مجموعة فأستنكرها» (١).
وروى الربيع بن يحيى الأشناني، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، للرخص من غير خوف ولا سفر» (٢).
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «باطل عندي، هذا خطأ، لم أدخله في التصنيف، أراد: أبا الزبير، عن جابر، أو: أبا الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع» (٣).
وأبو حاتم استنكر هذا الحديث على الربيع، لكنه احتمله منه، وقال فيه حين سئل عنه: «ثقة، ثبت» (٤).
وأما الدارقطني فرأى مثل هذا الخطأ مؤثرا، لفداحته، فقال فيه حين سئل عنه: «ليس بالقوي، يروي عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر (الجمع بين الصلاتين)، وهذا يسقط مئة ألف حديث» (٥).
وقال أبو زرعة في عمر بن عبدالله بن أبي خثعم: «واهي الحديث، حدث
стр. 317
عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث، لو كانت في خمسمئة حديث لأفسدتها» (١).
وروى مسكين بن أبي فاطمة، عن حوشب بن عقيل، عن الحسن، عن أبي أمامة, عن النبي ﷺ قال: «إن الغسل يوم الجمعة ليستل الخطايا من أصول الشعر استلالا» (٢).
قال أبو حاتم في نقده لهذه الرواية: «هذا منكر، الحسن، عن أبي أمامة، لا يجيء، وَوَهَن أمر مسكين عندي بهذا الحديث» (٣).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة، عن النبي ﷺ : «من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، وسجودها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه».
قال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن … ، حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (٤).
стр. 318
فالحديث إذن منكر عند أبي حاتم، بغض النظر عن درجة راويه، قبل أن يطلع أبو حاتم على علته، وبعد أن اطلع عليها (١).
والخلاصة أنه لا علاقة بين كون الراوي ثقة، وبين نكارة حديثه، ولا بين النكارة وتبين مصدر الغلط ، بل قد يكون وضوح سبب الغلط مخففا للنكارة، كما تقدم شرحه.
ومما يؤكد ما تقدم -وهو أن درجة الحديث لا تؤخذ من حال راويه فقط- أن رواية الراوي قد تكون صحيحة في نفسها، وإن كان راويها ليس في درجة من يحكم لروايته بذلك، كما قال أبو حاتم في أحمد بن إبراهيم الخراساني: «شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح» (٢).
стр. 319
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن المنذر القزاز: «سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعرضت عليه حديثه، فقال: حديث صحيح» (١).
وكان من المفترض أن يكون عمل المتأخر ينصب على تأييد أقوال النقاد، وتكميله، كأن يستنكر الناقد حديثا، دون أن يذكر السبب، فيجتهد المتأخر في توجيهه، وبيان سبب النكارة، أو يختلف النقاد في سبب النكارة، وتحميل الخطأ، فيجتهد في الموازنة بين أقوالهم، واستبعاد ما يظهر كونه مرجوحا.
فالاختلاف في عهدة النكارة في حديث (اللواط) الآنف الذكر يمكن للباحث أن يستبعد من الاحتمالات ما ذهب إليه الترمذي، فإن الحديث قد رواه جماعة عن عمرو بن أبي عمرو غير الدراوردي.
وكذلك حديث أبي هريرة: «متى كنت نبيا؟ … »، لم يتفرد به شجاع بن الوليد، فقد رواه جماعة غيره عن الوليد بن مسلم.
وروى المعافى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم» (٢).
стр. 320
فهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فجعل أحمد عهدة النكارة على أفلح بن حميد، قال أبو داود: «قلت لأحمد: أفلح بن حميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثا منكرا، حديث المواقيت، قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة» (١).
وقد استنكر عليه أحمد غير هذا الحديث أيضا، قال أبو داود: «كان أحمد تكلم فيه، وسمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، وروى أفلح حديثين منكرين: «أن النبي ﷺ أشعر»، و «حدَّد لأهل العراق ذات عرق» (٢).
وروى ابن صاعد حديث المواقيت من طريقه، ثم قال: «كان أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد، فقيل له: يروي عنه غير المعافى؟ فقال: المعافى بن عمران ثقة» (٣).
وفي السؤال الموجه لأحمد عن ثبوت الحديث عنه ما يشير إلى احتمال أن تكون النكارة من الراوي عنه: المعافى بن عمران، وقد أشار إلى ذلك ابن عدي،
стр. 321
فقال بعد أن ساق الحديث، وكلام ابن صاعد: «وأفلح بن حميد أشهر من ذاك، وقد حدث عنه ثقات الناس، مثل ابن أبي زائدة، ووكيع، وابن وهب، وآخرهم القعنبي، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلها، وهذا الحديث ينفرد به معافى عنه، وأنكر أحمد على أفلح في هذا الحديث قوله: «ولأهل العراق ذات عراق»، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئا» (١).
وأما مسلم فتعلق بالراوي عن المعافى بن عمران عنده، فقال: «ليس بمستفيض عن المعافى، إنما روى هشام بن بهرام، وهو شيخ من الشيوخ، ولا يقر الحديث بمثله إذا تفرد» (٢).
فالباحث لا ينبغي له أن يتعرض للبحث في أصل نكارة هذه اللفظة، فهي منكرة عند الجميع، لكن له أن يرجح فيمن يتحمل عهدتها، فيستبعد أولا رأي مسلم، إذ قد رواه عن المعافى أيضا محمد بن علي أبو هاشم الموصلي، وغيره.
ويمكن أيضا أن يستبعد المعافى بن عمران بكون أفلح بن حميد قد استنكر عليه عن القاسم غير هذا الحديث، كما يومئ إليه كلام أحمد.
فأمام المتأخر عمل كثير يقوم به، غير أنه حمل نفسه فوق طاقتها -والله لا يكلف نفسا إلا وسعها- فانتصب للنقد مستقلا، وسلك منهجا مغايرا، بإدراك لذلك من بعضهم، ودون إدراك من البعض الآخر.
стр. 322
ومما يتعجب منه في عمل المتأخرين تناقضهم في موقفهم من أقوال النقاد، إذ يعتمدون عليهم في درجات الرواة، ويقلدونهم في ذلك، ثم يدعونهم فيما يستنكرونه على هؤلاء الرواة، والقارئ يلحظ ذلك في النص الواحد حين ينقلونه عن المتقدمين، فحديث (اللواط) الآنف الذكر، وكذلك حديث عمرو بن أبي عمرو الآخر في (الواقع على بهيمة) -وبعض الرواة يرويهما عنه حديثا واحدا- سلك فيهما المتأخرون ضروبا من مخالفة أئمة النقد في المنهج، في الاتصال والانقطاع، وفي قضيتنا هذه قضية التفرد، وفي الشد والاعتضاد بالطرق الأخرى، وغير ذلك (١).
وقد أشار السخاوي إلى هذا التناقض، فقال بعد أن ذكر منزلة أئمة النقد في الحكم على الأحاديث: «وهو أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبدالبر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني … » (٢).
ورأيت بعض الباحثين المعاصرين جمع جرامزه فوثب وثبة ظن أنه بلغ فيها عنان السماء، وقدماه لم ترتفعا عن الأرض، إذ ذهب إلى نكارة حديث (اللواط)،
стр. 323
وأطال في النقول عن أئمة النقد، لكنه في نفس الكتاب الذي يحققه ذهب يقوي مارواه عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومنها حديث (البهيمة)، وهو أشد نكارة من حديث (اللواط)، ثم كلام أحمد، والبخاري، يدل على أن أحاديث هذه النسخة كلها مناكير ضعيفة.
ومما يظهر تناقض كثير من المتأخرين في هذه المسألة أنهم يدفعون استنكار النقاد لبعض ما يرويه الثقات ومن في حكمهم، وفي المقابل عضوا بالنواجذ على ما تقرر عند النقاد أن من أحاديث الضعفاء ما يترجح حفظهم له، معتمدين في ذلك كلام النقاد في كون ضعفهم غير شديد، فهم في درجة الاعتبار، على أن تطبيق المتأخرين لشروط اعتماد ترجيح حفظ الضعيف لما يرويه فيه خلل كبير جدا، كما سيأتي في موضعه.
ومن التناقض أيضا في قضية التفرد تسليم المتأخرين باشتراط رواية أكثر من راو عن الشخص لترتفع جهالته، فيكثرون من القول بأن هذا الشخص لم يرو عنه سوى راو واحد، وليس فيه توثيق معتبر، فهو مجهول، مع كون الراوي عنه ثقة، ولا يلتفتون لتفرد الراوي بالحديث، وكونه مظنة أن يخطئ فيه.
والخلاصة أن قضية (التفرد) وتشعباتها وقع من المتأخرين في تطبيقها تناقض ظاهر، ومع ذلك فلا بد من التسليم بأن المتكلمين على الأحاديث من المتأخرين لا يشعرون بالتناقض، في هذه المسألة وغيرها، فهم مخطئون معذورون.
وقد كنت -مثل كثيرين غيري- أظن أن مخالفة المتأخرين لمنهج أئمة النقد
стр. 324
في التفرد خاص بما يرويه الثقة ومن في حكمه، فالمتأخر ليس عنده تضعيف بالتفرد لما يرويه هؤلاء، وأما ما يتفرد به الضعيف فهم يوافقون أئمة النقد على تضعيفه ورده بالتفرد.
ثم ظهر لي أن مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في تفرد الضعيف أقوى وأشد ، فالمناكير عن الضعفاء أكثر بكثير منها عن الثقات ومن في حكمهم، والمتأخرون -كما تقدم- ربطوا درجات الأحاديث بمراتب الرواة فقط، غير ملتفتين لقرائن الإسناد الأخرى ومنها التفرد، فأحاديث الضعفاء عندهم ضعيفة فقط، لأن رواتها ضعفاء، وعلى هذا فهي قابلة للاعتضاد على طريقتهم.
وأما أئمة النقد فليس النظر عندهم فقط لدرجة الراوي، فالحديث يحكمون ببطلانه، وبكونه موضوعا، وليس في إسناده من رمي بالكذب والوضع، وهذا كثير جدا عندهم في أحاديث الضعفاء، بل قد يوجد عندهم في أحاديث الثقات أيضا، كما تقدم في هذه الفصول.
ومن أمثلته في الضعفاء ما رواه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -وقال مرة: عن أبي سعيد الخدري-، عن النبي ﷺ قال: «أيام التشريق كلها ذبح».
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث كذب بهذا الإسناد»، وأبى مرة أن يقرأه على الناس، وقال: «هذا حديث موضوع عندي» (١).
стр. 325
وراويه عن الزهري معاوية بن يحيى الصدفي لم يتهم بالكذب، فهو ضعيف، خاصة في الزهري، وقد تفرد بهذا عنه، ولم يشاركه أحد من أصحاب الزهري، على كثرتهم، فاستحق حديثه هذا أن يوصف بالوضع.
وقد رأيت أحد المشايخ المعاصرين نقل كلام ناقد في حكمه على حديث بالبطلان، ثم عقبه الشيخ بأن هذا الحكم مبالغة من الناقد، كذا قال، نظر إلى صورة الإسناد فقط، وهذه إحدى مشكلات النقد عند المتأخرين، وهي متفرعة من أصل خطأ عندهم: قياس الأحاديث برواتها، وليس قياس الرواة بأحاديثهم، ويتفرع منها قضايا أخرى ابتعد فيها المتأخرون جدا عن منهج النقد عند أئمته.
ولإدراك هذا جيدا ينظر تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه «الموضوعات»، فقد أوسعوه نقدا، في أعيان الأحاديث، وفي كلامهم عليه في كتب المصطلح، وكنا نظن زمنا أن الصواب دائما أو غالبا مع من تعقبه، وعند التحقق تبين عكس ذلك، وأن الصواب في الغالب مع هذا الإمام، وفي حواشي المعلمي على «الفوائد المجموعة» للشوكاني كلام كثير حول نقد طريقتهم، وكذا صنع في المقدمة.
ثم ههنا أمر آخر، وهو أن طريقة المتأخرين جنت على الرواة أيضا، فالمتأخر حين ينظر في الإسناد جُلُّ نظره منصب على رواته، فأيهم وجده أشد ضعفا ممن سواه نقد الإسناد به، وإن كان الحديث لم يصح عنه إلى الآن، لأمر أغفله المتأخر، وأهم ذلك ما يتعلق بالتفرد، فحين ألغى المتأخر النقد به فالحديث عنده ثابت إلى هذا الراوي، فهو حلقة الضعف في الإسناد.
стр. 326
ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك … » الماضي في الفصل الأول من هذا الباب، فأبو حاتم حكم عليه بالنكارة بسبب تفرد طلق بن غنام به عن شريك، وقيس بن الربيع، وكل من رأيته تكلم على هذا الحديث من المتأخرين انصب نظره على شريك، وقيس بن الربيع، فهما دون طلق بن غنام، إذ هو ثقة، ثم رجع فعضد أحدهما بالآخر، وصحح الحديث أو حسنه، والإسناد لم يصح إليهما أصلا، فهو منكر عنهما.
وروى الترمذي عن أحمد بن محمد بن نيزك، عن أسود بن عامر، عن صالح بن عمر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيام أحب إلى الله العمل فيهن من عشر ذي الحجة … » الحديث.
ثم قال الترمذي: «سألت محمدا (يعني البخاري) وعبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا الحديث، فلم يعرفاه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة» (١).
ذكر هذا أحد الباحثين عن الترمذي، وعلق على الإسناد بقوله: «في سند الحديث محمد بن عمرو بن علقمة، وفيه ضعف»، ثم ذكر شواهد للحديث قال في آخرها عن حديث أبي هريرة: «أقل أحواله أن يكون حسنا».
وبغض النظر عن تقصير الباحث في دراسة الرواة قبل محمد بن عمرو،
стр. 327
فابن نيزك هذا ليس فيه توثيق، سوى أن ابن حبان ذكره في «الثقات» (١)، وقال فيه ابن عقدة: «في أمره نظر» (٢)، بغض النظر عن هذا، فقد وقع الباحث في الإشكال الذي ذكرته، وهو تحميل الراوي عهدة الحديث، وهو لم يصح عنه، فمحمد بن عمرو بريء من هذا الحديث، وكلام الإمامين -البخاري، والدارمي- صريح في أنه منكر عنه.
وذكر هذا الحديث أيضا أحد المشايخ المعاصرين من مصدر آخر، لكن جاء عنده أحمد بن محمد بن نيزك منسوبا لجده، ثم قال: «وهذا سند حسن، لولا أني لم أعرف ابن نيزك هذا».
ومعنى هذا أنه لو عرف ابن نيزك بالثقة لما تردد في تحسين الإسناد، وقد منعه من تصحيحه حال محمد بن عمرو، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، ولم يلتفت الشيخ للتفرد الحاصل قبله في ثلاث طبقات، فلا يصح عنه أصلا.
* * *
стр. 328
الفصل الرابع
التفرد وكلام أئمة النقد
стр. 329
معنى التفرد -كما تقدم- أن الراوي لم يشاركه أحد في رواية هذا الحديث، سواء عن شيخه، أو عمن فوقه أيضا.
والنظر في التفرد معناه دراسة التفرد حين وقوعه، وهل الراوي مصيب في روايته للحديث، رغم أنه لم يشاركه أحد، أو مخطئ في روايته، وما يتصل بذلك من إعمال لضوابط النظر في التفرد، وتطبيقها.
وهذان الأمران -الحكم بوقوع التفرد، والحكم بصواب الرواية أو خطئها- عظيمان جدا في باب النقد، سواء من جهة الحديث المروي ودرجته، أو من جهة الراوي وأثر ذلك في الحكم عليه، نظرا لكثرة الأحاديث التي وقع فيها تفرد، وكثرة الرواة الذين وقع منهم تفرد، كثرة بالغة لا حدود لها.
والحكم بهما يحتاج إلى اطلاع واسع على طرق الأحاديث، وملكة قوية في النقد، ومعرفة بأصحاب الرواة، وطبقاتهم، ومعرفة ما عند كل راو من الأحاديث، وتتبع دقيق لمتون السنة النبوية، ومسار الاحتجاج بها، وزمن ذلك.
وكل هذه المتطلبات -وغيرها- إنما يفي بها كغيرها من قضايا النقد على الحقيقة أئمة النقد في عصر الرواية، ولهذا فمن الضروري جدا الاعتناء بكلامهم، وتتبعه، وجمعه، والإستناد إليه، حين يتصدى الباحث للنظر في إسناد حديث وقع فيه تفرد.
وفي البحث عن كلامهم، والاعتماد عليه، قضايا متعددة، سأتناولها في هذا الفصل من عدة جوانب.
стр. 330
أولا: كلام أئمة النقد على التفرد له مصادر خاصة، ومصادر عامة ، فأما المصادر الخاصة فيقصد بها كل ما ألفه النقاد بغرض النص على التفرد، سواء حمل عنوانه هذا المعنى، أو حمل معنى آخر، وسواء كان المراد بالتفرد بإطلاق، أو كان خاصا بتفرد راو بعينه، أو عن راو بعينه، أو غير ذلك.
فهذا النوع من المؤلفات قصد به جمع الأحاديث التي وقع فيها تفرد، فكلها إذن من كلام النقاد ونصهم على التفرد.
وليس لهذا النوع من المؤلفات حد معين، فهي من الكثرة بحيث يمكن القول بأنها لا حصر لها، مع كثرة العناوين التي تدل عليها، فالأحاديث الغرائب، والأفراد، والحسان، والفوائد، والمنتقاة، كلها عناوين دالة على مقصود المؤلفين بهذا النوع من المؤلفات، ناهيك عن كتب ألفت تحت مسميات أخر، وقصد بها التفرد.
ثم هذه المؤلفات منها ما هو كبير في مجلدات، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو صغير الحجم على طريقة الأجزاء، وقد تقدم في أول هذا الباب أن الرواة تعارفوا على وضع كتب لهم باسم «الفوائد»، يضع فيه الراوي ما يراه غريبا من حديث شيوخه.
ثم لما اتسعت الرواية، وكثرت، اضطر الرواة حين يريدون السماع من شيخ معين أن ينتقوا من حديثه ما ليس عند غيره، فيفرد لوحده، ويسمعونه منه، وقد يفعلونه لكونه عسرا في الرواية، كما تقدم في الفصل الثالث، في قصة ابن المديني مع عبدالسلام بن حرب.
стр. 331
ومن النقاد من قصد التأليف في جمع الغرائب والأفراد.
فلهذه الأسباب مجتمعة -وغيرها- كثرت المؤلفات في التفرد كثرة بالغة، كما أسلفت.
ومن الكتب الكبيرة في هذا الموضوع معجما الطبراني: «الأوسط»، و «الصغير».
قال الطبراني في أول «معجمه الصغير»: «هذا أول كتاب فوائد مشايخي الذين كتبت عنهم بالأمصار، خرجت عن كل واحد منهم حديثا واحدا … » (١).
وأما «الأوسط» فقال فيه الذهبي: «يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب «الأفراد» للدارقطني» (٢).
وكتاب «الغرائب والأفراد» للدارقطني، قال عنه ابن كثير: «لم يسبق إلى نظيره» (٣)، وقد وضع له ابن طاهر أطرافا، وهو المطبوع الآن، وطبع من الأصل جزء صغير.
ومن الكتب أيضا: «الفوائد» ليحيى بن معين، رواية أبي بكر المروزي عنه، وهو مطبوع، ورواية الصوفي عنه، و «الفوائد» لتمام الرازي، وهو مطبوع، و «فوائد أبي بكر الشافعي» المعروف بالغيلانيات، وهو مطبوع، و «جزء الألف
стр. 332
دينار» لأبي بكر القطيعي، وهو مطبوع, «وغرائب شعبة» لابن المظفر، وهو مطبوع.
و«غرائب مالك» للدارقطني، وللخطيب.
وغيرها كثير جدا، ما بين مطبوع، ومخطوط، ومفقود (١).
وأما المصادر العامة فيقصد بها ما يوجد فيها كلام للنقاد في التفرد، وإن لم تكن مخصصة لذلك، على تفاوت بينها في الكثرة والقلة.
وهذا النوع من المصادر يشمل كتب الرواية، مثل «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، و «سنن النسائي»، و «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي»، و «مسند البزار»، و «الإيمان» لابن منده، وغيرها، فينص المؤلفون على التفرد، ومنهم من يكثر من ذلك، كما يفعل الترمذي، والبزار، وابن منده.
ويشمل أيضا كتب النقد العامة بأنواعها، «التواريخ»، و «السؤالات»، و «كتب العلل»، فهي مليئة بأقوال النقاد ونصوصهم في التفرد، وما يتصل به من قضايا، وهي المورد الأول لنصوص النقاد الأوائل، مثل شعبة، والقطان، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد طبع منها شيء كثير.
ويشمل أيضا كتب الرجال، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و «ضعفاء
стр. 333
العقيلي»، و «الكامل» لابن عدي، و «المجروحين» لابن حبان، فإنهم يذكرون في ترجمة الراوي شيئا مما انتقد عليه، وكثير منه في التفرد، ينصون على ذلك.
وفي كتب تواريخ البلدان كلام كثير أيضا يتعلق بالتفرد، والنص عليه، مثل «ذكر أخبار أصبهان» لأبي نعيم، و «تاريخ بغداد» للخطيب.
بل يوجد في كتب المناقب، مثل «الحلية» لأبي نعيم، النص على التفرد والغرابة.
ثم بعد ذلك كتب المتأخرين غير المسندة، مثل كتب المزي، وابن كثير، والزيلعي، والعراقي، وابن حجر، فهي مورد عظيم أيضا لنصوص النقاد في التفرد، ويوجد فيها نقول من كتب للأولين قد فقدت، فهي إذن قائمة مقام الأصل.
وندرك مما تقدم أن أمام الباحث بحر لا ساحل له من المصنفات، عليه أن يجول فيها، ويبحث عن كلمة لناقد، أو إشارة منه إلى وقوع تفرد، وبقدر الجهد المبذول في هذا وأمثاله يتفاوت الباحثون، وتبرز الفروق الفردية بينهم.
ثانيا: في كلام النقاد على التفرد مقامان ، المقام الأول: الحكم بوقوع التفرد، وهذا عباراته ظاهرة، كأن يقول الناقد: تفرد به فلان، أو لم يروه إلا فلان، أو لا يعرف إلا من حديث فلان، أو لا أعرفه إلا من حديث فلان، أو لم يروه عن فلان سوى فلان، أو غريب من حديث فلان، ونحو هذه العبارات.
وكذلك إذا أودعه في كتاب قصد به جمع الغرائب والأفراد.
стр. 334
والمقام الثاني: الحكم في هذا التفرد، هل هو صواب أو خطأ؟ وهذا قد تكون عبارة الناقد صريحة في الحكم به، كأن يقول: هو صحيح، أو هو خطأ، أو أخطأ فيه فلان، أو باطل، أو لا يصح، أو لا يعرف، أو لا أعرفه، أو يقول تلميذه: سألته عنه فلم يعرفه، ونحو ذلك.
وقد تكون بالإشارة والإيماء، كأن يقول: تفرد به فلان -وهو ثقة- فهذا إشارة إلى تقويته، ما لم يدل السياق على خلاف ذلك، أو يقول: لم يتابع عليه فلان، فهذا إشارة إلى تضعيفه ورده.
ومن الإشارة أيضا أن يكون كلامه خرج موضع جواب لسؤال، كأن يسأل عن الحديث، فيقول: لم يروه إلا فلان، أو تفرد به فلان، ونحو ذلك، فهذا الظاهر منه نقده لهذا التفرد، وعدم قبوله.
سأل الترمذي شيخه البخاري عن الحديث الماضي في الفصل الأول، وهو حديث عائشة مرفوعا: «ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته»، فقال: «هكذا حدثونا عن محمد بن عثمان بن خلف مرفوعا، وهذا حديثه، ولا أعلم أحدا رفع هذا الحديث غيره» (١).
فالذي يفهم من سياق السؤال والجواب أنه استنكار للحديث ورد له، وإن لم يصرح البخاري بذلك.
وكذلك إذا نقل الناقد حكما لناقد قبله وسكت عليه، فالظاهر أنه يقول به
стр. 335
ويعتمده، خاصة إذا كان جوابا لسؤال، كأن يسأل الناقد عن حديث فيذكر عن ناقد قبله أنه استنكره على أحد رواته لتفرده به.
ومن الإشارة أيضا أن يفهم من السياق أن الناقد قصد بذكر التفرد الثناء على الراوي، وبيان جلالته وسعة حفظه، أو عكس ذلك، كأن يكون في معرض تليينه والقدح فيه.
فأما القدح فهو كثير جدا في الرواة، فجلُّ ما يذكر في كتب الرجال قصد به القدح في الراوي بهذا التفرد.
وأما القبول والثناء على الراوي فمثل ثنائهم على الزهري، بذكر ما يتفرد به، كما تقدم في قول مسلم: «للزهري نحو من تسعين حرفا يرويه عن النبي ﷺ ، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد» (١).
وقد يفهم رأي الناقد من تصرفه، فإذا وضع الناقد حديثا في كتاب يجمع فيه الأحاديث الصحيحة فهو حكم منه بصحته، كما في صنيع البخاري ومسلم، وإذا أخرجه في كتاب قصد به ذكر أخطاء الرواة وما انتقد عليهم، فالظاهر أنه يستنكره على هذا الراوي الذي ذكره في ترجمته، مثل صنيع العقيلي في «الضعفاء»، وابن عدي في «الكامل»، وابن حبان في «المجروحين».
مثاله حديث الصدقة الماضي آنفا، فقد ذكره ابن عدي في ترجمة (محمد بن
стр. 336
عثمان الجمحي) ولم يزد على أن قال: «ومحمد بن عثمان بن صفوان يعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيره» (١).
وفي الجملة فإن مجرد إشارة الناقد إلى التفرد يصلح أن يكون متكأ لأن نأخذ منه أن الناقد يشير إلى ضعف في الإسناد بسبب هذا التفرد، ما لم يظهر بالقرائن خلاف ذلك.
ثالثا: الغرض من الوقوف على كلام النقاد في التفرد الواقع في الإسناد هو الاعتماد على كلامهم ، والاحتجاج به، فالنقاد إذا اجتمعوا على تصحيح تفرد، أو على تضعيفه، وجب على الباحث أن يتابعهم، ولا يحق له حينئذ النظر في هذا التفرد، فقد كفي، وهذا العلم كغيره من العلوم، إجماع أهل الاجتهاد فيه حجة، كما سبق بيانه في مناسبة سابقة، في «الاتصال والانقطاع»، وذكرت هناك كلام أبي حاتم في تقرير هذه المسألة (٢).
والأحاديث الصحيحة التي وقع الإجماع على قبول التفرد فيها وتصحيحها كثيرة، مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات … » الحديث (٣).
стр. 337
فهذا حديث وقع فيه تفرد بلفظه هذا في طبقاته الأربع، وقد صححه النقاد، واحتفوا به، فهو موافق للأصول، وفي مطلق النية أحاديث أخرى (١).
وحديث عمر هذا أول حديث في «صحيح البخاري»، ويشبهه آخر حديث فيه، وهو حديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة مرفوعا: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن … » الحديث، فقد وقع فيه التفرد أيضا في أربع طبقات كما تقدم في الفصل الأول من الباب الأول.
وأما التضعيف بالتفرد فقد تقدم في الفصول الثلاثة السابقة أمثلة على توارد النقاد على الرد والاستنكار، وفي بعضها نقل إجماعهم على ذلك.
وفي الاعتماد على إجماعهم لا يشترط أن ينقل الحكم بذلك عن جميع النقاد، فهذا غير ممكن، ولو اشترط لم يثبت إجماع في هذا العلم وغيره، ويكفي أن يتوارد عدد منهم على حكم بالتفرد، ولا مخالف لهم، فيجب الأخذ به.
ويلتحق بذلك ما إذا جاء حكم على تفرد وقع في حديث من الاثنين والثلاثة من النقاد، ولا مخالف لهم، بل لو جاء عن الواحد منهم ولا مخالف له، فالأسلم للباحث ألا ينازعه هذا الحكم، خاصة إذا كانت القرائن تؤيده، كأن
стр. 338
يكون ظهور الحديث جاء متأخرا، ثم استنكره مثل ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، وأبي نعيم، والبيهقي، والخطيب، فينبغي الوقوف معه، فإن البحث عن أقوال للنقاد الآخرين، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، في حديث على هذه الشاكلة ليس في مكانه.
وإذا وجد الباحث اختلافا بين النقاد، وكان جمهور النقاد على قول، فبإمكان الباحث أن يعتمد قول الجمهور، ويتكئ عليه، سواء بالقبول أو الرد.
فأما في الرد فقد تقدمت له بعض الأمثلة، منها حديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر، في (الدباء والمزفت)، وقد مضى في الفصل الأول، فقد استنكره جمهور النقاد على شبابة، وأما ابن المديني فدافع عنه، ومضى معه أيضا حديث سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «نعم الإدام الخل»، وحديث «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، استنكرهما جماعة من النقاد على سليمان بن بلال، وهما في «صحيح مسلم».
وكذلك حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أبي موسى مرفوعا: «المؤمن يأكل في معي واحد … » الحديث، استنكره جماعة من النقاد، وهو في «صحيح مسلم»، لكنه عنده في الشواهد (١).
وأما في القبول فمن أمثلته حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن
стр. 339
المنكدر، عن جابر في (صلاة الاستخارة) (١)، استنكره أحمد على عبدالرحمن بن أبي الموال، قال أبو طالب: «سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن أبي الموال، قال: عبدالرحمن لابأس به … ، يروي حديثا لابن المنكدر … ، ليس يرويه أحد غيره، هو منكر، قلت: هو منكر؟ قال: نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما» (٢).
وأما البخاري فأخرجه في «صحيحه»، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: «حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبدالرحمن غير واحد من الأئمة».
وقال ابن عدي في نهاية ترجمته وقد ذكر فيها استنكار أحمد لحديثه هذا: «هو مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، كما رواه ابن أبي الموال» (٣).
وحديث زكريا بن أبي زائدة، عن خالد بن سلمة، عن عبدالله البهي، عن
стр. 340
عروة، عن عائشة: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (١).
سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عنه، فقال: «ليس بذاك، هو حديث لا يروى إلا من ذا الوجه» (٢).
وقد أخرجه مسلم في «صحيحه»، وعلقه البخاري في «صحيحه» جازما به (٣)، وسأله عنه الترمذي فقال: «هو حديث صحيح» (٤).
وقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول أبي زرعة السابق: «فذكرت قول أبي زرعة لأبي ﵀ فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كل حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث» (٥).
ويتأكد ترجيح قول الجمهور إذا لاحت قرينة في قول مخالفهم، كما في تخريج الحديث في «الصحيحين» في الشواهد والمتابعات، أو يمرض الناقد رأيه، كأن يقول: أخشى أن يكون -أو أخاف أن يكون- غلطا، أو يقول: أرجو أن يكون محفوظا، أو لعله حفظه، ونحو ذلك.
стр. 341
رابعا: في البحث عن كلام النقاد على حديث ينظر فيه الباحث، لا يكتفى بجمع كلامهم على التفرد الواقع فيه على ما فيه نص على الحديث المعين هذا، فهناك كلمات للنقاد لا بد من الاستفادة منها وإن لم تكن نصا في الحديث المعين، مثل أن ينص ناقد على نكارة الحديث، ثم يأتي نص عن ناقد آخر في الراوي أنه روى حديثا منكرا، أو أنه يروي المناكير، وقد ينص على أنه يرويها عن شيخ يسميه، يكون هو الموجود في إسناد الحديث.
ومثله لو جاء نص عن ناقد أن فلانا روى حديثا منكرا -ولم يعينه-، ثم وقف الباحث على حديث لهذا الراوي تفرد به، سواء بنص ناقد آخر أو بدونه، فالظاهر أنه يعني هذا الحديث، ويتأكد هذا إذا كان الناقد نص على النكارة وسمى شيخه، ثم وجد الحديث عن هذا الشيخ.
ويدخل في هذا أيضا ما يأتي عن النقاد من كلمات على أسانيد معينة أنها لا يثبت بها حديث، أو أن هذا الباب لا يصح فيه شيء، أو لا يثبت فيه شيء، أو كل ما في الباب ضعيف، مع وجود التفرد في شيء منها، فيستدل بذلك على أن الناقد لم يقبل هذا التفرد.
وكل ما تقدم بالغ الأهمية بالنسبة للباحث وهو يجمع كلام النقاد، إذ عليه أن يدقق في العبارات، وأن لا يدع منها شيئا، سواء منها ما يتعلق بحديثه، أو بأحد رواته، أو بالسلسلة كلها، أو بالباب كله.
وسأضرب لذلك بعض الأمثلة، فروى عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت،
стр. 342
عن أنس، قال: «أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي ﷺ : لا إسعاد في الإسلام، ولا شغار، ولا عقر في الإسلام، ولا جلب في الإسلام، ولا جنب، ومن انتهب فليس منا» (١).
وروى عبدالرزاق أيضا عن معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «لا شغار في الإسلام» (٢)، وربما جاء هذا عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت وحده، عن أنس (٣).
وقد توارد عدد من الأئمة المتأخرين، والباحثين المعاصرين، على تصحيح هذا الحديث، ومنهم من يزيد على ذلك بأنه على شرط الشيخين.
وأما النقاد المتقدمون فقد استنكروه، فنص أحمد على ذلك في هذا الحديث بعينه، فإنه سئل عن رواية معمر، عن ثابت، وأبان وغير واحد … ، فقال: «هذا عمل أبان -يعني حديث أبان- وإنما معمر -يعني لعله دلسه-» (٤).
стр. 343
ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث، وأما روايته له عن ثابت فهي منكرة، ولعله دلسه عنه، وغرض أحمد تبرئة معمر من هذا المنكر (١).
وقال المروذي: «سألته عن حديث معمر، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي ﷺ نهى عن الشغار»، فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت» (٢).
والشاهد هنا أن الباحث حين نظره في أقوال النقاد لا يكتفي باستنكار أحمد له، فقد جاء استنكاره عن ابن المديني أيضا، وإن لم ينص على هذا الحديث، فقد تكلم في رواية معمر، عن ثابت بإطلاق، فقال: «في أحاديث معمر، عن ثابت، أحاديث غرائب ومنكرة»، وذكر ابن المديني أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش (٣)، وهذا يوافق قول أحمد.
وكذا ابن معين، فقد جاء عنه قوله: «حديث معمر، عن ثابت، وعن جماعة مضطرب كثير الأوهام» (٤)، وقال أيضا: «حديث معمر، عن ثابت، ضعيف» (٥).
وقال العقيلي في كلامه على أصحاب ثابت المعروفين: «أنكرهم رواية عن
стр. 344
ثابت: معمر» (١).
وروى عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده، ولا يقطعه» (٢).
وقد ذكر هذا الحديث عبدالحق الإشبيلي، ثم قال: «رواه عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، وقد أنكره عليه أبو حاتم، ووثق، وضعف» (٣).
فتعقبه ابن القطان بقوله: «كذا قال, وهو يروي عن العلاء، وروى عنه جماعة، ولا يتعين أن يكون الذي أنكره أبو حاتم عليه هو هذا الحديث بعينه، ولعله حديث آخر، قال أبو محمد بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا عن العلاء، وقال أيضا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: عبدالرحمن بن إبراهيم كان قاصا، من أهل المدينة، كان عنده كراسة فيها للعلاء بن عبدالرحمن، وليس به بأس» (٤).
والذي يظهر أن صنيع عبدالحق هو الصواب، فأبو حاتم استنكر له حديثا يرويه عن العلاء بن عبدالرحمن، وهذا الحديث تفرد به عن العلاء، فالظاهر أنه يعنيه.
стр. 345
وقد قال أحمد فيما روى عنه ابنه صالح: «من أفطر من رمضان أو غيره، من مرض أو سفر، إن صام متتابعا فهو الذي لا اختلاف فيه، وإن صام متفرقا فهي رخصة، قال الله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وقد قيل: أحص العدة، وصم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته»، قال صالح: «وأنكر أبي على من يقول: لا يجزئه إلا متتابع» (١).
فكلام أحمد -وقد عرف نسخة عبدالرحمن القاص، عن العلاء- يؤيد أن الحديث الذي استنكره أبو حاتم هو حديث الصوم هذا.
ثم لما كتبت هذا وجدت ابن حجر قد ذكر كلام عبدالحق، وتعقب ابن القطان له، ثم قال ابن حجر: «قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبدالرحمن» (٢)، فحسم الأمر.
ومما يتصل بهذا الحديث أن أقوال النقاد الذين ضعفوا الراوي نفسه يضمها الباحث إلى أقوال من تكلم في حديثه المعين، ويجعلها ردا منهم لحديثه هذا بالتفرد، واستنكارا له، خاصة من تكلم فيه مع ذكر حديثه هذا.
فهذا الراوي قال فيه أبو داود: «هو عندي منكر الحديث» (٣).
وقال فيه النسائي: «ليس بالقوي» (٤).
стр. 346
واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: «ليس بشيء»، وقال مرة: «ثقة» (١).
وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وساق من مفاريده حديثين استنكرهما عليه (٢).
وقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، وليس بمشهور في العدالة فيقبل منه ما انفرد به … » (٣).
وكذا ضعفه الدارقطني بعد أن أخرج حديثه، ونقله عنه البيهقي مقرا له، ونقل تضعيفه عن نقاد آخرين.
وعلى هذا فيصح للباحث أن يذكر أن هؤلاء النقاد جميعا قد استنكروا حديث الصوم هذا على عبدالرحمن، وضعفوه بتفرده به.
ولا يصح أن يقال: لم لا يذكر الباحث في مقابل هذا أن من ذهب إلى تقوية عبدالرحمن يقبل تفرده بهذا الحديث، فهو صحيح أو حسن عنده؟ لأن تقوية الراوي لا يلزم منها تقوية حديثه المعين، وقد سبق شرح هذا في الفصل الأول، وسبق أيضا في الفصل الثاني بيان أن عدم إدراك هذا أو استحضاره حال الكلام على الحديث هو الذي أدى بالمتأخرين إلى مخالفة أئمة النقد، والاعتماد على حال الراوي فقط، كما فعل ابن القطان في كلامه على هذا الحديث، فقد انتهى إلى أنه حديث حسن، لأن عبدالرحمن مختلف فيه.
стр. 347
والخلاصة في هذا الحديث أن جمعا من النقاد استنكروه على عبدالرحمن, ولا معارض لهم من النقاد ألبتة.
وروى أحمد بن عيسى بن عبدالجبار التنيسي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله، عن عائشة قالت: «دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصرُه موضع سجوده حتى خرج منها» (١).
سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر» (٢).
فأبو حاتم نص على نكارة الحديث، فلا يصح أن يقال: استنكار أبي حاتم يقابله تصحيح ابن خزيمة له، ذلك أن النقاد قد تواردوا على استنكار رواية أهل الشام عن زهير بن محمد، وهذا الحديث منها، ثم منهم من جعل سبب النكارة من زهير نفسه، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من ذكر أن أهل الشام غلطوا عليه، بل منهم من ذهب إلى أنه ليس زهير بن محمد المعروف، وإنما هو آخر قلب أهل الشام اسمه (٣).
وعمرو بن أبي سلمة تكلم فيه، وقال أحمد في خصوص روايته عن زهير: «روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبدالله، فغلط فقلبها عن زهير» (٤).
стр. 348
والراوي عن عمرو وهو أحمد بن عيسى قال فيه ابن عدي: «ذكر عنه غير حديث لا يحدث به غيره عن عمرو بن أبي سلمة، وغيره»، ثم ذكر حديثا له عن عمرو، ثم قال: «وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، مع أحاديث أخر يرويها عن عمرو بن أبي سلمة بواطيل».
وكذا تكلم فيه ابن يونس، وابن حبان، والدارقطني، وكذبه مسلمة بن قاسم، وابن طاهر (١).
فالخلاصة أن هذا الحديث منكر عند سائر النقاد، من نص منهم عليه، ومن أجمل القول في رواية أهل الشام عن زهير، ومن تكلم في عمرو بن أبي سلمة، أو في أحمد بن عيسى، ولا يؤثر اختلافهم في سبب نكارة هذه الأحاديث التي تروى بهذه النسخة، فكلها بهذه المثابة.
وروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن عبدالله بن عَيَّاش القتباني، عن عبدالله بن سليمان المصري المعروف بالطويل، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (٢).
سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر» (٣).
стр. 349
وقال البزار في عبدالله بن سليمان: «حدث بأحاديث لم يتابع عليها» (١).
وقال الطبراني بعد أن أخرجه: «لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عبدالله بن سليمان، ولا عن عبدالله بن سليمان إلا عبدالله بن عياش، تفرد به إدريس بن يحيى، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد».
وبنحو هذا قال أبو نعيم، ثم نسبه للطبراني.
فكلام النقاد هذا كله حكم على الحديث بالنكارة، من صرح بذلك، ومن تكلم في أحد رواته، ومن نص على الغرابة والتفرد.
خامسا: في تصنيف الباحث للنقاد، والتدقيق في موقفهم من التفرد في حديث بين يديه، يراعي غرضه من النظر في هذا الحديث، فإن كان غرضه الحديث نفسه لم يبال فيما يجده من اختلافات بين النقاد حين يستنكرون الحديث، مثل أن يجعل بعضهم عهدة النكارة على راو، ويجعلها آخر على راو قبله، ويجعلها ثالث على راو بعده، أو يلمح بعضهم إلى احتمال عدم السماع، فعهدة النكارة على من أسقط من الإسناد.
وكذلك في التماس النقاد لسبب وقوع الراوي في الخطأ، وفي المسار الصحيح لهذا الحديث، ففي مثل هذا يقع اختلاف بين النقاد في تعيينه.
فهذه الاختلافات غير مؤثرة إطلاقا في كون هؤلاء النقاد يرون نكارة هذا الحديث، وتضعيفه ورده بالتفرد، كما تقدم.
стр. 350
أما إذا كان غرض الباحث شيئا خاصا غير حال الحديث نفسه، مثل البحث في راو معين من رواة الإسناد، وكلام النقاد حوله، وما استنكر عليه، أو البحث في أسباب وقوع الرواة في الخطأ، فهنا يقف الباحث عند كلام النقاد، ويجعل اختلافهم مؤثرا في القضية التي يتناولها.
وقد تكرر فيما مضى -وسيأتي لاحقا- التنبيه على أن النقاد لهم غرض في الحديث نفسه، ودرجته، وهل يثبت أو لا؟ ولهم أغراض أخرى في الإسناد، مثل سماع الرواة بعضهم من بعض، وحال رواة الإسناد بإطلاق، أو في شيخ معين، فإن هذا كله إنما يعرف من خلال أحاديث الرواة، وتحديد ما أخطأ وما أصاب فيه الراوي.
سادسا: مما يلزم الباحث الاعتناء به في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد، فقد تقدم في أول هذا الباب أن التفرد منه ما هو مطلق، ومنه ما هو نسبي، إما عن راو معين، أو بصفة معينة في الإسناد أو المتن، فالناقد قد يقول: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وقد يقول: هذا حديث منكر، ولا يزيد على ذلك، ولكن يتبين بعد الدراسة، والنظر في الطرق الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، أن غرضه نكارة الحديث بهذا الإسناد فقط، وللحديث طريق آخر لا نكارة فيه.
فإذا روى الحديث سفيان بن عيينة -مثلا- عن شيخ له، واشتهر الحديث عن سفيان، ثم جاء إسناد فيه غرابة وتفرد عن سفيان الثوري، عن هذا الشيخ بعينه، واستنكر الناقد طريق سفيان الثوري، عرفنا أنه أراد نكارته من هذا
стр. 351
الطريق فقط، سواء صرح بذلك أو سكت.
وقد يقول الناقد: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وبعد التفتيش يتبين أنه لا إسناد لهذا المتن إلا هذا الإسناد، فغرض الناقد نكارته مطلقا، وقوله: بهذا الإسناد، زيادة تأكيد.
وقد ينفي الناقد النكارة والتفرد عن راو، ومراده إلى هذا الراوي، وأما بعده فهو منكر.
مثال ذلك أن معمر بن سليمان الرقي، روى عن عبدالله بن بشر، عن أبان، وحميد، عن أنس: «أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: هي ريحانة يشمها إذا شاء» (١).
سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: «أما من حديث حميد منكر، وأما أبان فقد روي عنه» (٢).
ومراد أبي زرعة أن الرواية عن حميد الطويل لا تصح عنه، فالحديث منكر عنه لم يروه أصلا، وأما أبان بن أبي عياش فليست بمنكرة عنه، فقد روي عنه الحديث من غير هذا الطريق، فجاء عنه من طريق مروان بن معاوية، وعبدالوارث بن سعيد (٣).
стр. 352
والحديث وإن لم يكن منكرا عن أبان، لكنه منكر عن أنس، فأبان متروك الحديث، ولما سئل أبو حاتم عن رواية المسيب بن واضح، عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: «هذا حديث باطل، وليس هو من حديث حميد، إنما هو حديث أبان» (١).
فبين أولا بطلان الحديث كله، ثم بين أنه لا يصح عن حميد، وإنما الذي يرويه هو أبان بن أبي عياش.
والمقصود هنا أن تحديد مراد الناقد بالتفرد والتضعيف به، أو نفي ذلك، في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، فيتأكد من مراد الناقد بالتأمل في سياق الكلام، وبالنظر في الطرق الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين.
سابعا: مع أهمية كلام النقاد في التفرد، ورد هذا التفرد أو قبوله، فالباحث أمامه عمل كبير يقوم به، ليتمم عمل النقاد، لا ليقضي عليه، فكثير من الباحثين يظن أن الباحث انتهت مهمته إذا قيل له: ابحث عن كلام النقاد في الحديث وأثبته، وليس الأمر كذلك قطعا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى جهد الباحث، وخبرته، وإظهار مقدرته النقدية.
وقد أخرت الكلام في هذه القضية بغرض التأكيد عليها وإبرازها، وتسهيل إدراكها على الباحث، إذ قد تقدم في هذا الباب مسائل كثيرة في التفرد يدرك الباحث من خلال عرضها أن نقد المرويات لا يزال بحاجة إلى جهده المبارك،
стр. 353
شريطة أن يكون راسخ الإيمان بالمهمة المنوطة به، محتفلا بها، مدركا لعظمها، مستشعرا لحاجته إلى الكثير من التدرب والممارسة ليقوم بها، قد تقرر لديه طبيعة هذه المهمة وحدودها، وأنها النيابة عن أئمة النقد، وتتميم الجهد العظيم الذي قاموا به، والابتعاد عن المناهج المخطئة في التعامل مع تفرد الراوي، التي أدت إلى تصحيح وتحسين مئات الأحاديث المنكرة الباطلة، ونسبتها إلى رسول الله ﷺ زورا وبهتانا.
ومن المناسب هنا أن أذكر الباحث بشيء من المهام المنوطة به فيما يتعلق بالتفرد.
فمن هذه المهام:
- جمع كلام النقاد من المصادر المتفرقة، وهي -كما تقدم إيضاح ذلك- من الكثرة والتنوع بمكان، ويشمل الجمع ما كان من كلامهم صريحا، وما كان إيماء وإشارة، وما استدل عليه بالتصرف، وما كان في الحديث المعين، أو في عموم أحاديث الراوي، أو في درجته هو، والتمعن في كلام الناقد، وتحديد مراده بالتفرد، هل هو مطلق أو نسبي؟ .
- تصنيف أقوال النقاد، من كان منهم يذهب إلى التضعيف والرد بهذا التفرد، ومن كان منهم يقبله، ومن توقف في ذلك أو تردد، أو جاء عنه قولان متعارضان، وما يتبع ذلك من تقرير وجود إجماع على الرد، أو القبول، أو وجود اختلاف، وتحديد درجة هذا الاختلاف، هل هو قوي أو ضعيف؟ .
стр. 354
- يجتهد الباحث في بيان سبب النكارة حين يذهب إليها الناقد، ويكون كلامه خاليا من ذلك، فينظر في الضوابط السابقة للتفرد، ويجتهد في تطبيقها على حديثه الذي ينظر فيه، فيقول مثلا: وإنما استنكروه على فلان لأنه ليس بالقوي في فلان، وقد تفرد به عنه، مع كثرة أصحابه، وفيهم حفاظ ثقات ملازمون له، ومع كون هذا المتن في أمر مهم، ونحو ذلك.
- في حال اختلاف النقاد في عهدة النكارة ومن يتحملها يسعى الباحث من خلال نظره في القرائن والطرق الأخرى أن يكون له رأي في هذا الاختلاف، فيقول مثلا: استنكره الترمذي على فلان، وبالنظر في الطرق فقد توبع من جماعة، فالظاهر رجحان قول أحمد أن النكارة من فلان.
أو يقول: فلان أشد ضعفا من فلان، فالظاهر أن النكارة منه، كما قاله ابن معين، وليس من فلان، كما ذهب إليه الدارقطني.
- في حال اختلاف النقاد في قبول أو رد الحديث بالتفرد، يجتهد الباحث في شرح أسباب القبول، وشرح أسباب الرد، مستعينا بضوابط التفرد، وما يجده من كلام للنقاد في هذا الحديث بعينه.
- إذا وجد الباحث اختلافا في القبول والرد، وكان معه من الدلائل والقرائن، وطول الممارسة، ما يستطيع به أن يرجح بين أقوالهم، فعل ذلك، وأبدى رأيه بعبارة مناسبة، تليق بعظم الموقف، وعظم من يشاركهم النقد.
وقد يتوقف عن الترجيح إن رأى أن نهاية إقدامه عند هذه النقطة، فلا
стр. 355
متقدم له ولا متأخر.
وقد يصرح بأنه اختار القبول أو الرد لأنه قول الجمهور.
- إذا مر بالباحث إسناد وقع فيه تفرد، ولم يجد لأئمة النقد فيه كلاما، فبإمكانه أن يجتهد في تطبيق ضوابط القبول والرد بالتفرد على هذا الإسناد.
ولو لم يكن عنده سوى هذه المهمة لكانت كافية، لما نراه من كثرة الغرائب والأفراد في الكتب المتأخرة، وليس للنقاد في كل حديث بعينه كلام، وقد اعتمدها المتأخرون كثيرا في تصحيح الأحاديث المروية بها، فحرموا أنفسهم مشاركة أئمة النقد هذا العلم الشريف، وجنوا على سنة نبيهم، فأكثروا من تصحيح ما لا يصح.
ونظرا لكون هذه القضية لم يتقدم لها مثال فيما مضى، فسأضرب لها مثالا، فقد روى الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أحمد بن زيد القزاز، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبدالله بن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فهذا الحديث وضعه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١)، بناء على ظاهر إسناده، لكنه حديث منكر جدا لا يصح، فالمشهور في هذا حديث أيوب بن سويد -وهو ضعيف- عن عبدالله بن شوذب، وقد ذكر الطبراني بعد