ففي حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به … » الحديث (١)، تكلم النووي على زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، فضعفها، مستعينا بأقوال النقاد (٢).
وكما أسلفت فقد انتشر هذا المذهب في الكلام على الأحاديث انتشارا واسعا، لسهولة تطبيقه، واشتغال أئمة الحديث المتأخرين بكتب ضخمة في تخريج أحاديثها، فنراه في تخريجات العراقي، والهيثمي، والبوصيري، وابن حجر، والسيوطي.
وقد رأيت لابن حجر كلاما في بعض تعليقاته أراد به أن يقرب مذهب الفقهاء من مذهب أئمة النقد, وأن الخلاف بينهما لفظي في النهاية, قال: «زاد أهل الحديث قيدي عدم الشذوذ والعلة, لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة، غايته أن بعض العلل التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاء، فهم إنما يخالفونهم في تسمية بعض العلل علة, لا في أن العلة توجد ولا تقدح, فأهل الحديث يشترطون في الحديث الذي اجتمعت فيه الأوصاف مزيد تفتيش, حتى يغلب على الظن أنه سالم من الشذوذ والعلة, والفقهاء لا يشترطون في الحديث ذلك, بل متى اجتمعت الأوصاف الثلاثة سموه صحيحا, ثم متى ظهر
стр. 422
شاذا ردوه, فلا خلاف بينهما في المآل, وإنما الخلاف في تسميته في الحال بعد وجود الأوصاف الثلاثة, والفريقان مجمعون على أن العلة القادحة متى وجدت ضرت … » (١).
هكذا يقرر ابن حجر, وليت الأمر على ما قال, وأن الخلاف لفظي, يزول في النهاية إذا اطلع على علة, لكنه في الواقع لا يزول, لأن الاختلاف بين المنهجين هو في القواعد التي يحكم على العلة إذا وجدت بأنها قادحة أو غير قادحة, وبين المنهجين فرق كبير جدا في هذه القواعد، نتج عنه فرق كبير أيضا في الحكم على أفراد الأحاديث حين تطبيق المنهجين.
فأما القواعد نفسها فقد تقدم عن جمع من الأئمة ومنهم ابن حجر تحرير منهجي الفريقين, وأما أفراد الأحاديث فأكثر من أن تحصى, وسيأتي في ثنايا هذا الكتاب الإشارة إلى أثر المنهجين في الحكم على الأحاديث.
وقول ابن حجر: «لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة … » لا يفيد شيئا في التقريب بين المنهجين, لأن الشأن في وجود الاختلاف في القواعد التي يتحاكم إليها الفريقان في النظر إلى العلل, وإنما يكون الاختلاف لفظيا لو كانت القواعد واحدة, والاختلاف في وجوب النظر فيها قبل إصدار الحكم, أو في جوازه حتى تظهر علة.
ومن العسير جدا رصد هذا المنهج، والحديث عن آثاره في مثل هذا المجال
стр. 423
المختصر، لما تقدم، ولسبب آخر مهم جدا وهو استخدام بعض الأئمة للمنهجين جميعا، إما في كتب مختلفة، أو ربما في كتاب واحد، وبعضهم ربما نَظَّر شيئا وطبق غيره، فالحاكم -مثلا- له كلام في غاية القوة والصرامة في كتابه «علوم الحديث»، لكنه في «المستدرك» على النقيض من ذلك، تسامح جدا، ولم يعبأ بمخالفة الثقة ونحوه لغيره، وضده الخطيب البغدادي، مال في كتابه «الكفاية» -كما تقدم آنفا- إلى منهج الأصوليين والفقهاء، لكنه في كتبه التطبيقية مثل «تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» سلك منهج كبار أئمة النقد.
ومثل هذا يقال في ابن حجر، فإنه قرر أشياء كثيرة في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح» على طريقة أئمة النقد، وكذا في بعض كتبه التطبيقية، مثل كتابه الذي لخص به كتاب الخطيب الآنف الذكر في الإدراج, وكتابه في الحديث المعلل: «الزهر المطلول في الخبر المعلول»، كما يشير إلى ذلك عزوه للكتابين، وفي كثير من تقريراته في كتبه الكبيرة كـ «فتح الباري»، و «التلخيص الحبير»، لكنه أيضا في كثير من تخاريجه وأحكامه على الأحاديث ينهج منهج النظر إلى الإسناد المفرد.
وهذا التذبذب بين المنهجين مرده إلى الطريقة التي دونت بها بعض قواعد المحدثين، وذلك بالتأثر بما كتبه الأصوليون والمتكلمون، إذ كان التأليف في أصول الفقه هو السابق، فالقارئ في بعض كتب المصطلح يرى أشياء متناقضة، فهو في (تعارض الوصل والإرسال)، و (تعارض الرفع والوقف)، و (زيادات الثقات)، يرى خليطا من الأقوال، وقد يُرجَّح له قول من يحكم للزائد في هذه الموضوعات، ثم في قضايا أخرى لا يمكن تقريرها وشرحها إلا على منهج واحد
стр. 424
وهو منهج كبار أئمة النقد، مثل (الشاذ)، و (المعلل)، و (المدرج)، و (المقلوب)، و (المزيد في متصل الأسانيد)، وغيرها، إذ هذه الأبواب قائمة على أحاديث الثقات، وإلا فقدت روحها ومضمونها، لأن أحاديث الضعفاء ضعفت بداية بسببهم.
والخلاصة أنه لأجل هذين الأمرين -عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد، وانتشار مذهب الفقهاء والأصوليين- توارد جمع من الأئمة المتأخرين على شرح وإيضاح منهج وطريقة الأئمة المتقدمين أئمة النقد، والتأكيد على شرح موقفهم من الاختلاف, خاصة ما يتعلق بزيادات الثقات، فقال ابن دقيق العيد: «من حكى عن أهل الحديث -أو أكثرهم- أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد، فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول» (١).
وقال ابن تيمية حين ذكر معارضة حديث للقرآن: «مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلانا غلط فيه، لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمى: معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيدا، ولكن عرف من طريق آخر أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل، أو دخل عليه حديث في حديث، وهذا فن شريف، وكان يحيى بن سعيد الأنصاري (كذا في النسخة، وصوابه: القطان)، ثم صاحبه علي بن المديني، ثم البخاري، من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم،
стр. 425
وكذلك النسائي، والدارقطني وغيرهم، وفيه مصنفات معروفة» (١).
وقال في كلام له عن شرط البخاري ومسلم: « … وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك، فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصحيح»، والدارقطني، وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها» (٢).
وقال أيضا: «وكما أنهم (يعني أهل الحديث) يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ - فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه … ، والناس في هذا الباب طرفان، طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف … ، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة - يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن
стр. 426
أهل الحديث يعرفون أن مثل هذا غلط» (١).
وقال ابن عبدالهادي في مناقشته لابن الجوزي وابن القطان في قولهما بتقديم من وصل الحديث أو رفعه دائما: «وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف (يعني ابن الجوزي) ومن تبعه في أن الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع - طريقة ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث» (٢).
وقال العلائي في كلامه على مسألة (تعارض الوصل والإرسال): «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن -كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم- يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح، بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث» (٣).
وقال أيضا في كلامه على عموم اختلاف الرواة في الإسناد: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم - فههنا مجال النظر، واختلاف أئمة الحديث والفقهاء، فالذي يسلكه كثير من المحدثين -بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء
стр. 427
من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده» (١).
وقال ابن حجر معقبا على الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) عن الخطيب البغدادي، وقوله إن الصحيح في الفقه والأصول هو ترجيح الوصل دائما: «ثم إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، على أن لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظرا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن» (٢).
وقال أيضا تعليقا على كلمة ابن طاهر: «لا خلاف نجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة»، قال: «أي لا نجد أحدا من أهل الفن إلا وقد قبل زيادة الثقات، ولو في مكان من الأماكن، فهم مجمعون بهذا الاعتبار بالفعل، ولكنهم مختلفون في التفاصيل، فتجد هذا يقبل في مكان لا يقبل فيه آخر، ويقبل في آخر غيره، ومن تأمل تصرفهم حق التأمل علم أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، ولكنهم دائرون في أفرادها مع القرائن، فتارة يرجحون الوصل،
стр. 428
وتارة الإرسال، وتارة رواية من زاد، وتارة رواية من نقص، ونحو ذلك، وهذا هو المعتمد، وهو فعل جهابذة النقاد وأعلامهم» (١).
ونلحظ في كلام هؤلاء الأئمة حرصهم على التأكيد على منهج أئمة النقد في زيادات الثقات, وذلك لتعويل بعض الأئمة المتأخرين على كلمات وردت عن النقاد ذكروا فيها أن زيادة الثقة مقبولة, وربما عبر بعضهم بزيادة الحافظ, مثل ما ورد عن البخاري, وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبزار، والدارقطني (٢)، ويلهج بهذا أيضا كثير من المشايخ والباحثين المعاصرين, في سعيهم لنفي الخلاف بين منهج أئمة النقد ومنهج المتأخرين.
وهذه الكلمات لا دلالة فيها على المراد, أما من الناحية العملية فالأمر ظاهر، فعمل هؤلاء الأئمة وغيرهم في تعليل أحاديث الثقات وزياداتهم في الإسناد والمتن أشهر من أن يمثل له, وسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة كثيرة لهذا، وفي هذا يقول ابن رجب مجيبا عما نقل عن البخاري من ترجيحه وصل حديث، وتعليله بأن ذلك زيادة ثقة: «وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات،
стр. 429
ويرجح الإرسال على الإسناد» (١).
وأما من الناحية النظرية فكذلك, جاءت عنهم كلمات أيضا تدل على أن الأمر ليس على إطلاقه, وأن المقصود بقبول زيادات الثقات أنها ليست كلها مردودة, فيقبل منها ما يقوم الدليل على ترجيح حفظه, ويرد منها ما ليس كذلك.
قال الشافعي: «إنما يُغَلَّط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه, أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ, وهم عدد, وهو منفرد» (٢).
وذكر الدارقطني حديثا وقع فيه اختلاف على أحد رواته, ثم قال: «وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب, وإسماعيل بن عياش, وقد زاد عليهما, وزيادة الثقة مقبولة» (٣).
وقال أيضا في كلامه على حديث آخر خالف فيه الثوري اثنين من الثقات: «لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه لأن زيادة الثقة مقبولة» (٤).
وإلى جانب هذه التنبيهات القيمة من هؤلاء الأعلام في شرح وتوضيح منهج أئمة النقد حين اختلاف الرواة - فقد كان لبعضهم جهد مشكور في جانب آخر، هو الأهم، أعني الجانب التطبيقي، فقد تتبع بعض الأئمة أحكام أئمة
стр. 430
آخرين ساروا على منهج الفقهاء والأصوليين، ونقدوا تلك الأحكام على ضوء منهج أئمة النقد.
فمن هؤلاء الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة الشاطبي الأندلسي، المعروف بابن مفوز، المتوفى سنة ٥٠٥ وقد جاوز الأربعين بثلاث سنين، قال فيه الذهبي: «كان حافظا للحديث وعلله، عالما بالرجال، متقنا … » (١).
ولابن مفوز رد على ابن حزم، وصفه ابن عبدالهادي بأنه رد حسن، وقال: «كتبته، وهو يدل على تبحره وإمامته» (٢).
وهو كما قال ابن عبدالهادي، فقد نقل عنه ابن القيم مناقشته لابن حزم في تصحيحه لحديث خطأ أئمة الحديث فيه أبا إسحاق السبيعي، فرد عليهم ابن حزم، وزاد على ذلك فصحح روايتين متعارضتين عن أبي إسحاق، وحملهما على تعدد الواقعة، فرد عليه ابن مفوز ردا محكما، أشار فيه إلى منهج أئمة الحديث، ومنهج الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق (٣).
ومن هؤلاء أيضا ابن عبدالهادي في كتابه: «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق»، تتبع فيه ابن الجوزي في كتابه «التحقيق في أحاديث التعليق»، في الأحاديث التي نصر فيها منهج الفقهاء والأصوليين (٤).
стр. 431
ونرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن رجب على أحاديث حسنها النووي في «الأربعين»، وناقشه ابن رجب بتعليلها على طريقة المتقدمين، ونقل كلامهم (١).
كما نرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن حجر على أحاديث يصححها بعض الأئمة، وهي معلولة عند أئمة النقد، فكثيرا ما يقول: «مشى فلان (كابن حبان مثلا) على ظاهر الإسناد، فصحح الحديث» (٢).
واليوم -والعالم الإسلامي يشهد نهضة وإقبالا شديدا على دراسة السنة النبوية- يجد الباحث نفسه في ذات الموقف الذي اضطر بسببه جمع من الأئمة المتأخرين إلى تحرير منهج كبار أئمة النقد، إذ النهضة المعاصرة فتحت عينيها على حفظ وتطبيق ما في كتب المصطلح، وحمل الراية في بداية النهضة من أوغل جدا في سلوك منهج الفقهاء والأصوليين، والرد كثيرا على أئمة النقد، وإن حصل منهم إجماع أو ما يشبه الإجماع في الحديث المعين، أعني الشيخ أحمد شاكر.
ثم كثر المنتسبون إلى هذا العلم، المشتغلون بالأحاديث تصحيحا وتضعيفا كثرة بالغة، بسبب افتتاح أقسام الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية، ومطالبة هذه الأقسام -حتى غير المتخصصة- الباحثين والباحثات بالحكم على الأحاديث، مع تأكيدهم عليهم أن يكون الحكم على الأسانيد مفردة، دون التعرض للعلل، لأن هذا من شؤون أئمة النقد كما يقولون.
стр. 432
ولا بد من الإشارة إلى فرق جوهري بين ما كان عليه الأئمة المتأخرون السائرون على منهج الفقهاء الأصوليين، وبين الباحثين في العصر الحاضر، وهو أن أكثر أولئك ساروا على منهج مع علمهم بوجود منهج آخر وهو منهج أئمة النقد، كما تقدم في كلام ابن حزم، وابن الجوزي، وابن القطان، وأما الباحثون المعاصرون فأكثرهم لا يدرك ذلك، ويأنف أن يقال له: إنك تسير على غير ما سار عليه أئمة النقد، مع أن الأمر ظاهر، إذ هو يكثر من تصحيح أحاديث قد ضعفوها، فمن أين أتى هذا؟ .
وقد حاورني شخص حين سمع بوجود منهجين وقال في كلامه: أريد من نص على هذا، بشرط تجنب ذكر اثنين، فذكر أستاذا فاضلا معاصرا، له جهود مشكورة موفقة في التنبيه على بعض الخلل في الدراسات الحديثية عند المتأخرين، وذكر الحافظ ابن رجب.
فقلت له: أما الأستاذ المعاصر فلك الحق في استثنائه، لأن خلافك معه ومع أمثاله، وأما ابن رجب فهو الفحل لا يقذع أنفه، فلو افترضنا أنه تفرد بالتنبيه على مثل ذلك ما ضره، فإن الحق معه، وسبيل التأكد من صحة ما يقوله ليس بالعسير لمن وفقه الله تعالى، فهذه كتبهم، وهذا صنيع المتأخرين.
ومع ذلك فسأتنزل معك وأدع ابن رجب (١) , ثم ذكرت له جماعة من الأئمة الذين نصوا على وجود المذهبين ممن تقدم نقل كلامهم آنفا، فما كان منه
стр. 433
إلا أن قال: أين نحن عن هذا؟ ولم إنكار وجود مذهبين متميزين في الدراسات الحديثية؟ فأجبته: لا أجد مبررا لهذا إلا أن أعزوه لثلاثة أسباب: الأول: صعوبة التحول عما نشأ عليه الشخص ، وتلقاه في فترة التعليم، واشتغل عليه فترة طويلة، ولهذا نرى بعض الباحثين قد سلم بوجود المنهجين، واقتنع بضرورة الالتزام بمنهج الأئمة النقاد، وربما شرحه وأوضحه، ولكنه عند التطبيق يدعه ويتكلم على الأحاديث بما نشأ عليه.
وقد قرأت كتابا لأحد الباحثين قدم له بمقدمة جيدة عن قرائن الترجيح عند الأئمة، وضرب لها الأمثلة، ثم في داخل الكتاب سرعان ما يدعها ويسلك مسلك الفقهاء والأصوليين، ومن سار على طريقتهم، بل ينقل أقوالهم وتقريراتهم على الأحاديث.
وتكلم باحث آخر في كتاب له نشره عن زيادة ثقة في متن الحديث، وضعفها، وكتب في ذلك صفحات مطولة، نقل فيها عن الأئمة المتأخرين تقريرهم لمنهج المتقدمين في قبول الزيادات أوردها.
ثم هو في أحاديث أخرى كأنه لم يقرأ حرفا مما سطره هنا، فحسن إسناد حديث فيه صدوق، قد خالف جماعة من الحفاظ، منهم سفيان الثوري، وشعبة، فزاد في الإسناد رجلا، ورواية الحفاظ بإسقاطه، فالإسناد منقطع، وأحاديث أخرى كثيرة ترك فيها ما أطال في تقريره والأخذ به في ذلك الموضع.
الثاني: خلل في التربية العلمية، فالاستعداد النفسي لتغيير الرأي متى ظهر
стр. 434
الحق في خلافه مفقود أو شبه مفقود، وكثير من الباحثين يظن أن من ينبه على وجود خلل في منهج ما إنما يقصد أصحابه بالتنقص والعيب.
الثالث: الطريقة التي سلكها بعض من تصدى للتنبيه على الخلل الموجود في مسيرة الدراسات النقدية للسنة، فقد سلك بعضهم -وهذا مما يؤسف له- مسلكا اتسم بالعنف والحدة، والغمز واللمز، بل والتعيير أحيانا، حتى مع بعض الأئمة، وعدم التماس الأعذار، ولا شك أن لهذا ردة فعل غير محمودة، فرأينا ردودا ومناقشات بعيدة عن الأدب العلمي، ورأينا التنابز بالألقاب، وأنا أبرأ إلى الله تعالى من الفريقين، وأحاول بقدر الاستطاعة أن أنتظم في سلك فئة قليلة في عددها كثيرة -بحول الله- بعدتها، تنبه ولا تعنف، تعذر ولا تعير، ترجح ما تراه الصواب، ترى العلم حقا مشتركا للجميع، لا يملكه أحد، هدفها خير الأمة وصلاحها، نسأل الله تعالى أن يسدد الخطا، وأن يوفق للصواب.
وسأعود إلى التأكيد على الفرق بين المنهجين في مناسبات لاحقة في بقية فصول هذا الباب (الاختلاف) يظهر فيها التطبيق العملي لهذا الفرق، مع غرض آخر قصدته وهو تنبيه الباحث حين يسير على نهج أئمة النقد على أن يكون شديد الحذر والانتباه، فقد تزل قدمه في إحدى مراحل النظر في الاختلاف، فيعود مرة أخرى إلى منهج المتأخرين، من حيث يعلم أو من حيث لا يعلم، فيقضي على جهده كله، وهذا أمر بالغ الأهمية، فالمشوار طويل، والطريق وعرة.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أشير إلى قضيتين مهمتين، الأولى: ليس من
стр. 435
غرضي هنا أن أستدل لسلامة منهج أئمة النقد، وضعف منهج من خالفهم، فقد ذكرت في مناسبة سابقة أن مهمة من يبحث في قواعد النقد هي تحرير منهج أئمته، فإذا عرفنا منهجهم أو قاعدتهم في قضية ما انتهت مهمة الباحث هنا، وصار الاستدلال لهذا المنهج أو لتلك القاعدة من نافلة القول.
الثانية: اختلاف منهج المتأخرين عن منهج أئمة النقد ليس خاصا بقضية وقوع اختلاف بين الرواة ، فقد تقدم مثله تماما في مسألة (التفرد)، في الباب الذي قبل هذا، ويأتي مثله أيضا في مسألة (الاعتضاد)، ومسألة (المعارضة).
وكل هذا يتعلق بمقارنة المرويات، وأما ما يتعلق بـ (الجرح والتعديل)، وقضايا (الاتصال والانقطاع)، فقد تقدم في الكتابين الأولين التنبيه في مناسبات عديدة إلى الخلل الواقع فيها في الدراسات النقدية المتأخرة.
والباب كله واحد، ينتظم عددا من المسائل، قد يشتهر بعضها ويخفى بعضها الآخر، غير أن المحصلة النهائية واحدة: ضعف متناه في نقد المرويات، ومجازفات لا حدود لها في التصحيح.
* * *
стр. 436
الفصل الثاني
قرائن الترجيح والموازنة
وفيه مدخل، وأربعة مباحث:
المبحث الأول: القرائن في الرواة المختلف عليهم.
المبحث الثاني: القرائن في الرواة المختلفين.
المبحث الثالث: القرائن في صفة الرواية.
المبحث الرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه.
стр. 437
مدخل:
استخدم الأئمة في عصر النقد للموازنة والنظر حين يقع اختلاف بين الرواة في إسناد الحديث أو متنه قرائن كثيرة جدا يصعب حصرها، ولا سيما من باحث واحد، فالسبيل إلى ذلك أن تتضافر الجهود، وأن يحرص كل باحث اشتغل بالنظر في أحكام النقاد وتطبيقاتهم على تقييد ما يمر به من هذه القرائن والحصيلة النهائية الإلمام بهذه القرائن، أو بأكثرها.
وفي هذا الفصل كتبت ما وقفت عليه من هذه القرائن، ملتزما في ذلك شرطا مهما أكرره دائما، وهو أن القرينة لا تعد قرينة حتى ينص الناقد على استخدامها، لا أن تكون مستنبطة من كلامه ، فمتى وقفنا على نص لناقد يصرح فيه باستخدامها، وأنها السبب فيما حكم به - صح لنا أن نعدها قرينة، وصح لنا أيضا أن نتلمَّسها في أحكامهم التي لم ينصوا فيها على علة الحكم، وأن نستخدمها نحن أيضا في دراستنا للاختلاف، وكل ذلك بحذر شديد ورويَّة.
وقد بدا لي أن هذه القرائن تنقسم في الجملة أربعة أقسام: الأول: في الرواة المختلف عليهم، والثاني: في الرواة المختلفين، والثالث: في صفة الرواية في الاختلاف، والرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه، وعلى هذا الأساس سيكون هذا الفصل في أربعة مباحث.
стр. 438
المبحث الأول
القرائن في الرواة المختلف عليهم
الراوي المختلف عليه في حديث معين يمثل حلقة وصل بين الرواة المختلفين عليه، ومن فوقه في الإسناد، والباحث حين دراسته لحديث وقع فيه اختلاف له نظر في حلقة الوصل هذه من جهتين، الأولى: المحفوظ عن هذا الراوي ما هو؟ هل هو وجه واحد من وجوه الاختلاف، أو أكثر من وجه؟ وبعبارة أخرى: ما الذي حَدَّث به هذا الراوي أصحابه المختلفين عليه؟ وجه واحد، أو أكثر من وجه؟ ، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به، ابتداء من الراوي المختلف عليه صعودا إلى من فوقه في الإسناد، إلى أن يصل الإسناد إلى صاحب النص.
ومثال ذلك: أن يختلف أصحاب أيوب السختياني عليه في حديث ما، فيرويه بعضهم عنه، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه بعضهم عنه، عن أنس بن مالك، فيكون البحث عن الذي حَدَّث به أيوب ما هو؟ هل هو عن نافع، عن ابن عمر، أو عن أنس بن مالك؟ أو حدث بالإسنادين جميعا؟ فهذه جهة، والجهة الثانية بعد الفراغ من معرفة المحفوظ عن أيوب. يكون النظر في أيوب ومن فوقه في الإسناد المحفوظ عنه، لإعطاء الإسناد الدرجة اللائقة به إن كان المحفوظ عنه واحدا، أو إعطائهما الدرجة اللائقة بهما إن كان الوجهان محفوظين عنه.
والنظر في الجهة الثانية ليس هذا موضع الحديث عنه، فسيأتي له فصل
стр. 439
خاص به -بعونه تعالى- وهو الفصل الخامس، والحديث الآن عن النظر في الجهة الأولى، في المحفوظ عن الراوي المختلف عليه.
وشرح ذلك أن نعرف أن بعض الاختلافات على الرواة سببها الرواة المختلف عليهم أنفسهم، فالواحد منهم يروي الحديث مرة على وجه، ومرة على وجه آخر، وربما رواه على وجه ثالث، أو أكثر.
والراوي يروي الحديث على أوجه في الرواية لأسباب عديدة، منها أنه لم يضبط هذا الحديث، أو لكونه يحدث حفظا ثم راجع كتابه فوجده على صفة أخرى، أو يكون قد حدث بالحديث في مكان على صفة، ثم حدث به في مكان آخر على صفة أخرى، ومثل هذا يقال في الزمان، قد يكون حدث به أولا على صفة، ثم في الآخر على صفة أخرى.
أو يكون الراوي يرى في الحديث إشكالا في جهة ما، فيقفه أو يرسله أحيانا متعمدا، أو يرى شيخه ضعيفا فيتخوف ألا يكون حفظه، فيتعمد التقصير به.
ومن الأسباب كذلك أن يكون الراوي قد سمعه من شيخه هكذا على التردد، فهو أيضا يرويه تارة على صفة، وتارة على صفة أخرى، وقد ينبه على ذلك.
ومنها أن يكون سمع الحديث عن شيخه بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة، أو العكس، فهو يحدث به على الوجهين، أو يكون سمعه عن الراوي بواسطة، فهو يذكرها تارة، ويحذفها أخرى.
ومنها كذلك أن يكون سمع الحديث من عدد من الشيوخ، فهو يرويه تارة
стр. 440
عن هذا، وتارة عن هذا، إلى غير ذلك من الأسباب.
ومن المهم جدا للوصول إلى رأي صواب أو أقرب من غيره إلى الصواب الاعتناء بالنظر في الراوي المختلف عليه، وكيفية روايته، وذلك حين البحث في المحفوظ عن ذلك الراوي، وما الذي حَدَّث به؟ ففي كثير من الأحيان يغني النظر فيه عن النظر في أصحابه المختلفين عليه، والموازنة بين رواياتهم المختلفة في الحديث موضع البحث، وإذا لم يغن النظر في الراوي المختلف عليه عن النظر في أصحابه، ورواياتهم, فقد يكون النظر فيه عاملا مساعدا في الموازنة بين رواياتهم.
وقد رأيت من الباحثين -بصفة عامة- إغفال هذا الجانب، والقصد مباشرة إلى الموازنة بين الرواة عن المختلف عليه، والجزم بأن فلانا أصاب، لكونه الأحفظ، أو لغير ذلك، لكن الباحث لم يدقق في شيخهم الذي اختلفوا عليه، ولا في روايته لهذا الحديث موضع البحث.
وأول ما ينبغي التدقيق فيه روايته للحديث موضع البحث، فقد يقف الباحث على نص عن الراوي المختلف عليه، وأنه قد حَدَّث بالوجهين جميعا، إن كان الاختلاف على وجهين -مثلا- فالتردد منه، وقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول، وهو الفصل المتعلق بالنقد في عصر الرواية، أن هناك نصوصا كثيرة جدا عن الرواة في مناقشتهم، والمحاورات بينهم، فهذا باب مهم جدا على الباحث أن يعتني به، فقد يوفر عليه الكثير من العناء, وسأذكر الآن نماذج أخرى لهذا.
فمن أمثلة ذلك أن يحيى بن سعيد القطان حدث بحديث عبيدالله بن عمر،
стр. 441
عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يجمع بين العشاء والمغرب إذا جدَّ بالسير، بعدما يغيب الشفق، ويزعم أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما»، ثم قال يحيى: «حدثت بهذا الحديث ست عشرة سنة بمكة، فكنت أقول: قبل أن يغيب الشفق، ثم نظرت في كتابي فإذا: بعدما يغيب الشفق» (١).
وروى الترمذي عن يحيى بن موسى، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شجرة مباركة»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبدالرزاق، عن معمر، وكان عبدالرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث، فربما ذكر فيه: عن عمر، عن النبي ﷺ ، وربما رواه على الشك، فقال: أحسبه عن عمر: عن النبي ﷺ ، وربما قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلا، حدثنا أبو داود سليمان بن معبد، حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر فيه: عن عمر» (٢).
وقال أبو حاتم عن هذا الحديث: «حدث مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي ﷺ ، هكذا رواه دهرا، ثم قال بَعْدُ: عن زيد بن أسلم، عن أبيه
-أحسبه- عن عمر، عن النبي ﷺ ، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن
стр. 442
أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بلا شك-» (١).
وقد رواه محمد بن سهل بن عسكر، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ ، ثم قال محمد بن سهل: «فقال له فتى من أهل مرو يقال له: أحمد بن سعيد: هذا الحديث كنت لا ترفعه، قال: ذلك على ما حدثنا، وهذا على ما نحدث» (٢).
وروى أحمد عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى، عن معمر, عن الزهري: «أن نبي الله خرج ليلة في رمضان، فصلى أناس بصلاته … » الحديث، ثم قال أحمد: «حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، ثم رجع عنه -يعني عبدالرزاق- فقال: اضربوا عليه، فجعلناه عن الزهري مرسلا» (٣).
ويلي ذلك أن يأتي نص عن أحد أصحاب الراوي المختلف عليه يفيد أن شيخه قد رواه على الوجهين، أو يأتي النص عمن دونه في الإسناد، وهذا كثير جدا.
ومن أمثلة ذلك ما رواه أحمد، عن أبي كامل مظفر بن مدرك، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: «أن رجلا مَرَّ على قوم فسلَّم عليهم … » الحديث، ثم رواه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الزهري مرسلا ليس فيه أبو الطفيل (٤).
стр. 443
قال عبدالله بن أحمد بعد أن رواهما عن أبيه: «بلغني أن إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه، فقال: عن أبي الطفيل، وحدث به ابنه يعقوب، عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل، فأحسبه وهم، والصواب رواية يعقوب، والله أعلم» (١).
وروى جماعة كثيرون من أصحاب ابن عيينة عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ورواه بعض أصحابه عنه بلفظ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا … » (٢).
وقد ذكر أحمد أنه سمعه من سفيان هكذا، وهكذا، فأفاد نص أحمد أن الاختلاف من سفيان نفسه، قال أحمد بعد أن رواه بلفظ الصيام: «سمعته أربع مرات من سفيان، وقال مَرَّة: «من صام رمضان»، وقال مرة: «من قام»، » (٣).
стр. 444
والخلاصة أن النصوص عن الرواة المختلف عليهم، أو عن أصحابهم، مهمة جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف الذي يقع عليهم، فقد يجد في النص ما يفيد أن الاختلاف إنما هو من الشيخ نفسه، وليس من أصحابه.
وهذا أحد الأسباب التي من أجلها يوصى الباحث بضرورة وقوفه هو على مصادر التخريج، والتمعن فيما يكون في أثناء الرواية أو بعدها من عبارات للرواة، قد تساعد الباحث في نظره في الاختلاف.
ويدل على ما تقدم أن مجرد رواية بعض الرواة عن الشيخ للوجهين هو بحد ذاته دليل على صحة الوجهين عنه، فإذا اختلف أصحاب الراوي عليه، فروى بعضهم الحديث على وجه، وبعضهم على وجه آخر -مثلا-، ثم وجدنا بعض أصحابه يروي عنه الوجهين جميعا سواء مقرونين أو مفرقين، أفاد هذا صحتهما عنه، هكذا يفعل الأئمة النقاد، فكأن من روى عنه الوجهين ينقل نصه أنه قد رواهما.
فمن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود قال: «قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زهرة؟ قال: قد جمعهما بعضهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيح -يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «أيما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة
стр. 445
الكتاب فهي خداج»، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة … »، ثم قال أبو داود: «رواه أبو أويس، وسليمان بن بلال -من رواية شيخ من أهل البصرة عنه-، وابن ثوبان، عن ابن عجلان، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة» (١).
وكذا قال أبو زرعة، مثل ما قال أحمد، مصححا للوجهين عن العلاء، محتجا بمثل ما احتج به أحمد (٢).
وقال عبدالله بن أحمد: «حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن طارق، قال: «سألت الشعبي عن امرأة خرجت عاصية لزوجها، قال: لو مكثت عشرين سنة لم تكن لها نفقة»، حدثني أبي، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن موسى الجهني، عن الشعبي نحوه.
قال أبي: قيل ليحيى: إن الناس يروونه عن موسى الجهني، فقال: لو كان عن موسى كان أحب إلي، أنا كيف أقع على طارق؟ ، وكان موسى أعجب إلى يحيى من طارق، طارق في حديثه بعض الضعف.
قلت لأبي: فإن أبا خيثمة حدثناه، سمعه من الأشجعي، عن سفيان، عن
стр. 446
طارق، وموسى الجهني، عن الشعبي، قال: أصاب يحيى، وأصاب وكيع» (١).
وروى جماعة، عن عبدالوارث بن سعيد، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، حديث رقية النبي ﷺ (٢)، ورواه جماعة آخرون، عن عبدالوارث بن سعيد، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قصة رقية جبريل للنبي ﷺ (٣).
قال الترمذي: «سألت أبا رزعة عن هذين الحديثين أيهما أصح، حديث أنس، أو حديث أبي سعيد؟ فقال: كلاهما صحيح، وقد رواهما عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، الحديثين جميعا، وسألت محمدا فقال مثله» (٤).
وروى جماعة عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «من أتى الجمعة فليغتسل» (٥)، ورواه الليث بن سعد، عن الزهري، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه (٦).
стр. 447
قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث أي الروايتين أصح؟ فقال: كلاهما صحيح، روى ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، وعبدالله بن عبدالله بن عمر، عن ابن عمر … » (١).
ومن دقائق هذه المسألة أن يكون الجامع بين الروايتين أحد المختلفين، فيشارك الجماعة في وجه، وينفرد عنهم بوجه آخر ، وصورته أن يروي جماعة عن شيخ لهم حديثا على صفة، ثم يرويه بعض هؤلاء الجماعة على صفة أخرى، فلا شك أن هذه الحالة في الدلالة على حفظ الوجهين دون التي قبلها، وربما استدل بها بعض الأئمة، قال ابن رجب وقد ذكر بعض الأمثلة عليها: «وهذا مما يستدل به الأئمة كثيرا على صحة رواية من انفرد بالإسناد، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة» (٢).
وما سبق كله في دلائل حفظ وجهين أو أكثر عن المختلف عليه في النظر في
стр. 448
صفة الرواية عنه، وهناك دلائل تظهر من النظر في حال المختلف عليه بصفة عامة، ذلك أن من الرواة مَنْ يؤدي النظر في حاله إلى انبعاث احتمال كبير أن يكون الاختلاف منه, وليس من الرواة عنه.
وهؤلاء على ضربين، أحدهما: من يكون هذا شأنه في جميع أحواله, وهذا الضرب على ثلاثة أصناف ، الصنف الأول: الثقات الأثبات واسعو الرواية ، فسعة الرواية مع الثقة والتثبت دليل قوي على احتمال أن يكون الاختلاف منه، وأنه حقيقة يروي وجهين أو أكثر.
قال ابن رجب بعد أن ذكر تفرد الحافظ الثقة بإسناد عن شيخه مخالفا لجماعة أصحابه: «ويقوي قبول قوله إن كان المروي عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش» (١).
وقال أيضا: «اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهما فإنه ينسب به إلى الكذب, وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط, وإنما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه, كالزهري, وشعبة, ونحوهما» (٢).
ومن نصوص النقاد في تقرير هذه القاعدة في حق بعض الرواة ما ذكره ابن حجر في ترجمة (عكرمة مولى ابن عباس) في معرض الدفاع عنه: «روى ابن هبيرة قال: قدم علينا عكرمة مصر، فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من
стр. 449
الصحابة، ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري -وكان قد سمع من ابن عباس- فذكرنا ذلك له، فقال: أنا أخبره لكم، فأتاه فسأله عن أشياء كان سمعها من ابن عباس، فأخبره بها على مثل ما سمع، قال: ثم أتيناه فسألناه، فقال: الرجل صدوق، ولكنه سمع من العلم فأكثر، فكلما سنح له طريق سلكه.
وقال أبو الأسود: كان عكرمة قليل العقل، وكان قد سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سئل حدث به عن رجل، ثم يسأل عنه بعد حين فيحدث به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه، وهو صادق» (١).
وقال أحمد وقد سأله أبو داود عن اختلاف أحاديث الزهري: «منها ما روى عن رجلين، ومنها ما جاء عن أصحابه -يعني الوهم-» (٢).
ومراد أحمد أن بعض ما اختلف فيه على الزهري هو بسبب سعة روايته، وأنه حقيقة يروي هذه الأحاديث التي اختلف عليه فيها من أكثر من وجه، وبعض ما اختلف عليه فيه يكون بعض أصحابه وهم عليه فيه، وهذا الأخير لا إشكال فيه، والشاهد هنا هو الجزء الأول وهو أن بعض ما اختلف عليه فيه بسبب سعة روايته.
ونحو هذا قول الباجي وهو يتحدث عن صحة ما رواه أصحاب الطبقة
стр. 450
الأولى عن الزهري: «ما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا وجب النظر في اختلافهم ليؤخذ بقول أكثرهم وأحفظهم، ما لم يبن أن الخلاف فيه من الزهري» (١).
ولا يقال: ليس هذا خاصا بهؤلاء، فما من ثقة اختلف عليه إلا وبعض الاختلاف ليس سببه وهم الرواة عنه، إذ يجاب عن هذا بأن وجه الاستشهاد بكلام أحمد وغيره هو هذا التقسيم، فاقتضت حال الزهري وأمثاله أن يكون بعض الاختلاف عليه بسبب سعة روايته، وبعضه الآخر بسب الوهم عليه، وأما سائر الثقات ممن لا تكون حاله حال الزهري فقد يوجد عنه أن يروي الحديث على وجهين، لكن ليس من الكثرة بحيث يكون قسيما للاحتمال الآخر.
يدل على ذلك كلامهم في الثقة الثبت إذا لم يكن مكثرا، فمن ذلك قول عبدالرحمن بن مهدي: «لا ترى حافظا يختلف على أبي حصين» (٢).
وقال أيضا: «أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم»، فذكر الأربعة وهم: سلمة بن كهيل، وعثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي، وعمرو بن مرة، ومنصور بن المعتمر (٣)، وكل هؤلاء ليسوا من المكثرين من الرواية، بالنسبة لمن وصف بسعة الرواية (٤).
стр. 451
ومن أمثلة ذلك من صنيع النقاد ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فطلعت الشمس فليصل إليها أخرى، فقلت له: ما حال هذا الحديث؟ .
قال أبي: قد روى هذا الحديث معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ورواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ مثله.
قال أبي: أحسب الثلاثة كلها صحاحا، وقتادة كان واسع الحديث، وأحفظهم سعيد بن أبي عروبة قبل أن يختلط، ثم هشام، ثم همام» (١).
وقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث اختلف على أبي إسحاق الهمداني، روى زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله بن مسعود، وروى الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدالله، أنه قال: «من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض … » وذكر الحديث، فسمعت أبي يقول: كلاهما صحيحان، كان أبو إسحاق واسع الحديث» (٢).
стр. 452
والصنف الثاني: جماعة من الرواة يقع منهم الاختلاف في الرواية الواحدة عمدا، فقد اشتهر عن بعض الرواة تخوفهم، فكانوا يروون الحديث مثلا مرة مرفوعا، ويقفونه مرة أخرى عمدا، على سبيل الورع والتوقي، ومن هؤلاء: محمد بن سيرين، وعبدالله بن عون، ومسعر بن كدام، وغيرهم.
وقد عول الدارقطني كثيرا على تحميل هؤلاء وأمثالهم عهدة الاختلاف، لهذا السبب، ومن ذلك قوله في حديث ذكر الاختلاف فيه على ابن سيرين: «وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من توقيه وتورعه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (١).
وممن يقع منهم التعمد في الرواية الواحدة: المدلسون، فإذا جاءت رواية لمدلس عن شيخ له حديثا، ثم جاءت رواية أخرى بزيادة راو بينه وبين شيخه، أو قال في بعض الروايات: نبئت عنه، ونحو ذلك، فحال المدلس أوجبت أن يحمل هو عهدة الاختلاف، والرواية الناقصة رواها في حال قيامه بالتدليس، ولهذا أمثلة كثيرة جدا، تقدم شيء منها في التدليس (٢).
والصنف الثالث: من كان يضطرب في حديثه ويتردد، وهؤلاء منهم ثقات، والتردد يقع منهم في بعض حديثهم، ومن هؤلاء الإمام الحافظ الثقة
стр. 453
سفيان بن عيينة، كان -فيما يظهر- يعتمد على حفظه كثيرا، سماعا وأداء (١)، فيقع منه التردد في الإسناد والمتن (٢)، ورأيت النقاد يحيلون سبب الاختلاف الوارد عنه في بعض حديثه إليه، وإن لم يرد نص عنه (٣).
ومن الثقات أيضا: داود بن أبي هند، وثقة الأئمة، وقد سئل عنه أحمد فقال: «ثقة، ثقة» (٤)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «ومثل داود يسأله عنه؟ » (٥).
وقد سئل عنه أحمد مرة أخرى، وعن إسماعيل بن أبي خالد، أيهما أعجب إليه، فقال: «إسماعيل أحفظ عندي منه، قَلَّ ما اختلف عن إسماعيل، وداود يختلف عنه» (٦).
стр. 454
وقال فيه أيضا مرة: «كان كثير الاضطراب والخلاف» (١).
ونحو هذا الكلام في وصف داود بالاضطراب قاله أحمد أيضا في عبدالملك بن عمير الكوفي، المعروف بالقبطي، أحد الثقات (٢).
وكذلك قاله جمع من النقاد في الأعمش، في سياق مقارنته بمنصور بن المعتمر (٣).
وأكثر هذا الصنف من درجة الصدوق فمن دونه, وقد تقدم في الفصل الأول من «الجرح والتعديل» أن من وسائل الحكم على الراوي النظر في ثباته أو اضطرابه فيما يرويه (٤)، فالراوي قد يكون سبب نزوله عن درجة الثقة اضطرابه فيما يرويه، فالحكم عليه هو إذن فرع عن الحكم على رواياته التي اختلف عليه فيها، وأن هذا اضطراب منه، هكذا الحال بالنسبة للناقد، ونحن نستفيد من معرفة حاله التي توصل إليها الناقد لتطبيق ذلك على أحاديثه.
فحال الصدوق ومن دونه -إذا كان سبب نزوله عن درجة الثقة هو
стр. 455
الاضطراب والتردد- من أهم ما يوضح قوة العلاقة بين علم (الجرح والتعديل)، وعلم (اختلاف الرواة) ، وهو ما يعرف بعلم (العلل)، وأن الأول فرع عن الثاني، وقد سبق الحديث عن هذه القضية في مواضع، ووعدت بالتنبيه عليها في مناسباتها.
ومن أمثلة تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف، اعتمادا على مجمل حاله من صنيع النقاد، ما رواه ابن الجنيد قال: «قلت ليحيى: حديث سفيان، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن عبدالله بن مغفل، عن النبي ﷺ : «الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق»، هكذا حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، وحدثنا أبو موسى الهروي يقول: عن عمران بن حصين، فقال لي يحيى: إسحاق أثبت، قلت: فإن حماد بن سلمة يقول: عن علي بن زيد، عن الحسن، عن النبي ﷺ , فأيما الصحيح؟ قال: ما أدري، قلت: أما سبق إلى قلبك أن الحديث حديث حماد؟ قال: ما أدري، إن علي بن زيد لم يكن بالحافظ … » (١).
وروى جرير بن عبدالحميد، وأبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا: «ليس على مسلم جزية، ولا يصلح قبلتان بأرض واحدة» (٢).
стр. 456
ورواه الثوري، وزهير بن معاوية، عن قابوس، عن أبيه مرسلا (١).
سئل أبو حاتم عن هاتين الروايتين، فقال: «هذا من قابوس، لم يكن قابوس بالقوي، فيحتمل أن يكون مرة قال هكذا، ومرة قال هكذا» (٢).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله: «أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوئين … » الحديث.
وروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله، عن النبي ﷺ .
وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو عائشة، عن النبي ﷺ .
ورواه عبيدالله بن عمرو، وسعيد بن سلمة، فقالا: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، عن النبي ﷺ .
قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء.
قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه، قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.
стр. 457
وقال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات» (١).
وقال أبو حاتم حين سئل عنه مرة أخرى: «هذا من تخليط ابن عقيل» (٢).
وكذا قال الدارقطني: «والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل» (٣).
وسئل الدارقطني عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من غَسَّل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»، فقال: «يرويه القعقاع بن أبي حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، ورواه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه … »، وساق الاختلاف على سهيل ثم قال: «ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه» (٤).
стр. 458
وسئل عن حديث مجاهد عن عائشة، عن النبي ﷺ : «نهى عن النبيذ في الدباء، والحنتم، والمزفت … » الحديث، فقال: «يرويه يزيد بن أبي زياد، واختلف عنه … ، ويشبه أن يكون الاختلاف من يزيد، لسوء حفظه» (١).
والضرب الثاني: من يختص هذا الأمر -قوة تحميله عهدة الاختلاف- ببعض حاله، مثل أن يكون ثقة ثبتا في أحد شيوخه، طويل الملازمة له، واسع الرواية عنه، فإذا جاء عنه اختلاف ترجح جدا أن يكون منه، فلا يستبعد أن يروي عنه أكثر من وجه للحديث الواحد، ومثاله أبو معاوية مع الأعمش، أو حماد بن سلمة مع ثابت البناني.
فإذا روى بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد له حديثا, ورواه بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد آخر له، أمكن جدا أن يكون الإسنادان محفوظين عن أبي معاوية، لكثرة روايته عن الأعمش، وملازمته له، وقوته فيه.
وعكس ذلك أن يكون مضعفا في بعض شيوخه، موصوفا بالاضطراب عنه، أو مضعفا في روايته عن أهل بلد، موصوفا بالاضطراب عنهم، فيقوى الاحتمال إذا جاء عنه اختلاف أن يكون هو سببه.
стр. 459
ويلتحق بذلك ما إذا كان موصوفا بالخطأ في بعض حالاته، مثل أن يكون يخطئ إذا حدث من حفظه أو في حال تغيره، أو في تحديثه في بلد معين، فإذا أمكن معرفة أنه حدث بعض الأوجه في تلك الحالة يترجح حينئذ تحميله عهدة الاختلاف، وأنه حدث بعض الأوجه في حال استقامته، وبعضها في حال كونه موصوفا بالخطأ والاضطراب، فالاختلاف منه إذن، وغير خاف أن حكم الأئمة على راو بالقوة أو الضعف في جهة ما، كالبلد أو الشيخ، ونحو ذلك، إنما بنوه على أدلة، وقد يكون من هذه الأدلة ثباته أو تردده فيما يرويه مما يتعلق بتلك الجهة.
مثال ذلك أن جعفر بن برقان مضعف في شيخه الزهري، فسأل البرقاني الدارقطني عن سبب ذلك مع أنه قد لقيه، فقال: «ربما حدث الثقة عن ابن برقان، عن الزهري، ويحدثه الآخر عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري» (١).
ومن الأمثلة على تحميل الراوي عهدة الاختلاف بسبب اختلاف روايته في بلد عنها في بلد آخر، أن جماعة رووا عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الجار لا يأمن جاره بوائقه … » الحديث (٢).
стр. 460
ورواه جماعة آخرون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (١).
وقد سبر النقاد أحاديث ابن أبي ذئب، فوجدوه حَدَّث ببغداد أحاديث بخلاف ما حَدَّث بها بالمدينة، فحمّلوه فيها عهدة الاختلاف، منها هذا الحديث.
قال مهنا: «فسألت أحمد عن حديث ابن أبي ذئب هو خطأ، أو هو عنهما؟ قال: لا أدري، ولكن من روى عنه بالمدينة يقول: عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ومن سمع ببغداد قال: عن أبي شريح» (٢)، وكذا نقل أبو معين الرازي، عن أحمد (٣).
وروى عبدالرزاق وغيره عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قصة كيّه ﷺ لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات (٤)، ورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (٥).