← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فتلاحى رجلان، فرفعت، فقال: خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، ثم قال أحمد: حدثنا عبيدة، وقال: «التمسوها في التاسعة التي تبقى» (١). فعبيدة بن حميد يروي الحديث عن حميد، عن أنس، عن عبادة، واختصر أحمد الإسناد، فغرضه بيان اختلاف روايته عن رواية يحيى القطان في هذا القدر من الحديث. وقال ابن ماجه: «حدثنا جميل بن الحسن، حدثنا عبدالأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، ح، وحدثنا عبدالرحمن بن عمر، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا سعيد، وهشام بن أبي عبدالله، عن قتادة -وهذا حديث عبدالرحمن- عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبدالله، عن أبي موسى الأشعري: «أن رسول الله ﷺ خطبنا … » الحديث». فالحديث يرويه قتادة، عن يونس بن جبير، وقول ابن ماجه: «وهذا حديث عبدالرحمن» أراد به أن اللفظ الذي سيسوقه للحديث إسنادا ومتنا بعد قتادة هو رواية عبدالرحمن بن عمر، عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد، وهشام، عن قتادة. سابعا: سيجد الباحث وهو يجمع طرق حديثه أن هناك نوعين من الأسانيد، الأول: الأسانيد المسندة، وهي التي يسوقها مؤلف المصدر بإسناده، ابتداء من شيخه، وهذه الأسانيد لا خفاء في ضرورة احتفاء الباحث بها وتقييده لها.

стр. 72

والثاني: الأسانيد المعلقة، وهي التي يحذف المؤلف بعض إسناده، وذلك من أول الإسناد، فيسقط شيخه، أو شيخه وشيخ شيخه، وقد يسقط أكثر من ذلك. والتعليق بدأ مبكرا، منذ عصر الرواية الأول، فالصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، وهو لم يسمعه، يكون قد علق الإسناد، وكذلك التابعي، وإذا قال تابع التابعي: قال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ ، فهو أيضا تعليق، غير أن هذا كان عندهم داخلا في مسمى الإرسال، إذ كان الإرسال يشمل كل سقط في الإسناد. ومصطلح التعليق استخدم فيما بعد، أطلق على صنيع المصنفين، كالبخاري مثلا، فالأسانيد التي يحذف منها البخاري شيخه، أو يحذف معه شيخ شيخه -أو يزيد على ذلك- سموه تعليقا، وشمل ذلك ما حذف منه المصنف جميع الإسناد، كأن يقول: قال رسول الله ﷺ ، أو قالت عائشة، أو قال ابن عباس. والتعليق موجود في كثير من مصادر السنة، مثل «صحيح البخاري»، و «صحيح مسلم»، و «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، وغيرها، على تفاوت بينها في القلة والكثرة، فمثلا يكثر ذلك في «صحيح البخاري»، و «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، على حين أنه قليل جدا يعد على الأصابع في «صحيح مسلم». وهم يفعلون ذلك في الغالب للاختصار، فإذا ساق طريقا مسندا أو أكثر، قد يتبعه بروايات معلقة، يقصد بها شد ذلك الإسناد وتقويته، أو بيان تصريح بالتحديث، أو زيادة في اللفظ، أو مخالفة لبعض رواة الإسناد الذي ساقه، ولو ساق جميع ذلك مسندا لطال كتابه، وقد يعلق ابتداء، فلا يسوق طريقا مسندا

стр. 73

للحديث، كما يفعله البخاري في أحاديث يذكرها ليستدل بها، ليست على شرطه، أو ربما ليضعفها. وقد كثر هذا النوع من الأسانيد جدا في المصادر التي غرضها الأساس نقد المرويات، وليس روايتها وجمعها، مثل كتب السؤالات، وكتب العلل، مثل: «علل ابن المديني»، «وعلل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، و «مسند البزار»، وغيرها، وفي كثير منها يكون ما يعلقه المؤلف أكثر بكثير مما يسنده، والقارئ في «علل ابن أبي حاتم» -مثلا- يلحظ ذلك بسهولة. وهؤلاء أيضا دفعهم للتعليق قصد الاختصار، ولو ساق المؤلف جميع أسانيده مسندة لطال الكتاب جدا، فـ «علل الدارقطني» طبع في خمسة عشر مجلدا، ولو أسند الدارقطني جميع ما فيه لربما زاد على المئة مجلد، وهكذا يقال في «مسند البزار»، هو في عدة مجلدات، مع كونه يعلق أسانيد كثيرة جدا. ثم هذه الكتب ليس مقصودها الأول جمع المرويات، وإنما غرضها الأساس نقدها، وهذا يكفي فيه في الغالب ذكر الطريق من قبل السائل، أو من قبل المجيب، أو المؤلف. وإذا كان الأمر كذلك في هذه الكتب مع تقدم عصرها فلا شك أن التعليق سيكثر جدا في الكتب التي ألفت بعد عصر الرواية، مثل كتب التخريج، وكتب الشروح، وغيرها. والطرق المعلقة لها قواعدها الخاصة بها فيما يتعلق بالاستفادة منها في النظر

стр. 74

في حال الحديث، وفيما يثبته الباحث منها في التخريج، وكيفية صياغته، وسيأتي هذا كله في أماكنه من هذا الكتاب. والذي يهمنا هنا ما يتعلق بمرحلة جمع الطرق، فالمطلوب من الباحث أن يحتفي بالطرق المعلقة كاحتفائه بالطرق المسندة، ويقيدها أثناء جمعه للطرق، بالغة ما بلغت، والحاجة إليها قد تكون في بعض الأحاديث أشد من أسانيد للحديث وجدها الباحث مسندة. والباحث إذا وصل إلى مكان الحديث في المصدر ووجده قد ساق إسناده ولم يعلقه لا يكتفي بتقييد إسناده، وعليه أن يقرأ ما قبله وما بعده، خشية أن يكون المؤلف أضاف شيئا من الطرق لم يسندها، وإذا كان الباحث مستعجلا ربما فاته شيء منها. ومن جهة ثانية، فتعليق الطرق يختلف عند المؤلفين والنقاد بصفة عامة عن ذكرها مسندة، إذ يحرصون على اختصارها ما أمكن، ولهذا فالمطلوب من الباحث حين يريد جمعها أن يتمعن فيها جيدا قبل إثباتها في رسمه التوضيحي، ولا يثبتها فيه حتى يتضح له مسار هذه الطرق. فالمؤلف أو الناقد وهو يذكر الرواة عن المدار ربما زاد في بعض الرواة عن المدار بذكر من دونه أيضا، وذلك في سياق واحد، بغرض بيان حال الإسناد قبله، أو لكونه قد روي عنه رواية أخرى، فيريد الناقد بيان من روى هذه عنه, ومن روى هذه.

стр. 75

وممن يفعل هذا كثيرا الدارقطني في «علله»، لكونه يسوق طرقا كثيرة، واختلافات عالية ونازلة، وسوقه للأسانيد في الغالب لا غموض فيه، كما في قوله وقد سئل عن حديث زيد بن يثيع، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ : «إن تستخلفوا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا … » الحديث، قال: «هو حديث يرويه زيد بن يثيع، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق، واختلف عن أبي إسحاق أيضا، فقال يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل -من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه-، وفضيل بن مرزوق، وجميل الخياط: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي … ، وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، لم يذكر عليا … » (١). فذكر في هذا النص روايتين عن إسرائيل، الأولى من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه، وهي الموصولة بذكر علي، والثانية المرسلة، ولم يذكر الدارقطني من رواها عن إسرائيل، ولعل ذلك لكونها هي المشهورة عن إسرائيل. وربما كان في السياق شيء من الغموض، فيحتاج الباحث إلى حسن التعامل مع النص حينئذ، وذلك بالاستعانة بطبقات الرواة، ومصادر التخريج. مثال ذلك أن الليث بن سعد روى عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: «قالوا لرسول الله ﷺ : أصحاب الحمر؟ قال: لم ينزل علي في الحمر شيء، إلا هذه الآية الفاذة … » الحديث.

стр. 76

سئل عنه أبو زرعة فقال: «هذا وهم، وهم فيه الليث، إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، وابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ » (١). فظاهر النص أن الثلاثة -وهم: مالك، وحفص، وابن أبي فديك- يروونه عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، وليس هذا هو المقصود، فالمقصود أن مالكا، وحفص بن ميسرة، وكذا هشام بن سعد، فيما يرويه عنه ابن أبي فديك، الثلاثة يروونه عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد (٢). ومراد أبي زرعة أن الليث خالفه ابن أبي فديك في الرواية عن هشام بن سعد، عن زيد، وكذلك مالك، وحفص بن ميسرة، حين روياه عن زيد بن أسلم، فخولف الليث في طبقتين. وقد مر عدد من الباحثين بعبارة أبي زرعة فاستشكلوها، وحملها بعضهم أولا على ظاهرها، ووجد في المصادر أن مالكا، وحفص بن ميسرة، إنما يرويان الحديث عن زيد مباشرة، فنصب اختلافا على مالك، وحفص بن ميسرة، على وجهين، أحدهما ما في المصادر، وهو كونهما يرويانه عن زيد مباشرة، والثاني ما ذكره أبو زرعة، وهو أنهما يرويانه عن هشام بن سعد، عن زيد، ثم عاد الباحث وأبدى احتمالا آخر، وهو أن يكون في النسخ تحريف وسقط، وقال:

стр. 77

«والصواب -والله أعلم- في العبارة: إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، وما رواه ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم». وما ذكر الباحث أنه الصواب هو مراد أبي زرعة بلا شك، غير أن العبارة مستقيمة، لا سقط فيها ولا تحريف، وهي طريقة للنقاد، لا بد للباحث أن يدركها لئلا يستشكل كلامهم، وليتقن مسار الأسانيد حين يستخدمونها، وأيضا يتعود عليها ليستخدمها هو، حيث يحتاج لتلخيص الطرق، وعرضها للقارئ، كما سيأتي معنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب. ومما ينبغي التنبه له كذلك فيما يورده النقاد من طرق معلقة - أنهم يحذفون من وسط الإسناد بعد المدار بعض رواته، لكون السياق دالا عليهم، يفعلون هذا كثيرا، من باب الاختصار، وتلخيص الكلام. ومن صور ذلك أن يقول الناقد -مثلا-: روى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ورواه أبان بن يزيد، عن أبي سلمة مرسلا، ورواه الأوزاعي، عن أبي سلمة، عن عائشة. فرواية أبان بن يزيد، والأوزاعي، ليست عن أبي سلمة مباشرة، والمقصود أن أبان بن يزيد رواه عن يحيى بن أبي كثير فجعله عن أبي سلمة مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبي سلمة، عن عائشة، وأسقط ذكر يحيى في عرض روايتيهما للعلم به، فإن أبان بن يزيد، والأوزاعي، من

стр. 78

أصحاب يحيى بن أبي كثير، وقد تقدم ذكره في الإسناد الأول، فالمدار عليه. وأكتفي هنا بمثال واحد، قال الدوري: «حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «نهى عن عسيب الفحل»، قال يحيى: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهذا خطأ، إنما هو حديث ابن أبي ليلى» (١). فقول ابن معين: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، مراده: حدث به عن وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، فابن أبي شيبة لم يدرك ابن جريج. وربما أسقط الناقد أكثر من راو، فيقول مثلا: ورواه الأوزاعي، عن عائشة، أي عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة. وربما وقع بسبب الاختصار شيء من الغموض، إما بسبب الاختصار الشديد، أو لمخالفته شيئا مما وقف عليه الباحث خارج كلام الناقد، فيحتاج حينئذ إلى التأمل في السياق، والنظر في المصادر الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، وغير ذلك، مثله مثل قضايا هذا الفن الأخرى، قد تكون ظاهرة لا تحتاج إلى عناء، وقد تحتاج إلى نظر الباحث واجتهاده، والغالب في اختصار النقاد للأسانيد وضوح غرضهم ومقصدهم، فهذا يكون الأمر فيه بدهيا بالنسبة للباحث المتخصص، وما يندر منه يعالجه الباحث وفق ما يحف به من قرائن. فمن ذلك قول أبي داود: «سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور،

стр. 79

عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ : «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة … »، قال: هذا: سفيان وغيره، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ … -» (١). فاحتاج أبو داود إلى بيان مراد أحمد في صفة رواية سفيان الثوري ومن معه، حيث اختصرها أحمد جدا. وقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد سئل عن حديث عقبة بن عامر: «أن أخته نذرت أن تحج حافية … »، قال: روح يقول: يحيى بن أيوب، وابن بكر، وعبدالرزاق يقولان: سعيد بن أبي أيوب -يعني: يقولون عن ابن جريج، عنهما-» (٢). أوضح أبو داود أن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، وعبدالرزاق، يروون هذا الحديث عن ابن جريج، فسمى روح شيخ ابن جريج: يحيى بن أيوب، وسماه الآخران: سعيد بن أبي أيوب (٣).

стр. 80

وسأل الترمذي البخاري عما رواه أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة, عن علي: «أن فاطمة شكت إلى النبي ﷺ مَجل يديها … » الحديث, فقال البخاري: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون، عن عبيدة، عن النبي ﷺ ، مرسل» (١). فقد يفهم من كلام البخاري أن الإرسال في موضعين، بين ابن عون، وعبيدة، بإسقاط ابن سيرين، وبين عبيدة، ورسول الله ﷺ ، بدون ذكر علي، غير أن هناك دلائل تشير إلى أن مقصوده بالإرسال عدم ذكر علي فقط، وأنه اختصر الإسناد، فاقتصر على ذكر محل الاختلاف، وهو ذكر علي أو حذفه. فالنقاد الآخرون غير البخاري -وقد اتفقوا مع البخاري على تعليل الموصول بالمرسل- كلهم ذكر محمد بن سيرين، وإنما اختلفوا في صفة الإرسال بعد ذلك، هل هي بعدم ذكر عبيدة، أو بعدم ذكر علي؟ ومن ذلك قول البزار بعد أن أخرج الحديث بإسناده عن أزهر، وأشار إلى حديث آخر وصله أزهر أيضا: «وأخرجه إلي بشر بن آدم -ابن بنت أزهر- من أصل كتاب أزهر، فإذا فيه: عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة مرسلا، وكذلك حديث: «جاءت فاطمة

стр. 81

رضي الله عنها … » مرسلا أيضا» (١). وعلى هذا فعبارة البخاري تكتب هكذا: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون: عن عبيدة، عن النبي ﷺ ، مرسل»، بوضع نقطتين بعد ابن عون، فما بعدهما هو مراد البخاري، وهو محل الاختلاف بين الموصول والمرسل. وسئل الدارقطني عن حديث أبي سعيد الخدري، عن أبي بكر الصديق، أنه قال: «ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ … » الحديث، فقال: «يرويه الجريري، عن أبي نضرة، واختلف عنه، فرواه عقبة بن خالد، ويعقوب الحضرمي، عن شعبة، عن الجريري، عن أبي سعيد … ، وغيرهما يرويه عن شعبة مرسلا، وكذلك رواه ابن علية، وابن المبارك، وعدة، عن سعيد (يعني الجريري) مرسلا، وهو الصحيح» (٢). وصفة المرسل في كلام الدارقطني الأقرب أن يكون قصد به إسقاط أبي سعيد، في مقابل الموصول بذكره، لكن وجدت رواية شعبة على صفتين في الإرسال، إحداهما بإسقاط أبي سعيد، وهذه رواية عبدالرحمن بن مهدي (٣)، والثانية بإسقاط أبي سعيد، وأبي نضرة، وجعله عن الجريري مرسلا، وهذه رواية

стр. 82

عفان بن مسلم (١)، فاحتملهما كلام الدارقطني، وإن كان الأقرب هو الأول. والوقوف على روايتي ابن علية، وابن المبارك، يساعد كثيرا في إيضاح كلام الدارقطني. وقد رأيت اضطرابا من بعض الباحثين في التعامل مع ما يعلقه النقاد، وفهم مسار الأسانيد، فمنهم من يبالغ في البيان، ويملأ حواشي الكتاب بالتنبيه على مراد الناقد حين ينقل نصه، فيقول في الحاشية: مراده كذا، مراده كذا، مع وضوح المراد، وسهولة فهمه من السياق، فهذا الصنيع غير مناسب. ومن الباحثين من غابت عنه القضية من أساسها، أو حين يعالج نصا معينا، فقد ذكر أحد الباحثين قول ناقد: «روى سعيد: «من باع عبدا وله مال … »، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة -وهو ابن خالد- عن الزهري». فعلق عليه الباحث بكلام قال في نهايته: «أما الإسناد الثاني فعلته التعليق، والانقطاع أيضا، لأنه لم يثبت أن هشاما، وهماما، من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا، بدليل ما ذكره المزي … ». كذا قال الباحث، والناقد لم يرد أن هشاما، وهماما، رويا الحديث عن عكرمة بن خالد بلا واسطة، فمراده أنهما روياه عن قتادة، فجعلاه عنه، عن عكرمة بن خالد، عن الزهري، فلا انقطاع في الإسناد.

стр. 83

ونقل الترمذي عن البخاري قوله في حديث: «الصلاة مثنى، مثنى … »، وقد اختلف فيه شعبة، والليث بن سعد، على عبد ربه بن سعيد في الإسناد: «روى شعبة هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع، فقال: عن أنس بن أبي أنس، وهو عمران بن أبي أنس، وقال: عن عبدالله بن الحارث، وإنما هو: عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي ﷺ ، وإنما هو: ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس، عن النبي ﷺ … » (١). فتصدى أحمد شاكر لتخريج رواية شعبة، وذكر أن شعبة يرويه عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، ثم قال: «ومن هنا تعرف خطأ البخاري -فيما نقله عنه الترمذي هنا … - من أن شعبة لم يذكر في الإسناد عبدالله بن نافع بن العمياء». كذا قال، والبخاري لم يخطئ، غاية ما فعل أنه اختصر الإسناد بالنص على موضع الخطأ، وأما الصواب فطواه البخاري، فشعبة مشترك فيه مع الليث بن سعد، فكلاهما قد ذكر عبدالله بن نافع بن العمياء، لكن شعبة أخطأ فقال: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، والصواب ما رواه الليث وقال فيه: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، ونقل الترمذي كلام البخاري في «السنن»، و «العلل الكبير»، ولم يعترضه بشيء، وقد أخرج

стр. 84

رواية شعبة، وفيها ذكر عبدالله بن نافع بن العمياء. ومما ينبغي التنبه له في قضية الأسانيد المعلقة ما يوجد من أسانيد تبدو لأول وهلة أنها معلقة غير موصولة, بسبب الفصل بينها وبين الإسناد الموصول أولا بالمتن, فيساق الإسناد أولا بدونها, فيظنه من لم يتمعن فيه أنه معلق. وقد وقع هذا كثيرا في «صحيح البخاري» فيظنه بعض الشراح أو غيرهم من تعليقات البخاري, ويضطر ابن حجر في شرحه للكتاب إلى التنبيه على أنه موصول (١)، وربما ذكره على الاحتمال الراجح (٢). ومن أمثلة ذلك في غيره ما رواه أحمد قال: «حدثنا عتاب، قال: حدثنا عبدالله, قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس: «أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع, وذي مخلب من الطير»، قال: رفعه الحكم، قال شعبة: وأنا أكره أن أحدث برفعه، قال: وحدثني غيلان, والحجاج, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس, لم يرفعه». ذكر أحد الباحثين رواية غيلان بن جامع , والحجاج بن أرطاة, وعزاها إلى «مسند أحمد» ونبه إلى أنها معلقة, والصواب أنها موصولة بالإسناد المذكور قبل, فأحمد يرويه عن عتاب, عن عبدالله بن المبارك, عن شعبة, عن غيلان, والحجاج.

стр. 85

ثامنا: في جمع طرق الحديث تمهيدا للنظر فيها ومعالجتها العبرة بمدار الحديث، فأي طرق لهذا المتن تمر بذلك المدار فهي بغية الباحث، ولا تأثير في هذه المرحلة لما وقع بعد المدار، وعلى أي صفة هو. وعلى هذا لو افترضنا أن الحديث الذي مع الباحث يرويه في إسناد الباحث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، ثم وجد الباحث رواية سفيان بن عيينة لهذا الحديث بعينه عن عمرو بن دينار، عن جابر، ووجد رواية شعبة لهذا الحديث أيضا عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة، فالروايتان اللتان وقف عليهما الباحث من حديث جابر، ومن حديث أبي هريرة، هما من طرق حديثه، فالعبرة بالمدار وهو عمرو بن دينار، وهكذا لو جاء عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد مرسلا، فهو أيضا من طرق حديثه. واعتبار المدار قطب الرحى في جمع الطرق إحدى الخطوات الأولى الهامة في الطريق الصحيح لنقد المرويات، ومتى أغفل الباحث ذلك في مرحلة جمع الطرق، باعتبار هذه شواهد للحديث -كما هو متقرر في أذهان كثير من الباحثين- فقد وضع الباحث قدمه في خطوة هامة أيضا في الطريق الخطأ لنقد المرويات، وسيأتي لهذا زيادة بيان في عدة مواضع من هذا الكتاب في مناسبات هذه القضية. وما يقال في المدار المطلق للحديث يقال أيضا في المدارات النسبية له، فلو افترضنا أن سفيان، وشعبة، روياه كرواية حماد بن زيد، وجاء عن شعبة أيضا بصفة أخرى، كجعل الحديث عن جابر، أو أبي هريرة، فهذا كله من بغية الباحث

стр. 86

وطلبته، لا يصح له أن يهمله، وهكذا، في صور وتشعبات لا تنتهي، أسها الأول هذه المرحلة -مرحلة جمع الطرق وتنسيقها-. وإذا أدركنا أن المدار-مطلقا كان أو نسبيا- هو محل نظر الباحث أثناء جمعه للطرق، فمن المهم هنا التأكيد على ضرورة اعتنائه بصفة الإسناد والمتن بعد المدار، فيدقق جيدا في الإسناد الذي وقف عليه، ويتمعن فيه من جهة صفة الرواية الموجودة فيه، هل هي موقوفة، أو مرفوعة؟ وهل هي موصولة، أو مرسلة؟ وهل فيها زيادة راو، أو حذف راو؟ ونحو ذلك. فهذا التدقيق في صفة الروايات له أثره البالغ في المراحل اللاحقة، فأي زلة فيه قد تنهي عمله برمته، ومع كثرة الأسانيد، وسعة المصادر، وتنوعها، قد يغفل الباحث لحظة فيقع في الخطأ، خاصة إذا كان في ابتداء أمره، في مرحلة الماجستير، أو الدكتوراه -مثلا-. ومما يلزم لإتقان ذلك أن يكون لدى الباحث خبرة بصيغ الرواية والتحديث، ومصطلحاتها، يفرق بين الرواية عن الشخص، والرواية لقصة الشخص، وبين أن يكون الاسم موجودا في الإسناد، أو موجودا في المتن، يعرف الفرق بين صيغ الرفع الصريحة، وغير الصريحة، وصيغ الوقف. والمتأمل في عمل الباحثين يرى خللا في هذا الجانب، فتسرد الروايات والطرق دون تمييز، وأكثر ما يكون ذلك -كما أسلفت- في بداية الطريق. مَرّ بي في تحقيق كتاب ابن الجوزي: «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث

стр. 87

أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار: «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله ﷺ … » الحديث، وقد ساقه ابن الجوزي من طريق معلى بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن أيوب (١). فقمت بتخريجه من طريق موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، عن وهيب، وفي روايتهما: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بالقصة (٢)، هكذا فيها: سليمان بن يسار، عن أم سلمة، صورته أنه يرويه عنها، ولم أبين ذلك في التخريج. وخرجته أيضا من طريق إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعبدالوارث بن سعيد، عن أيوب السخيتاني، وفي رواية سفيان بن عيينة خاصة: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة أنها قالت: «كانت فاطمة بنت أبي حبيش تستحاض … » (٣)، ولم أبين ذلك. ثم خرجته من طريق نافع، عن سليمان بن يسار، وقد اختلف فيه على نافع، وعلى من دونه، وموضع الشاهد هنا أنني ذكرت من طرقه طريق أنس بن عياض، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة، هكذا ذكرته، والصواب أنه عن رجل من الأنصار: «أن امرأة كانت

стр. 88

تهراق الدماء … » (١). وقرأت لأحد الباحثين تخريجا لهذا الحديث، صنع فيه مثل ما صنعت سواء بسواء. والخطأ الذي وقعنا فيه في صميم مشكلة البحث، فمشكلته تدور حول الصواب في رواية سليمان له عن أم سلمة، هل هو يرويه عنها مباشرة، أو بواسطة رجل، أو يرسله فيروي القصة بنفسه؟ . وذكر ابن حجر طرق حديث الأعمش, عن أبي صالح , عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين … » الحديث، فقال محققه مستدركا عليه: «ويزاد: أحمد ٢/ ٤٧٩: ثنا محمد بن جعفر, وروح بن عبادة, كلاهما عن شعبة, وعن يحيى بن آدم، عن يزيد بن عبدالعزيز، كلاهما عن الأعمش، عنه، به» (٢). كذا قال الباحث, ورواية يزيد بن عبدالعزيز هي عن الأعمش, عن أبي صالح , عن أبي سعيد الخدري. وتعرض أحد الباحثين لتخريج رواية الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ثم قال الباحث: «وأخرجه البيهقي في «السنن» ١٠/ ١٩٢، وفي «الشعب» (٧٩٧٧)، من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان به».

стр. 89

ورواية يحيى بن أيوب هذه من مرسل ابن عجلان، ليس فيها ذكر القعقاع بن حكيم، ومن بعده، والبيهقي ساقها علة لحديث الدراوردي (١). وذكر أحد الباحثين رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن من الشعر حكمة». قال الباحث في تخريجه: «وأخرجه الطيالسي (٥٥٦)، والشافعي ٢/ ١٨٨ - ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢٣٧ - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود مرسلا». كذا قال الباحث، ورواية أبي داود الطيالسي موصولة، ليست مرسلة. وتعرض باحث آخر لرواية يونس بن يزيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين»، فقال الباحث: «ورواه عنبسة بن خالد -فيما أخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٣/ ٤، ومن طريقه البيهقي في «السنن» ١٠/ ٦٩ - عن يونس، عن ابن شهاب، حدث أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا، قال البيهقي: هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة». كذا نقل الباحث عن المصدرين، والذي في «المعرفة والتاريخ» هكذا: عن

стр. 90

ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن … ، ثم هو فيه من كلام عائشة، ففيه: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين». وقام أحد الباحثين بتخريج حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، أو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي ﷺ ، قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، فارتكب في تخريج الوجه الثاني -وهو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي ﷺ عدة أخطاء في العزو، وفي صفة الروايات. منها أنه خرج رواية جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أبي بردة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، من «سنن النسائي الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٧٧)، والذي في «السنن»: عن أبي بردة، عن رجل من أصحابه، عن النبي ﷺ . وعزا إلى النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٨١) طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي ﷺ ، والذي فيه بهذا الرقم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، وهو وجه لم يذكره الباحث، وأما رواية شعبة بدون ذكر ابن عمر فهي عند النسائي برقم (١٠٢٨٠). وخرج أيضا من «مسند البزار» (٨/ ١٢٠ ح ٣١٢٣)، طريق أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، وهذا الموضع عند البزار ليس من هذا الطريق، وإنما هو من طريق المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن

стр. 91

أبي بردة، وأما طريق أبي إسحاق فهو في (٧/ ٣٧٢ ح ٢٩٧٠). ووقوع الباحثين في مثل هذا -وهو كثير جدا- يقودنا إلى التنبيه على مثل ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، وهو استفادة الباحث من جهود السابقين في جمع الطرق غير أنه لا يعتمد عليهم في استقصائها، فقد يفوتهم شيء يقف عليه هو، فكذلك هنا، يستفيد من جهود من سبقه في العزو والتخريج، لكن لا يركن إلى عزوهم وتخريجهم، ووصفهم للروايات، وتصنيفها، وعليه أن يراجع المصادر، وينقل منها مباشرة. ويوصى الباحث كذلك إذا رجع إلى المصدر -أيا كانت السبيل التي وصل بها إليه- أن يتأنى كثيرا، ويدقق في الإسناد الذي فيه، ويقرأه مرات عديدة، ويتأكد من رواته، ومن صفة الرواية فيه، قبل أن يلحقه برسمه التوضيحي. وبهذا المنهج تقل الأخطاء عند الباحث، فليس المطلوب منه أن لا يخطئ أبدا، فهذا من تكليف ما لا يطاق، وإنما المطلوب أن لا تكثر منه الأخطاء، وتتراكم عليه مع أخطاء غيره. تاسعا: يكثر في المصادر التحريف والسقط، في الأسانيد والمتون، ويهمنا هنا ما يتعلق بالأسانيد، فتتحرف الأسماء، وصيغ التحديث، وربما سقط بعض الإسناد فتداخل مع غيره، وقد يجتمع هذا كله. وهذا داء قديم، شكى منه الأولون، ومن طالع كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» رأى قدرا كبيرا مما وقع لبعض النسخ والروايات لـ «صحيحي البخاري ومسلم»، مع شدة الاعتناء بهما.

стр. 92

ثم استفحل هذا الداء في الوقت الراهن بصفة مفزعة، لانتشار الطباعة، وطباعة الكتب دون تحقيق، أو بتحقيق غير جيد -وما أكثر ذلك-. ومن أمثلة هذا الإسناد الماضي في الفقرة سادسا، فقد وقع في «مسند أحمد» هكذا: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، ومجاهد … ، وفيه خطأ، فأبو معاوية، ووكيع، لا يرويانه عن الأعمش، ومجاهد، وإنما يرويانه عن الأعمش، عن مجاهد. ومر بعض الباحثين وهو يحقق كتابا مشهورا من كتب السنة بحديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان … » الحديث، فقال الباحث في تخريجه بعد أن خرجه من مصادر عديدة من طريق محمد بن فضيل: «وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٤٠٠ من طريق العباس بن يزيد بن فضيل، عن عمارة، به». كذا صنع الباحث، والسقط ظاهر في هذا الإسناد، وليس في الرواة من اسمه العباس بن يزيد بن فضيل، وهذا الحديث يتفرد به محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، لا يعرف إلا من طريقه، كما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول، ولعل الصواب: العباس بن يزيد، عن ابن فضيل، والعباس بن يزيد هو البحراني، يروي عن محمد بن فضيل. وروى مسلم بإسناده عن إسماعيل بن علية، عن حميد الطويل، عن أبي

стр. 93

رافع، عن أبي هريرة: «أنه لقي النبي ﷺ في طريق من طرق المدينة وهو جنب … » الحديث (١). كذا وقع في النسخة، وفيها سقط، فحميد يرويه عن بكر بن عبدالله المزني، عن أبي رافع، قال ابن حجر: «سقط بكر بن عبدالله من السند في أكثر النسخ من «صحيح مسلم»، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخط أبي الحسن المرادي الراوي عن الفراوي» (٢). وروى عبدالرزاق، عن ابن جريج، وعمرو بن دينار، أن حسن بن محمد أخبره: «أن فاطمة بنت النبي ﷺ دفنت بالليل … » الحديث (٣). كذا وقع في النسخة، وصوابه: … عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار … ، فعبدالرزاق لم يدرك عمرو بن دينار، وإنما يروي الحديث عنه بواسطة ابن جريج، ورواه مرة أخرى عن ابن عيينة، عن عمرو (٤). ومن ذلك ما وقع في بعض طبعات «تفسير الطبري» … عن عمرو بن الحارث، عن أبي الشيخ، عن عبدالرحمن بن جبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: «الرؤيا الصالحة

стр. 94

يبشر بها العبد … » (١). فقوله: عن أبي الشيخ، صوابه: عن أبي السمح، واسمه دراج (٢)، وقد خرج أحد المشايخ الفضلاء في تحقيقه لكتاب من كتب السنة هذا الحديث، فنقل هذا الإسناد من «تفسير الطبري» كما هو، وجعل أبا الشيخ متابعا لأبي السمح، وهو هو وقع فيه تحريف. ومن ذلك ما وقع في «تفسير الطبري» أيضا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، قال: حدثنا أبي، عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة، عن عمرو بن حمزة البجلي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء … » (٣). والصواب في هذا الإسناد هكذا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا أبي، وعمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة (٤). وقد قيل في هذا الإسناد عن «عمر» مكان «أبي هريرة»، خرجه جماعة منهم

стр. 95

أبو نعيم في «الحلية»، ووقع فيه أيضا تحريف، لكنه أخف مما وقع في تفسير الطبري، فوقع فيه هكذا: … عن قيس بن الربيع، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عمر (١). وذكره الشيخ أيضا في تحقيقه للكتاب المشار إليه، شاهدا لحديث أبي هريرة، ثم قال: «وهذا إسناد جيد». وصواب الإسناد: … عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر (٢)، وأبو زرعة هذا لم يدرك عمر بن الخطاب (٣). وسئل الدارقطني عن حديث حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «يحسر الفرات عن جبل من ذهب»، فقال: «يرويه خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عنه، فرواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب مرفوعا، واختلف عن شعبة، فرفعه الحميدي، عن شعبة، ووقفه غيره، والصحيح عن شعبة الموقوف، والصحيح عن عبيدالله المرفوع» (٤). كذا في النسخة: الحميدي، عن شعبة، والحميدي لم يدرك شعبة، ففي العبارة تصحيف أو سقط، ولا بد (٥).

стр. 96

وكما يقع الخطأ والتحريف في المصادر الأصلية، يقع أيضا في المصادر المؤلفة عليها، أو الناقلة عنها، مثال ذلك ما وقع في «إتحاف المهرة» لابن حجر، في سياقه لأسانيد حديث يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن أنس الماضي ذكره في المبحث الثاني من الفصل الأول، فقد وقع فيه: «رواه أحمد، عن وكيع، عن سفيان، وعن أسود، عن إسرائيل، عن ليث، وعن حسين، عن إسرائيل، كلهم عن السدي، عنه (يعني عن يحيى بن عباد)، به، قط (يعني الدارقطني) فيه (يعني في الأشربة): عن الحسين بن إسماعيل، عن يعقوب الدورقي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عنه به» (١). كذا وقع في النسخة، ومثله بالنسبة لرواية أحمد ما في «أطراف المسند» (٢)، وفي المصدرين خطأ، فرواية الليث التي عند أحمد إنما هي عن يحيى بن عباد مباشرة، لا عن السدي عنه (٣)، ورواية معتمر بن سليمان التي عند الدارقطني هي عن الليث، عن يحيى بن عباد، وليست عن المعتمر، عن أبيه، عن يحيى (٤). وذكر ابن حجر في ترجمة (الزهري، عن أنس) حديث: «أن النبي ﷺ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة»، ثم قال في تخريجه: «الطحاوي في الكراهة، عن

стр. 97

فهد، عن الحماني، وعن ابن أبي داود، حدثنا محمد بن المنهال، كلاهما عن يزيد بن زريع، عنه به» (١). فسياق الإسناد هكذا معناه أن يزيد بن زريع يرويه عن الزهري، وليس هذا هو المراد، فيزيد يرويه عن معمر، عن الزهري، وسقط اسم معمر من النسخة، وهو على الصواب عند الطحاوي (٢). وفي حديث واحد وقع خطأ في المصدر الأصلي، أمكن تصحيحه من مصدر فرعي، والعكس كذلك، فقد روى ابن خزيمة، قال: «حدثنا الصنعاني، حدثنا بشر، حدثنا حميد، قال: إما سمعت أنسا، وإما عن ثابت، عن أنس، ح، وحدثنا محمد بن يحيى بن فياض، حدثنا عبدالصمد، حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس: «أن رسول الله ﷺ رأى شيخا كبيرا يهادى بين ابنيه … » الحديث» (٣). فقوله في الإسناد الثاني: «حدثنا عبدالصمد» تحريف، والصواب: «حدثنا عبدالأعلى»، وتصويبه من «إتحاف المهرة»، قال ابن حجر في ذكر طرق حديث أنس هذا من ابن خزيمة: «خز، في الحج: حدثنا محمد بن يحيى ابن فياض، حدثنا عبدالأعلى، عنه (يعني عن حميد) به، وعن الصنعاني، عن بشر بن المفضل، عن عبدالأعلى، حدثنا حميد، قال: إما سمعت أنسا، وإما عن ثابت، عن أنس، به» (٤).

стр. 98

وقوله في «الإتحاف» في الإسناد الثاني: «عن بشر بن المفضل، عن عبدالأعلى، حدثنا حميد» صوابه: «عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد»، ليس فيه عبدالأعلى، فبشر يرويه مباشرة عن حميد، وهو على الصواب في «صحيح ابن خزيمة». وبعض الباحثين يدقق ويراجع حين يعرف أن المصدر كثير الأخطاء والتحريف في طباعته، ويستروح لعمل غيره إذا كان الكتاب قليل الأخطاء، ولا شك أن هذا الباحث ستقل عنده الأخطاء، فلا يقارن بمن يجمع الأسانيد من أي مصدر كان دون تمحيصها والنظر في صوابها، غير أن من يستروح لعمل غيره قد يقع في الخطأ أيضا. تعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على معمر بن راشد في روايته عن الزهري، حديث نومه ﷺ عن صلاة الفجر، فذكر الباحث الاختلاف على معمر في هذا الحديث وصلا وإرسالا، وذكر أشهر من رواه مرسلا، ومن رواه موصولا, فعبدالرزاق يرويه عن معمر، عن الزهري، عن سعيد مرسلا، وأبان العطار يرويه عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة موصولا، فهاتان روايتان مشهورتان عن معمر (١). ثم ذكر الباحث أنه وقف على متابع لأبان، وهو عبدالله بن المبارك، وعزا

стр. 99

روايته لـ «سنن النسائي» (١)، وبنى على هذه الرواية حفظ الوجهين عن معمر، نظرا لقوة ابن المبارك في معمر، في مقابل رواية عبدالرزاق، وهو أيضا قوي في معمر، ورد بهذه المتابعة على من رجح حفظ الإرسال عن معمر، وأطال في ذلك وردده. ولو صحت هذه الرواية لكان كلام الباحث متجها، غير أنها لا تصح، فالصواب أن رواية ابن المبارك أيضا مرسلة، وما وقع من الوصل خطأ في النسخة أمكن تصحيحه من «تحفة الأشراف» (٢). وروى أبو يعلى قال: «حدثنا عبيدالله، حدثنا خالد، ويحيى، قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم … » الحديث» (٣). كذا وقع في النسخة، والصواب: قالا: حدثنا سعيد، وهو ابن أبي عروبة، وليس شعبة، هكذا هو في المصادر من طريق خالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغيرهما، وهو عند البيهقي من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، عن خالد، ويحيى، جميعا (٤)، وقد رواه أبان العطار، وهمام، عن قتادة

стр. 100

أيضا (١)، وأما شعبة فكان ينكر أن يكون قتادة سمع هذا من أنس (٢). وبمناسبة الحديث عن تحقيق الكتب فمن المهم جدا بالنسبة للباحث أن يتنبه لتصرفات المحققين لكتب المرويات التي يقومون بتحقيقها، فلا يقلدهم فيما يتصرفون فيه بالزيادة والنقص، أو التغيير، فإن كثيرا منهم يفعل ذلك دون دراسة وتمحيص، فإذا وجد في المصادر شيئا يخالف نسخه المخطوطة للكتاب الذي يحققه تصرف في الإسناد وفق ما في هذه المصادر، غير مفرق بين ما هو من خطأ النساخ ويحسن تغييره أو الإشارة إليه، وبين ما هو هكذا في أصل الرواية عند المؤلف، وهذا موضع دقيق جدا، أحد أعمدة قواعد التحقيق للكتب، وربما غير المحقق بناء على اجتهاده ونظره في الطرق، وإن لم ترشده المصادر إليه. ومثله ما إذا اختلفت نسخ الكتاب، واختار المحقق ما جاء في بعضها، وجعل ما في غيرها خطأ، أو مرجوحا، فالباحث غير ملزم برأي المحقق، بل ليس له أن يتابعه إلا بعد نظر وفحص. أخرج عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن سليمان

стр. 101

بن بريدة، قال: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، حتى كان يوم الفتح، فصلى الظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد» (١). وزاد محقق الكتاب بين معكوفتين (عن أبيه) بعد سليمان بن بريدة، وعلل ذلك بأنه وجده في المصادر هكذا من حديث بريدة، وفي بعضها عزوه لعبدالرزاق، وأطال في ذلك. وما صنعه المحقق خطأ فاحش لا يقلد فيه، ويخرج الإسناد من «المصنف» كما هو مرسلا، فهذا الحديث اختلف فيه على الثوري، فرواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وعبدالرزاق -كما هو في هذه الرواية- مرسلا، ورواه وكيع، ومعتمر بن سليمان، ومعاوية بن هشام، عن الثوري موصولا بذكر بريدة بن الحصيب، والمشهور في الوصل رواية وكيع، ورجح النقاد رواية الإرسال، لجلالة عبدالرحمن، وأبي نعيم، وتقدمهما في الثوري (٢). وقد رواه سفيان أيضا عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، ولم يختلف عن سفيان في ذلك، اتفق عليه أصحابه، ومنهم عبدالرزاق (٣).

стр. 102

وأخرج أبو يعلى عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن روح، عن عبدالله بن سمعان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يطأ بنعليه في الأذى … » الحديث (١). حذف محقق الكتاب جملة (عن أبيه)، وقال في الحاشية: «في الأصلين: عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة، وما علمنا للقعقاع رواية عن أبيه، وليس في الرواة عن عائشة من اسمه حكيم، وكأن الناسخ نسخ القعقاع، ونظر إلى سعيد المقبري، فظن أنه يروي عن أبيه، عن أبي هريرة هذا الحديث، فأثبته خطأ، والله أعلم». فالباحث حين يخرج هذا الإسناد من «مسند أبي يعلى» يذكره بإثبات هذه الجملة، ورأي المحقق لا يصح أن يتابعه فيه، فهي موجودة في الإسناد في مصادر أخرى، فأخرجه ابن عدي، عن أبي يعلى به (٢)، وأخرجه العقيلي، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنهال به (٣)، والإسناد كله من مجازفات عبدالله بن زياد بن سمعان، فهو متروك الحديث، متهم بالكذب، فلا يستقيم ما ذكره المحقق من مبررات حذف الجملة. وروى الدارقطني من طريق محمد بن عبدالملك بن زنجويه، حدثنا عبدالله

стр. 103

بن الزبير، حدثنا سفيان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود، قال: «ناولت النبي ﷺ حجرين وروثة … » الحديث (١). هكذا في النسخة، إلا أنه سقط منها لفظة (حدثنا) بين عبدالملك، وعبدالله بن الزبير، غير أن محقق الكتاب زاد عليها حين أضافها، فجاء عنده الإسناد هكذا: … محمد بن عبدالملك بن زنجويه [حدثنا محمد بن] عبدالله بن الزبير، حدثنا سفيان … ولم يصب المحقق في هذه الزيادة، إذ صار الراوي في الإسناد كما أثبته المحقق محمد بن عبدالله بن الزبير أبا أحمد الزبيري، وسفيان على هذا هو الثوري، يروي عن إسرائيل بن يونس، وهو أصغر منه، والصواب أنه عبدالله بن الزبير الحميدي، صاحب «المسند» المعروف، وسفيان هو ابن عيينة، وقد ذكر الدارقطني روايته على هذه الصفة قبل ذلك، فذكر أن الحميدي رواه عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، وساقه بإسناده بعد ذلك، وأما أبو أحمد الزبيري فذكر الدارقطني أنه يرويه عن إسرائيل مباشرة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه (٢)، وهكذا أدى اجتهاد المحقق إلى اختلاط الأسانيد، فلا يقلده الباحث في ذلك. وروى ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد،

стр. 104

عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها … » الحديث. هكذا في إحدى نسخ الكتاب، وفي الإسناد عطف، فأبو خالد يرويه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، ويرويه، عن حميد، عن أنس، لكن المحقق أثبت الإسناد من نسخة أخرى هكذا: عن شعبة، عن قتادة، عن حميد، عن أنس، فجعله من رواية قتادة، عن حميد، وذكر في الحاشية أنه جاء في نسخة بالواو، أي عن أبي خالد، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس، وأن ما فيها خطأ. كذا صنع محقق الكتاب، وما خطأه هو الصواب، كما تقدمت الإشارة إليه في الخامس من هذه التنبيهات. وروى ابن خزيمة من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بخمس وعشرين» (١). هكذا في نسخته الخطية، لكن محققه غير الإسناد فجعله هكذا: عن شعبة، عن قتادة، وعقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، والصواب ما في النسخة الخطية، هكذا هو في «إتحاف المهرة»، عن ابن خزيمة (٢)، وهو أيضا كذلك في المصادر الأخرى (٣).

стр. 105

وروى الخطيب من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، قال: «كان النبي ﷺ يكره أن توطأ عقباه، ولكن عن يمين وشمال». فعلق عليه المحقق بقوله: «الظاهر أنه سقط باقي الإسناد: عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو» (١). كذا قال، وكأنه قال ذلك لما رآه عند الحاكم من طريق شيبان، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن شعيب بن محمد، عن عبدالله بن عمرو، ومن طريق أمية بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو (٢). وما استظهره المحقق ليس بظاهر، فهذه رواية، وما عند الحاكم روايتان أخريان، فبينهما اختلاف أيضا. وأخرج ابن خزيمة من طريق روح، عن المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة بن الحصيب، قال: «دخل قوم على

стр. 106

رسول الله ﷺ ، فجعلوا يسألونه، ويقولون: أعطنا … » الحديث (١). هكذا في جميع نسخ الكتاب الخطية، غير أن محقق الكتاب حذف اسم بريدة بن الحصيب، بحجة أنه خطأ، وأثبت مكانه عمران بن حصين، لكونه وجده في بعض مصادر التخريج عن عمران. وتصرف المحقق غير مناسب أبدا، وذكر بريدة في الإسناد صواب، فهكذا يرويه المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، في بعض الطرق عن المسعودي، على اختلاف عليه في ذكر الواسطة بين جامع بن شداد، وعبدالله بن بريدة. وأما جعله عن عمران بن حصين فهي رواية الثوري، والأعمش، وكذا المسعودي في بعض الطرق إليه، وكان المسعودي يضطرب فيه، لكونه اختلط، وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثاني من الباب الثالث. وروى ابن حبان، عن أبي يعلى، عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن يحيى القطان، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: «أن عمار بن ياسر صلى ركعتين فخففهما، فقال له عبدالرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، أراك قد خففتهما … » الحديث. هكذا أخرجه، وعلق عليه بقوله: «هذا إسناد يوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، لأن عمر بن أبي بكر سمع هذا الخبر عن جده عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عمار بن ياسر، على ما ذكره

стр. 107

عبيدالله بن عمر، لأن عمر بن أبي بكر لم يسمعه من عمار، على ظاهره» (١). يريد ابن حبان أن ظاهر الإسناد هو رواية عمر بن عبدالرحمن بن أبي بكر للقصة بنفسه، لقوله هو: «أن عمار بن ياسر … »، وهو لم يدرك عمارا، فهو منقطع، ولكن حقيقة الإسناد أن عمر سمعه من جده صاحب القصة مع عمار، فهو متصل. هكذا يقول ابن حبان، يعلق على هذا الإسناد كما رواه هو، سواء أصاب في هذا الإسناد، والتعليق عليه، أو أخطأ، وقد اضطر ابن حبان إلى هذا التعليق لكونه سقط عليه من الإسناد جملة (عن أبيه)، بعد عمر، فعمر يرويه عن أبيه أبي بكر بن عبدالرحمن، هكذا هو في «مسند أبي يعلى»، بهذا الإسناد (٢)، وهكذا رواه جماعة عن يحيى القطان (٣). وقد اجتهد محقق «صحيح ابن حبان»، فأضاف جملة (عن أبيه) في الإسناد، ونبه عليه، غير أن الباحث حين التخريج لا يقلده في هذا، بل ينقل الإسناد من ابن حبان كما رواه هو، وليس كما في المصادر الأخرى، فهو خطأ رواية إذن، وليس خطأ نساخ، وبإضافة هذه الجملة لا يستقيم تعليق ابن حبان. وجاء في إحدى طبعات «مصنف ابن أبي شيبة» هذا الإسناد: حدثنا

стр. 108

ابن نمير، عن مجالد، عن عامر، عن [الحارث] بن عبدالله، عن علي، عن النبي ﷺ : «أنه لعن عشرة … » الحديث (١). وذكر محقق النسخة أن كلمة (الحارث) سقطت من جميع نسخ «المصنف» المخطوطة، وأنه زادها من بعض مصادر التخريج. ولم يصب المحقق في هذه الزيادة، فالصواب: عن جابر بن عبدالله، عن علي، هكذا رواية ابن نمير، عن مجالد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في موضع آخر هكذا (٢)، وهي رواية مشهورة وقع فيها وهم (٣)، فقد رواه الجماعة عن مجالد، عن عامر، عن الحارث بن عبدالله، عن علي، وكذلك رواه جماعة عن عامر الشعبي، وهي الروايات التي وجدها المحقق في بعض مصادر تخريج الحديث، ورواه أشعث بن عبدالرحمن، عن مجالد، عن عامر، عن جابر بن عبدالله، وعن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ ، فيحتمل أن يكون ابن نمير خلط بين الإسنادين، أو مجالد فعل ذلك حين حدث به ابن نمير، ويحتمل أن يكون ذلك وقع من ابن أبي شيبة (٤). وبسبب تصرفات المحققين للكتب واجتهاداتهم فالباحث يوصى بقراءة حواشي الكتب، وما ينبه عليه المحقق، فقد يكون ما لم يثبته هو الصواب.

стр. 109

و قضية التغيير في النسخة خطأ قد شكى منه الأولون ، فروى أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق -والد سفيان الثوري-، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رافع بن خديج، قال: «قلت للنبي ﷺ : إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى … » الحديث (١). ورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم، عن سعيد بن مسروق، عن عباية، عن جده رافع، ليس فيه: «عن أبيه» (٢). ورواية أبي الأحوص رواها البخاري عن مسدد، عنه، وقد جاءت هكذا في معظم روايات ونسخ «صحيح البخاري»، قال أبو علي الجياني: «وسقط قوله: عن أبيه، في نسخة ابن السكن وحده، إنما عنده: عن عباية بن رفاعة، عن جده، وأظنه من إصلاح ابن السكن، والأولى في رواية أبي الأحوص أن يكون فيه: عن أبيه، عن جده، لأنه تنص الرواية كما حفظت عن راويها، على ما فيها». ثم ذكر أبو علي الجياني أن عبدالغني بن سعيد الحافظ ظن أن الإسقاط من

стр. 110

البخاري، بسبب أن عبدالغني وقف على رواية ابن السكن، قال أبو علي: «وإنما تكلم عبدالغني على ما وقع في رواية ابن السكن، فإنه روى عنه بإسقاط أبيه، وظن عبدالغني أنه من عمل البخاري، وليس كذلك، لأن الأكثر من الرواة (يعني عن البخاري) يقولون: عنه، عن أبيه، عن جده» (١). وروى مسلم، عن الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، حديث البداءة بالعشاء إذا وضع وقد أقيمت الصلاة، وفي بعض نسخ «صحيح مسلم»: حدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان بن موسى، عن أيوب (٢). وسفيان بن موسى هذا بصري يروي عن أيوب السختياني، لكنه غير مشهور، والمشهور بالرواية عن أيوب السختياني هو سفيان بن عيينة، كما أن ابن عيينة يروي أيضا عن أيوب آخر، وهو أيوب بن موسى، ولذا حصل في تفسير هذا الإسناد اضطراب، الشاهد منه ما ذكره أبو علي الجياني، قال: «ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، ورُدَّ: سفيان، عن أيوب بن موسى، وهذا خطأ» (٣). وخلاصة ما تقدم أن على الباحث التدقيق في الإسناد حين يريد إلحاقه بأسانيد حديثه، والحذر من التحريف والسقط الذي يقع كثيرا في المصادر،
следующие страницы →