ويشار هنا أيضا إلى أن الاختلاف في المتن قد يصاحبه اختلاف في الإسناد ، كما تقدم آنفا في حديث أنس في (الخاتم).
ومن أمثلته أيضا ما رواه جماعة -منهم الثوري، وشعبة- عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان النبي ﷺ مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» (١).
ورواه أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق, عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله ﷺ ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فهو عندي أحسن من القمر» (٢).
وروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين زيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين الأقرع بن حابس الحنظلي … » الحديث في قصة التأليف (٣).
стр. 387
ورواه عمر بن سعيد الثوري -أخو سفيان- عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: «أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مئة من الإبل … » الحديث في قصة التأليف أيضا، وفيه أن ذلك في غزوة حنين (١).
وتابع سفيان الثوري على روايته جماعة (٢)، وكذا رواه عمارة بن القعقاع، عن عبدالرحمن بن أبي نعم (٣).
وقد تقدم في النوع الثالث من أنواع الاختلافات في المتن وهو الاختلاف في لفظ الحديث بما يتغير به معناه، أن هذه القضية من دقائق ما يمر بالباحث وهو ينظر في طرق الحديث وألفاظه، بغرض المقارنة بينها ودراستها، أو بغرض العزو المجرد، وينبه هنا إلى أن المقام يزداد غموضا إذا كان مع التغيير في المتن تغيير في الإسناد، بإبدال بعض رواته، ولهذا أكثرت آنفا من سوق الأمثلة له (٤)، وهو أساسا يعتمد على الوقوف على كلام للنقاد حول الحديث، ويعتمد كذلك على حِسِّ الباحث ونباهته.
стр. 388
وهذه المسألة بتفرعاتها بحاجة إلى من يتصدى لها، ويجمع أمثلتها، مما نص عليه النقاد، ومما يقاس عليه، والتأكيد على أنها أساسا جزء من (الاختلافات) بين الرواة، أو ما يعرف بـ (علم العلل)، تطبق عليه قواعده الآتية في الفصول اللاحقة.
وفي ختام هذا الفصل المتعلق بأنواع اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن الباحث وهو يدقق في أسانيد الحديث وألفاظه في مصادرها سيواجه اختلافات في الأسانيد والمتون، من تغيير في اسم راو، إلى إسقاطه تماما، إلى تغيير في لفظ الحديث، ونحو ذلك، وعند تدقيقه ينكشف له أن هذا الاختلاف سببه ما يقع في المخطوطات والمطبوعات من تحريف وسقط، فمثل هذا ينحيه الباحث عن أن يكون اختلافا بين الرواة، ثم الباحث بعد ذلك بحسب منهجه، فقد يكون من منهجه التنبيه على ذلك في كل ما يصادفه، وقد يكون من منهجه إغفال ذلك تماما، والاكتفاء بإثبات الصواب، خشية إثقال البحث وحواشيه بكثرة التنبيهات، وقد يكون من منهجه أن يفعل ذلك مع كتب هي مظنة الضبط والإتقان، ولكن يقع فيها على سبيل الندرة ما يحسن التنبيه عليه، ويغفل ما عدا ذلك.
وقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول أمثلة للتحريف والسقط في المصادر، ونبهت هناك إلى أن قضية التحريف والسقط في المصادر قد ألقت بظلالها على بحوث السنة النبوية، فالجميع يدرك صعوبة قيام الباحث بتحقيق مخطوط لكتاب واحد، فكيف بالنظر في الصواب والخطأ في كل مصدر يخرج منه، مخطوطا كان أو مطبوعا، فالباحث مسؤول عما يثبته في بحثه من أسانيد
стр. 389
ومتون, لا يجوز لأحد أن يعفيه من مسؤلية ذلك أبدا، ومن فعل هذا فأول من يجني عليه الباحث نفسه.
ومن مارس جمع طرق الأحاديث وألفاظها والنظر فيها، والتزم ما ذكرته آنفا سيرى بوضوح ما يعانيه الباحث من مشقة تصويب الأخطاء، وإكمال السقط، بحيث يمكن القول إن ما يعادل خمس وقت الباحث يذهب بهذا الاتجاه، والذي أقوله الآن هو أن هذا الجهد محفوظ للباحث، بل سيجني ثمرته أضعافا مضاعفة، فهو أولا -وهذا سبب الحديث عن القضية هنا- سيختصر أوجه الاختلاف على المدار، إذ سيتبين أن بعضها ليس اختلافا عليه، وإنما هو سقط وتحريف في مصدر أو أكثر، بل ربما انتهى الاختلاف تماما، فهو معقود أصلا بسبب ما صورته اختلاف في مصدر، ثم تبين أنه تحريف وقع فيه.
فإذا لم يبذل الباحث جهده في التحقق مما وقع في بعض المصادر طال عليه النظر في الاختلاف لاحقا، وفوق ذلك أنه سيضطر إلى عده اختلافا ينظر فيه، وربما أدى به إلى تخطئة بعض الرواة، مع براءتهم من الوقوع في الخطأ.
والأمر الآخر أن الباحث وهو يعالج ما يقف عليه مما يشتبه فيه أن يكون خطأ في النسخة - يتدرب على مواجهة مشكلات البحث، وتقليب النظر فيها، والبحث عن الاحتمالات الممكنة، والخلوص برأي فيها.
يضاف إلى هذا كله ما يكتسبه الباحث من خبرة في المصادر، وما هو منها محل الثقة من ناسخه، أو محققه، وما ليس كذلك، ويعرف أهمية الوقوف على
стр. 390
نسخ متعددة للمصدر الواحد، مخطوطة أو مطبوعة, ويتدرب كذلك على تصويب الأخطاء بالاستعانة بالمصادر المنقول عنها، والمصادر الناقلة، ويعرف أهمية كتب الأطراف بالنسبة لمصادرها الأصلية.
وفي هذه القضية أنبه على ثلاثة أمور:
الأول: حين يقال بأن الأخطاء في النسخ المخطوطة لا يعدها الباحث اختلافا يقصد بذلك النسخ بعد عصر الرواية، أي نسخ الكتب المصنفة، مثل الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والمعاجم، والأجزاء، وغيرها، وهي التي كتبت بأيدي نساخ بعد عصر الرواية، وفي أزمان متأخرة، أما كتب الرواة أنفسهم، سواء كانت أصولا، أو فروعا، أو مصنفاتهم نفسها، إذا تحقق أن المصنف كتب النص هكذا، فهذه الأخطاء جزء من الاختلافات في الرواية، لا بد من معالجته وعده اختلافا، فكتب الرواة بأنواعها في عصر الرواية هي جزء من الرواية، فإنما هو الحفظ أو الكتاب، وقد يقع الاختلاف بين حفظ الراوي وكتابه، كما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول, ويأتي أيضا له أمثلة في الأبواب اللاحقة من هذا الباب فهو اختلاف إذن.
فما يقع في «صحيح البخاري» -مثلا- من مخالفة لغيره من المصادر متى تحقق أن البخاري رواه هكذا فيعتمد كما رواه، وهذا وأمثاله هو الذي تعامل معه أئمة النقد في معالجتهم للاختلافات، وما يقع من ذلك في بعض النسخ والروايات لـ «الصحيح» بعد البخاري من أخطاء النساخ فهذا هو الذي لا يدخل
стр. 391
في الاختلاف، وهكذا يقال في «صحيح مسلم»، و «السنن الأربعة»، و «مسند أحمد»، و «مصنف عبدالرزاق» وغيرها من مصادر السنة، ويمكن الوقوف على أمثلة للنوعين في كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو خاص بدراسة «الصحيحين» (١).
وسأضرب هنا بعض الأمثلة للنوعين، فأما الخطأ في عصر الرواية فمثاله ما أخرجه مسلم بن الحجاج في كتاب «التمييز» عن الحسن بن علي الحلوني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبدالرحمن بن المسيب، أن النبي ﷺ قال لبلال: «قم فأذِّن: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن».
ثم قال مسلم: «قال الحلواني: قلنا لأبي يوسف يعقوب: من عبدالرحمن بن المسيب؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخ يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، فأظن هذا هو الكناني».
قال مسلم: «وليس الذي قال يعقوب في هذا بشيء، وذلك أن هذا إسناد سقطت منه واو واحدة، ففحش خطؤه، وإنما قال الزهري: أخبرني عبدالرحمن، وابن المسيب، يريد سعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن عبدالله بن كعب … ، كذلك يحدثه ابن أخي الزهري، وحدث به موسى بن عقبة، ويونس، عن الزهري كذلك، ولعل هذا ممن دون صالح» (٢).
стр. 392
فالخطأ في إسناد إبراهيم بن سعد هو خطأ في عصر الرواية، يدخل في الاختلاف على الزهري، وإن كان قد تبين وجه الخطأ في الإسناد، وهو سقوط الواو.
وروى ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبدالله بن كثير بن المطلب، عن محمد بن قيس، عن عائشة الحديث الطويل في زيارته ﷺ لأهل البقيع (١).
وكذا رواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج، إلا أنه قال: أخبرني عبدالله
-رجل من قريش-، ولم يسمه، هكذا رواه أحمد بن حنبل، عن حجاج (٢)، ورواه يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عبدالله بن أبي مليكة (٣)، وخطؤوا يوسف بن سعيد في ذلك (٤).
ورواه روح بن عبادة، عن ابن جريج، عمن سمع محمد بن قيس، عن محمد بن قيس (٥).
ورواه عبدالرزاق، عن ابن جريج، كرواية ابن وهب، سمى شيخ ابن جريج: عبدالله بن كثير، هكذا رواه عن عبدالرزاق محمد بن عبدالله العصار (٦)، ويظهر
стр. 393
أن ابن معين يرويه كذلك عن عبدالرزاق، وفيه الواسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس بن مخرمة (١).
ورواه عبدالرزاق في «المصنف» عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة (٢)، هكذا بلا واسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس.
ورواية عبدالرزاق التي في «المصنف» ليست خطأ من النساخ، بل هي رواية مستقلة، أخطأ فيها عبدالرزاق حين أثبته في «المصنف»، أو أخطأ عليه راوي «المصنف» إسحاق الدبري، وقد أخرجه الطبراني من طريق الدبري كما هو في «المصنف» (٣)، وقال أبو علي الجياني: «هكذا روي لنا هذا الإسناد من طريق الدبري مقطوعا، لم يذكر فيه عبدالله بن كثير» (٤).
ومحمد بن عبدالله العصار الذي رواه عن عبدالرزاق على الصواب متقدم السماع من عبدالرزاق، وكان مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في الرحلة إلى عبدالرزاق (٥).
وبناء على ما تقدم فقول بعض المشايخ عن رواية عبدالرزاق في «المصنف»: «وقد سقط من سنده (يعني المصنف) عبدالله بن كثير، فيستدرك من رواية
стр. 394
محمد بن عبدالله العصار»، هذا القول فيه قصور، ولا ينبغي أن يستدرك، فهذه رواية، وهذه رواية.
وأما الخطأ بعد عصر الرواية فمثاله ما رواه مسلم أيضا في مقدمة «صحيحه» عن عبدالله بن معاذ العنبري، عن أبيه، وعن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (١).
هكذا جاء الإسناد في معظم النسخ والروايات لـ «صحيح مسلم»، قال الجياني: «وفي نسخة أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، مسندا، ولا يثبت هذا، وقد أسنده مسلم بعد ذلك من طريق علي بن حفص المدائني، عن شعبة» (٢).
وما وقع في نسخة أبي العباس الرازي هو الموجود في طبعات «صحيح مسلم»، وهو خطأ ممن بعد مسلم، فرواية معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، بالإرسال، ليس فيها أبو هريرة، وكذا رواه حفص بن عمر، وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، ومحمد بن جعفر غندر، عن شعبة، وما وقع من زيادة (أبي هريرة) في رواية معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، لا يصح أن يدرج على أنه اختلاف عليهما, فقد تبين أن الخطأ ممن بعد مسلم، وهو خطأ في إحدى النسخ.
стр. 395
وأخرج أبو عوانة من طريق وهب بن جرير, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين: «أن النبي ﷺ لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن … » الحديث (١).
هكذا هو في النسخة, وقد ذكره ابن حجر عن «مستخرج أبي عوانة» بذكر أنس فيه, فهو موصول (٢)، وهكذا جاء من طرق عن وهب بن جرير (٣) , فالظاهر أن ما وقع في «مستخرج أبي عوانة» خطأ في النسخة, وليس رواية.
الثاني: تنبيه الباحث إلى أن بعض ما يواجهه مما صورته اختلاف، وحقيقته ليست كذلك، إذ هو تحريف أو سقط في النسخ المخطوطة أو المطبوعة، لا ينبغي أن يتخذه الباحث ملاذا يتهرب به من معالجة الاختلافات الحقيقية، وعلى الباحث أن يبذل ما في وسعه للوصول إلى رأي راجح، ذلك أن بعض الباحثين يكثر أثناء التخريج من قوله -مثلا- وقد سقط من المصدر الفلاني اسم فلان، أو وقع في المصدر الفلاني اسم فلان كذا، وهو تحريف، أو أبدل اسم فلان في المصدر الفلاني باسم فلان، وهو خطأ من النساخ، أو خطأ مطبعي، وهكذا، وحقيقة الأمر أنه ليس كذلك، فهذه هي رواية هذا المصدر، فهو اختلاف في الرواية، وليس خطأ من النساخ، ويلزم على ذلك عده اختلافا، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه.
стр. 396
وقد نبهت فيما مضى في الفصل الثالث من الباب الأول إلى ضرورة انتباه الباحث لتصرفات المحققين للكتب، والناشرين لها، فإن كثيرا منهم لا يبالي بتغيير ما يجده في الكتاب الذي يحققه إذا كان ما فيه يخالف ما في مصادر أخرى، فيزيد وينقص، ويعدل، ظنا منه أن ما وقع عنده من خطأ النساخ، وليس هو كذلك، إنما هو اختلاف رواية، وهنا ينبه الباحث أن لا يقع فيما يقع فيه هؤلاء، فيتخلص من بعض الاختلافات على أنها أخطاء نساخ.
تعرض أحد الباحثين للنظر في الاختلاف الواقع على قتادة، في الحديث الذي يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي مرفوعا: «يغسل من بول الجارية، ويصب على بول الغلام»، وقد اختلف فيه على قتادة كثيرا, ومما ذكره الباحث رواية سعيد بن أبي عروبة، وهو يرويه عند الباحث عن قتادة موقوفا على علي، قال الباحث في تخريجها: «ورواية سعيد أخرجها عبدالرزاق كتاب الصلاة / باب بول الصبي (١/ ٣٨١) ومسدد في المسند كما في الإتحاف (٧٢٠ - المسندة) وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الطهارات / باب في بول الصبي … (١/ ١١٤) وأبو داود (٣٧٧) والبيهقي (٢/ ٥٨٢)، وسقط من سند عبدالرزاق وابن أبي شيبة (أبو الأسود).».
كذا صنع الباحث، ذكر أن عدم ذكر أبي الأسود سقط في سند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة, وفرغ منه هكذا، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة، يرويانه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، وهذان الطريقان غير الطريق الذي جاء فيه ذكر أبي الأسود، فهو إذن اختلاف على سعيد بن أبي عروبة، أغفله الباحث، وعده
стр. 397
سقطا في «المصنفين».
وتعرض باحث آخر لتخريج ودراسة ما رواه جماعة عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر مرفوعا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه … » الحديث، وقد قيل عن ثوير بالوقف على ابن عمر.
وممن يرويه عن ثوير بالوقف: سفيان الثوري، لكنه يذكر فيه مجاهدا بعد ثوير، وربما لم يسم ثويرا، فخرج الباحث في الوجه الموقوف رواية سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقال في تخريجها: «وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٧ ح ٤٢١) ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٣٣ ح ٤٣٩٧)، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد به (يعني عن ابن عمر) بنحوه».
وعلق الباحث في حاشية بحثه على تخريجه من «الزهد» لابن المبارك بقوله: «في الزهد موقوف على مجاهد، وهو خطأ، والتصحيح من السنة للبغوي، فقد روى من طريقه».
كذا قال الباحث، وهو يريد أنه خطأ في النسخة، وما قاله فغير لازم، فإن ما في «الزهد» رواية نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وما في «السنة» للبغوي رواية إبراهيم بن عبدالله الخلاف، عن ابن المبارك، فهي رواية أخرى إذن.
والسبب الرئيس لوقوع الباحثين والمحققين في مثل هذا هو مرور مصدر نازل على صاحب مصدر عال، فـ «الصحيحان»، و «السنن الأربع»، و «مسند أحمد» وغيرها، يروي مؤلفوها كثيرا من طريق عبدالرزاق، وعبدالرزاق له كتابه
стр. 398
«المصنف»، فيقوم الباحث أو المحقق بالاستعانة بالمصدر الأصل للنظر فيما جاء عن مصنفه في المصادر اللاحقة، أو العكس.
وهكذا يقال في مثل أبي بكر بن أبي شيبة، ومسدد, ومحمد بن أبي عمر العدني وغيرهم، فإن لهم مؤلفات, والمؤلفون في السنة بعدهم يروون كثيرا من طريقهم، ونجد هذا جليا في المصادر النازلة، مثل «مستدرك الحاكم» و «سنن البيهقي» و «السنة» للبغوي، وغيرها، مع المصادر المتقدمة عليهم زمنا.
والذي ينبه له الباحث هنا أن رواية مصدر نازل من طريق صاحب مصدر عال لا يلزم أن يكون يرويه عنه من هذا المصدر بعينه ، فإذا روى مسلم -مثلا- أو ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة حديثا، ثم وجدناه في «المصنف» لابن أبي شيبة، فلا يلزم من هذا أن مسلما يرويه من «المصنف»، فقد يكون يرويه من «المسند»، وهو كتاب آخر لابن أبي شيبة، وقد يكون يرويه من أصول ونسخ ابن أبي شيبة، قبل أن ينقلها إلى مؤلفاته، وقد يكون سمع منه من حفظه، فهما روايتان مختلفتان، لا يصح تصويب إحداهما بالأخرى.
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (١) أن كثيرا من الرواة لهم أصول بها سمعوا من شيوخهم، ولهم نسخ يحدثون بها نسخوها من تلك الأصول، ولهم أيضا مصنفات جمعوها من تلك النسخ، وتقدم هناك أنه قد يحصل خطأ من
стр. 399
الراوي أثناء نقله من مرحلة إلى أخرى، وقد يتعمد هو التغيير، بأن يختصر الإسناد أو المتن، وقد يقطع المتن الواحد، وذلك لحاجته إلى الاختصار حين التصنيف، أو حين يكتب أطرافا يحدث بها، وقد قال الخلال في أبي بكر بن أبي شيبة في سياق كلامه على اختصار الحديث: «وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى» (١).
والخلاصة -من كل ما تقدم- أن الباحث كما هو مطالب بأن لا يثقل نظره في الحديث باختلاف صوري، حقيقته من أخطاء النساخ والطابعين، هو مطالب أيضا بأن لا يغفل اختلافا، ويفرغ منه على أنه من أخطائهم، وليس هو كذلك.
وفيما أرى أن هذه القضية بحاجة إلى من يتصدى لها بخصوصها، فيوسعها بحثا، ويكثر من ضرب الأمثلة لها، ويحاول استنباط قواعد تعين الباحثين، فقد اكتفيت هنا بالإشارة إليها، لا يحتمل المقام أكثر من ذلك، وهي تتعلق بعملين جليلين بينهما صلة قوية، عمل الناظر في الأسانيد واختلافها، وعمل محقق لكتاب من كتب التراث، بل هي عند التدقيق يحتاجها كل باحث وإن لم يكن ينظر في الأسانيد، كما يحتاجها كل محقق لكتاب، وإن لم تكن فيه أسانيد.
الثالث: إذا بذل الباحث جهده في معالجة مخالفة في مصدر، ففي الغالب سيظهر له ترجيح في المسألة، فإما أن يعده خطأ في النسخة، ويعتمد ذلك، ولا يلحقه بالاختلاف بين الرواة، وإما أن يعده اختلافا من جهة الرواية، ويطبق
стр. 400
عليه قواعد الاختلاف.
وفي بعض الحالات يواجه الباحث تكافؤا في الأدلة والقرائن، أو ما يقرب منه, فعليه حينئذ أن يشير إلى هذا، فيذكر احتمال وجود خطأ في النسخة، ويعالج ما وجد أيضا باحتمال أن يكون اختلافا من جهة الرواية.
ومن أمثلة ذلك حديث عائشة الماضي آنفا، في زيارته ﷺ لأهل البقيع، فقد ذكر ابن معين أن عبدالرزاق صحف في شيء من متنه، فكان يروي قوله ﷺ : «ما لك يا عائشة، حشيا رابية؟ » (١)، هكذا: «ما لك يا عائشة؟ -حسبني رأيته-» (٢).
والموجود في «المصنف» المطبوع على الصواب، كما رواه بقية أصحاب ابن جريج، فيحتمل أن يكون عبدالرزاق نبه إلى الصواب، فرجع إليه في «المصنف»، فرواية ابن معين عنه متقدمة، وكان يروي عنه من كتابه قبل النقل إلى «المصنف» (٣).
ويحتمل أن يكون بعض النساخ أو المحقق عدله إلى الصواب، أو يكون المحقق قرأها بمساعدة ما في المصادر على الصواب دون أن يشعر.
ومن ذلك أن أحد الباحثين وهو يخرج حديث ابن عمر في (صلاة الضحى)
стр. 401
قال: «وأخرجه أبو يعلى في «المسند»، كما في «المطالب العالية» لابن حجر ٤/ ٥٧٣ (٦٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٦٩ (٤٩٠٦)، من طريق أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر، عن عبدالله بن عمر به».
وعلق عليه الباحث بقوله: «سقط من إسناد أبي يعلى عند ابن حجر في «المطالب» إسماعيل بن عبيدالله، وفيه بدل عبدالله بن عمر: عبدالله بن عمرو بن العاص، فلا أدري إن كان هو من باب الاختلاف في الإسناد، أو السقط والتحريف» (١).
* * *
стр. 402
المبحث الثاني
منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين
تكلم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا خلق لا يحصون في كل عصر ومصر، وهؤلاء يختلفون في قوة تمكنهم من هذا العلم، والأخذ بأسبابه، كما يختلفون في قواعدهم التي ينطلقون منها للحكم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا.
والذي يهمنا هنا من قواعدهم ما يتعلق بموقفهم حين يقع اختلاف بين الرواة في حديث ما، فالمتتبع لمسيرة نقد المرويات، يرى مناهج مختلفة في النظر إلى هذه القضية.
والذي يهم أيضا معرفته من هذه المناهج هو ما كان عليه أئمة النقد الأولين، وهم أئمة نقد المرويات، وأئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، مثل شعبة، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن المديني، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والنسائي، وغيرهم، كما يشمل ذلك طائفة تأخرت بعد هؤلاء وسارت على منهجهم، مثل أبي الفضل بن عمار الشهيد، والدارقطني، والبيهقي، وابن المواق، ونحوهم.
فهؤلاء يسيرون على منهج واحد، محكم بقواعد وأصول، تعارفوا عليها، وتناقلوها قولا وعملا طبقة بعد طبقة.
وهذا المنهج ينسب لهؤلاء الأئمة لأنهم طبقوه بتوسع وشمول، وأبرزوا
стр. 403
قواعده وأظهروها، وإلا فإن أس هذا المنهج وبذرته الأولى كانت على يد صحابة رسول الله ﷺ ، ثم لم يزل يتوسع ويتعمق شيئا فشيئا -بحسب الحاجة إليه- حتى وصل إلى ذروته في عصر النقد المشار إليه.
وربط منهجهم هذا بعمل صحابة رسول الله ﷺ من الأهمية بمكان، وقد قامت إحدى الباحثات الفاضلات بهذه المهمة (١).
يقوم هذا المنهج على أساس مهم، حَكَّم فيه هؤلاء الأئمة قواعد الشرع، وأعملوا فيه النظر والعقل، وهذا الأساس هو أنه لا عصمة لأحد عن الكذب والتزوير، فلا بد من فحص الرواة، ثم بعد تمييز الصادقين منهم، فلا عصمة لأحد منهم كائنا من كان عن السهو والخطأ والوهم.
وقبل شرح طريقة عملهم لا بد من التذكير هنا بأنهم قاموا قبل ذلك بأربع خطوات هامة جدا، هي بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث هنا، والخطوات الخمس معتمدة على مقارنة المرويات، أو ما يعرف بعرض الروايات بعضها على بعض، وذكري لعملهم هذا على شكل خطوات قصدت به تقريبه للأفهام، وذلك بترتيبه تنزلا من الدائرة الأوسع إلى التي تليها، وأما وجودها في عمل الأئمة وفي كلامهم فعلى ترتيب آخر.
ف الخطوة الأولى: دراسة مرويات كل راو -ما أمكنهم ذلك- ومقارنتها بمرويات غيره ، لمعرفة صدقه من كذبه، ومعرفة درجة ضبطه، ثم الحكم على
стр. 404
الراوي في نفسه، وإعطائه الدرجة اللائقة به، كقولهم: ثقة ثبت، أو ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، أو كذاب، وهو ما يعرف بالأحكام المطلقة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المطلق.
و الخطوة الثانية: إجراء مقارنة بين الرواة، كقولهم: فلان أحفظ من فلان ، أو دون فلان، أو مثله، أو أحب إلي منه، ونحو ذلك، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية على الرواة، أو التوثيق والتضعيف النسبي، يفعلون ذلك لمناسبة ما، إما لكونهم إخوة، أو لتقاربهما في السن والأخذ عن الشيخ، أو لتشابههما في الاسم، ونحو ذلك.
و الخطوة الثالثة: النظر في هذا الراوي مرة أخرى في روايته عن كل شيخ من شيوخه ، لمعرفة درجته في كل واحد منهم خاصة، ذلك أن الراوي يأخذ حكما عاما، ثم قد يأخذ حكما خاصا عن شيخ معين من شيوخه، أو أكثر، فقد يكون ثقة إلا في شيخ معين له هو فيه ضعيف، أو في شيوخ معينين، والعكس كذلك، فقد يكون ضعيفا بوجه عام، قويا في شيخ من شيوخه أو أكثر، وهو ما يعرف بالأحكام المقيدة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المقيد.
و الخطوة الرابعة: إجراء مقارنة بين بعض الرواة الأقران، لمعرفة منازلهم في شيخ لهم معين اشتركوا في الرواية عنه، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية المقيدة، أو التوثيق والتضعيف النسبي المقيد، وغالب هذه المقارنات تكون بين تلاميذ راوٍ مشهور، له أصحاب كثيرون، وأحاديث كثيرة، سواء كان من الصحابة،
стр. 405
كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وأنس، أو ممن بعدهم كنافع مولى ابن عمر، وقتادة، وشعبة، والأعمش، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم، وهو ما يعرف بعلم طبقات الرواة في الرتبة والدرجة، لا في الزمن، وهو باب مهم جدا، لأن هؤلاء وأمثالهم تدور غالب الأحاديث عليهم.
فهذه الخطوات الأربع قام الأئمة بها عن طريق مقارنة المرويات، وعرض الروايات بعضها على بعض، وقد تقدم شرحها وما يتعلق بها من مسائل في الكتاب الأول «الجرح والتعديل»، وإنما ذكرتها هنا ملخصة لارتباطها الوثيق جدا بموضوع عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، فالخطوات الأربع هذه بمثابة المواد الأولية لعمل جليل عظيم قاموا به، وإدراك الباحث لهذا الارتباط هو مفتاح فهمه لأسس وقواعد نقد المرويات بنظرة شاملة ومستوعبة.
والخطوة الخامسة -وهي موضوع الحديث هنا كما أسلفت-: أنهم إذا روي لهم الحديث المعين أو سئلوا عنه ورأوا أن بين رواته اختلافا في إسناد الحديث أو متنه احتاج الحديث عندهم حينئذ إلى دراسة ونظر، فلا يصححون الأوجه كلها، أو يحكمون لبعضها بأنه الصواب، وعلى بعضها بأنه خطأ، إلا بعد الدراسة والنظر، فليس عندهم حكم عام مطرد على جميع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، كأن يقال: الحكم لمن زاد، أو الحكم لمن نقص، أو الحكم للأكثر … الخ، وإنما كل حديث وجد فيه ذلك له عندهم نظر خاص به، يخضع الحكم النهائي فيه لمجموعة من القرائن والمرجحات يراعيها الإمام حين يصدر حكمه.
стр. 406
وهذه المرجحات وتلك القرائن سيأتي الحديث عنها لاحقا، لكني هنا أعيد ما سبق آنفا من أن معظمها كان قد تمت دراسته وإنضاجه في خطوات سابقة عندهم، وهي الخطوات الأربع التي قبل هذه الخطوة، فهذه المرجحات والقرائن بعضها في الرواة الذي جرى بينهم الاختلاف، من حيث درجاتهم في أنفسهم، ومن حيث المقارنة بينهم، ومن حيث صلتهم بشيخهم الذي اختلفوا عليه، وبعضها في الشيخ نفسه الذي جرى عليه الاختلاف، وبعضها في المروي إسنادا أو متنا.
هذه صور تقريبية لطريقة النقاد في التعامل مع الاختلافات بين الرواة، ذكرتها هكذا ليسهل فهمها، لكنها في واقع الأمر ليست على هذا الترتيب المعين عندهم، فأساسها كلها: مقارنة المرويات، ثم كانت النتائج كلها ثمرة هذه المقارنة، سواء في درجات الرواة، والمقارنة بينهم، ومراتبهم في شيوخهم، أو في الأحاديث نفسها، وما أثمر ذلك كله من قواعد للوصول إلى درجة الحديث، وصحته من ضعفه، مثل قواعد التفرد، واختلاف الرواة، والاعتضاد، يذكرونها في بيانهم وتعليلهم لأحكامهم، فاستفاد منها من جاء بعدهم، وأراد أن يحكم على الحديث.
ولم يأت هذا من الناقد في يوم وليلة، فهو ثمرة جهد جهيد، وزمن طويل، من التحصيل والتتبع، والمقارنة، فالناقد يمضي سنوات عديدة في الرواية والرحلة، حتى تكتمل عنده أدوات النقد، فيعملها، ويصدر أحكامه، مع بقاء هذه الأحكام عرضة للمراجعة، بحسب ما يستجد عنده من دلائل، وما يقف عليه من طرق، فقد يتراجع، وقد يتردد.
стр. 407
واستمر هذا طيلة عصر النقد، في طبقات متعددة من النقاد، يستفيد المتأخر من المتقدم، لكن لا يقلده، بل يعارضه أحيانا، حتى انتهى عصر الرواية، ودونت الكتب، وأصبحت الرواية لهذه الكتب فقط، فصار من يريد النظر في صحة الحديث وضعفه يعتمد على كلامهم، سواء في الرواة، أو في سماع بعضهم من بعض، أو في الأحاديث نفسها.
ومنهج أئمة النقد الذي ذكرته آنفا في الموازنة والنظر أشهر من أن يعرف به، فكل كلامهم على الأسانيد، وعلى الرواة أنفسهم مبني على المقارنة والموازنة، متمثلا بالخطوات الخمس التي أشرت إليها، فإذا قال الإمام عن حديث ما: الصواب فيه الوصل، أو الإرسال، أو الرفع، أو الوقف، أو قال عن راو إنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك، أو ضعيف في فلان، أو ثقة لكن أحاديثه عن فلان مناكير، أو فلان أحفظ من فلان، أو أقوى منه في فلان، أو هما سواء، كل ذلك بناه على المقارنة والنظر، والباب كله واحد لا يختلف.
وقد حرصت جدا هنا على توضيح هذه الصورة وبيان شدة الارتباط بين الأعمال التي قام بها المحدثون النقاد، وهي تؤخذ في الدراسة مفرقة، بحيث يبدو الارتباط بينها ضعيفا، إن لم يكن مفقودا في أذهان كثير من الباحثين، وسأعود إلى هذه النقطة في مناسبات أخرى للحاجة إليها.
ومع وضوح طريقة عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، وظهورها في كل عمل قاموا به، في مؤلفاتهم وفي إجاباتهم على أسئلة تلاميذهم، مع هذا كله فقد
стр. 408
اضطر الأئمة المتأخرون الذين سبروا عمل الأئمة في عصر النقد إلى توضيح وبيان طريقة أئمة النقد، فتوارد على هذا جمع من الأئمة المتأخرين.
وقبل أن أنقل شيئا من أقوالهم في تحرير منهج النقاد المتقدمين في اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن السبب الذي ألجأهم إلى تحرير ذلك المنهج، وشرحه وإيضاحه، وهذا يتلخص في شيئين:
الأول: عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد في قضايا معينة متفرعة من الموضوع العام ، وهو (اختلاف الأسانيد)، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادة الثقة)، وذلك في بعض كتب المصطلح، وفي كتب أخرى، أو ذكر مذاهب في المسألة ليس من بينها المذهب المهم وهو ما عليه أئمة النقد.
فمن ذلك ما ذكره الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه قال: «فقال أكثر أصحاب الحديث: إن الحكم في هذا للمرسل، وقال بعضهم: إن كان عدد الذين أرسلوه أكثر من الذين وصلوه فالحكم لهم، وقال بعضهم: إن كان من أرسله أحفظ من الذي وصله فالحكم للمرسل … ، ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا … » (١).
стр. 409
وقد عقب ابن رجب على ما ذكره الخطيب من الأقوال في هذه المسألة بقوله: «كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين» (١).
ومن ذلك أن الخطيب أيضا قال في (زيادة الثقة): «قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي، أولا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانا من أحكام ثبتت بخبر ليس فيه تلك الزيادة … » إلى آخر كلامه (٢).
وما نسبه إلى أهل الحديث بعيد جدا عن قولهم، كما سبقت الإشارة إليه، وكما سيأتي تحريره من كلام الأئمة المتأخرين، ثم إن نسبة الخطيب هذا إلى الجمهور يتعارض مع ما تقدم عنه آنفا في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه ذكر عن أكثر أهل الحديث أن الحكم للمرسل، مع أن الواصل معه زيادة، وقد ذكروا في كتب المصطلح أجوبة عن هذا التعارض لا تخلو من تكلف (٣).
ويشبه صنيع الخطيب في نسبته الحكم للمرسل إلى أكثر أهل الحديث صنيع ابن الجوزي في (تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال) فإنه كرر القول إن مذهب المحدثين الوقوف مع من وقف أو أرسل احتياطا (٤).
стр. 410
ومن ذلك قول النووي: «زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول … » (١).
وقال أيضا لما ذكر تعارض الوصل والإرسال وتعارض الرفع والوقف: «فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة … » (٢).
وقال النووي أيضا في كلامه على انتقاد الدارقطني لـ «الصحيحين»: «ذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، ولقواعد الأدلة، فلا تغتر بذلك» (٣).
كذا قال النووي، نسب القواعد التي مشى عليها الدارقطني في انتقاده إلى بعض المحدثين، ثم ضعفها جدا، وليست المناقشة في الأمر الثاني، فهذا اختياره، وإنما في الأمر الأول، إذ تلك القواعد متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، وقد يقع بينهم اختلاف في تطبيقها بحسب اجتهاد الواحد منهم، لا سيما عند تعارضها، ولا إشكال في ذلك كما سيأتي التنبيه عليه، ولذا فقد نقد ابن حجر كلمة النووي هذه، لكنه أجمل ذلك (٤).
стр. 411
الثاني: وجود مناهج مختلفة تناولت نقد مرويات السنة النبوية، فيها مخالفة من بعيد أو قريب لمنهج أئمة النقد، وهذه المناهج يجمعها شيء واحد هو المحك في هذا الموضوع، وهو النظر إلى الأسانيد مفردة، وعدم الالتفات إلى تأثير بعض الأسانيد على بعضها الآخر، لا سيما حين يقع اختلاف.
ولا شك أنه من العسير جدا في هذه الدراسة المختصرة الإلمام بهذه المناهج، ودراسة جذورها، وبيان أثرها على الدراسات الحديثية، ونقد المرويات بصفة عامة, وأهم من ذلك أثرها في الغرض المهم من نقد المرويات، وهو التطبيق العملي، إذ لها أثر خطير جدا في الدراسات الفقهية، والعقدية، والنحوية، وغيرها، ففي النحو مثلا ذهب جماعة من النحويين ومنهم ابن مالك يستشهدون لقواعد نحوية -وقد تكون موضع اختلاف بين النحاة- بروايات مجردة في «صحيح البخاري» (١)، وقد اعترض عليهم في بعضها الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، مستخدما منهج أئمة النقد في مقارنة الروايات (٢)، فهذا في النحو فما الظن بأثر ذلك في العلوم الشرعية؟ ، ولذا سأكتفي هنا بذكر ما يفي بالغرض دون إطالة.
ومن أهم ما يذكر هنا ما يعرف بمنهج (الفقهاء والأصوليين)، فهو مشهور
стр. 412
عن جمهورهم، وذلك في مسائل مهمة متفرعة عما نحن فيه، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادات الثقات)، و (اشتراط انتفاء العلة في تصحيح الحديث)، ونحو ذلك، فإن للفقهاء والأصوليين منهجا معروفا في هذا، وهو أن الإسناد إذا اجتمعت فيه شروط الصحة الظاهرة وهي: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد، فهو إسناد صحيح، وإن خولف بعض رواته، بأن رواه غيره من الثقات مرسلا مثلا، أو موقوفا، أو بحذف راو من الإسناد، أو بدون الزيادة.
وقد تقدم آنفا نسبة هذا إليهم عن الخطيب البغدادي، والنووي.
وممن نسبه إليهم أيضا: الحاكم أبو عبدالله، فقد قال في معرض حديثه عن أقسام الصحيح المختلف فيه: «القسم الثالث: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه جماعة من الثقات فيرسلونه»، وذكر مثالا له ثم قال: «وهذا قسم مما يكثر، ويستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا، هذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم قول من زاد في متن الإسناد إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث، فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد … » (١).
وابن الصلاح، فقال بعد أن ذكر اختيار الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) الآنف الذكر: «وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله» (٢).
стр. 413
وابن دقيق العيد، فقد قال في كلامه على الحديث الصحيح: «مداره
-بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين- على صفة عدالة الراوي، العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه، ومن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك: أن يكون مسندا، وزاد أصحاب الحديث: ألا يكون شاذا ولا معللا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء» (١).
وقال ابن دقيق العيد أيضا في إيضاح شرطه في الأحاديث التي أودعها كتابه «الإلمام بأحاديث الأحكام»، مفرقا بين منهج أئمة الحديث، ومنهج أهل الفقه والأصول: «شرطي فيه ألا أورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة الأخبار، وكان (يعني الحديث) صحيحا على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه النظار، فإن لكل منهم مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير» (٢).
وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي: «للمحدثين أغراض في طريقهم احتاطوا فيها, وبالغوا في الاحتياط, ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك, كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفا أو مرسلا» (٣).
ولو كان المطاف انتهى بهذا المذهب عند الفقهاء والأصوليين لهان الخطب،
стр. 414
لكنه تجاوز ذلك إلى بعض أهل الحديث المؤلفين فيه، ومن أشهر من ينسب إليه ممن ألف بالأسانيد ثلاثة أئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
أما ابن خزيمة، وابن حبان، فقد نصا على شرطهما فيما يخرجانه في «صحيحيهما» بعبارة متقاربة، فقال ابن خزيمة: «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي ﷺ ، بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه ﷺ ، من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى» (١).
وقال ابن حبان: «نملي الأخبار بألفاظ الخطاب، بأشهرها إسنادا، وأوثقها عمادا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها» (٢).
وقد علق ابن حجر على شرط ابن خزيمة وابن حبان بقوله: «حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها، لكونها دائرة بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة، وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة: أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح، فلا، والله أعلم» (٣).
وما ذكره ابن حجر ظاهر جدا، لا سيما عند ابن حبان.
وأما الحاكم فقد أوضح شرطه في مقدمته أيضا، فإنه قال: «أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها،
стр. 415
إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك … ، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة» (١).
وكرر هذا في ثنايا الكتاب، مثل قوله حين أخرج حديثا اختلف في رفعه ووقفه: «فنحن على ما شرطنا في إخراج الزيادة من الثقة في الوصل والسند» (٢)، وقوله حين ذكر حديثا اختلف في وصله وإرساله: «وهذا من الجنس الذي نقول: إن الثقة إذا وصله لم يضره إرسال غيره» (٣).
ومثل هذا يقال فيما يصححه ابن السكن في «صحيحه»، والضياء المقدسي في «المختارة»، وغيرهما.
فهؤلاء الأئمة كلهم ممن خصص كتابا للأحاديث الصحيحة سار فيه على طريقة الفقهاء والأصوليين، على تفاوت بين هؤلاء في درجة تطبيقها.
وأما من سار عليه من المنتسبين للحديث غير هؤلاء فجمع لا يمكن حصره، فقد انتشر هذا المذهب انتشارا واسعا، في كتب التخريج وغيرها، بل تجاوز بعضهم إلى تخطئة منهج أئمة الحديث، وعيبه بعد نسبته إليهم.
стр. 416
فممن سار عليه وطبقه ونافح عنه كثيرا ابن حزم، عند بحثه لهذا الموضوع، وفي تطبيقاته له (١)، ومن أشد ما قاله في هذا: «وأما دعوى ابن معين أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادعوا فيه أنه خطأ، من غير أن يذكروا فيه تدليسا - فكلامهم مطرح مردود، لأنه دعوى بلا برهان» (٢).
وقال أيضا بعد أن ذكر حديثا اختلف فيه على المدار بزيادة راو وإسقاطه, وجزم ابن حزم بأنه سمعه مرة هكذا, ومرة هكذا: «وإلا فأي شيء في هذا مما يقدح في الرواية؟ وددنا أن تبينوا لنا ذلك, ولا سبيل إلا بدعوى فاسدة لهج بها قوم من أصحاب الحديث, وهم فيها مخطئون عين الخطأ, ومن قلدهم أسوأ حالا منهم» (٣).
ومنهم ابن الجوزي في بعض كتبه، فمن ذلك قوله في جواب من أعل حديثا بالوقف: «الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة … ، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه - وقفوا مع الواقف احتياطا، وليس هذا مذهب الفقهاء» (٤).
وقال مرة في كلامه على حديث: «قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول
стр. 417
من وقف الحديث احتياطا، وليس هذا بشيء» (١).
وقال في موضع آخر في موازنته بين مذهب الفريقين: «إن البخاري ومسلما تركا أحاديث أقوام ثقات، لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا، ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة … ، وكل هذا سوء فهم، ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، وقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يبين سببه، وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه، فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين» (٢).
كذا قال ابن الجوزي، وكلامه شبيه بكلام ابن حزم الآنف الذكر، وهو كلام في غاية البعد عن التحقيق العلمي والإنصاف، وابن الجوزي مع حدته في العبارة هنا فهو -سامحه الله- كثير التناقض في هذا الباب، يلجأ كثيرا إلى علل أهل الحديث حين يحتاج إليها (٣).
ومنهم كذلك ابن القطان الفاسي، فإنه تبنى مذهب ابن حزم بحذافيره، وردد كثيرا من عباراته بمعناها، فمن ذلك قوله: «لا عيب على الحديث أن يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا» (٤)، وقوله: «إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا
стр. 418
لا يضره، ولا هو علة فيه … ، فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأ» (١).
وقال مرة معقبا على كلام الترمذي في تعليل حديث بالوقف، مشيرا إلى تضعيفه مذهب المحدثين: «وهذا عند الترمذي عِلَّة، أن يروى مرفوعا وموقوفا، وليس ذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه» (٢).
وقال مرة: «وهو نظر غير صحيح، أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه مرسلا - لأجل مخالفة غيره له … ، وهذا هو الحق في هذا الأصل، وكما اختاره أكثر الأصوليين، فكذلك أيضا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كان أكثرهم على الرأي الأول» (٣).
ومنهم الإمام النووي جرى على مذهب الفقهاء والأصوليين في كتبه، مثل «المجموع»، و «رياض الصالحين»، و «الأذكار»، و «شرح صحيح مسلم»، و «الأربعون»، واعتمد على هذا المذهب في أجوبته عن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره على مسلم، فسلك ضروبا من التجويز العقلي لتفادي تخطئة الرواة.
стр. 419
ومن أغرب ما وقع له صنيعه في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس … » (١)، فقد جاء عن ابن عمر في «صحيح مسلم» إنكاره تقديم الحج على صوم رمضان في عدها، وأنه سمعها من رسول الله ﷺ هكذا بتقديم الصوم، ثم جاءت عنه روايات بتقديم الحج، فقال النووي مجيبا عن هذا: «الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي ﷺ مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد علي ما لا علم لك به … ، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا، ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا» (٢).
فلكي يبعد نسيان أحد الرواة، أو روايته للحديث بالمعنى، اضطره ذلك إلى ما هو أعظم منه، إذ نسب النسيان إلى صحابي الحديث وهو ابن عمر، وقد ناقشه في ذلك العلائي، ثم ابن حجر (٣).
وزيادة على ذلك، ففي هذا الحديث بعينه وردت رواية عند أبي عوانة في
стр. 420
«مستخرجه» في قصة رد الرجل على ابن عمر بتقديم الصوم، وفيه قول ابن عمر للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن، عكس ما ورد في «صحيح مسلم»، ورد ذلك ابن الصلاح بأن ما في «الصحيح» مقدم، فقال النووي دافعا قول ابن الصلاح: «هذا (يعني ما في «مستخرج أبي عوانة») محتمل أيضا صحته، ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين» (١).
كذا قال النووي، وقد أوغل جدا في تطلب تصويب جميع الرواة الثقات.
وذكر عمر للنبي ﷺ أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي بعض الروايات: يوما (٢)، فقال النووي جامعا بين الروايتين: «هما واقعتان، كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوما بمفرده، فسأل عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى» (٣)، عقب عليه العلائي بقوله: «ففي هذا الحمل من أجل تحسين الظن بالرواة - تطرق الخلل إلى عمر ﵁ … » (٤).
ومع التزام النووي بهذا المنهج إلا أنه ربما تركه إلى منهج نقاد الحديث,
стр. 421
ففي حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به … » الحديث (١)، تكلم النووي على زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، فضعفها، مستعينا بأقوال النقاد (٢).
وكما أسلفت فقد انتشر هذا المذهب في الكلام على الأحاديث انتشارا واسعا، لسهولة تطبيقه، واشتغال أئمة الحديث المتأخرين بكتب ضخمة في تخريج أحاديثها، فنراه في تخريجات العراقي، والهيثمي، والبوصيري، وابن حجر، والسيوطي.
وقد رأيت لابن حجر كلاما في بعض تعليقاته أراد به أن يقرب مذهب الفقهاء من مذهب أئمة النقد, وأن الخلاف بينهما لفظي في النهاية, قال: «زاد أهل الحديث قيدي عدم الشذوذ والعلة, لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة، غايته أن بعض العلل التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاء، فهم إنما يخالفونهم في تسمية بعض العلل علة, لا في أن العلة توجد ولا تقدح, فأهل الحديث يشترطون في الحديث الذي اجتمعت فيه الأوصاف مزيد تفتيش, حتى يغلب على الظن أنه سالم من الشذوذ والعلة, والفقهاء لا يشترطون في الحديث ذلك, بل متى اجتمعت الأوصاف الثلاثة سموه صحيحا, ثم متى ظهر
стр. 422
شاذا ردوه, فلا خلاف بينهما في المآل, وإنما الخلاف في تسميته في الحال بعد وجود الأوصاف الثلاثة, والفريقان مجمعون على أن العلة القادحة متى وجدت ضرت … » (١).
هكذا يقرر ابن حجر, وليت الأمر على ما قال, وأن الخلاف لفظي, يزول في النهاية إذا اطلع على علة, لكنه في الواقع لا يزول, لأن الاختلاف بين المنهجين هو في القواعد التي يحكم على العلة إذا وجدت بأنها قادحة أو غير قادحة, وبين المنهجين فرق كبير جدا في هذه القواعد، نتج عنه فرق كبير أيضا في الحكم على أفراد الأحاديث حين تطبيق المنهجين.
فأما القواعد نفسها فقد تقدم عن جمع من الأئمة ومنهم ابن حجر تحرير منهجي الفريقين, وأما أفراد الأحاديث فأكثر من أن تحصى, وسيأتي في ثنايا هذا الكتاب الإشارة إلى أثر المنهجين في الحكم على الأحاديث.
وقول ابن حجر: «لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة … » لا يفيد شيئا في التقريب بين المنهجين, لأن الشأن في وجود الاختلاف في القواعد التي يتحاكم إليها الفريقان في النظر إلى العلل, وإنما يكون الاختلاف لفظيا لو كانت القواعد واحدة, والاختلاف في وجوب النظر فيها قبل إصدار الحكم, أو في جوازه حتى تظهر علة.
ومن العسير جدا رصد هذا المنهج، والحديث عن آثاره في مثل هذا المجال
стр. 423
المختصر، لما تقدم، ولسبب آخر مهم جدا وهو استخدام بعض الأئمة للمنهجين جميعا، إما في كتب مختلفة، أو ربما في كتاب واحد، وبعضهم ربما نَظَّر شيئا وطبق غيره، فالحاكم -مثلا- له كلام في غاية القوة والصرامة في كتابه «علوم الحديث»، لكنه في «المستدرك» على النقيض من ذلك، تسامح جدا، ولم يعبأ بمخالفة الثقة ونحوه لغيره، وضده الخطيب البغدادي، مال في كتابه «الكفاية» -كما تقدم آنفا- إلى منهج الأصوليين والفقهاء، لكنه في كتبه التطبيقية مثل «تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» سلك منهج كبار أئمة النقد.
ومثل هذا يقال في ابن حجر، فإنه قرر أشياء كثيرة في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح» على طريقة أئمة النقد، وكذا في بعض كتبه التطبيقية، مثل كتابه الذي لخص به كتاب الخطيب الآنف الذكر في الإدراج, وكتابه في الحديث المعلل: «الزهر المطلول في الخبر المعلول»، كما يشير إلى ذلك عزوه للكتابين، وفي كثير من تقريراته في كتبه الكبيرة كـ «فتح الباري»، و «التلخيص الحبير»، لكنه أيضا في كثير من تخاريجه وأحكامه على الأحاديث ينهج منهج النظر إلى الإسناد المفرد.
وهذا التذبذب بين المنهجين مرده إلى الطريقة التي دونت بها بعض قواعد المحدثين، وذلك بالتأثر بما كتبه الأصوليون والمتكلمون، إذ كان التأليف في أصول الفقه هو السابق، فالقارئ في بعض كتب المصطلح يرى أشياء متناقضة، فهو في (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادات الثقات)، يرى خليطا من الأقوال، وقد يُرجَّح له قول من يحكم للزائد في هذه الموضوعات، ثم في قضايا أخرى لا يمكن تقريرها وشرحها إلا على منهج واحد
стр. 424
وهو منهج كبار أئمة النقد، مثل (الشاذ)، و (المعلل)، و (المدرج)، و (المقلوب)، و (المزيد في متصل الأسانيد)، وغيرها، إذ هذه الأبواب قائمة على أحاديث الثقات، وإلا فقدت روحها ومضمونها، لأن أحاديث الضعفاء ضعفت بداية بسببهم.
والخلاصة أنه لأجل هذين الأمرين -عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد، وانتشار مذهب الفقهاء والأصوليين- توارد جمع من الأئمة المتأخرين على شرح وإيضاح منهج وطريقة الأئمة المتقدمين أئمة النقد، والتأكيد على شرح موقفهم من الاختلاف, خاصة ما يتعلق بزيادات الثقات، فقال ابن دقيق العيد: «من حكى عن أهل الحديث -أو أكثرهم- أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد، فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول» (١).
وقال ابن تيمية حين ذكر معارضة حديث للقرآن: «مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلانا غلط فيه، لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمى: معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيدا، ولكن عرف من طريق آخر أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل، أو دخل عليه حديث في حديث، وهذا فن شريف، وكان يحيى بن سعيد الأنصاري (كذا في النسخة، وصوابه: القطان)، ثم صاحبه علي بن المديني، ثم البخاري، من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم،
стр. 425
وكذلك النسائي، والدارقطني وغيرهم، وفيه مصنفات معروفة» (١).
وقال في كلام له عن شرط البخاري ومسلم: « … وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك، فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصحيح»، والدارقطني، وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها» (٢).
وقال أيضا: «وكما أنهم (يعني أهل الحديث) يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ - فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه … ، والناس في هذا الباب طرفان، طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف … ، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة - يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن