رافع بن عمرو المزني، قال:
стр. 118
«رأيت النبي ﷺ يخطب على بغلة بمنى»، وروى الناس كلهم خطبة النبي ﷺ على ناقة، أو جمل، أفيضعف الصحابي بذلك؟ » (١).
وفي هذا السياق كثر من النقاد الإشارة إلى أخطاء الحفاظ الثقات، بعد بيان منزلتهم في الحفظ والإتقان، مثل الزهري، والثوري، ومالك، وحماد بن زيد، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم.
ومن أغراضهم في النص على أن الرواة بشر، لا يمكن أن يسلم أحد منهم من الغلط، وكذلك النص على أغلاط كبار الثقات الحفاظ - شحذ همم الرواة لتجنب الوقوع في الخطأ والوهم، وأخذ الحيطة والحذر، ابتداء من السماع وإتقانه، والحرص على الكتابة، ثم العرض، وانتهاء بالأداء وإتقانه أيضا، وأهمية التحديث من كتاب، ومراجعته قبل التحديث، والحذر من الاعتماد على الحفظ وحده، وما يتخلل ذلك من محافظة الراوي على مسموعه، سواء كان مكتوبا ومحفوظا، من حين سماعه إلى حين أدائه، والاستعانة على ذلك بالمذاكرة، وكثرة المراجعة.
ومن الأغراض كذلك تهيئة نفوس الرواة، وضرورة استعدادهم لتقبل وقوعهم في الخطأ والوهم، وعدم الأنفة من ذلك.
وغرض ثالث مهم جدا -هو بيت القصيد هنا- وهو اليقظة التامة، والانتباه الشديد لما يقع من الرواة من أخطاء، وعدم السكوت عليها كائنا من كان المخطئ.
стр. 119
والمتتبع لمسيرة الرواية في عصرها يلحظ بسهولة تحقق هذه الأغراض الثلاثة، ويهمنا منها هنا الحديث عن الغرض الثالث، وهو النقد، فالنقد سار جنبا إلى جنب مع الرواية، فنقاد الحديث وصيارفته هم أيضا من أساطين الرواية وحفاظ الحديث، والرواة -خاصة المكثرين منهم- هم نقاد أيضا، لديهم ملكة النقد، ولديهم الاستعداد له، وإن لم يكثروا منه، أو لم يشتهروا بذلك، وتدون أقوالهم، وتنقل إلينا، كما تقدم مثله في نقد الرواة أنفسهم (١).
ومن غير المستغرب أن يحدث أحد الرواة بحديث، أمام جمع غفير من الآخذين عنه، فيخطئ في حديث، فيضج المجلس كله يناديه أنك أخطأت، فهذا الحديث ليس عن فلان، إنما هو عن فلان، أو هذا الحديث ليس من حديثك أصلا، فيتراجع الراوي عن التحديث به ويتوقف فيه (٢).
ومن المهم بالنسبة للباحث أن يجتهد بقدر الإمكان ليقترب من ذلك العصر، ويتأمل ما يدور في مجالس التحديث، ومجالس المذاكرة والنقد، وسيتحقق له أغراض كثيرة بإذن الله تعالى، تتعلق بشخصيته النقدية، وسلوكه للمنهج الصحيح في النقد.
وقد رأيت أن أخصص هذا الفصل لنعيش في محيط ذلك المجتمع العلمي
стр. 120
الرفيع، ونقترب من النظر إلى تلك المجالس الحافلة بالنشاط للوصول إلى الحقيقة، والبحث عنها، ونقترب كذلك من التمعن في شخصية الناقد، وكيف تأهل للنقد، والوسائل التي كانت متوافرة لهم في ذلك الوقت للوقوف على الخطأ، أو التحقق من وقوعه.
وأختم الفصل بالحديث عن الأغراض التي آمل أن تتحقق للباحث بعد قراءته لمباحثه.
стр. 121
المبحث الأول
التثبت من الرواة
جرى في عصر الرواية الاستثبات من الرواة عن روايتهم، فيبلغ الراوي حديث عن راو آخر، فإذا لقيه سأله عنه، إما طلبا للعلو، أو للتأكد من صحة الرواية، والتأكد من سلامتها كما بلغته.
والإجابة تارة تكون بالإيجاب، وتصويب ما روي عنه، وتارة تكون بالنفي المطلق، وتارة تكون بتغيير في الرواية، إما مع النص على ما في الرواية الأولى من خطأ، أو السكوت عن ذلك، وربما صاحب تصحيح الخطأ النص على أن الوهم كان منه هو، أو تحميل الخطأ من روى عنه، أو التردد في ذلك.
فأما البقاء على الرواية الأولى فهو الغالب، وأمثلته كثيرة جدا، فمن ذلك أن عبدالله بن وهب روى عن أسامة بن زيد، عن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن علي مرفوعا حديث نهيه ﷺ له عن لبس المعصفر، ثم قال أسامة: «فدخلت على عبدالله بن حنين -وهو يومئذ شيخ كبير، وعليه ملحفة كثيرة العصفر- فسألته عن هذا الحديث، فقال عبدالله: سمعت عليا يقول … » (١).
وروى سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان بن عبدالله الجمحي، قال: سمعت جدي عبدالله بن صفوان يقول: سمعت حفصة تقول: سمعت رسول الله ﷺ
стр. 122
يقول: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه … » الحديث (١)، قال سفيان: «وكان عمير بن قيس يحدثه عن أمية، وكنت لا أجترئ أن أسأله عنه، كان يجالس خالد بن محمد، وعبدالله بن شيبة، وكانوا من أكبر قريش يومئذ، وكانوا يجلسون في سوق الليل، وهم يومئذ على باب المسجد، واستعانني أمية أنظر له خالد بن محمد، فما أدري وجدته أم لا؟ فلما استعانني اجترأت عليه فسألته، فحدثني به» (٢).
وروى سفيان أيضا عن سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبدالله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر … » الحديث (٣)، قال سفيان: «أخبرنيه زياد بن سعد قبل أن أسمعه، فقلت له: أقرئ سليمان منك السلام؟ فقال: نعم، فلما قدمت المدينة أقريته منه السلام، وسألته عنه» (٤).
стр. 123
وأما نفي الرواية، أو تغييرها فكثير جدا كذلك، ومنه ما رواه عبدالرزاق قال: «أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول ﷺ : «لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهي له حياته وموته»، قال: والرقبى أن يقول: هذا للآخر مني ومنك موتا، والعمرى أن يجعله حياته، بأن يعمر حياته.
قلت لحبيب: فإن عطاء أخبرني عنك في الرقبى، قال: لم أسمع من ابن عمر في الرقبى شيئا، ولم أسمع منه إلا هذا الحديث في العمرى، ولم أخبر عطاء في العمرى شيئا … » (١).
وروى عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عمرو بن دينار حديث عبدالملك بن مروان في الوصية، ثم قال حماد: «فسألت عنه عمرو بن دينار، فقلب معناه غير ما قال قتادة، فقلت له: إن قتادة حدثنا عنك بكذا وكذا، قال: إني أوهمت يوم حدثت به قتادة» (٢).
وروى أحمد، عن محمد بن جعفر غندر، قال: «حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس، أنه قال فيمن غشي قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر: «عليه بدنة»، قال: فحدثت به أيوب، فقال لعمرو بن دينار: عمن هو؟ فقال عمرو: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس، فقال له
стр. 124
أيوب: عن ابن عباس؟ قال عمرو: سمعت طاوسا -وترك ابن عباس-» (١).
وروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قصة تيممهم مع النبي ﷺ إلى المناكب والآباط، ومنهم من يقول عن الزهري، عن عبيدالله، عن ابن عباس، عن عمار، ومنهم من لم يذكر بينهما أحدا (٢).
وروى الزهري أيضا عن عبيدالله، عن عمر بن الخطاب «أنه أمر بالوضوء من مس الإبط».
قال الحميدي بعد أن روى حديث التيمم عن سفيان بن عيينة، عن الزهري: «حضرت سفيان (يعني ابن عيينة) وسأله يحيى بن سعيد القطان، فحدثه، وقال فيه: حدثنا الزهري، ثم قال: حضرت إسماعيل بن أمية أتى الزهري، فقال: يا أبا بكر، إن الناس ينكرون عليك حديثين تحدث بهما، فقال: ما هما؟ قال: «تيممنا مع النبي ﷺ إلى المناكب»، فقال الزهري: أخبرني عبيدالله بن عبدالله، عن أبيه، عن عمار، قال: وحديث عمر: «أنه أمر بالوضوء من مس الإبط»، فرأيت الزهري كأنه أنكره، وقد كان عمرو بن دينار حدثناه عن الزهري قبل ذلك، فذكرته لعمرو، فقال: بلى، قد حدثنا به» (٣).
стр. 125
ولهذين الحديثين قصة أخرى مع سفيان بن عيينة، ذلك أن حديث التيمم رواه بعض أصحاب سفيان عنه، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، وهكذا رواه ابن ماجه، عن محمد بن أبي عمر العدني، عن سفيان.
قال الحميدي بعد أن حكى قصة سؤال الزهري عن الحديثين: «ثم سمعت بعد ذلك بعض أصحابنا يقول: إنه دخل على سفيان في شفاعة، فسأله عن حديث التيمم، فحدثه به عن عمرو، فقلت للذي حدثني: ما أراه ذهب إلا إلى مس الإبط، وأخبرته بعض هذه القصة، أو بنحو منها، ثم لم يزل في نفسي حتى سألت سفيان عنه، فقال: هو عن الزهري، ليس عن عمرو (يعني أنه يروي حديث التيمم عن الزهري دون واسطة)، ولكن الذي حدثنا عمرو حديث الإبط، وأخبرته عن الرجل الذي حكى عنه، فقال سفيان: إما لم يحفظ علي، وإما أكون أنا وهمت» (١).
وسئل الزهري عما حُدِّث به عنه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهدي لنا طعام، فأفطرنا … » الحديث، فنفى أن يكون سمعه من عروة، وذكر أنه سمعه من رجل يحدث به على باب أحد خلفاء بني أمية، وقصة ذلك مشهورة جدا (٢).
وبلغ سفيان بن عيينة أن الزهري يروي حديثا لأبي هريرة بلفظ: «بئس
стр. 126
الطعام طعام الأغنياء»، فأفزعه ذلك، قال سفيان: «قلت للزهري: يا أبا بكر كيف هذا الحديث: «شر الطعام طعام الأغنياء»، فضحك فقال: ليس هو «شر الطعام طعام الأغنياء»، قال سفيان: وكان أبي غنيا فأفزعني هذا الحديث حين سمعت به، فسألت عنه الزهري، فقال: حدثني عبدالرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين … »، » (١).
وروى علي بن المديني، عن يحيى القطان قال: «كان معي أطراف عوف: عن الحسن، عن النبي ﷺ ، وخلاس، ومحمد، عن أبي هريرة: «أن موسى ﵇ كان رجلا حييا، فقال بنو إسرائيل: هو آدر»، قال: فسألت عوفا، فترك محمدا، وقال: خلاس، مرسل» (٢).
وقال ابن المديني أيضا: «قال يحيى بن سعيد القطان: روى شعبة، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ ، في العطاس، ثم لقيت ابن أبي ليلى، فحدثنا عن أخيه عيسى، عن
стр. 127
عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي ﷺ » (١).
وروى أحمد، عن يحيى القطان أنه قال بعد أن حدثه به ابن أبي ليلى، عن علي: «فقلت له: عن أبي أيوب؟ قال: علي» (٢).
وروى سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده: «أنه رأى النبي ﷺ مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة»، ثم قال سفيان: «كان ابن جريج أخبرنا عنه، قال: أخبرنا كثير، عن أبيه، قال: فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن بعض أهلي عن جدي» (٣).
وروى علي بن المديني، عن عبدالرحمن بن مهدي قال: «كان السمان
-يعني أزهر- يحدثني عن سفيان، عن عيسى بن عيسى الحناط، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبدالله، في القطع، فسألت سفيان عنه، فقال: عيسى بن أبي عزة،
стр. 128
عن الشعبي، عن عبدالله».
قال ابن أبي حاتم بعد أن ساق هذا: «يعني أن الصحيح هو: عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن عبدالله، مرسل، وأن الذي رواه أزهر السمان غلط» (١).
وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبدالله بن عمرو قال: «أتى النبي ﷺ رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح … » (٢).
قال الحميدي: «فقيل لسفيان: هذا مما حفظت من الزهري؟ فقال: نعم، كأنه يسمعه، إلا أنه طويل فحفظت هذا منه، فقال له بليل: فإن عبدالرحمن بن مهدي يحدث عنك أنك قلت: لم أحفظه، فقال: صدق، لم أحفظه كله، وأما هذا فقد أتقنته» (٣).
وقال عبدالله بن أحمد: «قلت له (يعني لأبيه): سمعت منه (يعني عمرو بن عاصم) عن حرب بن سريج، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي، عن النبي ﷺ في الشفاعة؟ قال: ما سمعت هذا منه، لا ببغداد، ولا بالبصرة، وما سمعت هذا قط، قلت: إن رجلا يزعم أنك قلت له: إنما حفظته عنه ولم أكتبه، فقال: ما سمعته منه، فكيف أحدث به؟ لعل هذا الرجل سمعه من غيري، ما سمعته فأحفظه وأكتبه عنه وأحدث به، لعل هذا الرجل سمعه من غيري،
стр. 129
وما سمعت أنا هذا الحديث من أحد، ولا من عمرو بن عاصم» (١).
وربما كان السائل للراوي والمستفهم منه هو السامع للرواية الأولى، كأن يسأل عنه شيخه بعد فترة لمزيد التثبت، أو يرى اختلافا بين الروايتين، فيستوقفه ذلك، ويستفهم من شيخه.
روى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة حديث: «لا عدوى ولا طيرة … »، وحديث: «لا يورد ممرض على مصح»، ثم قال: «كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله ﷺ ، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»، وأقام على أن «لا يورد ممرض على مصح»، فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر، قد سكتَّ عنه، كنت تقول: قال رسول الله ﷺ : «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: «لا يورد ممرض على مصح»، فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلت: أبيت».
قال أبو سلمة: «ولعمري، لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: «لا عدوى»، فلا أدري أنسي أبو هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر» (٢).
стр. 130
وروى عروة بن الزبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد … » الحديث، قال عروة في رواية عنه: «فحدثت به عائشة زوج النبي ﷺ ، ثم إن عبدالله بن عمرو حج بعد، فقالت: يا ابن أختي انطلق إلى عبدالله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه، فجئته فسألته، فحدثني به كنحو ما حدثني، فأتيت عائشة فأخبرتها، فعجبت فقالت: والله لقد حفظ عبدالله بن عمرو» (١).
وقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: شهدت إبراهيم بن سعد، وذكر عن الزهري: «﴿الْمَاعُونَ﴾: المال، بلسان قريش»، قيل له: إنك حدثتنا عن الزهري، عن سعيد، قال: لا، وأنكره، إنما هو عن الزهري، قال أحمد: رواه عنه غير واحد عن سعيد، قال أحمد: ربما حدث بالشيء من حفظه» (٢).
وروى عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ تزوج وهو محرم»، ثم قال عمرو بن علي: «قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا هذا من الرقعة ليس فيه
стр. 131
عائشة، فقال: دع عائشة حتى أنظر فيه» (١).
و تراجع الراوي عن روايته الأولى، أو توقفه، قد يعقبه تراجع عنه أيضا ، روى ابن محرز قال: «سمعت يحيى بن معين يقول لأبي خيثمة وغيره: تحفظون هذا: عن نصير بن أبي الأشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «تداووا من العذرة بالقسط والورس»؟ , فقيل ليحيى بن معين: من حدث بهذا؟ فقال: أبو نعيم.
ثم إن بعض أصحابنا أفاده رجل بعد نحو من سنتين، فذهب المفاد به إلى يحيى بن معين مع أحاديث، فأنكره يحيى، وقال: ما أعرف هذا؟ فرجع الرجل إلى صاحبه وقد غلظ عليه الأمر، فادعى المفيد شهادتي، وذكر حضوري وغيري ذلك المجلس، ثم قال ليحيى بن معين: يا أبا زكريا سمعتك تذكره عن أبي نعيم، فقال: شبه لك، ما سمعت بهذا إلا منك.
ثم قال لنا يوم الثلاثاء بعد المغرب لست بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين: ذاك الحديث حدثنا أبو نعيم، فقلت له: يا أبا زكريا كان من قصته كيت وكيت، فسمعته من أبي نعيم؟ فقال: نعم، سمعناه من أبي نعيم» (٢).
ولهذا السبب جاء عن بعض الأئمة نهيهم عن التحديث عن الأحياء، خشية أن يسأل الراوي، ويكون قد نسي، فينفي الرواية، أو ينفي صفتها، فينسب إليه هو الوهم، أو يكون عرضة للتكذيب.
стр. 132
قال الرمادي: «حدثنا عبدالرزاق، قال حدثنا سفيان الثوري، عن جابر، قال: «سألت عامرا، والحكم، عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، قال: فقال عامر: ليس بشيء، وقال الحكم: يمين يكفرها.
قال عبدالرزاق: فقلت للثوري: إن معمرا أخبرنا عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: «إذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو كافر، أو حمار، أو أخزاه الله -وأشباه هذا-، فهي يمين يكفرها»، فأخذ بتلابيبي، فقام إلى معمر، فسأله عنه، فحدثه به.
قال عبدالرزاق: فلما مضى إلى معمر قلت: لا أدري لعل معمرا قد نسي هذا الحديث، فأكون افتضحت على يدي الثوري، قال: فجاء حتى وقف عليه، فقال: يا أبا عروة أخبرك ابن طاوس، عن أبيه قال: «إذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني … » فذكر الحديث؟ قال: فقال له معمر: نعم، وحدثه به.
فشكوت إلى معمر ما دخلني، فقال لي معمر: إن قدرت أن لا تحدث عن رجل حي فافعل» (١).
وقال ابن عبدالحكم: «ذاكرت الشافعي يوما بحديث وأنا غلام، فقال: من حدثك به؟ قلت: أنت، فقال: ما حدثتك به من شيء فهو كما حدثتك، وإياك والرواية عن الأحياء» (٢).
стр. 133
ومن جانب آخر كانوا يوصون من سئل عن شيء نسب إليه أن لا يبادر إلى نفيه، إن لم يتذكره في الحال، خشية أن يكون عنده فينفيه، ثم يقف عليه بعد ذلك في كتبه، أو يتذكره، فيصعب عليه أن يقر به بعد أن نفاه.
قال أبو موسى محمد بن المثنى العنزي: «قال لي عبدالله بن داود: لا تقل لشيء تسأله: إني لم أسمعه، فإني ابتليت به، سألني رجل مرة قال: سمعت من فلان؟ قلت: لا، وذكر أحاديث فقال: سمعت هذه منه؟ قلت: لا، فبينا أنا أقلب كتبي ذات يوم إذ ذكرت ما قال لي، فجعلت أتمنى أن لا أراه عندي، فإذا الشيخ عندي، ووجدت تلك الأحاديث عندي، فقلت: يا أبا عبدالرحمن تحدث عنه؟ فقال: لو حدثت عنه ما كان علي شيء فيما بيني وبين الله تعالى، لأن كتبنا أحفظ منا، وما أحب أن أحدث عنه بشيء» (١).
وقال عبدالرزاق: «قال لي وكيع: أنت رجل عندك حديث، وحفظك ليس بذاك، فإذا سئلت عن حديث فلا تقل: ليس هو عندي، ولكن قل: لا أحفظه» (٢).
وذكر أبو زرعة ما يعرض للراوي من النسيان، خاصة في التحديث من الحفظ، معتذرا بذلك عن أخطاء وقع فيها أبو بكر بن أبي شيبة، وصححها له: «يكون مثل هذا كثير، هذا علي بن المديني ذاكر بباب لعبدالرحمن بن مهدي في التسليم واحدة -وعبدالرحمن كان له في هذا باب- فقال علي: هذا كله كذب،
стр. 134
فلما كان بعد أيام روى الباب عن عبدالرحمن» (١).
وبعض الرواة إذا سئل عن مثل هذا فلم يتذكره صار يرويه عمن كان حدثه أولا، عن نفسه هو، فيقول: حدثني فلان أنني حدثته بكذا، أو يقول: عن فلان قال: حدثتني أنت عن فلان، ولكل من الدارقطني، والخطيب البغدادي، والسيوطي كتاب في هذا الباب، جمع فيه أخبار من حدث ونسي (٢).
ويحسن هنا الإشارة إلى صلة سؤال الراوي عما نقل عنه بالجرح والتعديل، وذلك من جهة أن الاستثبات من الشيخ إن كان الجواب بالإيجاب، كان هذا في صالح الشيخ نفسه، فهو دليل على تثبته وعدم اضطرابه، وفي صالح الناقل عنه، وأنه حافظ لما ينقله، وإن كان بالنفي أو بالتغيير أثر هذا -إذا كثر- على أحدهما، بحسب القرائن، فقد يكون الشيخ نفسه يضطرب، أو يهم إذا حدث من حفظه، وقد يكون الناقل عنه غير حافظ، أو غير صادق.
وهذا مما يضاف على ما ذكرت في أول «الجرح والتعديل» في وسائل الحكم على الراوي.
وفي النصوص السابقة ما يوضح هذا، ومنه أيضا قول الزهري عن نفسه: «ما استعدت حديثا قط، ولا شككت في حديث، إلا حديثا واحدا، فسألت
стр. 135
صاحبي فإذا هو كما حفظت» (١).
وقول شعبة في استدلاله على حفظ سفيان الثوري: «ما حدثني سفيان عن إنسان بحديث، فسألته عنه، إلا كان كما حدثني به» (٢).
وفي رواية عنه: «ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه، ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان» (٣).
وهناك نوع آخر من التثبت من الرواية، وهو في الغالب يكون بديلا عن سؤال الشيخ نفسه والتثبت منه، وذلك بسبب موت الشيخ، أو بعده، فيعتاض عن هذا بذكر رواية أخرى للحديث عن شيخه، وفيها مخالفة لروايته.
وهذا النوع كثير جدا في عصر الرواية، يحدث الراوي بالحديث، فيبلغه بعض من حضره أن فلانا يخالفه في روايته، أو أن أصحاب الشيخ خالفوه في روايته، إما في متن الحديث، أو في إسناده، ثم يتصرف من بلغته المخالفة بحسب وثوقه بحفظه هو وكيفية سماعه، وبحسب قوة المخالف له، وما يحتف بذلك من قرائن.
وكثير من الرواة يحدث من حفظه، فإذا بلغه قول المخالف رجع إلى كتابه ليستوثق، أو يفعل هذا المخالف، إذا ثبت الآخر على قوله، وقد يتبين أن لقول
стр. 136
كل منهما وجها.
وقد حفلت مجالس التحديث والمذاكرة بهذا النوع من المراجعات، فأضفى ذلك على جهدهم رونقا وبهاء.
وفوق ذلك -وهو أمر بالغ الأهمية- تسليم الرواة بذلك واستسلامهم له، فاستعدوا للمخالفة، وصارت هاجسهم في كل حين، وصدر عنهم كلمات كثيرة تنبئ عن هذه الحال، مثل قول شعبة: «إذا خالفني سفيان في الحديث فالحديث حديثه» (١).
وقال حماد بن زيد: «ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مرارا، ونحن كنا إذا سمعناه مرة اجتزينا به» (٢).
وقال أحمد: «كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يهاب -أو يتهيب- إسماعيل بن علية إذا خالفه» (٣).
وقال يحيى بن سعيد القطان: «ما بالبصرة، ولا بالكوفة، ولا بالحجاز، أثبت من معاذ بن معاذ، وما أبالي إذا تابعني من خالفني» (٤).
وقال أيضا: «طلبت الحديث مع رجلين من العرب: خالد بن الحارث بن
стр. 137
سليم الهجيمي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأنا مولى لقريش، لتيم، فوالله ما سبقاني إلى محدث قط وكتبا شيئا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعني معاذ، وخالد بن الحارث، من خالفني من الناس» (١).
وجاء عن يحيى القطان مثل هذا في عفان بن مسلم الصفار، وأنه كان يتهيب مخالفته، قال أحمد: «كان يحيى بن سعيد يقول: إذا خولفت أحب أن يوافقني عفان» (٢) , وقال يحيى بن سعيد أيضا: «ما أحد يخالفني في الحديث أشد علي من عفان» (٣).
وقال يحيى بن معين: «كان يحيى بن سعيد إذا تابعه عفان على شيء ثبت عليه وإن كان خطأ، وإذا خالفه عفان في حديث عن حماد رجع عنه يحيى، لا يحدث به أصلا» (٤).
ومن الأمثلة على هذه المراجعات ما روى عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قصة مبيته عند خالته ميمونة، وصلاته ﷺ بالليل، وفي آخره: «ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره، يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن» (٥).
стр. 138
قال ابن جريج بعد أن رواه عن عطاء بمعناه: «فقال له عمرو بن دينار
-وكان في المجلس-: هيه! ! زد يا أبا محمد، فقال عطاء: ما هيه؟ هكذا سمعت، فقال عمرو: أخبرني كريب، عن ابن عباس أنه قال: ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ» (١).
وروى شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: «أيما رجل باع نخلا قد أبرت فثمرتها للأول، وأيما رجل باع مملوكا وله مال فماله لربه الأول، إلا أن يشترط المبتاع»، ثم قال شعبة: «فحدثته بحديث أيوب، عن نافع، أنه حدثه بـ (النخل) عن النبي ﷺ ، و (المملوك) عن عمر، فقال عبد ربه: لا أعلمها جميعا إلا عن النبي ﷺ ، ثم قال مرة أخرى: عن النبي ﷺ ولم يشك-» (٢).
وكان شعبة يروي عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي بن أبي طالب في سهمان الخيل، قال وكيع: «كان شعبة رفعه إلى علي -يعني حديث سهمان الخيل- فقيل له: إن سفيان يوقفه على هانئ بن هانئ، فقال: سفيان أحفظ مني» (٣).
стр. 139
وقال يحيى بن معين: «قال حجاج الأعور: قيل لشعبة: إن مستلم بن سعيد خالفك في حرف «إذا وضعت لمَتَلك»، وكان شعبة يقول: «لمثلك» -حديث أبي الدرداء: «ثم جاء ملكان أسودان أزرقان» - قال شعبة: ما كنت أظن أن ذاك يحفظ حديثين»، ثم قال يحيى: «القول قول مستلم، وصَحَّف شعبة» (١).
وروى عبدالرحمن بن مهدي قال: «لما حدث سفيان، عن حماد (يعني ابن أبي سليمان)، عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان قال: «إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور»، قلت له: هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش، عن سلمان، قال: من يقول ذا؟ قلت: حماد بن سلمة، قال: امضه، قلت: حدثنا شعبة، قال: امضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، ثم أطرق هنيهة، ثم قال: امضه، سمعت حمادا يحدث عن عمرو بن عطية، عن سلمان.
فمكثت زمانا أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر، عن شعبة فإذا هو: عن حماد، عن ربعي بن حراش، عن سلمان، قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه» (٢).
وقال محمد بن عبدالله بن نمير: «حدثنا عبدالرحمن، ويحيى، عن سفيان،
стр. 140
عن منصور، عن مجاهد، وابن الأصبهاني، عن عكرمة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾: «نفخ فيه الروح»، قلت ليحيى بن سعيد: وكيع يقول: عن ليث، فقال: سبحان الله! أنا أقول لسفيان: لا تحدثني عن جابر، وأنت تقول: عن ليث»، ثم قال محمد: «ذكرت لوكيع، قال وكيع: منصور كان أحب إلينا» (١).
ومراد يحيى القطان أنه يأبى على سفيان أن يحدثه عن جابر الجعفي، فكيف يقبل منه أن يحدثه عن ليث بن أبي سليم؟ ويستدل يحيى بهذا على أنه قد حفظ الإسناد، وأنه عن منصور، عن مجاهد.
ومراد وكيع أن ليثا ضعيف بالنسبة لمنصور، فكون سفيان يحدثهم بالحديث عن منصور، عن مجاهد، أحب إليهم، ويستدل بهذا على أنه قد حفظ الإسناد، وأنه عن ليث، عن مجاهد.
وقال أحمد: «قال عبدالرحمن بن مهدي في حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك: «أن عمر بعث جيشا فوعظهم … »، قال عبدالرحمن: «أسرف عليهم»، يقول: كأنه تهددهم في موعظته، فقلت لعبدالرحمن: إن أبا كامل قال: «أشرف»، فقال لي عبدالرحمن: سل بهزا، فسألته، فقال بهز: «أشرف عليهم»، فأخبرت به عبدالرحمن -يعني كأنه قنع بقول بهز- … » (٢).
وذكر أحمد مرة أخرى قصة ذهابه إلى بهز لسؤاله، فقال بعد أن ساق القصة
стр. 141
مطولة، وفيها الحديث بتمامه: «فأتيت بهزا لأسأله، فلم يخرج إلي، فقلت له: إنما أريد أن أسألك عن كلمة من حديث، فقال: ما هي؟ فقلت: في حديث إبراهيم بن سعد: «أشرف عليهم» أو «أسرف عليهم»؟ فقال لي من خلف الباب: «أشرف عليهم»، » (١).
وقال أبو داود: «سمعت أحمد -وذكر حديث ابن عباس في صلاة الكسوف- أن عبدالرحمن قال كذا وكذا ركعة فيه، وكان وكيع يخالفه، فعرض عليه -يعني على وكيع- بعد ذلك فرجع عنه، صار إلى ما قال عبدالرحمن» (٢).
وذكر أحمد هذه القصة مرة أخرى، وأنه ذكر لوكيع مخالفة إسماعيل بن علية، ويحيى القطان، في العدد، وأن وكيعا رجع إلى قولهما، قال أحمد: «كان وكيع يقول في حديث الكسوف، حديث سفيان، عن حبيب، عن طاوس: «أن النبي ﷺ صلى في الكسوف ست ركعات في أربع سجدات»، قلت له: إن إسماعيل بن علية، ويحيى بن سعيد، قالا: «ثمان ركعات في أربع سجدات»، فلما كان بعد ذلك رجع إلى ثمان» (٣).
стр. 142
وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» (١).
قال الحميدي بعد أن أن رواه عن سفيان: «فقيل لسفيان: فإن نافع بن عمر الجمحي لا يسنده، قال: لكني أحفظه وأسنده كما قلت لك، إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام، قد كتب عن الزهري، فوقع إلى ابن جرجة، وكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب، فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه» (٢).
وروى جماعة عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا علي سل الله الهدى والسداد … » الحديث، وفيه أشياء تتعلق باللباس، ومنهم من اقتصر على بعضه (٣).
стр. 143
قال الحميدي: «كان سفيان (يعني ابن عيينة) يحدث به عن عاصم بن كليب، عن أبي بكر بن أبي موسى، فقيل له: إنما يحدثونه عن أبي بردة بن أبي موسى، فقال: أما الذي حفظت أنا فعن أبي بكر، فإن خالفوني فيه فاجعلوه عن ابن أبي موسى، فكان سفيان بعد ذلك ربما قال: عن ابن أبي موسى، وربما نسي فحدث به على ما سمع: عن أبي بكر» (١).
وروى أبو خيثمة زهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة في امرأة محرمة مشطت امرأة حلالا، قال: «لا بأس به، إنما تقتل قمل غيرها»، قيل لسفيان: إن محمد بن مسلم قد خالفك فقال: عكرمة، عن ابن عباس، فقال سفيان: «سمعته منه ثمانين مرة» (٢).
وقال عبدالله بن أحمد: «قرأت على أبي: غندر، عن سعيد، عن أبي معشر،
стр. 144
عن النخعي: «أنه كان يكره ذلك، ويقول: إذا علم أنه لا يجد ماء فلا يمسها
-يعني امرأته-».
سمعت أبي يقول: حدثنا هذا الحديث يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، فقال أبو أحمد البصري الذي يقال له: الأبوابي: إن يزيد بن زريع حدثنا به لم يقل: عن ابن مسعود، فترك يزيد ابن مسعود.
قال أبي: وقد حدثنا غير واحد -منهم يحيى بن سعيد، وعبدالأعلى، وغندر- لم يذكر واحد منهم ابن مسعود، وقال الخفاف: قال سعيد: ولا أعلمه إلا وقد رفعه إلى ابن مسعود» (١).
وقال عبدالله بن أحمد: «سألت يحيى (يعني ابن معين) عن محمد بن مصعب القرقساني، فقال لي: ليس بشيء، وقال: كان لي رفيقا، وكان صاحب غزو كثير، فحدثنا يوما عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين: «أنه كره بيع السلاح في الفتنة»، قال يحيى: قلت أنا لمحمد بن مصعب: هذا يروونه عن أبي رجاء قوله، فقال: هكذا سمعته، ثم قال يحيى: لم يكن من أصحاب الحديث» (٢).
وفي أحيان كثيرة يكون المبلغ للراوي هو المخالف له، أو من المخالفين له، وربما جرى حوار ومناقشة بينهما.
حدث أبو هريرة عن النبي ﷺ بحديث (القضاء بين العباد) الطويل، وفي
стр. 145
آخره قصة آخر أهل الجنة دخولا، وقول الله له: «هذا لك ومثله معه»، وكان أبو سعيد الخدري جالسا مع أبي هريرة يستمع إليه، ولا يغير عليه شيئا، حتى انتهى أبو هريرة إلى هذه الجملة، فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: «هذا لك وعشرة أمثاله»، قال أبو هريرة: حفظت: «مثله معه» (١).
وروى عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها» (٢).
قال سفيان بن عيينة بعد أن رواه عن عمرو: «فقال له عمرو بن قيس: يا أبا محمد إنما حدثناه عطاء، عن جابر، فقال عمرو: والله لقد سمعته من عطاء يحدثه عن ابن عباس قبل أن يقدم علينا جابر مكة … » (٣).
وقال أحمد: «زعموا أن زهيرا، وزائدة، واختلفا في حرف في حديث ابن مسعود: «لينهكن قوم أصابعهم أو لتنهكنها النار»، فجعل الآخر يحلف أنه ما قال «أو»، » (٤).