← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ورواه الثوري، وزهير بن معاوية، عن قابوس، عن أبيه مرسلا (١). سئل أبو حاتم عن هاتين الروايتين، فقال: «هذا من قابوس، لم يكن قابوس بالقوي، فيحتمل أن يكون مرة قال هكذا، ومرة قال هكذا» (٢). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله: «أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين موجوئين … » الحديث. وروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله، عن النبي ﷺ . وروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو عائشة، عن النبي ﷺ . ورواه عبيدالله بن عمرو، وسعيد بن سلمة، فقالا: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، عن النبي ﷺ . قلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء. قلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه، قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.

стр. 457

وقال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات» (١). وقال أبو حاتم حين سئل عنه مرة أخرى: «هذا من تخليط ابن عقيل» (٢). وكذا قال الدارقطني: «والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل» (٣). وسئل الدارقطني عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من غَسَّل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»، فقال: «يرويه القعقاع بن أبي حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، ورواه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه … »، وساق الاختلاف على سهيل ثم قال: «ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه» (٤).

стр. 458

وسئل عن حديث مجاهد عن عائشة، عن النبي ﷺ : «نهى عن النبيذ في الدباء، والحنتم، والمزفت … » الحديث، فقال: «يرويه يزيد بن أبي زياد، واختلف عنه … ، ويشبه أن يكون الاختلاف من يزيد، لسوء حفظه» (١). والضرب الثاني: من يختص هذا الأمر -قوة تحميله عهدة الاختلاف- ببعض حاله، مثل أن يكون ثقة ثبتا في أحد شيوخه، طويل الملازمة له، واسع الرواية عنه، فإذا جاء عنه اختلاف ترجح جدا أن يكون منه، فلا يستبعد أن يروي عنه أكثر من وجه للحديث الواحد، ومثاله أبو معاوية مع الأعمش، أو حماد بن سلمة مع ثابت البناني. فإذا روى بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد له حديثا, ورواه بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد آخر له، أمكن جدا أن يكون الإسنادان محفوظين عن أبي معاوية، لكثرة روايته عن الأعمش، وملازمته له، وقوته فيه. وعكس ذلك أن يكون مضعفا في بعض شيوخه، موصوفا بالاضطراب عنه، أو مضعفا في روايته عن أهل بلد، موصوفا بالاضطراب عنهم، فيقوى الاحتمال إذا جاء عنه اختلاف أن يكون هو سببه.

стр. 459

ويلتحق بذلك ما إذا كان موصوفا بالخطأ في بعض حالاته، مثل أن يكون يخطئ إذا حدث من حفظه أو في حال تغيره، أو في تحديثه في بلد معين، فإذا أمكن معرفة أنه حدث بعض الأوجه في تلك الحالة يترجح حينئذ تحميله عهدة الاختلاف، وأنه حدث بعض الأوجه في حال استقامته، وبعضها في حال كونه موصوفا بالخطأ والاضطراب، فالاختلاف منه إذن، وغير خاف أن حكم الأئمة على راو بالقوة أو الضعف في جهة ما، كالبلد أو الشيخ، ونحو ذلك، إنما بنوه على أدلة، وقد يكون من هذه الأدلة ثباته أو تردده فيما يرويه مما يتعلق بتلك الجهة. مثال ذلك أن جعفر بن برقان مضعف في شيخه الزهري، فسأل البرقاني الدارقطني عن سبب ذلك مع أنه قد لقيه، فقال: «ربما حدث الثقة عن ابن برقان، عن الزهري، ويحدثه الآخر عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري» (١). ومن الأمثلة على تحميل الراوي عهدة الاختلاف بسبب اختلاف روايته في بلد عنها في بلد آخر، أن جماعة رووا عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الجار لا يأمن جاره بوائقه … » الحديث (٢).

стр. 460

ورواه جماعة آخرون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (١). وقد سبر النقاد أحاديث ابن أبي ذئب، فوجدوه حَدَّث ببغداد أحاديث بخلاف ما حَدَّث بها بالمدينة، فحمّلوه فيها عهدة الاختلاف، منها هذا الحديث. قال مهنا: «فسألت أحمد عن حديث ابن أبي ذئب هو خطأ، أو هو عنهما؟ قال: لا أدري، ولكن من روى عنه بالمدينة يقول: عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ومن سمع ببغداد قال: عن أبي شريح» (٢)، وكذا نقل أبو معين الرازي، عن أحمد (٣). وروى عبدالرزاق وغيره عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قصة كيّه ﷺ لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات (٤)، ورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (٥).

стр. 461

ويزيد بن زريع بصري، وكان معمر حَدَّث بأحاديث في البصرة أخطأ في بعضها، وهذا منها. قال أحمد لما سئل عنه: «باطل هذا, إنما هو حديث الزهري, عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف» (١). وقال أبو حاتم عن حديث أنس: «هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، إنما هو الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: «أن النبي ﷺ كوى أسعد … »، مرسل» (٢). ومثله حديث: «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة … » الحديث، رواه معمر، عن الزهري مرسلا، ورواه أيضا -من رواية جماعة كثيرين عنه- عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وقد تواردت كلمات النقاد كأحمد، والبخاري، ومسلم، والبزار، وغيرهم، على أن معمرا رواه متصلا خارج اليمن (٣).

стр. 462

وجاء عن عبدالرزاق أن معمرا لما رجع إلى اليمن أخبرهم بخطئه في هذين الحديثين حين حدثهم بهما في البصرة (١). وروى أبو داود عن الحسن بن محمد، وسلمة بن شبيب، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ استعار منه أدراعا يوم حنين … » الحديث، ثم قال أبو داود: «وهذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا» (٢). وقد قال أحمد: «يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع منه بغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب» (٣). ومن الأمثلة على تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف والسبب أنه يحدث

стр. 463

من حفظه بما يخالف حديثه من كتابه، ما رواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يمشي أمام الجنازة»، قال: «وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵃» (١). ورواه محمد بن بكر البرساني، وأبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر ﵄ كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها» (٢). سئل أحمد عن حديث أنس هذا من رواية محمد بن بكر البرساني، فقال: «هذا -يعني الوهم- من يونس، لعله حدثه حفظا» (٣). ومن ذلك -وسببه ما عرف عن الراوي أنه يخطئ في أسماء الرواة- قول أبي داود: «قلت لأحمد: الوليد الذي روى عنه شعبة، عن سلمة -أعني ابن كهيل-؟ قال: اختلفوا على شعبة، قال بعضهم: الوليد، وقال بعضهم: بكار، وقال بعضهم: ولاّد، شاب من أهل الكوفة، قال أحمد: كان -أرى- شعبة يضطرب فيه، يعني في اسم الوليد هذا» (٤).

стр. 464

ومن ذلك -وسببه اختلاط الراوي أو تغيره- ما رواه سفيان بن عيينة، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: «رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه»، ثم قال سفيان: «وقدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه: «ثم لا يعود»، فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه -أو ساء حفظه-» (١). وروى أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن للشيطان لَمَّة، وللملك لَمَّة … » الحديث. ورواه حماد بن سلمة، وعمرو بن قيس، وجرير بن عبدالحميد، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبدالله موقوفا. ورواه إسماعيل بن علية، عن عطاء، عن أبي الأحوص، أو عن مرة، عن عبدالله موقوفا (٢).

стр. 465

فهذا الاختلاف في الرفع والوقف، وفي شيخ عطاء، هو من عطاء بن السائب، فكان قد اختلط، وغالب هؤلاء سمع منه بعد الاختلاط، ومنهم -وهو حماد بن سلمة- من سمع منه مرتين، فالظاهر أن عطاء كان يضطرب فيه بعد اختلاطه، وقد سئل أبو حاتم عن رواية أبي الأحوص المرفوعة، ورواية حماد بن سلمة الموقوفة فقال: «هذا من عطاء بن السائب، كان يرفع الحديث مرة، ويوقفه أخرى، والناس يحدثون من وجوه عن عبدالله موقوفا … » (١). وروى جماعة من كبار أصحاب عبدالرزاق، منهم أحمد، وإسحاق، وغيرهما، رووا عنه عن معمر، عن الزهري. عن سالم، عن ابن عمر قال: «رأى النبي ﷺ على عمر ثوبا أبيض … » الحديث (٢). ورواه حفص بن عمر المهرقاني، وأبو مسعود الرازي، وزهير بن محمد المروزي، عن عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيدالله، عن سالم، عن ابن عمر.

стр. 466

قال الطبراني بعد أن أخرجه من طريق هؤلاء الثلاثة عن عبدالرزاق، محملا عبدالرزاق عهدة الاختلاف: «وهم فيه عبدالرزاق، وحدث به بعد أن عمي، والصحيح: عن معمر، عن الزهري، ولم يحدث به عن عبدالرزاق هكذا إلا هؤلاء الثلاثة» (١). وروى يزيد بن محمد -جد العقيلي- عن محمد بن الفضل السدوسي المعروف بعارم، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن النبي ﷺ قال: «ليس لي من الأمر شيء، فاتقوا النار ولو بشق تمرة». ورواه محمد بن إسماعيل الترمذي، وعلي بن عبدالعزيز البغوي، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس بن مالك. ومحمد بن إسماعيل، وعلي بن عبدالعزيز، سمعا من محمد بن الفضل بعد اختلاطه، وأما يزيد بن محمد فسمع منه قبل الاختلاط، وكان محمد بن الفضل يرويه على الصواب قبل اختلاطه (٢).

стр. 467

وعرف عن جماعة من الرواة التصرف في متن الحديث، إما بالاختصار، أو بروايته بمعناه، وذلك لكونهم يحدثون من حفظهم، أو لحاجتهم إلى هذا الصنيع عند التصنيف على الأبواب، وربما وقع خلل في الاختصار والتحديث بالمعنى، فالأفهام تختلف، وإحكام اللغة يتفاوت فيه الرواة، فإذا اختلف على راو في متن الحديث -وقد نص النقاد على أنه يقع منه ما تقدم- أمكن أن يحمل عهدة الاختلاف، وأن يكون هذا بسببه. قال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: كان سليمان بن حرب يحدث بحديث، ثم يحدث به كأنه ليس ذاك الحديث» (١). رواه الخطيب البغدادي بإسناده، ثم قال: «كان سليمان بن حرب يروي الحديث على المعنى، فتتغير ألفاظه» (٢). وممن نسب إليه التصرف في المتن أيضا: حماد بن سلمة، وهشيم، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق، وأبو بكر بن أبي شيبة (٣). وكذلك عرف جماعة من الرواة بتعمد التصرف في المتن أو الإسناد إذا رأوا فيهما مشكلا, كما سيأتي التنبيه على هذا في المبحث التالي, فإذا جاء الاختلاف

стр. 468

عن مثل هؤلاء أمكن أن يقال أيضا إن العهدة عليهم. وأختم هذا المبحث بالتأكيد على ما بدأته به، من ضرورة النظر في الراوي الذي عليه الاختلاف، والتأمل فيما يأتي عنه وعن أصحابه لمعرفة الصحيح عنه من هذا الاختلاف، وهل حَدَّث بالأوجه المروية عنه، أو ببعضها؟ وسأضرب أمثلة للخلل الذي يقع في دراسة الاختلاف، إذا أغفل الناظر ما تقدم. روى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمَّت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء». هكذا قال سماك في رواية جماعة من أصحابه، منهم سفيان الثوري في المشهور عنه، وأبو الأحوص، ويزيد بن عطاء، وأسباط بن محمد، وشعبة بن الحجاج -من رواية محمد بن بكر عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية يحيى بن إسحاق عنه-, وإسرائيل بن يونس -من رواية عبدالرزاق عنه-. ورواه جماعة آخرون عن سماك، عن عكرمة مرسلا، ليس فيه ابن عباس، منهم شعبة -من رواية أكثر أصحابه عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية أبي داود الطيالسي، وحجاج بن منهال, عنه-. ورواه شريك بن عبدالله، وإسرائيل بن يونس -من رواية فردوس عنه-، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة.

стр. 469

وقد روي عن سماك على غير هذه الأوجه الثلاثة أيضا، لكن هذه الثلاثة هي الأشهر عنه (١). ذكر ابن عبدالبر بعض الاختلاف على سماك، ثم قال مرحجا الموصول بذكر ابن عباس: «قد وصله جماعة عن سماك، منهم الثوري، وحسبك بالثوري حفظا وإتقانا … ، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه قول الثوري ومن تابعه على إسناده» (٢). ولا إشكال فيما قاله ابن عبدالبر لو كان النظر مقتصرا على الرواة عن سماك، فلا شك أن أحفظهم الثوري، وقد تابعه جماعة على وصله، لكن النظر أيضا في

стр. 470

سماك نفسه، وفي روايته عن عكرمة، وقد نص الأئمة على أن سماك بن حرب يضطرب في روايته عن عكرمة، بل نقل شعبة، وشريك أن الرواة كانوا يلقنون سماكا فيما يرويه عن عكرمة، يلقنونه: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس (١). ولهذا قال أحمد في نقده للحديث، معتبرا حال سماك بن حرب: «أتقيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره، -وقال-: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه» (٢). ولا إشكال في ضرورة متابعة الباحث لأئمة النقد إذا نصوا على سبب الاختلاف، وأنه من الراوي المختلف عليه في الحديث المعين، وكذلك إذا نصوا على حال الراوي العامة أو الخاصة، ثم وقف الباحث على حديث يوافق هذه الحالة، فله أن يجري حال الراوي على حديثه هذا، وإن لم يكن هناك نص صريح. مثال ذلك ما ذكره ابن معين قال: «الحديث الذي يرويه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: «كان يصلي قبل المغرب ركعتين»، حدثنا به عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس» (٣).

стр. 471

فهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى عبدالرزاق، بالنظر إلى حاله، وأنه تغير حفظه في الآخر، وصار يتلقن، وفي كلام ابن معين إشارة لهذا. والإشكال فيما إذا ترجح للباحث بناء على قرائن اعتمد عليها أن الاختلاف من الراوي، وأنه حدث بهذا مرة، وهذا مرة، هل له أن يذهب إلى ذلك دون أن ينص النقاد على اختلاف حال الراوي اختلافا يصلح أن يلحق به هذا الحديث؟ الظاهر أنه له ذلك، متى أفرغ جهده في البحث في هذا الحديث، وأطال النظر فيه، وقد وقفت على ما يؤيد هذا من صنيع النقاد، فيلتمسون سببا للاختلاف، وينسبونه إلى الراوي، وأنه اختلفت روايته لهذا الحديث، ولا نقف على كلام لهم يصلح أن يكون قاعدة في هذا الراوي يندرج تحتها حديثه المعين هذا. ومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب هشيم رووا عنه، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: «الحياء من الإيمان … » الحديث، ورواه آخرون عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وقد قيل عنه بجمعهما (١).

стр. 472

روى أبو داود عن أحمد قوله: «هذا جاء من هشيم -يعني اضطرب فيه- فحدث به مرة عن الحسن، عن أبي بكرة، ومرة عن الحسن، عن عمران … » (١). وروى الخلال هذا عن أبي داود، ثم قال: «وأخبرني المروذي عنه (يعني عن أحمد) قال: أما أهل واسط فيقولون: عن عمران بن حصين، وأما غيرهم فيقول: عن أبي بكرة، فقلت: أيهما الصحيح؟ قال: لا أدري» (٢). وقال أبو نعيم: «هكذا حَدَّث به هشيم ببغداد عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، وبواسط عن عمران بن حصين» (٣). وليس في ترجمة هشيم ذكر للفرق بين روايته بواسط، وروايته ببغداد. وروى الدارقطني عن جماعة من شيوخه، عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام، عن عمرو بن صالح الزهري قاضي رامهرمز، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي حديث (التسبيح)، ثم قال: «وحدث بهذا الحديث أبو الأشعث مرة ببغداد عن محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن عبدالملك بن أبي سليمان، ثم رجع عنه، فحدث به عن عمرو بن صالح، عن عبدالملك»، ثم أسنده إليه (٤).

стр. 473

فالذي يظهر أن الباحث متى ظهر له بعد تمعنه في الروايات عن المختلف عليه أن الاختلاف منه، وأن مرده إلى اختلاف حال الراوي في هذا الحديث المعين -كاختلاف الزمان، أو المكان- فله أن يرجح ذلك، والله أعلم. * * *

стр. 474

المبحث الثاني القرائن في الرواة المختلفين الرواة المختلفون ركيزة أساس في النظر في الصواب عن المختلف عليه، فإذا اختلف أصحاب قتادة، أو الزهري، أو الأعمش، أو شعبة، أو الثوري عليه على وجهين أو أكثر، فالناظر في هذا الاختلاف له نظر في أصحاب المختلف عليه، الرواة لهذه الأوجه. والنظر فيهم قد يقود إلى أنه لا يصح شيء من هذه الأوجه عن المختلف عليه. فمن ذلك قول ابن الجنيد: «قلت ليحيى بن معين: مبارك، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قال: «الذبيح إسحاق»، ح، وحماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، عن النبي ﷺ قال: «الذبيح إسحاق»، قلت ليحيى: أيهما أصح عندك؟ قال: لا تبالي أيهما كان، كأنه ضعفهما جميعا، قلت ليحيى: مبارك مثل علي بن زيد؟ قال: ما أقربه» (١). وروى عبدالحميد بن جعفر، عن حسين بن عطاء بن يسار، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي ﷺ : «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين … » الحديث (٢).

стр. 475

ورواه موسى بن يعقوب الزمعي، عن الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (١). سئل عنهما أبو حاتم، فقال: «جميعا مضطربين، ليس لهما في الرواية معنى» (٢). وسئل الدارقطني عن حديث عطاء الخراساني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : «أنه نهى أن يتطوع الرجل في مكانه الذي صلى فيه»، فذكر الاختلاف فيه على عطاء، ثم قال: «وجميع من يرويه عن عطاء ضعيف، لا يمكن الحكم بقوله» (٣). وسئل أيضا عن حديث سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﷺ : «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حَلَّ بها البلاء … » الحديث، فقال: «يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه، فرواه عبدالرحمن بن سعد بن سعيد، عن عمه يحيى بن سعيد، عن عائشة، وخالفه فرج بن فضالة، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي، وكلاهما غير محفوظ» (٤).

стр. 476

وسئل الدارقطني أيضا عن حديث مصعب بن سعد، عن سعد، عن النبي ﷺ قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، فقال: «يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه، فرواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قاله إسماعيل بن عياش، عن يونس، وخالفه يزيد بن عطاء، رواه عن أبي إسحاق، عن عروة بن الجعد، عن سعد، وكلاهما غير ثابت» (١). ويونس بن أبي إسحاق ليس بذاك في حديث أبيه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش ضعيف الحديث عن غير الشاميين، ويزيد بن عطاء راوي الوجه الثاني ضعفه الجمهور. وقد يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى صحة المروي عنه كله، وذلك بالنظر لحال هؤلاء الرواة، فكلهم ثقات، وهذا كثير، تقدمت له أمثلة في المبحث الأول، وذلك في بيان تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف بالنظر إلى حاله هو، إذ لا يتم ذلك إلا إذا كانت الأوجه الواردة عنه أسانيدها إليه قوية، وحاله أوجبت تحميله عهدة الاختلاف. وقد تكون الأوجه الواردة عنه من القوة بحيث تصحح عنه، وإن لم تكن حاله توجب تحميله عهدة الاختلاف، وهذا كثير أيضا. ومن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن مسلم، عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، عن

стр. 477

أبي موسى الأشعري، قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، أومأ النبي ﷺ قال أبو موسى: بشيء كان معه- قال: هم قوم هذا». قال أبي: حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن سماك، عن عياض، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ليس فيه: عن أبي موسى، وقد روى عن شعبة جماعة مرسلا، قال: «لما نزلت … »، وكذا حدثنا أبو الوليد مرسلا. قلت: فترى غلط فيه محمد بن مسلم؟ قال: لا، إن بندارا كان يحدث به أيضا عن أبي الوليد أيضا كذا، ويشبه أن يكون أبو الوليد كان يغلط فيه، فلما قيل له: إنه غلط، ترك أبا موسى من الإسناد … » (١). وأبو الوليد الطيالسي ثقة ثبت حافظ، ولكن لا مناص من تحميله عهدة الاختلاف بالنظر لقوة الطرق إليه.

стр. 478

فهذان احتمالان، والاحتمال الثالث أن يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى ترجيح بعض الأوجه على الأوجه الأخرى، قاده إلى ذلك استخدامه لقرائن الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي قرائن كثيرة، ترجع في جملتها إلى حصول غلبة الظن بأن راوي الوجه الراجح قد حفظ ما حدث به عن شيخه المختلف عليه، وسأذكر ما وقفت عليه منها، على سبيل الإجمال، بضم النظير إلى النظير، وهي هذه: الأولى: الكثرة: استخدم النقاد هذه القرينة على نطاق واسع جدا، ويمكن القول بأنها أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فـ «العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد»، كما قال الشافعي (١). وقال ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر» (٢). وقال ابن معين: «أصحاب سفيان الثوري ستة: يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، والأشجعي، وعبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، ليس أحد من هؤلاء يحدث عن سفيان فيخالفه بعض هؤلاء الستة، فيكون القول قوله -

стр. 479

حتى يجيء إنسان فيفصل بينهما، فإذا اتفق من هؤلاء اثنان على شيء كان القول قولهما» (١). وقال البرديجي في كلامه عن أصحاب قتادة: «أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة … » (٢). وقال مسلم في كلامه عن اختلاف أصحاب الراوي عليه, وانفراد واحد منهم عن الجماعة: «أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري, أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد, ومتن واحد, مجتمعين على روايته في الإسناد والمتن, لا يختلفون فيه على معنى, فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه, فيخالفهم في الإسناد, أو بقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ, فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد, وإن كان حافظا, على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث, مثل شعبة, وسفيان بن عيينة, ويحيى بن سعيد, وعبدالرحمن بن مهدي, وغيرهم من أئمة أهل العلم» (٣).

стр. 480

وقال الخطيب: «ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين, لأن الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب» (١). ولا شك أنه إذا كان الأقل شخصا واحدا فالوهم إلى روايته أقرب، إذ التفرد بحد ذاته -ولو لم يخالف- مظنة الخطأ، كما تقدم شرح ذلك في الباب الثاني، فإذا خولف المنفرد كان أدل على وهمه وغلطه في الموضع الذي غلط فيه، وإن كان استفاد من رواية مخالفه في أصل الرواية، كما تقدم شرحه هناك. وتقدم هناك أيضا أن الراوي المنفرد هو نفسه يتخوف من تفرده، ويخشى أن يكون غلط فيه، وكذلك هنا، إذا خولف المتفرد فيما تفرد به خشي أن يكون أخطأ. روى عبدالله بن محمد النفيلي، عن أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبدالله بن سرجس، أن رسول الله ﷺ قال: «في الحجم شفاء» (٢). قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر هذه الرواية لأبيه: «قال أبي: حلف لي النفيلي أنه سمعه، ولم يحدثني به، قال: أجبن عنه. قال أبي: هذا خطأ، يمكن أن يكون دخل له حديث في حديث، إنما رواه أبو معاوية، عن الشيباني، عن يُسَيْر بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: «في الحجم شفاء»، وليس لذاك أصل، وذكر لي أن يحيى بن معين كتب إليه أن لا يحدث به» (٣).

стр. 481

وروى النفيلي أيضا عن مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيدالله، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي ﷺ قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة» (١). سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «رواه بعض أصحاب الأوزاعي، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي ﷺ ، ولم يسم أحدا، فكان النفيلي يمتنع من تحديث حديث مسكين هذا، ويقول: لم أتابع عليه، والذي يرويه الدمشقيون، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، أشبه، لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيدالله لم يكن عنه» (٢). ويعبر النقاد عن الترجيح بالكثرة بعبارات مختلفة فيقولون: هذا الوجه هو المحفوظ، اتفق عليه اثنان، أو ثلاثة، أو يقولون: المحفوظ رواية الجماعة، أو ما رواه الجماعة هو المحفوظ، أو أولى أن يكون محفوظا، أو يقولون: الناس يروونه عن فلان هكذا، أو أصحاب فلان يروونه هكذا، أو خالف فلان الناس، ونحو هذه العبارات التي تفيد بنصها أو بإشارتها إلى أن سبب الترجيح هو كثرة رواة الوجه الراجح بالنسبة للمرجوح. ومن أمثلة ذلك حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث (٣).

стр. 482

ورواه جماعة عن الأعمش -منهم زائدة بن قدامة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبثر بن القاسم- عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث (١). قال ابن معين في تضعيف رواية محمد بن فضيل: «رواه الناس كلهم عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (٢). وقال أبو حاتم عن حديث محمد بن فضيل: «هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش، عن مجاهد قوله» (٣). وقال الدارقطني: «هذا لا يصح مسندا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (٤). وروى سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد: «أن النبي ﷺ أردفه من عرفة … » الحديث (٥). ورواه سفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وعبدالله بن المبارك، وحماد بن زيد، ومحمد بن إسحاق، ومعمر، وغيرهم، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب،

стр. 483

عن أسامة بن زيد، ليس فيه ابن عباس (١). قال ابن معين في كلامه على رواية ابن عيينة: «أخطأ فيه ابن عيينة، إنما هو عن كريب سمعه من أسامة نفسه، كذا حدث به سفيان الثوري، وزهير، والناس كلهم» (٢). وروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن مروان بن الحكم، عن عبدالله بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشعر حكمة» (٣). ورواه يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر، وغيرهم، عن الزهري، بهذا الإسناد، غير أنهم سموا شيخ مروان بن الحكم: عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (٤). وعقب ابن معين على رواية إبراهيم بن سعد بعد أن ساقها بقوله: «إلا أن

стр. 484

يونس، ومعمرا، والناس أجمعين قالوا: عن الزهري … ، عن عبدالرحمن بن الأسود، وهو الصواب، ولكن إبراهيم بن سعد قال كذا: عبدالله بن الأسود» (١). وقال عبدالله بن أحمد معقبا على رواية إبراهيم بن سعد أيضا: «هكذا يقول إبراهيم بن سعد في حديثه: عبدالله بن الأسود، وإنما هو عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، كذا يقول غير إبراهيم بن سعد» (٢). وسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : «أنه صلى في نعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الناس نعالهم … » الحديث. قال أبو حاتم: «رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة: أن النبي ﷺ … ، مرسلا، [و] أيوب أحفظ، وقد وهن أيوب رواية هذا الحديث، حديث حماد بن سلمة. ورواه إبراهيم بن طهمان، عن حجاج الأحول، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ . والمتصل أشبه، لأنه اتفق اثنان: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ » (٣).

стр. 485

فذكر أبو حاتم أولا أن رواية أيوب ضعفت رواية حماد بن سلمة، فحماد يصله، وأيوب يرسله، فرواية أيوب إذن علة لرواية حماد، ثم عدل أبو حاتم عن هذا حين وجد راويا آخر غير حماد يصله، وهو حجاج بن حجاج الأحول، فحكم لهما، ورجح الموصول. وروى إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: «أن النبي ﷺ لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن، فأعطاه أبا طلحة … » الحديث. هكذا رواه إسماعيل مرسلا، وسئل عنه أبو حاتم فقال: «الناس يروون هذا الحديث عن هشام، عن محمد، عن أنس، عن النبي ﷺ » (١). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، وأسامة بن زيد الليثي، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر: «أنه طاف بالبيت بعد الصبح، ثم سار حتى أتى ذي طوى، ثم انتظر حتى طلعت الشمس … »، فقال أبي: أخطآ في هذا الحديث، روى كل أصحاب الزهري، عن الزهري هذا الحديث، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، وهو الصحيح» (٢).

стр. 486

وروى أبو عامر العقدي، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ صلى بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا». سئل أبو زرعة عن هذه الرواية، فقال: «رواه شعبة، وحماد بن زيد، ومحمد بن مسلم، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو الصحيح، والوهم ينبغي أن يكون من زكريا» (١). وروى خالد الحذاء -في الراجح عنه- عن أبي نعامة، عن أنس: «كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، لا يقرؤون -يعني لا يجهرون-» (٢). قال الدارقطني: «وروى هذا الحديث الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحماني، عن أبي نعامة -واسمه قيس بن عباية- عن ابن عبدالله بن مغفل، عن

стр. 487

أبيه، وهو أشبه بالصواب، لأنهم ثلاثة، وقد خالفوا خالدا في الإسناد» (١). وهذه القرينة -كما أسلفت- كثر جدا من النقاد الترجيح بها، فالظن الغالب أن ما يرويه العدد الكثير هو المحفوظ، ولهذا فإن النقاد يتسامحون في سرد الرواة، فإذا كثروا ربما ذكروا فيهم الضعيف ومن دونه، اعتمادا على رواية الثقات منهم، وربما صرح الناقد بذلك، فيقول مثلا: حدث به عن فلان جماعة من الثقات الحفاظ، وغيرهم (٢). ورأيت بعض الباحثين يلتزم بيان أحوال الرواة الضعفاء ومن دونهم، مع ظهور الترجيح برواية غيرهم، ولعل ذلك منهم على سبيل زيادة البيان في تحديد من عليه الاعتماد في الترجيح. الثانية: الحفظ والتثبت: استخدم الأئمة في الموازنة بين الرواة حين اختلافهم هذه القرينة بكثرة أيضا، فيقول الناقد مثلا: القول قول فلان لأنه أحفظ، أو المحفوظ رواية فلان فهو أحفظهم، أو فلان أحفظ من فلان، أو لا يقارن فلان بفلان، ونحو ذلك. وقد تقدم في «الجرح والتعديل» موضوعان لهما تعلق كبير بهذه القرينة، أحدهما موضوع (مراتب الجرح والتعديل) (٣)، فالرواة على مراتب متفاوتة في

стр. 488

القوة والتثبت، وأهم ما يستفاد من معرفة هذه المراتب هو معرفة الصواب من رواياتهم حين يختلفون على شيخ لهم. والثاني موضوع (مقارنة الراوي بغيره) (١)، فقد قام النقاد بالمقارنة بين الرواة، كقولهم: إن فلانا أحفظ من فلان، وإنما تظهر أهمية الوقوف على هذه النصوص، وحسن الاستفادة منها، حين يقع اختلاف بين بعض هؤلاء الرواة الذين قارن الأئمة بينهم في الجملة. قال الخطيب البغدادي: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (٢). وقال أيضا: « … وقد يرجح أيضا بضبط راويه وحفظه وقلة غلطه, لأن الظن يقوى بذلك» (٣). ومن أمثلة صنيع النقاد في هذه القرينة ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا في قطع يد السارق بربع دينار، ثم قال سفيان: «وحدثناه أربعة عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه: عبدالله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد،

стр. 489

والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع: «ما نسيت ولا طال علي: القطع في ربع دينار فصاعدا»، » (١). وقال أبو داود: «سمعت أحمد وذكرت له ما زاد هشيم في حديث عبيد بن عمير، عن عمر في (المفقود) على يحيى بن سعيد، فقال: يحيى أحفظ من هشيم» (٢). ونقل إسحاق بن هانئ أن أحمد ذكر حديث حذيفة أنه تزوج مجوسية، ثم قال: «هذا رواه الداناج، وأبو وائل يقول: إنما تزوج بيهودية -كأنه (يعني أحمد) يبطل أن تكون مجوسية-، والداناج ثقة، وأبو وائل أوثق منه» (٣). وروى ابن جريج، عن خصيف الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس، قصة عمر بن الخطاب، مع سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، في المسح على الخفين (٤). وخالفه عتاب بن بشير، فرواها عن خصيف، عن سعيد بن جبير بالقصة (٥). ورواه عثمان بن ساج، عن خصيف، عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس (٦).

стр. 490

سئل أبو زرعة عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن جريج، وعتاب بن بشير، فقال: «ابن جريج عندي أحفظ من عتاب بن بشير» (١). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبدالوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «لا تكتنوا بأبي عيسى، فإن عيسى لا أب له»، قلت: وروى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن أيوب، قال: قال عمر … ، مرسلا. فقالا: «هشام أحفظ، ومرسل أصح» (٢). وروى حصين بن عبدالرحمن، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: «أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي ﷺ أن يعيد» (٣). ورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي ﷺ (٤). قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ» (٥). وقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة،

стр. 491

عن عاصم، عن زر، عن أبي موسى، قال: «عرش إبليس على البحر وحوله الحيات … » وذكر الحديث، ورواه أبو عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى. قال أبي: أبو عوانة أحفظ من حماد» (١). وروى أبو أحمد الزبيري، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن يزيد، عن عمر قوله في قصة فاطمة بنت قيس: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت … » الحديث (٢). قال الدارقطني: «رواه يحيى بن آدم -وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه- عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر، لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب» (٣). وروى عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله -أو الصدقة- في إبله … » الحديث (٤). ورواه ابن لهيعة، عن بكير، عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.

стр. 492

سئل الدارقطني عن هذا الاختلاف، فقال: «عمرو بن الحارث أثبت … » (١). والأمثلة على هذه القرينة كثيرة جدا، فقد استخدمها النقاد -كما تقدم- في الموازنة بتوسع، وهو أمر بدهي، فإن القرائن كلها تعود إلى معرفة الحافظ المتثبت في هذه الرواية بعينها، فأول ما يتبادر من ذلك درجات المختلفين في أنفسهم، ومعرفة طبقاتهم. الثالثة: القوة في الشيخ: إذا اختلف الرواة في حديث على شيخ لهم فمن أهم قرائن الموازنة بين رواياتهم وأكثرها شيوعا في كلام النقاد على الأحاديث التي فيها اختلاف: درجات هؤلاء المختلفين في شيخهم، ورتبهم في روايتهم عنه بصفة عامة. والرواة -كما يتفاوتون في حفظهم وتثبتهم بإجمال، وتمت الاستفادة من هذه الناحية في القرينة التي قبل هذه- يتفاوتون كذلك بالنسبة لكل شيخ شيخ، ولا تلازم بين درجة الراوي بصفة مجملة، وبين درجته ورتبته في كل شيخ له، فرب راو هو في مجمل درجته ثقة، وهو في شيخ له في أعلى درجات الثقة والتثبت، وهو أيضا في شيخ له دون الثقة، بل قد يكون ضعيفا، وقد يكون الراوي ضعيفا في جملته، وهو في بعض شيوخه فوق ذلك، وفي بعضهم أشد ضعفا، وقد تقدم الكلام في هذه القضية في «الجرح والتعديل» (٢).

стр. 493

وتعليل تفاوت أصحاب الرواة في مراتبهم ظاهر، فبالإضافة إلى استعدادهم الفطري، وما منحه الله لكل منهم من قوة حافظة، أو ضعفها، وما هم عليه من التزام بأصول الرواية أو عدمه، هناك أحوال تحيط بسماعهم وأخذهم من شيوخهم، لها أثر كبير في تصنيفهم ورتبهم في الشيخ، فالراوي قد يلازم شيخه فترة طويلة، لكونه من أهل بلده، وأدرك من حياته مدة منحته طول الملازمة، وقد يزيد على ذلك، بأن يلازم شيخه في حضره وسفره. وعكس ذلك أن تقل مدة مصاحبته لشيخه، كأن يدرك من حياته جزءا يسيرا، أو لا يكون من أهل بلده، فيلقاه عرضا، وربما صاحب ذلك انشغال الشيخ، أو مرضه، أو كونه عسرا في الرواية، ونحو ذلك. وبعض الرواة لم يلق من روى عنه إلا في حال كبره، أعني التلميذ، والحافظة في حال الكبر دونها في حال الصغر. وفي هذا المعنى كلام الجوزجاني في أصحاب الزهري، موضحا درجاتهم فيه، وأسباب ذلك، قال ابن رجب: «وسئل الجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبا من السواء إذ كانا يختلفان إليه جميعا، ومعمر، إلا أنه يهم في أحاديث، ويختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو من أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب، وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والليث بن سعد، فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري، وسفيان بن

стр. 494

عيينة كان غلاما صغيرا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام يعني الزهري تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياما يسيرة، وفي حديثه يعني ابن عيينة عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري -يعني في الضعف-، فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه، والزبيدي وشعيب لزماه لزوما طويلا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة، تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين، فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند هؤلاء فتأن في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه، وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري. وذكر قوما رووا عن الزهري قليلا أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (١). ونحو هذا لأبي بكر الحازمي في معرض كلامه على شرط البخاري ومسلم في انتقاء الرواة، موضحا الارتباط بين حال الراوي في نفسه، وحاله في شيخه، مشيرا إلى أسباب تفاوت مراتب أصحاب الرواة (٢). وسأذكر الآن نماذج من تطبيقات النقاد لهذه القرينة، واستخدامهم لها، ثم

стр. 495

أعقب هذه الأمثلة ببعض التنبيهات. فمن ذلك أن حماد بن زيد روى عن علي بن زيد، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله ﷺ قال له: يا ضحاك، ما طعامك؟ … » الحديث (١). سئل ابن معين عن هذه الرواية، وعن رواية حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان: «أن النبي ﷺ قال للضحاك … » -هكذا مرسلا-، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد، من حماد بن زيد» (٢). وروى أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث … » (٣). ورواه سعيد بن أبي عروبة، ومعمر، عن قتادة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، عن أبي هريرة (٤). سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فقالا جميعا: «سعيد أحفظهم» (٥).
следующие страницы →