عن عاصم، عن زر، عن أبي موسى، قال: «عرش إبليس على البحر وحوله الحيات … » وذكر الحديث، ورواه أبو عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى.
قال أبي: أبو عوانة أحفظ من حماد» (١).
وروى أبو أحمد الزبيري، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن يزيد، عن عمر قوله في قصة فاطمة بنت قيس: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت … » الحديث (٢).
قال الدارقطني: «رواه يحيى بن آدم -وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه- عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر، لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب» (٣).
وروى عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله -أو الصدقة- في إبله … » الحديث (٤).
ورواه ابن لهيعة، عن بكير، عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
стр. 492
سئل الدارقطني عن هذا الاختلاف، فقال: «عمرو بن الحارث أثبت … » (١).
والأمثلة على هذه القرينة كثيرة جدا، فقد استخدمها النقاد -كما تقدم- في الموازنة بتوسع، وهو أمر بدهي، فإن القرائن كلها تعود إلى معرفة الحافظ المتثبت في هذه الرواية بعينها، فأول ما يتبادر من ذلك درجات المختلفين في أنفسهم، ومعرفة طبقاتهم.
الثالثة: القوة في الشيخ:
إذا اختلف الرواة في حديث على شيخ لهم فمن أهم قرائن الموازنة بين رواياتهم وأكثرها شيوعا في كلام النقاد على الأحاديث التي فيها اختلاف: درجات هؤلاء المختلفين في شيخهم، ورتبهم في روايتهم عنه بصفة عامة.
والرواة -كما يتفاوتون في حفظهم وتثبتهم بإجمال، وتمت الاستفادة من هذه الناحية في القرينة التي قبل هذه- يتفاوتون كذلك بالنسبة لكل شيخ شيخ، ولا تلازم بين درجة الراوي بصفة مجملة، وبين درجته ورتبته في كل شيخ له، فرب راو هو في مجمل درجته ثقة، وهو في شيخ له في أعلى درجات الثقة والتثبت، وهو أيضا في شيخ له دون الثقة، بل قد يكون ضعيفا، وقد يكون الراوي ضعيفا في جملته، وهو في بعض شيوخه فوق ذلك، وفي بعضهم أشد ضعفا، وقد تقدم الكلام في هذه القضية في «الجرح والتعديل» (٢).
стр. 493
وتعليل تفاوت أصحاب الرواة في مراتبهم ظاهر، فبالإضافة إلى استعدادهم الفطري، وما منحه الله لكل منهم من قوة حافظة، أو ضعفها، وما هم عليه من التزام بأصول الرواية أو عدمه، هناك أحوال تحيط بسماعهم وأخذهم من شيوخهم، لها أثر كبير في تصنيفهم ورتبهم في الشيخ، فالراوي قد يلازم شيخه فترة طويلة، لكونه من أهل بلده، وأدرك من حياته مدة منحته طول الملازمة، وقد يزيد على ذلك، بأن يلازم شيخه في حضره وسفره.
وعكس ذلك أن تقل مدة مصاحبته لشيخه، كأن يدرك من حياته جزءا يسيرا، أو لا يكون من أهل بلده، فيلقاه عرضا، وربما صاحب ذلك انشغال الشيخ، أو مرضه، أو كونه عسرا في الرواية، ونحو ذلك.
وبعض الرواة لم يلق من روى عنه إلا في حال كبره، أعني التلميذ، والحافظة في حال الكبر دونها في حال الصغر.
وفي هذا المعنى كلام الجوزجاني في أصحاب الزهري، موضحا درجاتهم فيه، وأسباب ذلك، قال ابن رجب: «وسئل الجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبا من السواء إذ كانا يختلفان إليه جميعا، ومعمر، إلا أنه يهم في أحاديث، ويختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو من أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب، وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والليث بن سعد، فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري، وسفيان بن
стр. 494
عيينة كان غلاما صغيرا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام يعني الزهري تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياما يسيرة، وفي حديثه يعني ابن عيينة عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري -يعني في الضعف-، فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه، والزبيدي وشعيب لزماه لزوما طويلا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة، تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين، فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند هؤلاء فتأن في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه، وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.
وذكر قوما رووا عن الزهري قليلا أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (١).
ونحو هذا لأبي بكر الحازمي في معرض كلامه على شرط البخاري ومسلم في انتقاء الرواة، موضحا الارتباط بين حال الراوي في نفسه، وحاله في شيخه، مشيرا إلى أسباب تفاوت مراتب أصحاب الرواة (٢).
وسأذكر الآن نماذج من تطبيقات النقاد لهذه القرينة، واستخدامهم لها، ثم
стр. 495
أعقب هذه الأمثلة ببعض التنبيهات.
فمن ذلك أن حماد بن زيد روى عن علي بن زيد، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله ﷺ قال له: يا ضحاك، ما طعامك؟ … » الحديث (١).
سئل ابن معين عن هذه الرواية، وعن رواية حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان: «أن النبي ﷺ قال للضحاك … » -هكذا مرسلا-، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد، من حماد بن زيد» (٢).
وروى أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث … » (٣).
ورواه سعيد بن أبي عروبة، ومعمر، عن قتادة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، عن أبي هريرة (٤).
سأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فقالا جميعا: «سعيد أحفظهم» (٥).
стр. 496
وروى شعبة عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (١).
ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر (٢)، سئل أبو حاتم عنهما, فقال: «سعيد بن أبي عروبة لحديث قتادة أحفظ» (٣).
وروى عبدالحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله بعثا، ثم استقرأهم … » الحديث (٤).
ورواه عمر بن طلحة بن عمرو بن علقمة -ابن أخي محمد بن عمرو بن علقمة- عن المقبري، عن أبي هريرة، فأسقط عطاء مولى أبي أحمد.
ورواه الليث بن سعد، عن المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا، لم يذكر أبا هريرة (٥).
قال الدارقطني وقد سئل عن هذا الحديث فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: «وقول الليث أشبه بالصواب»، ثم أسند إلى ابن معين قوله: «أثبت الناس في
стр. 497
سعيد: الليث بن سعد» (١).
وهذه القرينة من أهم قرائن الموازنة بين الرواة عند الاختلاف, استخدمها النقاد بكثرة بالغة, غير أن هناك أمورا يحسن التنبيه عليها، وهي:
الأول: درجة الرواة في شيوخهم من القضايا بالغة الأهمية بالنسبة للمتصدي لدراسة المرويات ونقدها، وهي جزء مهم من جرح الرواة وتعديلهم، فكما يعطى الراوي درجة في مجمل حاله، يعطى أيضا درجة في كل شيخ له على وجه الدقة، ما أمكن ذلك، والغرض الأساس من ذلك هو تسخير هذه الأحكام على الرواة في شيوخهم للحكم على مروياتهم عنهم، وهذا ما استخدمه النقاد بكثرة بالغة جدا.
وفي المتصدين للتصحيح والتضعيف ونقد المرويات من أغفل هذا الجانب، فالتركيز لديه على مرتبة الراوي المجملة، حيث يأخذها من المختصرات، ثم يصدر أحكامه على الأسانيد، وقد تقدم بيان خطر ذلك، وأثره على ضعف النقد، والجرأة الكبيرة التي وقعت في تصحيح عدد كبير من الأسانيد التي لا تصح (٢).
وتقدم كذلك هنا في الباب الثاني المتعلق بالتفرد، في الفصل الثاني منه، وهو الفصل الخاص بضوابط النظر في التفرد، فمنزلة الراوي في شيخه في غاية الأهمية بالنسبة للنظر في تفرده.
стр. 498
وتبين آنفا الأهمية القصوى لمعرفة مراتب أصحاب الرواة في شيوخهم، فهي تبرز حين يختلفون على شيخهم في حديث معين، فالناقد يلجأ كثيرا إلى هذه المراتب لمعرفة الراجح عن هذا الشيخ.
وإذا أدركنا أن مراتب الرواة في شيوخهم جزء أساس من جرح الرواة وتعديلهم، فينبغي أن نستحضر هنا ما تقدم التنبيه عليه مرارا، ووعدت بالتركيز به في كل مناسبة له صلة بها، وهو أن جرح الرواة وتعديلهم هو فرع عن النظر في أحاديثهم، وعليه فالناقد الذي حكم على هذا الراوي بأنه في المرتبة المعينة في شيخه، إنما فعل ذلك بوسائل من أهمها النظر في أحاديثه عن شيخه، مقارنا لها بأحاديث رواة آخرين عن ذلك الشيخ، فتوصل بهذا إلى درجة الراوي في شيخه، فالأحكام على الأحاديث متقدمة على الأحكام على الرواة.
هكذا تبدو الصورة بالنسبة لنقد المرويات في ذلك العصر، وبها ندرك حجم الجهد الذي بذله أولئك النقاد، وأما من جاء بعدهم فإن معرفة درجات الرواة في شيوخهم يبدو سهلا بالنسبة له، ويبقى عليه حسن تطبيق هذه الدرجات حين نظره في الأسانيد، لا سيما حين يختلف الرواة على شيخهم، وهذه السهولة أتت من كون كلام أئمة النقد قد نقل إلينا الكثير منه, فزخرت كتب السؤالات، والتواريخ، والعلل بكلام النقاد، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، تارة عن طريق السؤال المباشر عن أصحاب الراوي ومراتبهم، أو عن بعضهم، وتارة عن طريق كلام الناقد في حديث معين وقع فيه اختلاف، فيذكر الراجح وسبب والترجيح، مبينا هنا
стр. 499
مراتب من وقع الاختلاف بينهم، بل إن بعض أئمة النقد خصص مؤلفا لهذا الغرض، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من مؤلفاتهم (١).
وأشير هنا إلى وجود دراسات معاصرة لأصحاب بعض الرواة المعروفين بكثرة الأصحاب (٢)، ونأمل أن تتواصل الجهود في هذا السبيل.
وقد يقول قائل: ذكرت الآن أن بعض كلام النقاد يوجد بإثر نقدهم للأحاديث، وبيان الراجح عند الاختلاف، فهذا يدل على أن أحكامهم على الرواة ووضع مراتب لهم في شيوخهم سابق على نقدهم للأحاديث، فهذا يعارض ما ذكرته قبل.
والجواب أن الناقد حين يسأل عن حديث، ليس معناه أن رأيه في هذا الحديث وليد الساعة، فهو يذكر ما ترجح لديه حين نظره في أحاديث الرواة، إذن هو يحكي شيئا سابقا، وذكره للقرينة هو ذكر لنتيجة أخرى أيضا.
ومن جهة ثانية، فإن هذه النتيجة بالنسبة لمراتب الرواة قد يكون توصل
стр. 500
إليها الناقد بالنظر في قدر كاف من الأحاديث للاستقراء، فإذا جاءت أحاديث لم ينظر فيها بخصوصها طبق عليها تلك النتيجة، وهذا لا يعارض القول بأن دراسة الأحاديث والنظر فيها سابق للأحكام على الرواة.
وههنا أمر آخر، وهو ما سبق ذكره من كون الناقد ربما اعتمد في الجرح والتعديل على آراء نقاد سابقين له، من شيوخه أو من قبلهم أيضا، خاصة في الأمر المشتهر، أو في قضايا لا تتوافر للناقد وسائل الحسم فيها، كما تقدم شرحه (١)، فيعود الأمر إذن إلى أن الحكم في مراتب الرواة عند الناقد الأول بناه على النظر في أحاديثهم، وهذا هو المقصود.
والغرض من كل ما تقدم التأكيد على أن المتصدي لنقد المرويات ينبغي عليه أن يكثر من مطالعة أقوال النقاد في مراتب أصحاب الرواة، مستحضرا عند نقده لحديث معين ما جمعه وطالعه من أقوال النقاد.
ومما يعين الباحث بالإضافة إلى كثرة مطالعته لأقوال النقاد في أصحاب الرواة: إكثاره من مطالعة سلاسل الأسانيد التي رويت بواسطتها أحاديث كثيرة، وهي أسانيد محدودة، بحكم أن الإكثار من الرواية تحملا وأداء يحتاج إلى ظروف معينة، مثل طول الملازمة، وقوة الحفظ، والتعمير، والتصدي للرواية، والصبر على الطلبة، وغير ذلك.
ولإدراك أن هذه الأسانيد محدودة يكفي معرفة أن ثلثي السنة المطهرة نقلها
стр. 501
سبعة عشر صحابيا، وذلك بحسب الأسانيد الموجودة في «مسند بقي بن مخلد القرطبي»، وهو أحد المسانيد الكبيرة، بحيث يقارن بمسند أحمد (١).
وكل واحد من هؤلاء الصحابة لا بد أن يكون له أصحاب كثيرون نقلوا عنه ما يرويه، ولا بد أيضا أن يكون المكثرون منهم عددهم محدود، فإن الظروف اللازمة للإكثار ينحصر توافرها في العادة في عدد قليل، فعائشة -مثلا- أكثر عنها جماعة، منهم عمرة بنت عبدالرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبدالرحمن.
وكل واحد من هؤلاء له أصحاب بعضهم مكثرون عنه أيضا، وهكذا.
وقد اعتنى الأئمة ورواة الحديث بالمكثرين، وشاع مصطلح (ممن يجمع حديثه)، في التعريف بالراوي، يعني أنه ممن يتصدى إمام لجمع حديثه، والاعتناء به (٢).
ومع اتساع الفتوح، وانتشار رقعة الإسلام، صار هناك نوع من الإكثار يختص بالأمصار الإسلامية، كما قال ابن المديني.
والمقصود هنا أن الإكثار من الرواية وسعتها، وكثرة الأصحاب، مظنة وقوع الاختلاف بينهم في بعض ما يروونه عن شيخهم، وينتج عن هذا أن أكثر
стр. 502
الأحاديث التي وقع الاختلاف فيها هي من رواية هؤلاء، فمطالعة هذه السلاسل إذن ترسخها في ذهن الباحث، وتعينه على فهم كلام النقاد في الموازنة بين الأصحاب.
وقد اعتنى الأئمة أيضا بجمع الأحاديث التي رويت بهذه السلاسل، ويطلقون عليها: (ترجمة)، فيقولون: ترجمة مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وترجمة عبيدالله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وقد سرد الخطيب نماذج لهذه التراجم (١).
وبعض مسانيد الأئمة ترتب أحاديث كل صحابي على أساس هذه التراجم، مثل «مسند الطيالسي»، و «مسند البزار»، و «المعجم الكبير».
ومما يعين في هذا الجانب أيضا كتب الأطراف، خاصة كتاب المزي: «تحفة الأشراف»، فهو يمتاز بكثرة التفريع في الطبقات المتأخرة، فنقف على المكثرين في تلك الطبقات، فلو أخذنا أحاديث عبدالله بن عمر ﵁، لوجدنا المزي قسمها على أصحاب ابن عمر، فنعرف المكثرين منهم، ثم نأخذ واحدا منهم وهو نافع مولاه فنجد المزي قسمها أيضا على أصحاب نافع، فنعرف المكثرين من أصحابه، ثم نأخذ واحدا منهم وهو عبيدالله بن عمر فنجد المزي قسمها أيضا على أصحابه، فنعرف المكثرين منهم، وهكذا.
وفوق ما تقدم أن المزي -وهذا من فوائد كتابه الجمة- لم يخل الكتاب من
стр. 503
إشارات إلى الاختلافات بين الرواة، فيقول عن الحديث مثلا: رواه فلان فجعله كذا وكذا، وقد تقدم هذا، أو سيأتي، وربما أحضر اختلافا من خارج الكتب التي اشتمل عليها كتابه، وهي الكتب الستة.
وكثير من الباحثين يعرف «تحفة الأشراف» على أنه كتاب فهرسة، ودلالة على مواضع الحديث في الكتب الستة، والحقيقة أنه كتاب صنعة حديثية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، خاصة إذا ضممنا إليه تعليقات الأئمة الذين طالعوه، ولخصها ابن حجر في كتابه: «النكت الظراف»، وقد طبع مع «التحفة»، ولهذا السبب فإني أرى أن الكتاب بحاجة إلى من يخصه بدراسة مستقلة، تبرز أهميته، وتظهر أثره في توسيع مدراك المتخصص في السنة النبوية، وعلى الخصوص في جانب اختلاف الرواة، الذي هو أساس علم (العلل).
الثاني: يذكر بعض الباحثين قرائن في الموازنة بين أصحاب الراوي إذا اختلفوا عليه، مثل تقديم رواية أهل بيت الراوي المختلف عليه على غيرهم، وتقديم رواية أهل البلد على رواية الغرباء، ونحو ذلك، لوجود نصوص عن النقاد تعتمد هذه القرائن.
فمن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كتب عمر إلى أمراء الأجناد ألا يأخذوا الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي»، قال أبي: ومنهم من يقول: عن نافع، عن أسلم، عن عمر.
стр. 504
قلت لأبي: فأيهما الصحيح، قال: الثوري حافظ، وأهل المدينة أعلم بحديث نافع من أهل الكوفة» (١).
وروى عبدالله بن المبارك المروزي، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، عن النبي ﷺ : «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (٢).
ورواه جماعة من الشاميين وغيرهم، منهم عيسى بن يونس، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، عن ابن جابر، بإسقاط أبي إدريس (٣).
قال أبو حاتم حين سئل عن هذا الحديث: «الصحيح ما يقوله أهل دمشق، ليس بينهما أبو إدريس، وقد وهم ابن المبارك في زيادته أبا إدريس، لأن بسر بن عبيدالله روى عن واثلة، ولقيه، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئا، وأهل الشام أضبط لحديثهم من الغرباء» (٤).
وهذا العمل من هؤلاء الباحثين بإفراد هذه القرائن بالذكر ليس عليه
стр. 505
إشكال كبير، غير أن المتأمل في هذه القرائن يجدها تؤول إلى قرينة: درجات أصحاب الرواة، فمردها إليها، وعلتها واحدة، فالسبب في تقديم رواية أهل بيت الراوي، أو أهل بلده، يعود إلى قضية طول الملازمة، والخصوصية، وهذه إحدى الركائز الأساس في تصنيف أصحاب الراوي بصفة عامة -كما تقدم-.
وقد كان الأئمة النقاد يهتمون كثيرا عند تصنيف أصحاب الراوي بقضية اختلاف البلد، فينصون على الغرباء منهم، وربما خصوا هؤلاء بتصنيف، وهؤلاء بتصنيف، كما فعل ابن المديني، ومسلم، في تصنيف أصحاب شعبة، فالثقات من أصحابه البصريين لهم تصنيف، والثقات الغرباء من أصحابه لهم تصنيف (١).
ولا شك أن كون الراوي من أهل بلد شيخه أدعى إلى طول الملازمة، وتكرار السماع، والمراجعة، كما في قول ابن معين: «كان إذا قدم -يعني أيوب- من الحج قال لهم: خذوا عني قبل أن يتفلت مني -حديث نافع، والمشايخ المدنيين- وأما حديث أهل مصره: هشام، وابن عون، فكان لا يبالي» (٢).
الثالث: كلام النقاد في تصنيف أصحاب الراوي قد لا يتيسر في كل الرواة الذين يقع الاختلاف بينهم، وقد يتيسر في بعضهم دون بعض، إما لأن النقاد لم يصنفوهم أصلا، أو لأن تصنيفهم لم يصل إلينا، فإذا قلنا إن تصنيف أصحاب
стр. 506
الرواة، ووضع مراتب لهم، قد كفانا مؤونته الأئمة النقاد، فسهلوا علينا المهمة، لا بد أن نضيف إليه: بصفة عامة، وعليه يحتاج الباحث في الرواة الذين لا يجد لهم تصنيفا إلى استخدام ضوابط عامة تقوم مقام التصنيف الدقيق، وبواسطتها يستطيع الموازنة في الحديث الذي أمامه.
وهذه الضوابط قد تكون عامة للرواة كلهم، كما في تقديم أهل بيت الراوي على غيرهم، وتقديم أهل البلد على الغرباء، وقد تكون في الرواة موضع الموازنة، وذلك باللجوء إلى بعض صور التوثيق والتضعيف المقيدين، الماضي شرحها في «الجرح والتعديل» (١)، المتعلقة بالراوي مع شيوخه مثل تقوية الراوي أو تضعيفه في شيخ معين، وكذلك تقوية الراوي فيما رواه عن شيوخه الكبار الذين أدركهم في وقت قوة حافظته، وتضعيفه في شيوخه الصغار، فإذا وجدنا ذلك فيه وقد خالف غيره في رواية عنه أمكننا ترجيح روايته أو عدم ترجيحها بذلك، وإن لم نقف على تصنيف له في أصحاب الراوي، فإن هذا بمعنى التصنيف، ولهذا يذكره ابن رجب وغيره في معرض ذكرهم لكلام النقاد في مراتب أصحاب الرواة.
مثال ذلك أن أبا معاوية الضرير لين الحديث في غير الأعمش كما تقدم (٢)، وقد روى عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في حديث ما يلبسه المحرم، قال: «ولا يلبس ثوبا مسه الزعفران، إلا أن يكون غسيلا» (٣).
стр. 507
ورواه جماعة كثيرون من أصحاب عبيدالله بن عمر، منهم يحيى بن سعيد القطان، وزكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، وبشر بن المفضل، وحفص بن غياث، وعبدالله بن نمير، وعبدة بن سليمان، فلم يذكروا قوله: «إلا أن يكون غسيلا» (١).
قال أحمد في نقد هذه الزيادة: «أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره» (٢).
وكذلك المغيرة بن مسلم القسملي في أبي الزبير، قال ابن معين: «ما أنكر حديثه عن أبي الزبير» (٣).
وقد روى عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «الصبي إذا استهل ورث وصلي عليه» (٤).
وخالفه ابن جريج، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا (٥).
قال النسائي: «هذا (يعني الموقوف) أولى بالصواب، وعند المغيرة، عن
стр. 508
أبي الزبير غير حديث منكر، وابن جريج أثبت من المغيرة» (١).
وقال أحمد في منصور بن المعتمر: «منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، روى حديث أم سلمة في الوتر، خالف فيه … » (٢).
وحديث أم سلمة في الوتر يرويه منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن أم سلمة، وقيل عنه، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، عن أم سلمة، وخالفه شعبة، وسفيان بن حسين، فروياه عن الحكم، عن مقسم، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة، إلا أن سفيان بن حسين لم يرفعه، وفي بعض الطرق إلى شعبة: عن الثقة، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة (٣).
والخلاصة أن الباحث مطالب بالاستفادة من كل شاردة وواردة من كلام النقاد للخروج برأي في مراتب الرواة الذين اختلفوا على شيخهم في الحديث موضع البحث، سواء بالنص من الناقد أو بالإشارة، وهو مجال واسع لظهور تفاوت قدرات الباحثين، وتحصيلهم العلمي، وبمثله نستطيع أن نبرز نقد المرويات على حقيقته، ذا روح تنبض بالحيوية والنشاط.
стр. 509
الرابع: في كلام النقاد على مراتب أصحاب الرواة يقع بينهم اختلاف في تصنيفهم، وفي منزلة الراوي في شيخه، وليس هذا بالقليل، وأكثره في أصحاب المرتبة الواحدة، لتقارب حالهم في شيخهم، فإذا عرفنا -مثلا- أن المرتبة الأولى من أصحاب نافع مولى ابن عمر فيها مالك، وعبيدالله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، يقع الاختلاف بين النقاد في أي الثلاثة هو المقدم في نافع (١).
وربما تناظر النقاد فيمن يقدم من أصحاب الراوي في قصص هي الغاية في النقد والتتبع والسبر، كما في مناظرة أحمد لابن المديني، فكان أحمد يذهب إلى أن مالكا هو المقدم في الزهري، بينما ذهب ابن المديني إلى تقديم سفيان بن عيينة، وتناظرا في ذلك (٢).
ويقع الاختلاف أيضا بين مراتب متفاوتة، فقد جعل ابن المديني أصحاب نافع مولى ابن عمر تسع طبقات، وكذا فعل النسائي، لكنهما اختلفا في تصنيف الرواة في بعض الطبقات، فالليث بن سعد -مثلا- عند ابن المديني في الطبقة السادسة، وهو عند النسائي في الرابعة، وجويرية بن أسماء عند ابن المديني في الطبقة الثامنة، وهو عند النسائي في الرابعة أيضا (٣).
وربما وجد الاختلاف عن الناقد الواحد، ففي رواية يقدم راويا، وفي رواية ثانية يقدم غيره عليه.
стр. 510
ولا يخفى أن تصنيف أصحاب الراوي، وبيان منزلة كل منهم في شيخه، جزء من جرح الرواة وتعديلهم، غير أنه من قضايا الجرح والتعديل الدقيقة، بل هو أدقها، إذ يلاحظ فيه درجة الراوي في نفسه، ثم درجته في شيخه، ثم مقارنته بغيره في ذلك الشيخ.
والنظر في أحكام النقاد على الرواة جرحا وتعديلا له ضوابط، تقدم الحديث عنها بشكل مفصل في «الجرح والتعديل»، وهذه الضوابط تدور حول أربعة أمور: ثبوت النص، وسلامته، وقائله، ودلالته، وشرحت هناك ما يتعلق بموضوعنا هنا: تصنيف الرواة في شيخهم، وضوابطه (١).
الخامس: هناك نوع من تصنيف أصحاب الراوي يكون سببه الراوي نفسه، فالراوي له أحوال مختلفة قوة وضعفا، فمن روى عنه في حال قوته فله مرتبة، ومن روى عنه في حال ضعفه له مرتبة أخرى، وذلك مثل أن يكون اختلط في آخر عمره، أو ساء حفظه، أو كان يوثق في كتابه، ويضعف في حفظه، أو يوثق في رواية أهل بلد عنه لكونه ضبط حين حدثهم، ويضعف في رواية أهل بلد آخر عنه لكونه لم يضبط، أو يكون مدلسا ومن أصحابه من لا يأخذ عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فيتم تصنيف الرواة عنه بحسب أحواله.
فهذا التصنيف لا ينبغي أن يختلط على الدارس للحديث الذي وقع فيه الاختلاف بالتصنيف للرواة على أساس مراتبهم في أنفسهم في شيخهم، وهو
стр. 511
المقصود هنا في هذه القرينة، وأما ما كان بسبب الراوي نفسه فقد تقدم في المبحث الأول، في القرائن الخاصة بالراوي المختلف عليه، وإنما نبهت على هذا هنا لدقة الفرق بين التصنيفين، وورودهما في كلام النقاد أحيانا دون تمييز.
فالناقد إذا وازن بين أصحاب راو في روايتهم لحديث اختلفوا فيه على شيخهم، والتصنيف الذي اتكأ عليه راجع إلى درجاتهم هم في شيخهم، فالاختلاف سببه في نظر هذا الناقد من التلاميذ أنفسهم، أما إذا كان التصنيف راجعا إلى حال الشيخ، فالناقد يحمله هو عهدة الاختلاف، والاضطراب منه.
وقد تقدم في المبحث الأول أمثلة لأحاديث كان الاختلاف فيها بسبب الشيخ، وتقدم في مبحثنا هذا أمثلة للنوع الآخر، غير أني أذكر هنا مثالا واحدا يتضح به الأمر، وهو حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فأبو إسحاق للنقاد تصنيف لأصحابه المشهورين سببه أبو إسحاق نفسه، وتغير حفظه لما شاخ وكبر، حتى أن بعضهم وصفه بالاختلاط، وفي هذا المثال يتضح الفرق بين هذا النوع من التصنيف، وبين النوع الذي سببه التلاميذ.
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه شريك، وزهير، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : «أنه كان يلبي: لبيك اللهم لبيك»، قال أبي: رواه سفيان، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، ولم يرفعوه.
قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال أبي: سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن،
стр. 512
غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق» (١).
فأبو حاتم حين رجح رواية سفيان، وإسرائيل، ومن معهما، وذكر إتقانهما، عاد فنص على أن زهيرا متقن أيضا، لكن الخلل هنا جاء من المدار، وهو أبو إسحاق، فقد تأخر سماع زهير منه، وأبو إسحاق بآخره تغير حفظه.
وزهير هو ابن معاوية، وهو ثقة ثبت يقارن بسفيان الثوري في الحفظ والإتقان، وقد روى عن أبي إسحاق أحاديث يخالف فيها غيره، فجعل النقاد العهدة في ذلك على أبي إسحاق، وتأخر سماع زهير منه، ولو كانت العهدة على زهير لصار هناك شيء من التعارض بينه وبين ما وصف به من الحفظ والإتقان.
فمثل أبي إسحاق هناك تصنيفان لأصحابه، تصنيف لهم من حيث القوة، فقد روى عنه أيضا متوسطو الحفظ، وضعفاء، ومتروكون، فلا يصح أن يحمل هو عهدة ما خالفوا فيه، وتصنيف لهم من حيث قدم السماع وتأخره، فالعهدة عليه، فإذا كان من النوع الأخير فالترجيح حينئذ ليس سببه ترجيح بعض أصحاب الراوي على بعض من جهة حفظهم لحديثه وضبطهم له، وإنما من جهة المختلف عليه نفسه، وتفاوتهم في حال الرواية عنه، والعهدة عليه في الاختلاف.
وقد يقال: الحصيلة واحدة، فقد عرفنا الراجح من الاختلاف، وهذا هو المقصود، غير أن هذه نظرة فيها شيء من القصور، فمعرفة الراجح لا يكفي من
стр. 513
دراسة الحديث، فهناك أغراض أخرى، من أهمها ما تقدمت الإشارة إليه، وهو أن درجة الراوي نتيجة للنظر في حديثه، فإذا حملناه خطأ غيره أثر هذا في الدرجة التي يستحقها، وإذا برأناه من عهدة خطأ وقع منه أثر هذا في درجته أيضا.
مثال ذلك عباد بن العوام الواسطي، وثقة النقاد، ورفع أحمد من شأنه فقال: «كان يشبه أصحاب الحديث» (١)، وقد قال فيه أحمد أيضا: «مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة» (٢).
فتقييد الاضطراب في حديثه بسعيد له دلالته، فسعيد قد اختلط، فكأن أحمد يشير إلى تأخر سماعه منه.
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (٣) أن الإسماعيلي -فيما حكاه ابن حجر- نقل كلمة أحمد فأطلقها، أي لم يخصصها بسعيد، فصار الإشكال من جهتين، من جهة الإطلاق، والاضطراب في كلام أحمد مقيد بشيخ معين، ومن جهة كون الشيخ المعين هو سعيد بن أبي عروبة، وقد اختلط، فيحتمل أن تكون العهدة عليه، وقد قال أحمد فيه مرة أخرى، وذكر له عدة أحاديث عن سعيد بن أبي عروبة: «عند عباد، عن سعيد، غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بأخرة أم لا» (٤).
ومر بي قول أحمد فيما رواه الثوري, عن حصين, عن إبراهيم النخعي,
стр. 514
عن عبدالله بن مسعود «كان يرفع يديه في أول شيء ثم لا يعود»، وقد سئل عنه أحمد فقال: «حدثنا هشيم, قال: حدثنا حصين, لم يجز به إبراهيم, وهشيم أعلم بحديث حصين» (١).
فوضعت هذا النص في أمثلة استخدام النقاد لقرينة القوة في الشيخ, وعلى هذا فهشيم أقوى من سفيان الثوري في حصين بن عبدالرحمن خاصة, ويستثنى هذا مما توارد عليه الأئمة أن الثوري لا يخالفه أحد إلا كان القول قوله, كما تقدم هذا (٢).
ثم تبين لي أن هذا بسبب حصين, وأنه اختلط, فسماع الثوري منه متأخر, وعليه فالثوري لم يخطئ عليه, والوجهان محفوظان عنه, قال حرب بن إسماعيل: «سمعت أبا عبدالله يقول: ليس أحد أصح سماعا من حصين بن عبدالرحمن من هشيم, وقال: هو أصح من سفيان, وكأنه قال: إن حصينا تغير بآخره» (٣).
وغرضي من التأكيد على هذه المسألة هو تنبيه المتخصص إلى ضرورة النظرة الشمولية لقواعد هذه العلم، لئلا يقع في التناقض، وتتعارض قواعد العلم في ذهنه، خاصة عند التطبيق، وأيضا فإن ما يفرق العالم المتخصص في فن من الفنون عن غيره فهم الأحكام والقواعد لهذا الفن، وهو ما يعرف بمعرفة الحق بدليله أو تعليله.
стр. 515
وأمر آخر لا يقل أهمية عما مضى، وهو اختيار العبارة المناسبة لنتيجة النظر في الاختلاف موضع الدراسة, وعدم التناقض في العبارات, وهذا سيأتي شرحه في المبحث الرابع من الفصل الخامس.
الرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي:
اهتم النقاد بجوانب القوة والضعف في الراوي، فتلمسوا كل صغيرة وكبيرة يمكن أن تدل على ذلك، فإذا تحصل الناقد بعد سبره لحديث الراوي على عدد من الأحاديث تدل على أن الراوي قوي في جهة ما، أو ضعيف في جهة ما، أصدر حكمه عليه في تلك الجهة، تارة بقوله فيه ابتداء، وتارة حين يسأل عنه، إما لوحده أو مقارنا له بغيره، وتارة في كلامه على حديث من أحاديثه، وناسب السياق ذكر هذا الحكم.
وهذه الجوانب لا يمكن حصرها في جميع الرواة، فكل راو له أحواله، والحكم عليه له ملابسات تخصه، وقد رأيت بعض الباحثين يعدد هذه الجوانب، ويذكرها على أنها قرائن للموازنة بين الرواة، وفي رأيي أنها عبارة عن قرينة واحدة، وتحتها صور وتفاصيل، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (١) الحديث عن بعض هذه الجوانب إما في الراوي مفردا أو مقارنا بغيره، مثل ضعف الراوي في روايته من حفظه، وقوته في كتابه، وضعف روايته عن أهل بلد معين، وقوته عن بقية البلدان, أو العكس، وضعف الراوي إذا جمع بين عدد من شيوخه، وقوته في أول
стр. 516
عمره إلى أن تغير واختلط فضعف في الرواية، أو عكس ذلك لظرف من الظروف.
والباحث مطالب بالتنقيب والبحث في تراجم الرواة، للوقوف على ما يمكن أن يسخره في الموازنة بين الرواة حين يختلفون، وهو مجال واسع لظهور الفروق بين الباحثين، وتفاوت قدراتهم وصبرهم وتتبعهم، فإن كلام النقاد في هذه الجوانب قد لا يتوافر في كتب التراجم المعروفة، فمظنته في كتب السؤالات، وكتب العلل، والتواريخ، وكثير منها يفتقر للفهرسة العلمية الدقيقة، وقد ذكر ابن رجب وهو يتكلم على ما هو الأهم في معرفة علم (العلل)، واختلاف الرواة، والموازنة بينهم، أن ذلك مبني على معرفة مراتب الثقات، وتفاوتهم، وأيضا على ما يوجد في بعضهم من كلام في بعض الجوانب، وقال عن الأخير: «معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن، أو في بعض الأزمان، أو عن بعض الشيوخ دون بعض» (١).
وسأذكر الآن نماذج من صنيع النقاد في استخدام صور من هذه القرينة في النقد والموازنة بين الرواة.
فمن أمثلة ذلك أن أحمد يذكر أن وكيع بن الجراح، وعبدالرحمن بن مهدي, اختلفا في أحاديث عن سفيان الثوري، أحصاها أحمد فوجدها تزيد على ستين موضعا، وأن الصواب فيها في الغالب مع عبدالرحمن بن مهدي، وبعضها رجع
стр. 517
فيها وكيع إلى قول عبدالرحمن، بعد مراجعته لكتابه، وقد علَّل ذلك أحمد -أي كثرة صواب عبدالرحمن بن مهدي- بقوله: «إذا اختلف وكيع، وعبدالرحمن بن مهدي، فعبدالرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدا بالكتاب» (١).
وروى الأعمش، وسفيان الثوري، والمسعودي -من رواية خالد بن الحارث، والنضر بن شميل عنه-، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين قال: «جاء نفر من بني تميم إلى النبي ﷺ ، فقال: يا بني تميم أبشروا … » الحديث (٢).
ورواه روح بن عبادة، ويزيد بن هارون، وعبدالله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة الأسلمي، هكذا في رواية روح، وفي رواية يزيد: عن جامع بن شداد، عن ابن بريدة، عن أبيه، وفي رواية المقرئ: عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة (٣).
سئل أحمد عن هذا الاختلاف، وذكر له رواية الأعمش، وسفيان، ورواية
стр. 518
المسعودي فيما رواه عنه يزيد بن هارون، فقال: «الصواب ما رواه الأعمش، وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بآخره» (١).
وهناك جوانب أخرى في الرواة تفيد في الموازنة والترجيح غير مشهورة لدى كثير من الباحثين، فمن هذه الجوانب أن يعرف الراوي بكونه يخطئ في أسماء الرواة، وممن عرف عنه ذلك شعبة بن الحجاج، كما تقدم في المبحث الأول من هذا الفصل، وعرف عن غيره أيضا مثل هشيم فقد نص أحمد على أن هشيما يتابع شعبة كثيرا (٢).
ومن أمثلة خطأ شعبة ما نقله إسحاق بن هانئ، قال: «وسئل (يعني أحمد) عن حديث حدث به أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، فقال: كان شعبة حدث به عن خالد بن عرفطة، فلما أخبر أبو عوانة تابع شعبة، فقال: خالد بن عرفطة، وقال: لعل شعبة أحفظ له مني، فلما قيل له: إن شعبة أخطأ فيه، رجع إلى قوله الأول، فقال: خالد بن علقمة.
وسمعت أبا عبدالله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر حديث عبد ربه، عن عمران بن أبي أنس، حديث: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن»، فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عمران بن أبي أنس.
стр. 519
وقيل له: إن ابن لهيعة وافق الليث بن سعد (يعني في تسميته عمران) فقال كلمة، ولم يلتفت إلى قول ابن لهيعة.
وسمعته -وذكر خطأ شعبة في الأسماء- فقال: جعل سلم بن عبدالرحمن: عبدالله بن يزيد، قيل له: حديث الشكال؟ قال: نعم» (١).
ونحو هذا رواه أيضا ابنه عبدالله، إلا أنه لم يذكر حديث عمران بن أبي أنس، وفي روايته أيضا أن شعبة يسمي خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وليس خالد بن عرفطة، كما ورد في رواية إسحاق، وهذا هو المعروف عن شعبة، فالظاهر أن ما في رواية إسحاق خطأ في النسخة، فإنها كثيرة التحريف.
وزاد عبدالله في روايته: «وأخطأ شعبة في اسم أبي الثورين، فقال: أبو السوار، وإنما هو أبو الثورين، قلت لأبي: من هذا أبو الثورين؟ فقال: رجل من أهل مكة مشهور، اسمه محمد بن عبدالرحمن، من قريش، قلت لأبي: إن عبدالرحمن بن مهدي زعم أن شعبة لم يخطئ في كنيته، فقال: هو السوار (كذا)، قال أبي: عبدالرحمن لا يدري -أو كلمة نحوها-» (٢).
وروى الفضل بن زياد أيضا عن أحمد تخطئته لشعبة في حديث أنس بن أبي أنس، وفي حديث الشكال، وفيه قول أحمد: «إنما وهم شعبة في الأسماء» (٣).
стр. 520
وحديث خالد بن علقمة الذي أشار إليه أحمد تقدم ذكره في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو حديث يرويه خالد، عن عبد خير الهمداني، عن علي، في صفة الوضوء، وقد رواه جماعة كثيرون عنه فسموه كذلك: خالد بن علقمة، منهم زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وشريك، وقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في تسميته (١).
وأما حديث عمران بن أبي أنس، فيرويه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس -هكذا يسميه شعبة- عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي ﷺ (٢).
ورواه الليث بن سعد، وابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس (٣).
وقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في هذا الإسناد في مواضع منه، أحدها
стр. 521
ما ذكره أحمد، منهم البخاري، وأبو حاتم، والترمذي (١).
وأما حديث الشكال فيرويه شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يكره الشكال من الخيل» (٢).
وتابع شعبة سفيان الثوري، لكنه خالف شعبة في اسم شيخه، فسماه سلم بن عبدالرحمن النخعي (٣)، وهو الذي صوبه أحمد.
وأما حديث أبي الثورين فيرويه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه, عن ابن عمر: «أنه نهاه عن صيام يوم عرفة».
ورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عبدالرحمن القرشي -وهو اسم أبي الثورين-.
ورواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي السَّوَّار، وخطأه في ذلك أحمد، وكذا خطأه ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: «إن لم يكن لقب فقد أخطأ شعبة، إلا أن يكون كان يكنى بكنيتين» (٤).
стр. 522
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه شعبة، عن منصور، عن الفيض [عن] ابن أبي حثمة، عن أبي ذر: «أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني، وأذهب عني الأذى»، فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي، عن أبي ذر، وهذا الصحيح، وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال … » (١).
ومن الجوانب أيضا أن يعرف عن الراوي خطؤه في صيغ التحديث, فيبدل العنعنة بالتصريح, ونحو ذلك, فإذا كان الاختلاف من هذا النوع قدمت رواية غيره على روايته, وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» ذكر بعض هؤلاء (٢).
стр. 523
ومن الجوانب كذلك أن جماعة من الرواة اشتهر عنهم التصرف في متن الحديث، إما بالاختصار، أو بروايته على المعنى، وقد تقدم في نهاية المبحث الذي قبل مبحثنا هذا ذكر بعضهم وأسباب فعلهم هذا، فإذا خالف من عرف عنه هذا غيره في متن الحديث فالقول قول مخالفه، وتكون قرينة على خطئه.
وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول أمثلة كثيرة على الرواية بالمعنى, ومن الأمثلة أيضا أن سليمان بن حرب روى عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن عن يمينه، ولا عن يساره، ولا بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى … ».
قال ابن أبي حاتم: «أخطأ سليمان بن حرب فيما روى من متن هذا الحديث، بأن لا يبزق عن يساره، فقد حدثنا أبي، عن أبي الوليد، وآدم العسقلاني، عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه» هكذا متن حديث أبي الوليد، وآدم، عن شعبة … »، ثم ذكر رواية هشيم للحديث عن القاسم بن مهران كذلك (١).
стр. 524
ويلتحق به ما عرف عن جماعة من الرواة أهل نظر وفقه، أنهم إذا رأوا في الحديث شيئا مشكلا لمعارضته دليلا أقوى منه حذفوه من روايتهم، لاعتقادهم أن هذا الجزء لا يثبت، وربما فعلوه لأسباب أخرى، كوجود علة في بعض الحديث، أو يكون الجزء المسقط ليس من غرضه, كأن يكون موقوفا، وعرف ذلك عن مالك بن أنس، والبخاري، وغيرهما.
ويوجد هذا الصنيع في الأسانيد، يتصرف الراوي في الإسناد إذا رأى فيه ما يوجب ذلك.
والتصرف في الإسناد والمتن موجود بكثرة، إما ليستقيم الإسناد أو المتن بحسب رأي فاعله، أو لاستضعافه أحد رواته, أو دفاعا عن الراوي الذي يرونه قد أخطأ، وهو ما يعرف بـ (الستر على الواهم) (١).
فمتى خولف من عرف عنه ذلك فالراجح قول مخالفه، وكذلك إذا عرفنا
стр. 525
هذا في حديث بعينه.
وهذه مسألة دقيقة جدا، أعني تصرف الراوي في الإسناد أو المتن عمدا، بالزيادة، أو النقصان، أو التعديل، بحاجة إلى من يخصها ببحث مستقل، لطرافتها، وعمقها، يوضح في هذا البحث أنواع تصرفاتهم، والأغراض التي دفعتهم لارتكاب هذا الصنيع، ومن يكثر منه، وغير ذلك.
وكذلك ما يعرف عن الراوي من تقصيره بالإسناد, وهو في الأصل تام, كوقف المرفوع, وإرسال الموصول، فيراعى هذا الجانب عند النظر في روايته ورواية مخالفه, وقد تقدم في المبحث الذي قبل هذا ذكر جماعة منهم وأسباب صنيعهم.
وقال المروذي: «سألته (يعني أحمد) عن هشام بن حسان, فقال: أيوب, وابن عون, أحب إليّ, وحَسَّن أمر هشام, وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها, وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه» (١).
وقال يعقوب بن شيبة: «حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة, وكل ثقة, غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد, ويوقف المرفوع, كثير الشك بتوقيه, وكان جليلا, ولم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانا يذكر فيرفع الحديث, وأحيانا يهاب الحديث ولا يرفعه» (٢).
стр. 526
وذكر ابن رجب حديثا اختلف في رفعه ووقفه على أبي هريرة, ثم قال: «وليس وقف هذا الحديث مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا ولا يرفعها, والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها» (١).
ومن دقائق جوانب الترجيح بين الرواة أن يعرف عن الراوي أنه يخطئ في جهة ما في الإسناد أو المتن، فإذا خالف غيره وأتى بضد ما كان يعرف به من الخطأ ترجحت روايته حينئذ، كأن يعرف بوصل المراسيل، أو برفع الموقوفات، فإذا أرسل هو أو وقف ترجحت روايته.
روى بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: «قال علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت … » الحديث (٢).
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه بشر بن بكر … ، قال أبي: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد، قال: قال علي … ، قال أبي: لم يذكر عبيد بن عمير، قال أبي: تدل رواية الوليد على أن الصحيح كما رواه، بلا عبيد بن عمير، لأن الوليد رفاع.
قلت: فإذا لم يوصله الوليد فهو مرسل أشبه، بلا عبيد بن عمير؟ قال: نعم» (٣).
стр. 527
هذا ما ظهر لي من قرائن في الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي أربع قرائن، ذكرتها على سبيل الإجمال، ليسهل تصورها وفهمها، مع أن بعضها يمكن تفصيله -كما أسلفت- فتكثر هذه القرائن، والخطب سهل.
والقرائن الأربع واحدة منها ترجع إلى العدد، أي عدد من روى هذا الوجه، وعدد من روى الوجه الآخر، وثلاث منها ترجع إلى القوة، وهي: الحفظ، والمرتبة في الشيخ المختلف عليه، وما في الراوي من جوانب القوة والضعف.
* * *
стр. 528
سلسلة نقد المرويات (٣)
مقارنة المرويات
بقلم
إبراهيم بن عبد الله اللاحم
الجزء الثاني
مؤسسة الريان ناشرون