وذكر ابن رجب حديثا اختلف في رفعه ووقفه على أبي هريرة, ثم قال: «وليس وقف هذا الحديث مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا ولا يرفعها, والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها» (١).
ومن دقائق جوانب الترجيح بين الرواة أن يعرف عن الراوي أنه يخطئ في جهة ما في الإسناد أو المتن، فإذا خالف غيره وأتى بضد ما كان يعرف به من الخطأ ترجحت روايته حينئذ، كأن يعرف بوصل المراسيل، أو برفع الموقوفات، فإذا أرسل هو أو وقف ترجحت روايته.
روى بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: «قال علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت … » الحديث (٢).
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه بشر بن بكر … ، قال أبي: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد، قال: قال علي … ، قال أبي: لم يذكر عبيد بن عمير، قال أبي: تدل رواية الوليد على أن الصحيح كما رواه، بلا عبيد بن عمير، لأن الوليد رفاع.
قلت: فإذا لم يوصله الوليد فهو مرسل أشبه، بلا عبيد بن عمير؟ قال: نعم» (٣).
стр. 527
هذا ما ظهر لي من قرائن في الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي أربع قرائن، ذكرتها على سبيل الإجمال، ليسهل تصورها وفهمها، مع أن بعضها يمكن تفصيله -كما أسلفت- فتكثر هذه القرائن، والخطب سهل.
والقرائن الأربع واحدة منها ترجع إلى العدد، أي عدد من روى هذا الوجه، وعدد من روى الوجه الآخر، وثلاث منها ترجع إلى القوة، وهي: الحفظ، والمرتبة في الشيخ المختلف عليه، وما في الراوي من جوانب القوة والضعف.
* * *
стр. 528
سلسلة نقد المرويات (٣)
مقارنة المرويات
بقلم
إبراهيم بن عبد الله اللاحم
الجزء الثاني
مؤسسة الريان ناشرون
стр. 529
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 530
مقارنة المرويات
стр. 531
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
стр. 532
المبحث الثالث
القرائن في أوجه الاختلاف
يقوم الناظر في الحديث الذي وقع فيه اختلاف بإنعام النظر في صفة رواية كل وجه من وجوه الاختلاف فوق المدار، فربما يقف على قرائن تساعده في الموازنة والنظر، يضمها إلى ما وجده من قرائن في المدار نفسه، وفي الرواة المختلفين.
والمتأمل في صنيع النقاد يراهم استخدموا قرائن كثيرة في صفة الرواية، سأجتهد في عرضها بأمثلتها التوضيحية، على الطريقة السابقة في المبحثين اللذين قبل هذا، وهي ضم النظير إلى النظير، وإجمال ما يمكن إجماله في قرينة واحدة، تحتها قرائن فرعية تعود إليها، ما أمكن ذلك، والقرائن في صفة الأوجه إجمالا ترجع إلى ثلاث قرائن، وهي:
القرينة الأولى: السهولة والوعورة:
إذا اختلف الرواة على شيخهم، ورأى الناظر أن أحد الوجهين أسهل في الحفظ من الوجه الآخر، فإن رواية من روى الوجه السهل تعد مرجوحة، ورواية من روى الوجه الذي فيه وعورة راجحة، فوعورة الإسناد تدل على ضبط الراوي وحفظه، واعتنائه بروايته، وأما السهولة فعكس ذلك.
وهذه قرينة ضخمة جدا في باب الموازنة بين الروايات حين وقوع الاختلاف، يكثر استخدامها عند النقاد، وتتفرع فروعا كثيرة، كلها ترجع إلى هذا الأصل
стр. 533
الكبير، وسأذكر ما وقفت عليه من هذه الفروع، مع شرحها بأمثلتها.
وقبل ذلك أنبه إلى أن هذه القرينة الكبرى ترجع إلى أصل عظيم من أصول نقد المرويات، وهو أن ما يروى عن رسول الله ﷺ الأصل فيه أنه مسبوق بالعدم، فهو لم يحدث، فنحتاج إلى ما يرفع هذا الأصل، وهو الإسناد الذي نعتمد عليه، فكل من وضع في روايته عقبة في طريق هذا الثبوت، فالأصل معه، فوعورة الطريق إذن مرجح لرواية من سلكه.
ولن أتحدث هنا عن هذا الأصل الكبير من أصول النقد، وأترك الآن تمعنه وصلة هذه القرينة به للقارئ، فإنه -مع غيره من أصول النقد العامة- محتاج إلى دراسة خاصة، يضم إليها الحديث عن الأصول العامة المخطئة التي يأخذ بها بعض المتصدين للنقد، وأثرت سلبا على الدراسات النقدية.
والأصول العامة غير القواعد المباشرة للنقد، المتعلقة بجرح الرواة وتعديلهم وسماع بعضهم من بعض، ومقارنة رواياتهم، فالقواعد تندرج تحت الأصول لكنها ليست هي.
و قرينة السهولة والوعورة يندرج تحتها عدد من القرائن الفرعية، وهي:
أولا: سلوك الجادة وتركها:
الجادة هي الطريقة المسلوكة، ويقصد بها: الإسناد المعروف، الذي روي به أحاديث كثيرة، مثل نافع، عن ابن عمر، وعروة، عن عائشة، وأبي صالح، عن أبي هريرة، وثابت، عن أنس، ومحمد بن المنكدر، عن جابر، ونحو ذلك من
стр. 534
النسخ المشهورة.
فالراوي إذا روى الحديث -مثلا- عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ورواه راو آخر عن مالك، عن نافع، عن أبي هريرة، أو غيره ممن لم يشتهر نافع بالرواية عنه، أو اشتهر لكن دون شهرة الأول يقول أئمة النقد إن الأول سلك الجادة، وأخذ طريقا معروفا تسبق إليه الأذهان، فروايته حينئذ مرجوحة، والثاني سلك طريقا غير معروفة كالأولى ويعسر حفظها وتذكرها، فروايته راجحة.
وكذلك لو رواه الثاني عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعا، أو موقوفا، يقال عنه إنه ترك الجادة، لأن ابن عمر أكثر روايته عن النبي ﷺ ، فهو الذي يسبق إلى الذهن، وهكذا لو أرسله فرواه عن مالك، عن نافع، عن النبي ﷺ ، أو عن نافع، عن تابعي آخر، عن النبي ﷺ ، إلى غير ذلك من الصور التي لا تنتهي.
وتتفاوت درجة الركون إلى هذه القرينة بحسب شهرة الجادة المسلوكة، وبحسب وعورة الطريق الأخرى، فالطريق الأخرى -مثلا- قد تكون شديدة الوعورة، فيها طول، وفيها رواة غير مشهورين، أو غير مشهورين برواية بعضهم عن بعض، وتكون أيضا مشهورة، ولكن دون شهرة الجادة المعروفة، وأبعد منها عن الذهن، فلو روى راو عن قتادة، عن أنس، سميت هذه جادة، فإذا روى الحديث نفسه راو آخر عن قتادة، عن الحسن البصري مرسلا، يقال عن روايته هذه إنه ترك الجادة، وروايته راجحة، وإن كان هذا الطريق معروفا، قد روي به أحاديث، لكن الأول أسهل منه، وأسبق إلى الذهن، وفيه صحابي، والصحابة
стр. 535
هم الأشهر بالرواية عنه ﷺ ، ولهذا يعد بعض العلماء مجرد رفع الحديث سلوكا للجادة، ووقفه تركا لها, فالقاعدة العامة تقديم من وقف على من رفع هي من هذا الباب (١)، وهكذا يقال في الوصل والإرسال.
وقد أكثر النقاد جدا من استخدام هذه القرينة، بالتصريح أو الإشارة، ويعدها بعض الباحثين أكثر القرائن تداولا واستخداما.
وعبارات النقاد في استخدامها متعددة، فيقولون عن الراوي بالإضافة إلى تعبيرهم بأنه سلك الجادة: أخذ طريق المجرة، أو لزم الطريق، أو سلك المحجة، أو هذا أهون عليه، أو أسهل عليه، ونحو هذه العبارات، وفي الأغلب الأعم أنهم يرجحون بها دون النص عليها.
هذه ملامح عامة لهذه القرينة، يزيدها إيضاحا عرض أقوال النقاد في تقريرها، وتطبيقاتهم لها.
فمن ذلك أن يحيى بن سعيد القطان، وأبا أسامة حماد بن أسامة، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر، وخالد بن الحارث، رووا عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله بن عمر، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ قال: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، إلا أن خالد بن الحارث قال: عن بعض أزواج النبي ﷺ (٢).
стр. 536
قال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان: «كنت إذا أخطأت قال لي سفيان الثوري: أخطأت يا يحيى، فحدث يوما عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، فقلت: أخطأت يا أبا عبدالله، هذا أهون عليك، قال: فكيف هو يا يحيى؟ قلت: حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله، عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ … ، فقال لي: صدقت يا يحيى» (١).
وقد سلك بهذا الحديث الجادة أيضا حماد بن سلمة، فرواه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وخطأه في ذلك أبو زرعة، وأبو حاتم (٢).
وروى يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن بشر، وعبدة بن سليمان، وإبراهيم بن طهمان، وعبيدة بن حميد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس» (٣).
стр. 537
قال أبو بكر بن خلاد: «سمعت يحيى بن سعيد قال: حدث سفيان، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس»، قال: فقلت له: تعست (أي: عثرت) يا أبا عبدالله، قال لي: كيف هو؟ قلت: حدثني عبيدالله، قال: حدثني نافع، عن سالم، عن أبي الجراح، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ ، قال: صدقت» (١).
وروى سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن امرأة يقال لها: أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة الفهرية، عن أبيها، عن النبي ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة -وأشار سفيان بأصبعيه-» (٢).
قال الحميدي: «قيل لسفيان: فإن عبدالرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك، قال سفيان: وما يدريه؟ أدرك صفوان؟ فقالوا: لا، ولكنه قال: إن مالكا قاله عن صفوان، عن عطاء بن يسار، وقاله سفيان، عن أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة، عن أبيها، فمن أين جاء بهذا الإسناد؟ فقال سفيان: ما أحسن ما قال، لو قال لنا صفوان: عن عطاء بن يسار، كان أهون علينا من أن يجيء بهذا الإسناد الشديد» (٣).
стр. 538
وروى سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، أنه سمع أبا بكر وهو واقف على قزح، وهو يقول: «أيها الناس أصبحوا … » الحديث (١).
ورواه المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.
قال أحمد: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فمن أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح … »؟ »، ثم قال أحمد: «وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع» (٢).
وقال الحميدي: «قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد المنكدر قلت: لأنظرن حفظه، فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك … ، قال: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح»؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه» (٣).
стр. 539
وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، قال: «صلى عمر بن الخطاب الصبح بمكة … » الحديث.
ورواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري.
فروى ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبدالأعلى، عن الشافعي قوله في نقده لرواية ابن عيينة: «اتبع سفيان بن عيينة في قوله: عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن: المجرة -يريد: لزم الطريق-».
قال ابن أبي حاتم معلقا على كلام الشافعي: «وذلك أن مالكا، ويونس بن يزيد، وغيرهما، رووا عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، … ، عن عمر، فأراد الشافعي أن ابن عيينة وهم، وأن الصحيح ما رواه مالك» (١).
وقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «أن النبي ﷺ رأى رجلا ثائر الشعر، فقال: أما وجد هذا ما يسكن به شعره، ورأى رجلا وسخ الثياب … »، فقال: ما أنكره من حديث، ليس إنسان يرويه -يعني عن ابن المنكدر- غير حسان، قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلا صالحا، وكان يعرف بجابر، مثل ثابت، عن أنس،
стр. 540
وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدث بالشيء مرسلا، فجعلوه عن جابر» (١).
ومراد أحمد أن ثابتا معروف بالرواية عن أنس، ولكنه يروي أيضا عن يزيد الرقاشي، ويزيد هذا متروك الحديث، فيغلطون على ثابت، يجعلون روايته عن يزيد مما يرويه عن أنس، لشهرته بالرواية عن أنس، وكذلك محمد بن المنكدر معروف بالرواية عن جابر، ولكنه أيضا يحدث بأحاديث يرسلها، ليست عن جابر، فيغلط عليه الرواة، ويجعلونها عن جابر.
وذكر أحمد لأحاديث ثابت، عن يزيد الرقاشي، التي يحيلها الرواة خطأ إلى رواية عن ثابت، عن أنس، إنما هو على سبيل التمثيل، فالرواة يحيلون خطأ أيضا ما يرويه ثابت، عن الحسن البصري، وما يرويه مرسلا، وغير ذلك، إلى روايته عن أنس، وهكذا يقال فيما ذكره أحمد في شأن محمد بن المنكدر.
وقد أكثر أحمد من بيان إحالة أهل البصرة الأحاديث خطأ إلى سلسلة (ثابت، عن أنس) لشهرته بالرواية عنه، وشهرة هذه السلسلة بالبصرة، وإحالة أهل المدينة إلى سلسلة (محمد بن المنكدر، عن جابر) لشهرته بالرواية عنه، وشهرة هذه السلسلة بالمدينة (٢).
стр. 541
وروى سهل بن حماد أبو عتاب، عن عبدالله بن المثنى، عن ثمامة بن عبدالله، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه … » الحديث (١).
ورواه حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أبي هريرة (٢).
قال ابن أبي حاتم: «قال أبو زرعة: وهذا (يعني حديث أبي هريرة) الصحيح، وقال أبي: هذا أشبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، ولزم أبو عتاب الطريق، فقال: عن عبدالله، عن ثمامة، عن أنس … » (٣).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه زهير بن عباد، عن حفص بن ميسرة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
стр. 542
النبي ﷺ : «إن الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، كأنما ناصيته بيد شيطان».
قال أبي: هذا خطأ، كنا نظن أنه غريب، ثم تبين لنا علته، قلت: وما علته؟ قال: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، وإياك، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مليح بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا، قال ابن عيينة: فقدم علينا محمد بن عمرو، فأتيته فسألته، فحدثني عن مليح بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا.
وقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عجلان، عن محمد بن عمرو، عن مليح، عن أبي هريرة موقوفا.
قال أبي: فلو كان عند ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، لم يحدث عن محمد بن عمرو، عن مليح، عن أبي هريرة» (١).
وروى صدقة بن عبدالله السمين، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «لا طلاق قبل نكاح» (٢).
سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، والصحيح ما رواه الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثني من سمع طاوس، فلو كان سمع من جابر لم يحدث عن رجل، عن طاوس، مرسلا» (٣).
стр. 543
وروى محمد بن سليمان ابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى الله له بيتا في الجنة» (١).
سئل عنه أبو حاتم فقال بعد أن بين أنه خطأ: «كنت معجبا بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت: سهيلا، عن أبي إسحاق، عن المسيب، عن عمرو بن أوس، عن أم حبيبة، فعلمت أن ذاك لزم الطريق» (٢).
وكذا قال ابن عدي: «هذا من ابن الأصبهاني، حيث قال: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان هذا الطريق أسهل عليه، إنما روى هذا سهيل عن أبي إسحاق، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة» (٣).
وروى حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن زيد: «أن النبي ﷺ طلق حفصة بنت عمر تطليقة … » الحديث (٤).
ورواه الحارث بن عبيد أبو قدامة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس.
سئل عنهما أبو حاتم فقال: «الصحيح حديث حماد، وأبو قدامة لزم
стр. 544
الطريق» (١).
وروى محمد بن سليمان ابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعا: «مدمن الخمر كعابد وثن» (٢).
وخالفه سليمان بن بلال، فراه عن سهيل، عن محمد بن عبدالله، عن أبيه، عن النبي ﷺ (٣).
قال ابن عدي بعد أن روى حديث ابن الأصبهاني: «هذا الخطأ من ابن الأصبهاني، حيث قال: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، كان هذا الطريق أسهل عليه، وقد روي عن سهيل بإسناد آخر مرسلا» (٤).
وأما الأمثلة التي سلك فيها الراوي الجادة، ورجح النقاد قول من تركها، دون النص على هذه القرينة فهي كثيرة جدا، لا تكاد تحصى، فهي موجودة في كافة النسخ المشهورة، مثل قتادة، عن أنس، وأبي الزبير، عن جابر، وأبي صالح، عن أبي هريرة، وسالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، وعروة بن الزبير، عن عائشة،
стр. 545
وعلقمة بن قيس، عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس.
ثم من نزل عن هؤلاء، مثل شعبة، عن قتادة، عن أنس، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة, عن أنس، والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والزهري، عن عروة، عن عائشة.
والترجيح بترك الجادة يتأكد إذا كان من تركها أتى بإسناد فيه ضعف، أو فيه نزول، فإن الرواة يرغبون عن هذا، فلو كان عند الراوي بالسلامة منهما لكان هو الذي يرغب فيه، ويحدث به الراوي، وقد تقدم ذلك في الأمثلة السابقة، حيث نص عليه أبو حاتم (١).
فترجيح الوقف على الرفع، والإرسال على الوصل، ينتظم كون الرفع والوصل أسهل على الراوي، إذ الحديث عادة يكون فيه صحابي، ويرفع إلى رسول الله ﷺ ، فمن ترك ذلك فهو الذي حفظ، وينتظم أيضا كون الوصل والرفع أرغب عند الرواة، لحرصهم على الرواية لحديثه ﷺ سالما من شيء في إسناده، فمن ترك الرفع أو الوصل فقد حفظ.
ويؤكد هذا أن مجرد عدول الراوي عن الإسناد القوي، أو الإسناد العالي، إلى ضدهما, دليل على حفظه, خاصة إذا كان الأضعف، أو الأنزل، فيه وعورة ، ولو لم يكن الآخر قد سلك جادة، وهو قد تركها، والترجيح بهذا حقه أن يكون قرينة مستقلة، فرغبة الراوي -خاصة إذا كان ذا معرفة وفهم- بالأقوى والأعلى،
стр. 546
فلا يعدل عنهما إلا وقد حفظ، والجامع بينه وبين سلوك الجادة، هو أن ترك الراوي لما يُرغب فيه مظنة لكونه هو الذي حفظ.
ومن أمثلة ذلك ما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الأول منه، وهو الاختلاف بين يحيى القطان، ووكيع، في الرواية عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، أو عن الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، وقول وكيع -وهو الذي يجعله عن الثوري، عن ليث-: «منصور كان أحب إلينا».
وروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ : «أنه طاف على نسائه في غسل واحد».
سئل عنه أبو زرعة، فقال: «هذا خطأ، أخطأ ضمرة، إنما هو: الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس»، ثم قال أبو زرعة: «لو كان عند الثوري عن حميد، عن أنس، كان لا يحدث به عن معمر، عن قتادة، عن أنس» (١).
ومراد أبي زرعة أن إسناد الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس, فيه نزول, فإن معمرا من أقران الثوري, فلو كان عنده عن حميد, عن أنس لم يحدث به بذلك الإسناد، ويدع هذا.
стр. 547
وروى إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: «أبردوا بالظهر» (١).
ورواه أبو عوانة، عن طارق بن عبدالرحمن، عن قيس، قال: سمعت عمر بن الخطاب, قوله، ورواه وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: كان يقال … (٢).
قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: أخاف أن يكون هذا الحديث (يعني الموقوف على عمر) يدفع ذاك الحديث (يعني حديث المغيرة المرفوع)، قلت: فأيهما أشبه؟ قال: كأنه هذا، يعني حديث عمر، قال أبي في موضع آخر: لو كان عند قيس، عن المغيرة، عن النبي ﷺ , لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوف» (٣).
والرواية لها قوانين، كما أن النقد له قوانين، وقوانين الرواية توظف أحيانا في النقد، كما هو واقع هنا، و من أهم قوانين الرواية حرص الرواة على الأتم صورة ومعنى ، وفي قصة لسفيان بن عيينة مع أصحابه ما يوضح هذا.
روى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج يقول: «كنا أكثر الأنصار حقلا … » الحديث في قصة المخابرة، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان بن عيينة: «فقيل لسفيان: فإن مالكا يرويه عن ربيعة، عن حنظلة، وما كان يرجوه إذا كان عند يحيى،
стр. 548
ويحيى أحفظهما؟ فقال سفيان: لكنا حفظناه من يحيى» (١).
والمعنى -والله أعلم- أنهم يسألون سفيان: لم يرويه مالك عن ربيعة، وهو عند يحيى بن سعيد، ويحيى أحفظهما؟ غرضهم من ذلك مراجعة سفيان خشية أن يكون غلط في روايته له عن يحيى بن سعيد، فأكد لهم حفظه له عن يحيى بن سعيد.
وفي ختام الحديث عن هذه القرينة أنبه إلى أنها إنما تستخدم في الاختلاف, حيث مدار مختلف عليه على وجهين أو أكثر, وأنبه على هذا وإن كان الكلام هنا كله في الاختلاف, والاختلاف لا بد له من مدار, لأني رأيت بعض الباحثين اختلط عليه الأمر, فيذكرها في موضع خطأ الراوي ونقله الحديث من إسناد إلى إسناد آخر جديد يخطئ فيه.
فمن ذلك توارد عدد من الباحثين على ذكر هذه القرينة في الحديث الماضي في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول, وهو ما رواه جرير بن حازم,
عن ثابت, عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»، فإن
стр. 549
جريرا غلط فيه, فثابت لم يروه أصلا, وإنما رواه حجاج الصواف, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدالله بن أبي قتادة, عن أبيه, وقد حدث به حجاج في مجلس ثابت, فظن جرير أنه مما سمعه من ثابت, ومع خطأ جرير فليس هناك جادة سلكها وتركها غيره, وإنما يكون ذلك لو كان الصواب فيه مثلا أنه عن ثابت, عن عبدالله بن أبي قتادة, عن أبيه, فرواه جرير, عن ثابت, عن أنس.
ثانيا: زيادة راو أو أكثر في الإسناد ، وحذفه:
إذا زاد بعض الرواة راويا أو أكثر في الإسناد، وأسقطه بعضهم، فرواية من زاده راجحة، ورواية من أسقطه مرجوحة، ومردّ ذلك إلى السهولة والوعورة، فحذفه من الإسناد أسهل للحفظ، فمن ذكر الزيادة فقد حفظ، إذ سلوكه للطريق الوعرة يدل على حفظه.
فوجه ترجيح قبول الزيادة هو أن حذفها أسهل للحفظ، وذكرها يحتاج إلى مزيد حفظ وتيقظ. فمن ذكرها فروايته أرجح.
قال ابن القطان في تقرير ترجيح الزيادة في الإسناد: «المحدث إذا روى حديثا عن رجل قد عرف بالرواية عنه والسماع منه، ولم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وإنما جاء به بلفظة (عن)، فإنه يحمل حديثه على أنه متصل، إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس، فيكون له شأن آخر.
وإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعنا، غلب على الظن أن الأول منقطع، من حيث يبعد أن يكون
стр. 550
قد سمعه منه، ثم حدث به عن رجل عنه، وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله، وقيام الريب في ذلك.
ويكون هذا أبين في اثنين لم يعلم سماع أحدهما من الآخر، وإن كان الزمان قد جمعهما.
وعلى هذا المحدثون، وعليه وضعوا كتبهم، كمسلم في كتاب «التمييز»، والدارقطني في «علله»، والترمذي، وما يقع منه للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، تجدهم دائبين يقضون بانقطاع المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما، بخلاف ما لو قال في الأول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت … » (١).
وقد يحكمون بقبول الزيادة وترجيحها، والحكم بالانقطاع، مع وجود التصريح بالتحديث، إذا قويت القرينة على ذلك.
ومن الأمثلة على استخدام النقاد لهذه القرينة، أن حجاجا الصواف روى عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى»، وفي بعض الروايات عن حجاج الصواف تصريح عكرمة بالتحديث عن الحجاج بن عمرو (٢).
ورواه معاوية بن سلام، ومعمر، وسعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن
стр. 551
أبي كثير، عن عكرمة، عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو، وفي بعض رواياته أن عبدالله بن رافع سأل الحجاج بن عمرو عمن حبس وهو محرم، فروى له الحديث (١).
قال البخاري: «رواية معمر، ومعاوية بن سلام أصح» (٢).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ قال: «من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بيت في الجنة».
فقال أبي: لهذا الحديث علة، روى ابن لهيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ .
قال أبي: هذا دليل أن مكحولا لم يلق عنبسة، وقد أفسده رواية ابن لهيعة.
قلت لأبي: لم حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه» (٣).
стр. 552
وروى الأعمش، ومنصور بن المعتمر -في المشهور عنهما- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عمرو بن شرحبيل, عن ابن مسعود حديث: «سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم … ».
ورواه واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ليس فيه عمرو بن شرحبيل (١).
قال الترمذي بعد أن ساق رواية الأعمش، ومنصور، من طريق سفيان الثوري عنهما، ورواية واصل الأحدب: «حديث سفيان عن منصور، والأعمش، أصح من حديث واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا» (٢).
و يستمر ترجيح الزيادة ما لم يكن ذكر الزيادة أسهل في الحفظ وأسبق إلى الذهن، فيكون من زاد سلك الجادة، فيقدم عليه من ترك الزيادة ، وهذا مقام دقيق جدا في طريقة تطبيق القرينتين.
وأكثر ما يظهر هذا في حذف الصحابي من الأسانيد المشهورة، أو وقف
стр. 553
الحديث، فإذا روى الحديث راو عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه آخر عن الأعمش، عن أبي صالح مرسلا، فقول من أرسله أولى أن يكون راجحا، فإن ذكر أبي هريرة أسهل في الحفظ، وأسبق إلى الذهن، لكثرة ما روى أبو صالح، عن أبي هريرة، وهكذا يقال في الرفع والوقف، وقد تقدم هذا في قرينة سلوك الجادة.
وكذلك لو زاد أحد الرواة عن شيخه اسم راو دون الصحابي هو جادة له، وحذفه آخر، فالراجح أن من حذفه قد حفظ، كما لو روى بعض أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن عائشة, فالقول قول من حذف عمرة.
ومثاله حديث أبي مرثد الماضي في المبحث الثاني, فقد راوه ابن المبارك, عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر, عن بسر بن عبيدالله, عن أبي إدريس, عن واثلة بن الأسقع, عن أبي مرثد, ورواه جماعة عن ابن جابر فأسقطوا واثلة.
قال أبو حاتم: «بسر سمع من واثلة, وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس, فغلط ابن المبارك, فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس, عن واثلة, وقد سمع هذا الحديث من واثلة نفسه … » (١).
ويظهر كذلك في مجيء اسم شخص في متن الحديث في رواية، ومجيئه في الإسناد في رواية أخرى، فالذي ذكره في الإسناد سلك الجادة، إذ المتبادر إلى
стр. 554
الذهن حين ورود اسم شخص أن يكون راويا، فمن ذكره في المتن قد ترك الجادة، وروايته حينئذ هي الراجحة.
وأكثر ما يرد ذلك في الصحابي، فيجعله بعض الرواة من مسنده، ويجعله بعضهم في القصة، أي في متن الحديث، وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أمثلة لهذا (١).
ومن دقيق أمثلة هذا النوع ما رواه جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي وائل، عن عبدالله، أن النبي ﷺ قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (٢).
فالناظر في الإسناد لأول وهلة لا يتردد في أن صحابيه هو عبدالله بن مسعود، لشهرة أبي وائل بالرواية عنه، لكنه ليس هو، ولذا احتاج النسائي إلى أن يقول بعد إخراجه: «ولا أحسب هذا عن عبدالله بن مسعود».
وهو كما قال، فإن عبدالله هو ابن حذافة السهمي، وليس هو في إسناد الحديث على الراجح، وإنما يروي أبو وائل قصته مرسلة، قال البخاري وقد سئل عن رواية جرير بن عبدالحميد الموصولة: «إنما هو: مغيرة، عن أبي وائل مرسلا، أن النبي ﷺ … ، وإنما هو: قال عبدالله بن حذافة للنبي ﷺ » (٣).
стр. 555
ويأتي أيضا فيمن دون الصحابي، ومثاله ما رواه أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن ابن مُعَيْن (أو معيز)، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي ﷺ : «أنه قال لرسول مسيلمة: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك» (١).
ورواه سفيان الثوري، والمسعودي، وسلام أبو المنذر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به (٢).
قال أبو حاتم بعد أن سئل عن رواية أبي بكر بن عياش، والثوري: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصما حكى عن أبي وائل: أن رجلا يقال له أبو مُعَيْن مر بمسجد بني حنيف … ، فجعل أبو بكر: عن ابن مُعَيْن، والثوري أفهم» (٣).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سفيان بن حسين، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، وعن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم، عن شريح بن أرطاة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، في المباشرة للصائم.
فقالا: هذا خطأ، رواه شعبة، عن الحكم، فحدثنا أبي، عن آدم، وعبدالله بن رجاء، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، قال: كان علقمة، وشريح بن أرطاة، عند عائشة، فقالت عائشة: «كان رسول الله ﷺ يقبل، ويباشر، وهو صائم» (٤).
стр. 556
وفي كثير من الأحيان تجتمع القرينتان، ولهذا صور، من أشهرها أن يروي الحديث راو عن شيخ على الجادة المشهورة، ثم يرويه آخر عن الشيخ نفسه بزيادة راو في الإسناد، فتترجح رواية الثاني بالقرينتين، قرينة ترك الجادة، وقرينة زيادة الراوي.
ومن أمثلة ذلك حديث أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم؟ … »، الآنف الذكر، فالجادة المعروفة أن يروي أبو وائل، عن ابن مسعود مباشرة، ليس بينهما أحد، وقد روي بها أحاديث كثيرة، وأبو وائل معروف بالرواية عن ابن مسعود، من كبار أصحابه، فلما جاءت زيادة عمرو بن شرحبيل، كان من زادها ترك الجادة، فدل على حفظه، وزاد في الإسناد رجلا فدل على حفظه أيضا.
ومن ذلك أن هشاما الدستوائي، وعلي بن المبارك، رويا عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبلني وهو صائم» (١).
стр. 557
ورواه شيبان بن عبدالرحمن، ومعاوية بن سلام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة (١).
ورواه عقيل بن خالد، ومعمر، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وفي رواية عقيل تصريح أبي سلمة بالتحديث عن عائشة (٢).
قال البخاري: «كأن حديث شيبان عندي أحسن».
وقال أبو حاتم وقد سئل عن حديث الزهري: «روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم»، وروى معاوية بن سلام، وشيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، [و] حديث يحيى بن أبي كثير أشبه من حديث عقيل، كان الزهري أضبط من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن أخاف أن يكون لم يضبط عقيل عنه» (٣).
стр. 558
وكذا قال الدارقطني لما ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير: «القول قول شيبان ومن تبعه ممن ذكر فيه عمر بن عبدالعزيز» (١).
وروى أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن النبي ﷺ ، قال: «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة … » (٢).
ورواه عاصم الأحول -في المشهور عنه- وأبو غفار الطائي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان (٣).
قال البخاري عن الرواية الثانية التي فيها الزيادة: «هذا أصح، وأحاديث أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، ليس فيها أبو الأشعث، إلا هذا الحديث الواحد» (٤).
ثالثا: الفصل والإدراج في الرواية:
إذا روى أصحاب الراوي عنه حديثا, وساقه بعضهم مساقا واحدا في
стр. 559
إسناده ومتنه، وبعضهم فصَّل في روايته، فرواية من فصل مقدمة على رواية من ساقه مساقا واحدا، وهو أحرى أن يكون حفظ وأتقن، فكونها رواية واحدة أسهل عليه، فعدوله عن الأسهل إلى الأصعب دليل على حفظه وإتقانه لهذا الحديث.
ولهذا صور متعددة، منها أن يروي الرواة حديثا فيجعله بعضهم كله عن صحابي الحديث، عن النبي ﷺ ، ويخالفهم آخرون، فيجعلون بعضه من كلام النبي ﷺ ، وبعضه موقوفا على الصحابي، أو من دونه، أو يجعلون بعضه من رواية تابعيه عن صحابي آخر، أو عن التابعي مرسلا ليس فيه الصحابي، إلى غير ذلك.
وتطبيقات هذه القرينة واسعة جدا، وعليها بنى الخطيب البغدادي كتابه: «الفصل للوصل المدرج في النقل»، والسبب في ذلك ظاهر، وهو كثرة تداخل الروايات، ومن يصدر عنه النص، فالصحابي أو التابعي يسوق الحديث مستدلا به على قول قاله، أو يعقب على النص النبوي بكلام من عنده، وممن يفعل هذا من الصحابة أبو هريرة، وعائشة، وكذلك يفعل من بعدهم، واشتهر بذلك جماعة مثل الزهري، ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن طهمان، وعبدالله بن وهب، وغيرهم.
وأيضا عرف بعض الرواة بسعة الرواية، فيسوق الحديث الطويل بعضه بإسناد، وبعضه بإسناد آخر، أو أكثر من ذلك، وربما أرسل بعض الحديث، وممن عرف بذلك الزهري، ومحمد بن إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وغيرهم.
стр. 560
قال مالك: «قال ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي ﷺ » (١).
وقال أحمد في يونس بن يزيد: «كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد … ، كان يكتب -أرى- أول الكتاب، فينقطع الكلام، فيكون أوله عن سعيد، وبعضه عن الزهري، فيشتبه عليه، ويونس يروي أحاديث من رأي الزهري يجعلها عن سعيد» (٢).
وقال أبو حاتم: «كان الزهري يحدث بالحديث، ثم يقول على إثره كلاما، فكان أقوام لا يضبطون، فجعلوا كلامه في الحديث، وأما الحفاظ وأصحاب الكتب فكانوا يميزون كلام الزهري من الحديث» (٣).
ومن أشهر ما يمثل به لهذه القرينة حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة».
هكذا يرويه ابن عيينة، لم يختلف عليه في ذلك، وكان يدافع عن روايته.
ورواه عقيل، وزياد بن سعد، وابن جريج، وموسى بن عقبة، وغيرهم،
стр. 561
عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر، كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يمشون أمامها».
قال أحمد: «هذا الحديث أن رسول الله ﷺ … ، إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة كأنه وهم»، ونحوه للنسائي.
وإنما قال ذلك أحمد، والنسائي، لأن جماعة من كبار أصحاب الزهري، منهم مالك، ويونس بن يزيد، ومعمر، صرحوا بفصل الموصول -وهو فعل ابن عمر- عن المرسل، وهو ما حكاه الزهري، عن فعل النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فذكروا المرسل أولا، ثم قول الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
وتوارد أئمة النقد على ترجيح المرسل، كابن المبارك، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وأن ابن عيينة وهم في وصل الحديث كله، ولعله وقع في ذلك بسبب أن الزهري ربما عطف المرسل على الموصول، فجاءت صورته كله كأنه موصول، وقد وقع هذا لبعض الرواة المتأخرين في غير طريق ابن عيينة.
قال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (١).
стр. 562
وفي كتاب الخطيب المشار إليه آنفا أمثلة كثيرة.
و يزداد الأمر غموضا في موضوع الإدراج إذا تصرف الراوي الذي وقع منه الإدراج، أو من دونه في الرواية، فاكتفى بسوق الرواية التي وقع فيها الإدراج ، وساقها على صفتها وهي مدرجة، فيصعب التمييز حينئذ، ويشتد الحمل عليه، فيقولون عنه إنه وهم وهما فاحشا، أو وهما غليظا.
ومن أمثلة ذلك حديث نافع، عن ابن عمر فيما يجتنبه المحرم، وفيه: «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين»، هكذا رواه جماعة من أصحاب نافع، منهم الليث بن سعد، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وجويرية بن أسماء، وغيرهم.
وروى هذا الجزء المتعلق بالمرأة عن نافع جماعة آخرون فوقفوه على ابن عمر، منهم مالك، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وفي رواية عبيدالله بن عمر سوقه في المرفوع، وفصله عنه بالتصريح بأنه قول ابن عمر.
стр. 563
ورواه جماعة آخرون عن نافع فلم يذكروا هذه الزيادة لا مرفوعة ولا موقوفة، منهم عمر بن نافع، وعبدالله بن عون، وغيرهما.
ورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، فرفع هذا الجزء، واقتصر عليه، فلم يذكر ما قبله، وكذا جاء في بعض الطرق إلى محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء (١).
ورجح النقاد في هذا الحديث وقف الجزء منه، وأنه من كلام ابن عمر، قال ابن حجر: «عبيدالله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك، وهو ضعيف, وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم، فهو أولى» (٢).
стр. 564
ومن هذا الباب -الفصل والإدراج- ما يطلق عليه: (الحمل)، وهو حمل رواية على رواية أخرى، وصورته أن يروي شخص رواية يقرن فيها بين اثنين أو أكثر من شيوخه، أو من فوقهم، سواء بعطف بعضهم على بعض، أو بطريقة تحويل الإسناد، ويسوقها مساقا واحدا في المتن والإسناد، ثم يوقف على رواياتهم مفردة من طريق آخر، وفي رواية بعضهم مخالفة في المتن أو الإسناد للرواية الأولى المقرونة، فيستشف من هذا أن راوي الرواية المقرونة قد ساق الرواية على صفة رواية الآخرين، وجعلها للجميع، والمقدم عند حدوث هذا: الرواية المفردة، فراوي الرواية المقرونة تجوز وسلك الأسهل عليه, ويقول النقاد في وصف صنيعه هذا: حمل رواية فلان على رواية فلان.
وقرن الرواية برواية أخرى كثير جدا عند الرواة، خاصة عند المؤلفين لكتب السنة، كما نراه واضحا في «صحيح مسلم»، «وصحيح ابن خزيمة»، من أجل الاختصار، وتلخيص الروايات، وربما وقع تجوز من الراوي في إدراج رواية بأخرى، وعدم التمييز بينهما، فالقاعدة أن الروايات المفردة مقدمة على الروايات المقرونة عند وقوع اختلاف بينها في المتن أو الإسناد.
وقد خصص الخطيب في كتابه الآنف الذكر الباب الأخير منه لهذا النوع، وذكر فيه أمثلة كثيرة، واستفتحها بالحديث المتقدم في قرينة زيادة راو وحذفه، وهو حديث أبي وائل شقيق بن سلمة, عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم … » الحديث، فقد تقدم هناك أن الأعمش، ومنصور بن المعتمر، يرويانه عن أبي وائل، عن عمرو، عن ابن مسعود، وأن
стр. 565
واصلا الأحدب لا يذكر عمرو بن شرحبيل، وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن الثلاثة بذكر عمرو بن شرحبيل، ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن الثوري، عن الثلاثة، فميز رواية واصل، بإسقاط عمرو، وهذا هو الصحيح عن واصل، فقد رواه شعبة، ومهدي بن ميمون، عن واصل كذلك، قال أبو بكر النيسابوري: «يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن بن مهدي، ولابن كثير، فجعل إسنادهم واحدا، ولم يذكر بينهم خلافا، وحمل حديث واصل على حديث الأعمش، ومنصور … ».
ويحتمل أن يكون الإدراج ممن بعد الثوري (١).
ومن الأمثلة أيضا الحديث الماضي آنفا وهو حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة».
فهذا الحديث رواه همام بن يحيى، عن زياد بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وبكر بن وائل الكوفي، وسفيان، بنحو هذا المتن (٢).
قال الترمذي في نقد رواية همام: «إنما هو سفيان بن عيينة، روى عنه همام».
يريد الترمذي أن سفيان المذكور في رواية همام ولم ينسب هو سفيان بن عيينة، وإذا كان كذلك فالأقرب أن يكون هذا لفظه، وباقي الروايات محمولة