الطريق فقط، سواء صرح بذلك أو سكت.
وقد يقول الناقد: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وبعد التفتيش يتبين أنه لا إسناد لهذا المتن إلا هذا الإسناد، فغرض الناقد نكارته مطلقا، وقوله: بهذا الإسناد، زيادة تأكيد.
وقد ينفي الناقد النكارة والتفرد عن راو، ومراده إلى هذا الراوي، وأما بعده فهو منكر.
مثال ذلك أن معمر بن سليمان الرقي، روى عن عبدالله بن بشر، عن أبان، وحميد، عن أنس: «أن النبي ﷺ سئل عن الرجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: هي ريحانة يشمها إذا شاء» (١).
سئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: «أما من حديث حميد منكر، وأما أبان فقد روي عنه» (٢).
ومراد أبي زرعة أن الرواية عن حميد الطويل لا تصح عنه، فالحديث منكر عنه لم يروه أصلا، وأما أبان بن أبي عياش فليست بمنكرة عنه، فقد روي عنه الحديث من غير هذا الطريق، فجاء عنه من طريق مروان بن معاوية، وعبدالوارث بن سعيد (٣).
стр. 352
والحديث وإن لم يكن منكرا عن أبان، لكنه منكر عن أنس، فأبان متروك الحديث، ولما سئل أبو حاتم عن رواية المسيب بن واضح، عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: «هذا حديث باطل، وليس هو من حديث حميد، إنما هو حديث أبان» (١).
فبين أولا بطلان الحديث كله، ثم بين أنه لا يصح عن حميد، وإنما الذي يرويه هو أبان بن أبي عياش.
والمقصود هنا أن تحديد مراد الناقد بالتفرد والتضعيف به، أو نفي ذلك، في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، فيتأكد من مراد الناقد بالتأمل في سياق الكلام، وبالنظر في الطرق الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين.
سابعا: مع أهمية كلام النقاد في التفرد، ورد هذا التفرد أو قبوله، فالباحث أمامه عمل كبير يقوم به، ليتمم عمل النقاد، لا ليقضي عليه، فكثير من الباحثين يظن أن الباحث انتهت مهمته إذا قيل له: ابحث عن كلام النقاد في الحديث وأثبته، وليس الأمر كذلك قطعا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى جهد الباحث، وخبرته، وإظهار مقدرته النقدية.
وقد أخرت الكلام في هذه القضية بغرض التأكيد عليها وإبرازها، وتسهيل إدراكها على الباحث، إذ قد تقدم في هذا الباب مسائل كثيرة في التفرد يدرك الباحث من خلال عرضها أن نقد المرويات لا يزال بحاجة إلى جهده المبارك،
стр. 353
شريطة أن يكون راسخ الإيمان بالمهمة المنوطة به، محتفلا بها، مدركا لعظمها، مستشعرا لحاجته إلى الكثير من التدرب والممارسة ليقوم بها، قد تقرر لديه طبيعة هذه المهمة وحدودها، وأنها النيابة عن أئمة النقد، وتتميم الجهد العظيم الذي قاموا به، والابتعاد عن المناهج المخطئة في التعامل مع تفرد الراوي، التي أدت إلى تصحيح وتحسين مئات الأحاديث المنكرة الباطلة، ونسبتها إلى رسول الله ﷺ زورا وبهتانا.
ومن المناسب هنا أن أذكر الباحث بشيء من المهام المنوطة به فيما يتعلق بالتفرد.
فمن هذه المهام:
- جمع كلام النقاد من المصادر المتفرقة، وهي -كما تقدم إيضاح ذلك- من الكثرة والتنوع بمكان، ويشمل الجمع ما كان من كلامهم صريحا، وما كان إيماء وإشارة، وما استدل عليه بالتصرف، وما كان في الحديث المعين، أو في عموم أحاديث الراوي، أو في درجته هو، والتمعن في كلام الناقد، وتحديد مراده بالتفرد، هل هو مطلق أو نسبي؟ .
- تصنيف أقوال النقاد، من كان منهم يذهب إلى التضعيف والرد بهذا التفرد، ومن كان منهم يقبله، ومن توقف في ذلك أو تردد، أو جاء عنه قولان متعارضان، وما يتبع ذلك من تقرير وجود إجماع على الرد، أو القبول، أو وجود اختلاف، وتحديد درجة هذا الاختلاف، هل هو قوي أو ضعيف؟ .
стр. 354
- يجتهد الباحث في بيان سبب النكارة حين يذهب إليها الناقد، ويكون كلامه خاليا من ذلك، فينظر في الضوابط السابقة للتفرد، ويجتهد في تطبيقها على حديثه الذي ينظر فيه، فيقول مثلا: وإنما استنكروه على فلان لأنه ليس بالقوي في فلان، وقد تفرد به عنه، مع كثرة أصحابه، وفيهم حفاظ ثقات ملازمون له، ومع كون هذا المتن في أمر مهم، ونحو ذلك.
- في حال اختلاف النقاد في عهدة النكارة ومن يتحملها يسعى الباحث من خلال نظره في القرائن والطرق الأخرى أن يكون له رأي في هذا الاختلاف، فيقول مثلا: استنكره الترمذي على فلان، وبالنظر في الطرق فقد توبع من جماعة، فالظاهر رجحان قول أحمد أن النكارة من فلان.
أو يقول: فلان أشد ضعفا من فلان، فالظاهر أن النكارة منه، كما قاله ابن معين، وليس من فلان، كما ذهب إليه الدارقطني.
- في حال اختلاف النقاد في قبول أو رد الحديث بالتفرد، يجتهد الباحث في شرح أسباب القبول، وشرح أسباب الرد، مستعينا بضوابط التفرد، وما يجده من كلام للنقاد في هذا الحديث بعينه.
- إذا وجد الباحث اختلافا في القبول والرد، وكان معه من الدلائل والقرائن، وطول الممارسة، ما يستطيع به أن يرجح بين أقوالهم، فعل ذلك، وأبدى رأيه بعبارة مناسبة، تليق بعظم الموقف، وعظم من يشاركهم النقد.
وقد يتوقف عن الترجيح إن رأى أن نهاية إقدامه عند هذه النقطة، فلا
стр. 355
متقدم له ولا متأخر.
وقد يصرح بأنه اختار القبول أو الرد لأنه قول الجمهور.
- إذا مر بالباحث إسناد وقع فيه تفرد، ولم يجد لأئمة النقد فيه كلاما، فبإمكانه أن يجتهد في تطبيق ضوابط القبول والرد بالتفرد على هذا الإسناد.
ولو لم يكن عنده سوى هذه المهمة لكانت كافية، لما نراه من كثرة الغرائب والأفراد في الكتب المتأخرة، وليس للنقاد في كل حديث بعينه كلام، وقد اعتمدها المتأخرون كثيرا في تصحيح الأحاديث المروية بها، فحرموا أنفسهم مشاركة أئمة النقد هذا العلم الشريف، وجنوا على سنة نبيهم، فأكثروا من تصحيح ما لا يصح.
ونظرا لكون هذه القضية لم يتقدم لها مثال فيما مضى، فسأضرب لها مثالا، فقد روى الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أحمد بن زيد القزاز، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبدالله بن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».
فهذا الحديث وضعه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (١)، بناء على ظاهر إسناده، لكنه حديث منكر جدا لا يصح، فالمشهور في هذا حديث أيوب بن سويد -وهو ضعيف- عن عبدالله بن شوذب، وقد ذكر الطبراني بعد
стр. 356
تخريجه أنه تفرد به أيوب (١).
وأما طريق ضمرة فيحتمل أن يكون خطأ ممن دونه.
وأحمد بن زيد القزاز، لم يذكر في تلاميذ ضمرة بن ربيعة، ولا في شيوخ يحيى بن عثمان، وله ذكر في تراجم بعض شيوخه، والآخذين عنه، ولم أقف له على ترجمة (٢)، ويحيى بن عثمان بن صالح متكلم فيه أيضا.
ولو صح الإسناد إلى ضمرة فالحديث منكر، فضمرة مع ثقته قد استنكر له النقاد أحاديث، تقدم منها في الفصل الثالث حديثه عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق».
ومما استنكر عليه أيضا حديث آخر، يرويه عن عبدالله بن شوذب، عن ثابت، عن أنس، استنكره عليه أحمد (٣).
وقد قال الساجي: «صدوق يهم، عنده مناكير» (٤).
وفي أحاديث الباب كلها يقول الشافعي: «هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث» (٥).
стр. 357
ويقول أحمد: «حديث باطل، لا أعرفه من وجه صحيح» (١).
فهذه الأقوال كلها داخلة في استنكار هذا الطريق وتضعيفه ورده بالتفرد.
وروى جماعة عن محمد بن عمر بن يزيد الزهري، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (٢).
فتعرض أحد المشايخ المعاصرين لتخريج الحديث، فعزاه إلى أبي نعيم في «الطب»، و «أخبار أصبهان»، وذكر أنه فيها من طرق عن أبي داود الطيالسي، وانتهى إلى أن الإسناد حسن لذاته، والحديث ليس له إلا طريق واحد عن أبي داود الطيالسي، وهو طريق محمد بن عمر الزهري، لكن وقع تحريف عند أبي نعيم، فظنها الشيخ طرقا مختلفة.
ومحمد بن عمر هذا أخو الحافظ عبدالرحمن بن عمر الزهري المعروف برسته، وليس في ترجمته ذكر لحاله (٣)، فهو مجهول، وقد تفرد به عن أبي داود الطيالسي، ولهذا لا يوجد هذا الحديث إلا في هذه المصادر النازلة، لكن منهج الشيخ أنه لا يلتفت لتأخر المصادر، ولا لظهور الحديث بعد عصر النقاد،
стр. 358
ولو صح هذا عن أبي داود الطيالسي لاشتهر جدا، ولخرجه الأئمة في كتبهم.
وأكثر من ذلك أن الشيخ عتب على بعض الأئمة المتأخرين، وأنهم ظلموا هذا الحديث، فلم يذكروه إلا بإسناد عند الطبراني فيه راو متروك (١)، والحقيقة أن الشيخ بتحسينه طريق أبي داود هو الذي ظلم هذا الحديث.
قيل لأحمد: أتعرف عن النبي ﷺ أنه قال: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»؟ ، فقال: «لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر» (٢).
* * *
стр. 359
الباب الثالث
اختلاف الرواة
وفيه: مدخل، وفصول:
الفصل الأول: أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه، ومنهج المتأخرين.
الفصل الثاني: قرائن الترجيح والموازنة.
الفصل الثالث: مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف.
الفصل الرابع: جهد الباحث وكلام النقاد.
الفصل الخامس: الاختلاف عن المدار والحكم النهائي.
стр. 360
مدخل:
يتفاوت الرواة تفاوتا كبيرا في أشياء عديدة، منها الصدق، والحفظ والإتقان، وملازمة الشيخ، والجمع بين الحفظ في الصدر والكتاب، والتحديث منهما، والالتزام باللفظ، وإتقان اللغة العربية، وغير ذلك مما تقدم شرحه في القسم الأول «الجرح والتعديل»، وعلى هذا الأساس وضع النقاد مراتب للرواة.
ثم إن زمن تحديث الراوي بالحديث قد يمتد لفترة طويلة، فيحدث به مرات عديدة تصل في بعض الأحاديث إلى المئات، وتختلف مناسباتها، وأماكنها، فيرويه تاما، ويرويه أيضا مختصرا، أو ينشط فيسنده، ويفتر فيرسله، أو يرويه عن عدد من الشيوخ، فيكتفي أحيانا ببعضهم، وقد يكون ذلك كله على سبيل السهو والخطأ.
وترتب على هذا وغيره وجود اختلاف بين الرواة في رواية النصوص، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، فقل حديث إلا وقد وقع فيه شيء من الاختلاف في إسناده أو متنه.
و معنى الاختلاف: أن يروي اثنان -أو أكثر- حديثا عن شيخ لهم -فهو المدار إذن- فيختلفون في صفة روايتهم لهذا الحديث عنه، إسنادا، أو متنا، وقد يكون الاختلاف في الشيخ نفسه، كاسمه ونسبه، ونحو ذلك.
فإذا جمع الباحث طرق الحديث، عليه أن يتمعن في أماكن التقاء الطرق، فإذا التقت عند راو نظر فيه، وفي صفة الرواية بعده، هل هي متفقة، أو مختلفة؟
стр. 361
وإذا كانت مختلفة فما صفة هذا الاختلاف؟ وهذا قد طلب منه أثناء جمعه للطرق، وكتابتها في رسم توضيحي، كما تقدم شرحه في الفصل الثالث من الباب الأول.
والآن يدخل الباحث في النظر في هذا الاختلاف، ما سببه، وما نتيجة النظر فيه؟
وفي باب (اختلافات الرواة في إسناد الحديث أو متنه) قضايا كثيرة جدا, إذ هو أحد أركان علم نقد المرويات, بل هو أعظم أركانه, وهو ما يعرف اصطلاحا بعلم العلل, وسأعرض لهذه القضايا في عدة فصول.
* * *
стр. 362
الفصل الأول
أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه ومنهج المتأخرين
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: أنواع الاختلاف.
المبحث الثاني: منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين.
стр. 363
المبحث الأول
أنواع الاختلاف
تنقسم الاختلافات الواقعة بين الرواة قسمين رئيسين، وتحت كل قسم أنواع متعددة.
القسم الأول: الاختلاف في إسناد الحديث:
ويندرج تحت هذا القسم أنواع:
النوع الأول: وصل الحديث وإرساله:
مثاله: ما رواه معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ قال: «أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» (١).
ورواه علي بن المبارك وغيره، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان مرسلا، ليس فيه جابر بن عبدالله (٢).
وروى الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبدالله بن السائب، قال: «شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب
стр. 364
فليذهب» (١).
ورواه عبدالرزاق، وهشام بن يوسف، وسفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلا، ليس فيه عبدالله بن السائب (٢).
وروى حماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه- عن أيوب السختياني، عن عبدالله بن زيد أبي قلابة، عن عبدالله بن يزيد، عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (٣).
ورواه معمر، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه-، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ ، ليس فيه عبدالله بن يزيد، ولا عائشة (٤).
стр. 365
النوع الثاني: رفع الحديث ووقفه:
إما وقفه على صحابيه، أو على راو ممن دونه.
مثاله: ما رواه أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعا: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها» (١).
ورواه وكيع بن الجراح، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس موقوفا عليه من قوله (٢).
وروى مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة مرفوعا: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية … » الحديث (٣).
ورواه سليمان التيمي، وأبو بشر جعفر بن إياس، عن طلق بن حبيب من قوله موقوفا عليه (٤).
стр. 366
النوع الثالث: ذكر راو في الإسناد وحذفه:
وهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في الفصل الثالث من «الاتصال والانقطاع» المتعلق بالتدليس (١).
ومن أمثلته أيضا: ما رواه هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن فضالة بن عبدالله الليثي، قال: «أتيت رسول الله ﷺ فأسلمت، وعلمني الصلوات الخمس في مواقيتها … » الحديث (٢).
ورواه زهير بن إسحاق السلولي، وعلي بن عاصم، وخالد الواسطي -في بعض الطرق إليه-، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبدالله بن فضالة، عن أبيه (٣)، وقيل في الإسناد غير ذلك (٤).
وروى بعض أصحاب ابن المبارك، عنه، عن سفيان الثوري، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، عن النبي ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (٥).
ورواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وهناد بن السري، وحسن بن
стр. 367
الربيع، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ليس فيه سفيان الثوري (١).
ورواه جماعة منهم الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، وصدقة بن خالد -وروي أيضا عن ابن المبارك-، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، ليس فيه أبو إدريس الخولاني (٢).
النوع الرابع: إبدال بعض رواة الإسناد بغيرهم:
وقد يكون المبدل واحدا، هو شيخ المختلف عليه، أو شيخ شيخه، أو صحابي الحديث، وقد يبدل أكثر من راو، بل قد يبدل الإسناد كله بعد الشيخ المختلف عليه.
ومن أمثلته: ما رواه جماعة منهم عفان، وروح بن عبادة، وعبدالرحمن بن مهدي، وحجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، أشعث بن عبدالرحمن، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير مرفوعا: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض … » الحديث (٣).
стр. 368
ورواه عباد بن منصور، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي صالح الحارثي، عن النعمان بن بشير (١)، وكذا رواه النضر بن معبد، عن أبي قلابة (٢).
وقيل عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبدالرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس (٣).
وروى جماعة منهم زهير بن معاوية، وعبدالوهاب الثقفي، وعبدالله بن نمير، وجرير بن حازم، ويزيد بن هارون، وسفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة: «كان النبي ﷺ يصلي ركعتي الفجر فيخففهما … » الحديث (٤).
ورواه مروان بن معاوية الفزاري، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرة، جعل محمد بن يحيى مكان محمد بن عبدالرحمن (٥).
стр. 369
ورواه هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، جعل أبا بكر بن محمد مكان محمد بن عبدالرحمن (١).
وروى جماعة منهم عاصم بن علي، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد، ويزيد بن هارون، وأسد بن موسى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (٢).
ورواه جماعة منهم حميد بن الأسود، وعثمان بن عمر، وأبو بكر بن عياش، وشعيب بن إسحاق، وإسماعيل بن عمر، وروح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (٣).
ومسألة إبدال بعض رواة الإسناد فوق المدار بغيرهم يلاحظ الباحث فيها زمن الرواية، فقد غدت في عصر الرواية المتأخر -أي في نهاية القرن الثاني وما بعده- من تعدد الشيوخ للراوي الواحد، بسبب اتساع الرواية، وتحولها إلى هدف ومقصد للرواة، وعلى هذا فما يوجد مما ظاهره اختلاف على راو في تسمية شيخه ومن فوقه لا ينبغي للباحث أن يعامله على أنه اختلاف يجب أن ينظر فيه،
стр. 370
ما لم يتبين عكس ذلك، كأن ينص ناقد على خطأ وجه فيه تغيير لاسم الشيخ، أو تكثر الطرق عند الباحث على صفة، وينفرد طريق بتسمية الشيخ، فيرتاب الباحث في ذلك، ويعده اختلافا، يطبق عليه قواعد الاختلاف.
وقد توقف كثير من الباحثين عند هذه القضية، فالباحث يقال له إن إبدال الإسناد بغيره كليا أو جزئيا فوق المدار موجب للتوقف والنظر، وعد ذلك اختلافا على الراوي، ثم يمر بالباحث كثير من الأحاديث يكون فيها لبعض الرواة عدد من الشيوخ في الحديث الواحد، ولا يعد النقاد ذلك اختلافا، بل يمرون عليه دون التفات لهذا التنوع، فأوجب هذا تساؤلا لدى الباحثين.
والمخرج منه هو ما ذكرته، في الزمن المتأخر من عصر الرواية لا إشكال في تعدد الشيوخ للراوي الواحد، فمحمد بن بشار -مثلا- يروي الحديث الواحد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، ويرويه عن وكيع، عن شعبة، ويرويه عن يحيى القطان، عن شعبة، وربما رواه عن وكيع، عن سفيان الثوري، وعن القطان، عن الثوري، وهكذا، وكلما ارتفع الإسناد ضعف احتمال تعدد الشيوخ، وإذا نزل عن هذه الطبقة زاد احتمال تعددهم.
النوع الخامس: الاختلاف في تسمية راو، إما المختلف عليه، أو واحد من الرواة فوقه:
فيسميه بعضهم باسم، ويسميه بعضهم باسم آخر، أو يقلب اسمه، أو يكنيه بعضهم بكنية، وبعضهم بكنية أخرى، أو يقول بعضهم: ابن فلان، ويقول بعضهم: ابن أبي فلان، وربما سماه بعضهم، وأبهمه البعض الآخر، فيقول: عن رجل، أو عن عم فلان، أو ابن أخي فلان، ونحو ذلك.
стр. 371
مثاله ما رواه أبو عوانة، وزائدة بن قدامة، وشريك، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي في صفة وضوئه ﷺ (١).
ورواه شعبة، فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة (٢).
النوع السادس: الاختلاف في صيغ الأداء:
فيرويه بعضهم بالتصريح بالتحديث, وبعضهم بالصيغ المحتملة، كعن، وقال، وذكر، أو يرويه بعضهم بصيغة صريحة في الانقطاع، كأخبرت عن فلان، أو بلغني عنه، ويرويه بعضهم بصيغة محتملة، أو بصيغة صريحة في الاتصال، ونحو ذلك.
وهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في «الاتصال والانقطاع» (٣).
هذه أهم أنواع الاختلافات في الإسناد، ويتركب منها أنواع أخرى، كالإرسال مع الإبدال، أو الوقف مع الإبدال، أو مع زيادة راو وحذفه، في صور من الاختلافات لا تنتهي.
فالنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الإرسال مع الإبدال.
стр. 372
مثاله: ما رواه حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك مرفوعا: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أو آخره» (١).
ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري مرسلا عن النبي ﷺ (٢).
والنوع الثاني -رفع الحديث ووقفه- يلتقي أيضا مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الوقف مع الإبدال.
مثاله: ما رواه عبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء»، قال نافع: «فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات».
ورواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع، قال: قال عمر بن الخطاب … فذكره بمعناه (٣).
والنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي كثيرا مع النوع السادس
-صيغ الأداء- كما يظهر ذلك جليا من أمثلة الأخير.
وكذلك النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، يجتمع مع النوع الخامس
-الاختلاف في تسمية الراوي-، فمنهم من لا يسميه أصلا، كما في حديث عائشة الماضي في النوع الرابع، فمن الرواة عن يحيى بن سعيد من رواه عنه، عمن
стр. 373
حدثه، عن عمرة، عن عائشة (١).
وفي هذا المثال أيضا اختلاف في زيادة راو وحذفه، فمن الرواة عن يحيى من لم يذكر واسطة بينه وبين عمرة (٢)، ومنهم من لم يذكر عمرة أيضا (٣).
ومن جهة ثانية بعض الأحاديث يشتد فيها الاختلاف، ويتنوع، فيروى الحديث موصولا، ومرسلا، وموقوفا، وبإبدال بعض رواته، إلى غير ذلك، كما أن الاختلاف في بعض الأحاديث يقع على أكثر من راو، إما في طبقة واحدة، أو في طبقات متعددة، فتعددت المدارات.
وهناك ما يمكن تسميته ب الاختلاف الجزئي ، أي أن الاختلاف في الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو ذكر راو وحذفه، أو غير ذلك، وقع في جزء من الحديث، فبعض الحديث يتفق على وصله -مثلا- وبعضه يقع فيه اختلاف.
وسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة لهذا كله.
القسم الثاني: الاختلافات في المتن:
الاختلاف بين الرواة له أسباب كثيرة، من أهمها فيما يتعلق بمتن الحديث: الرواية بالمعنى، إذ الأكثر على تجويزه، وهو الواقع في رواية السنة، فقل حديث
стр. 374
-وإن كان لفظه قصيرا- إلا وقد روي في بعض رواياته بالمعنى، ويدخل في الرواية بالمعنى: اختصار الحديث والاكتفاء بمضمونه وما يفيده، وكذلك الاجتزاء ببعضه، وترك بعضه، خاصة إذا كان يتكون من عدة جمل، أو فيه عدد من القضايا، أو فيه قصة حذفها بعض الرواة، ونحو ذلك.
ولهذا السبب اهتم الأئمة النقاد ببيان ألفاظ الرواة، وموضع الاختلاف بينهم، كما نراه في «صحيح مسلم»، وغيره، وإن كانوا قد اضطروا إلى عدم سوق لفظ كل راو، فاعتاضوا عن ذلك بالإحالة على لفظ يذكرونه، ثم يقولون بعده في الأسانيد الأخرى: بنحوه، أو بمثله، أو بمعناه، فعلوا ذلك للاختصار، توفيرا للورق، حيث حاجتهم إليه ماسة، وتخفيفا على طلبة الحديث، حين سفرهم وتنقلهم، كما تقدم مثله في اختصار ألفاظ الأداء (١).
وقد كان بعض الأئمة -مثل شعبة بن الحجاج- يرى أن الإحالة على لفظ سابق غير كاف، ويقول: إن ذلك ليس بحديث (٢)، ولا شك أن قوله هذا غاية في الدقة والإحكام، لكن التزامه صعب جدا، فكان العمل بخلافه.
ولما كانت أغراض الناظرين في الحديث غير متفقة، فالفقيه، والأصولي، والمفسر، واللغوي، والنحوي، وغيرهم، كل واحد منهم له غرض غير الذي للآخر، ورب حرف ذي أهمية كبرى عند أحدهم، لا يأبه له الآخر - لما كان
стр. 375
ذلك كذلك، أصبح من العسير جدا تحديد أنواع للاختلاف في المتون يقال للباحث إن عليه أن يهتم بها، فكل ناظر في الحديث يريد أن يستدل بلفظ منه عليه أن يسبر ألفاظ الرواة في الموضع الذي يريد أن يستدل به (١).
مثال ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار … » الحديث (٢).
فالواو في قوله: «يتعاقبون» شغلت النحاة وشراح الحديث، فالقاعدة هنا حذف واو الجماعة، والفاعل «ملائكة»، وعند جمع طرق الحديث، والنظر في أسانيده ومداراته، ينصب نظر المخرج على هذه الجملة «يتعاقبون»، وكيف رواها رواة الحديث، وهل اتفقوا أو اختلفوا؟
ومع هذا فهناك أنواع من اختلافات المتون ظاهرة لكل أحد، يحسن ذكرها ليقاس عليها غيرها.
النوع الأول: القول والفعل:
ومن أمثلته: ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: «مضمضوا من
стр. 376
اللبن فإن له دسما»، وكذا جاء في بعض الطرق عن عقيل بن خالد، عن الزهري (١).
ورواه جماعة، منهم يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم، ومحمد بن مصعب، وأيوب بن خالد، وهقل بن زياد، عن الأوزاعي بلفظ: «أن النبي ﷺ شرب لبنا ثم تمضمض، وقال: إن له دسما» (٢).
وكذا رواه عن الزهري جماعة منهم يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وصالح بن كيسان، ومعمر، وعقيل بن خالد -في بعض الطرق إليه- (٣).
النوع الثاني: قلب المتن:
ومن أمثلته: ما رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، وقلت أنا: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (٤)، وكذا جاء في
стр. 377
بعض الطرق إلى سيار أبي الحكم، ومغيرة بن مقسم، عن أبي وائل (١).
ورواه جماعة منهم شعبة، وابن نمير، ووكيع، وحفص بن غياث، وأبو حمزة السكري، عن الأعمش، بلفظ: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقلت أنا: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (٢)، وكذا رواه عاصم بن أبي النجود، وسيار أبو الحكم، والمغيرة بن مقسم -في بعض الطرق إليهما- عن أبي وائل (٣).
وروى القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (٤).
وروى عبدالعزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة هذا الحديث، فجعل الذي يؤذن بليل هو ابن أم مكتوم (٥)، وكذا جاء من رواية
стр. 378
أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة (١).
وقد يقع القلب في جزء من متن الحديث، وأمثلته كثيرة.
النوع الثالث: تغيير معنى الحديث:
وهذا سببه أن الراوي يريد أن يختصر الحديث، أو لم يكن يحفظه جيدا، فيرويه بمعناه، وربما افترق المعنيان، بحيث يقوم احتمال آخر أن يكونا حديثين.
ومن أمثلته: ما تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول في الاختلاف بين رواية سفيان بن عيينة، ورواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، في الوضوء من الصوت والريح.
وروى ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وأسامة بن زيد، وعلي بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «قربت للنبي ﷺ خبزا ولحما فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، هذا لفظ ابن جريج (٢)، وكذا رواه عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر (٣).
ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «كان آخر
стр. 379
الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار» (١).
وروى همام بن يحيى، ويحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (٢).
ورواه روح بن عبادة، وأبو عاصم، وعبدالله بن الحارث، وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: «أنه ﷺ اتخذ خاتما من ورق، ثم طرحه»، هكذا بهذا اللفظ، وبزيادة زياد بن سعد في الإسناد (٣)، وكذا رواه جماعة عن الزهري، منهم يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن سعد (٤).
وروى جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، قال: «رأيت رسول الله ﷺ ينزل من المنبر، فيعرض له الرجل في الحاجة، فيقوم معه حتى يقضي حاجته، ثم يقوم فيصلي» (٥).
стр. 380
ورواه حماد بن سلمة، ومعمر، وغيرهما، عن ثابت، عن أنس، قال: «أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه، حتى نام القوم -أو بعض القوم- ثم صلوا» (١).
وهكذا رواه عبدالعزيز بن صهيب، وحميد، عن أنس بمعناه (٢).
وروى مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: «أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر، فقضاهما بعدما طلعت الشمس» (٣).
ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، في قصة نومهم عن صلاة الفجر، وصلاته ﷺ ركعتي الفجر، والفريضة، بعدما طلعت الشمس (٤).
وربما كان التغيير في جزء من الحديث، ومثاله ما رواه الترمذي عن
стр. 381
يحيى بن خلف، عن بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبدالله بن شقيق، قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ ، قالت: «كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين, وقبل الفجر اثنتين» (١).
ورواه هشيم، وإسماعيل بن علية, وخالد بن عبدالله الواسطي، ويزيد بن زريع، عن خالد الحذاء مطولا، وفيه: «كان يصلي قبل الظهر أربعا … » (٢).
وقد أكثرت من الأمثلة لتغيير المعنى لأهميته القصوى، وخفائه أيضا (٣)،
стр. 382
فالمطلوب إذن بالنسبة للباحث أن يدقق جيدا في متون الأحاديث، ويلاحظ ما فيها من تغيير، خاصة حين تلتقي في مدار واحد، سواء كان عاليا، أو نازلا.
وقضية التغيير في المعنى لا تختص بالنظر في الطرق ودراستها، فلها تعلق بعمل من يقوم بمجرد العزو والتخريج، إذ يشتبه على المخرج لفظان بينهما ارتباط ما من جهة المتن فيتردد في جعلهما حديثا واحدا، أو جعلهما حديثين، ولهذا نرى اختلاف العلماء والمخرجين للأحاديث، فيجعل بعضهم الحديث متفقا عليه، ويجعله بعضهم من أفراد البخاري في لفظ، ومن أفراد مسلم في اللفظ الآخر، وكذلك المصادر الأخرى، وأمثلة هذا كثيرة جدا، يدركها من عانى مهمة التخريج والعزو، والمخرج قد يجتهد في ذلك بالنظر إلى المتن فقط، غير أنه لا بد أيضا من النظر في الأسانيد، وهذا هو وجه دخوله في موضوع الاختلاف بين الرواة, فيعده الباحث اختلافا ينظر فيه، ويطبق عليه قواعد الاختلاف الآتية في الفصول اللاحقة.
النوع الرابع: الزيادة في المتن والنقص منه:
ومن أمثلته: ما رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن
стр. 383
عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين وعلى العمامة»، وكذا رواه معمر -في بعض الروايات عنه- عن يحيى، غير أنه لم يذكر جعفرا في الإسناد، وقد جاء هذا -أي إسقاط جعفر- عن الأوزاعي أيضا.
ورواه أبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، وشيبان بن عبدالرحمن، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، ومعمر -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر، عن أبيه به، دون ذكر المسح على العمامة، إلا أن معمرا لم يذكر جعفر بن عمرو (١).
وكذا روي من طريق آخر، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر، عن أبيه، دون ذكر المسح على العمامة (٢).
وروى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث صفة اغتساله ﷺ من الجنابة، وفيه: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه … » الحديث، وفي آخره: «ثم أفاض على سائر جسده، ثم
стр. 384
غسل رجليه» (١).
ورواه وكيع، عن هشام بن عروة، غير أنه لم يذكر غسل الرجلين، وقال في أوله: «فبدأ بغسل كفيه ثلاثا» (٢).
ورواه جماعة كثيرون منهم مالك، وعبدالله بن المبارك، ومعمر، وزائدة، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن نمير، وعلي بن مسهر، وجرير بن حازم، وجعفر بن عون، عن هشام، ولم يذكروا غسل الرجلين، ولم يذكروا عددا في غسل اليدين (٣).
ورواه عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة، واختلف على عطاء أيضا، في تثليث غسل اليدين، حيث ذكره عنه جمع، ولم يذكره آخرون، وفي غسل الرجلين أيضا، فذكره عنه حماد بن سلمة، ولم يذكره جماعة آخرون، منهم شعبة، وزائدة، وغيرهما (٤).
стр. 385
وقضية الزيادات في متون الأحاديث قضية بالغة الدقة بالنسبة لعد الزيادة التي يقف عليها الباحث اختلافا يجب النظر فيه، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه، ذلك أن بعض الزيادات إنما جاءت من تصرف الرواة عمدا، وهو ما يعرف بتقطيع الحديث، والاكتفاء بجزء منه، خاصة عند المصنفين على الموضوعات، مثل كتب الصحاح، والجوامع، والمصنفات والسنن، فيذكر الراوي أو المؤلف من الحديث ما يتعلق بموضع الاستشهاد فقط، وهذا كثير جدا، وقد يكون الحديث مكونا من عدة جمل، يصلح كل منها أن يكون حديثا مستقلا، فيقطعه راو، ويجمعه راو آخر.
وهذا الأمر له صلة قوية بتخريج الحديث وعزوه، فقد يكون مع الباحث لفظ، ثم يجد هذا اللفظ في حديث مطول، ويجد أيضا هذا الحديث المطول أو بعض أجزائه في مواضع أخرى دون اللفظ الذي يقوم بتخريجه، فهل يستوفي ذلك كله في التخريج؟ يكثر ورود هذا السؤال لدى الباحثين، وسأعرض له بشيء من التفصيل في بابه الخاص به وهو (عرض التخريج والدراسة)، يسر الله تعالى الوصول إليه.
هذه أبرز الاختلافات في متون الأحاديث، ولا بد من العودة إلى التأكيد على أنه لا يمكن حصرها وضبطها، فقد يقع تغيير في كلمة, أو تقديم جملة على أخرى, أو اختلاف في الأعداد والمقادير, ونحو ذلك, فتكثر أنواعه جدا، وكل باحث له غرض في متن الحديث الذي يقوم بتخريجه، سيتنبه لموضع الاختلاف فيه إن وجد، وقد لا يتنبه لغيره لكونه ليس من غرضه.
стр. 386
ويشار هنا أيضا إلى أن الاختلاف في المتن قد يصاحبه اختلاف في الإسناد ، كما تقدم آنفا في حديث أنس في (الخاتم).
ومن أمثلته أيضا ما رواه جماعة -منهم الثوري، وشعبة- عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان النبي ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» (١).
ورواه أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق, عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فهو عندي أحسن من القمر» (٢).
وروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين زيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين الأقرع بن حابس الحنظلي … » الحديث في قصة التأليف (٣).
стр. 387
ورواه عمر بن سعيد الثوري -أخو سفيان- عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: «أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مئة من الإبل … » الحديث في قصة التأليف أيضا، وفيه أن ذلك في غزوة حنين (١).
وتابع سفيان الثوري على روايته جماعة (٢)، وكذا رواه عمارة بن القعقاع، عن عبدالرحمن بن أبي نعم (٣).
وقد تقدم في النوع الثالث من أنواع الاختلافات في المتن وهو الاختلاف في لفظ الحديث بما يتغير به معناه، أن هذه القضية من دقائق ما يمر بالباحث وهو ينظر في طرق الحديث وألفاظه، بغرض المقارنة بينها ودراستها، أو بغرض العزو المجرد، وينبه هنا إلى أن المقام يزداد غموضا إذا كان مع التغيير في المتن تغيير في الإسناد، بإبدال بعض رواته، ولهذا أكثرت آنفا من سوق الأمثلة له (٤)، وهو أساسا يعتمد على الوقوف على كلام للنقاد حول الحديث، ويعتمد كذلك على حِسِّ الباحث ونباهته.
стр. 388
وهذه المسألة بتفرعاتها بحاجة إلى من يتصدى لها، ويجمع أمثلتها، مما نص عليه النقاد، ومما يقاس عليه، والتأكيد على أنها أساسا جزء من (الاختلافات) بين الرواة، أو ما يعرف بـ (علم العلل)، تطبق عليه قواعده الآتية في الفصول اللاحقة.
وفي ختام هذا الفصل المتعلق بأنواع اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن الباحث وهو يدقق في أسانيد الحديث وألفاظه في مصادرها سيواجه اختلافات في الأسانيد والمتون، من تغيير في اسم راو، إلى إسقاطه تماما، إلى تغيير في لفظ الحديث، ونحو ذلك، وعند تدقيقه ينكشف له أن هذا الاختلاف سببه ما يقع في المخطوطات والمطبوعات من تحريف وسقط، فمثل هذا ينحيه الباحث عن أن يكون اختلافا بين الرواة، ثم الباحث بعد ذلك بحسب منهجه، فقد يكون من منهجه التنبيه على ذلك في كل ما يصادفه، وقد يكون من منهجه إغفال ذلك تماما، والاكتفاء بإثبات الصواب، خشية إثقال البحث وحواشيه بكثرة التنبيهات، وقد يكون من منهجه أن يفعل ذلك مع كتب هي مظنة الضبط والإتقان، ولكن يقع فيها على سبيل الندرة ما يحسن التنبيه عليه، ويغفل ما عدا ذلك.
وقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول أمثلة للتحريف والسقط في المصادر، ونبهت هناك إلى أن قضية التحريف والسقط في المصادر قد ألقت بظلالها على بحوث السنة النبوية، فالجميع يدرك صعوبة قيام الباحث بتحقيق مخطوط لكتاب واحد، فكيف بالنظر في الصواب والخطأ في كل مصدر يخرج منه، مخطوطا كان أو مطبوعا، فالباحث مسؤول عما يثبته في بحثه من أسانيد
стр. 389
ومتون, لا يجوز لأحد أن يعفيه من مسؤلية ذلك أبدا، ومن فعل هذا فأول من يجني عليه الباحث نفسه.
ومن مارس جمع طرق الأحاديث وألفاظها والنظر فيها، والتزم ما ذكرته آنفا سيرى بوضوح ما يعانيه الباحث من مشقة تصويب الأخطاء، وإكمال السقط، بحيث يمكن القول إن ما يعادل خمس وقت الباحث يذهب بهذا الاتجاه، والذي أقوله الآن هو أن هذا الجهد محفوظ للباحث، بل سيجني ثمرته أضعافا مضاعفة، فهو أولا -وهذا سبب الحديث عن القضية هنا- سيختصر أوجه الاختلاف على المدار، إذ سيتبين أن بعضها ليس اختلافا عليه، وإنما هو سقط وتحريف في مصدر أو أكثر، بل ربما انتهى الاختلاف تماما، فهو معقود أصلا بسبب ما صورته اختلاف في مصدر، ثم تبين أنه تحريف وقع فيه.
فإذا لم يبذل الباحث جهده في التحقق مما وقع في بعض المصادر طال عليه النظر في الاختلاف لاحقا، وفوق ذلك أنه سيضطر إلى عده اختلافا ينظر فيه، وربما أدى به إلى تخطئة بعض الرواة، مع براءتهم من الوقوع في الخطأ.
والأمر الآخر أن الباحث وهو يعالج ما يقف عليه مما يشتبه فيه أن يكون خطأ في النسخة - يتدرب على مواجهة مشكلات البحث، وتقليب النظر فيها، والبحث عن الاحتمالات الممكنة، والخلوص برأي فيها.
يضاف إلى هذا كله ما يكتسبه الباحث من خبرة في المصادر، وما هو منها محل الثقة من ناسخه، أو محققه، وما ليس كذلك، ويعرف أهمية الوقوف على
стр. 390
نسخ متعددة للمصدر الواحد، مخطوطة أو مطبوعة, ويتدرب كذلك على تصويب الأخطاء بالاستعانة بالمصادر المنقول عنها، والمصادر الناقلة، ويعرف أهمية كتب الأطراف بالنسبة لمصادرها الأصلية.
وفي هذه القضية أنبه على ثلاثة أمور:
الأول: حين يقال بأن الأخطاء في النسخ المخطوطة لا يعدها الباحث اختلافا يقصد بذلك النسخ بعد عصر الرواية، أي نسخ الكتب المصنفة، مثل الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والمعاجم، والأجزاء، وغيرها، وهي التي كتبت بأيدي نساخ بعد عصر الرواية، وفي أزمان متأخرة، أما كتب الرواة أنفسهم، سواء كانت أصولا، أو فروعا، أو مصنفاتهم نفسها، إذا تحقق أن المصنف كتب النص هكذا، فهذه الأخطاء جزء من الاختلافات في الرواية، لا بد من معالجته وعده اختلافا، فكتب الرواة بأنواعها في عصر الرواية هي جزء من الرواية، فإنما هو الحفظ أو الكتاب، وقد يقع الاختلاف بين حفظ الراوي وكتابه، كما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول, ويأتي أيضا له أمثلة في الأبواب اللاحقة من هذا الباب فهو اختلاف إذن.
فما يقع في «صحيح البخاري» -مثلا- من مخالفة لغيره من المصادر متى تحقق أن البخاري رواه هكذا فيعتمد كما رواه، وهذا وأمثاله هو الذي تعامل معه أئمة النقد في معالجتهم للاختلافات، وما يقع من ذلك في بعض النسخ والروايات لـ «الصحيح» بعد البخاري من أخطاء النساخ فهذا هو الذي لا يدخل