عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر، كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يمشون أمامها».
قال أحمد: «هذا الحديث أن رسول الله ﷺ … ، إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة كأنه وهم»، ونحوه للنسائي.
وإنما قال ذلك أحمد، والنسائي، لأن جماعة من كبار أصحاب الزهري، منهم مالك، ويونس بن يزيد، ومعمر، صرحوا بفصل الموصول -وهو فعل ابن عمر- عن المرسل، وهو ما حكاه الزهري، عن فعل النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فذكروا المرسل أولا، ثم قول الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.
وتوارد أئمة النقد على ترجيح المرسل، كابن المبارك، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وأن ابن عيينة وهم في وصل الحديث كله، ولعله وقع في ذلك بسبب أن الزهري ربما عطف المرسل على الموصول، فجاءت صورته كله كأنه موصول، وقد وقع هذا لبعض الرواة المتأخرين في غير طريق ابن عيينة.
قال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (١).
стр. 562
وفي كتاب الخطيب المشار إليه آنفا أمثلة كثيرة.
و يزداد الأمر غموضا في موضوع الإدراج إذا تصرف الراوي الذي وقع منه الإدراج، أو من دونه في الرواية، فاكتفى بسوق الرواية التي وقع فيها الإدراج ، وساقها على صفتها وهي مدرجة، فيصعب التمييز حينئذ، ويشتد الحمل عليه، فيقولون عنه إنه وهم وهما فاحشا، أو وهما غليظا.
ومن أمثلة ذلك حديث نافع، عن ابن عمر فيما يجتنبه المحرم، وفيه: «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين»، هكذا رواه جماعة من أصحاب نافع، منهم الليث بن سعد، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وجويرية بن أسماء، وغيرهم.
وروى هذا الجزء المتعلق بالمرأة عن نافع جماعة آخرون فوقفوه على ابن عمر، منهم مالك، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وفي رواية عبيدالله بن عمر سوقه في المرفوع، وفصله عنه بالتصريح بأنه قول ابن عمر.
стр. 563
ورواه جماعة آخرون عن نافع فلم يذكروا هذه الزيادة لا مرفوعة ولا موقوفة، منهم عمر بن نافع، وعبدالله بن عون، وغيرهما.
ورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، فرفع هذا الجزء، واقتصر عليه، فلم يذكر ما قبله، وكذا جاء في بعض الطرق إلى محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء (١).
ورجح النقاد في هذا الحديث وقف الجزء منه، وأنه من كلام ابن عمر، قال ابن حجر: «عبيدالله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك، وهو ضعيف, وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم، فهو أولى» (٢).
стр. 564
ومن هذا الباب -الفصل والإدراج- ما يطلق عليه: (الحمل)، وهو حمل رواية على رواية أخرى، وصورته أن يروي شخص رواية يقرن فيها بين اثنين أو أكثر من شيوخه، أو من فوقهم، سواء بعطف بعضهم على بعض، أو بطريقة تحويل الإسناد، ويسوقها مساقا واحدا في المتن والإسناد، ثم يوقف على رواياتهم مفردة من طريق آخر، وفي رواية بعضهم مخالفة في المتن أو الإسناد للرواية الأولى المقرونة، فيستشف من هذا أن راوي الرواية المقرونة قد ساق الرواية على صفة رواية الآخرين، وجعلها للجميع، والمقدم عند حدوث هذا: الرواية المفردة، فراوي الرواية المقرونة تجوز وسلك الأسهل عليه, ويقول النقاد في وصف صنيعه هذا: حمل رواية فلان على رواية فلان.
وقرن الرواية برواية أخرى كثير جدا عند الرواة، خاصة عند المؤلفين لكتب السنة، كما نراه واضحا في «صحيح مسلم»، «وصحيح ابن خزيمة»، من أجل الاختصار، وتلخيص الروايات، وربما وقع تجوز من الراوي في إدراج رواية بأخرى، وعدم التمييز بينهما، فالقاعدة أن الروايات المفردة مقدمة على الروايات المقرونة عند وقوع اختلاف بينها في المتن أو الإسناد.
وقد خصص الخطيب في كتابه الآنف الذكر الباب الأخير منه لهذا النوع، وذكر فيه أمثلة كثيرة، واستفتحها بالحديث المتقدم في قرينة زيادة راو وحذفه، وهو حديث أبي وائل شقيق بن سلمة, عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم … » الحديث، فقد تقدم هناك أن الأعمش، ومنصور بن المعتمر، يرويانه عن أبي وائل، عن عمرو، عن ابن مسعود، وأن
стр. 565
واصلا الأحدب لا يذكر عمرو بن شرحبيل، وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن الثلاثة بذكر عمرو بن شرحبيل، ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن الثوري، عن الثلاثة، فميز رواية واصل، بإسقاط عمرو، وهذا هو الصحيح عن واصل، فقد رواه شعبة، ومهدي بن ميمون، عن واصل كذلك، قال أبو بكر النيسابوري: «يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن بن مهدي، ولابن كثير، فجعل إسنادهم واحدا، ولم يذكر بينهم خلافا، وحمل حديث واصل على حديث الأعمش، ومنصور … ».
ويحتمل أن يكون الإدراج ممن بعد الثوري (١).
ومن الأمثلة أيضا الحديث الماضي آنفا وهو حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة».
فهذا الحديث رواه همام بن يحيى، عن زياد بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وبكر بن وائل الكوفي، وسفيان، بنحو هذا المتن (٢).
قال الترمذي في نقد رواية همام: «إنما هو سفيان بن عيينة، روى عنه همام».
يريد الترمذي أن سفيان المذكور في رواية همام ولم ينسب هو سفيان بن عيينة، وإذا كان كذلك فالأقرب أن يكون هذا لفظه، وباقي الروايات محمولة
стр. 566
عليه، يدل على ذلك أنه أمكن الوقوف على رواية واحد منهم -وهو زياد بن سعد- مفردة بلفظ آخر، وهو: عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر: «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يمشون أمامها» (١).
وعليه فلا تصح رواية زياد بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وبكر بن وائل، من رواية همام عنهم، أن تكون عاضدة لرواية سفيان بن عيينة، لكونها محمولة على رواية سفيان فيما يظهر.
وروى الترمذي عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وغير واحد، عن سفيان بن عيينة، وعن علي بن حجر، عن هشيم، كلاهما -ابن عيينة، وهشيم- عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (٢).
ورواه النسائي، عن علي بن حجر به بلفظ: «لا يتوارث أهل ملتين» (٣).
وكذلك رواه أحمد، ومسعود بن جويرية، عن هشيم بهذا اللفظ، غير أن مسعود بن جويرية أخطأ في إسناده (٤).
стр. 567
فتحرر إذن أن الصواب عن هشيم من رواية علي بن حجر هو بهذا اللفظ، وأما رواية الترمذي فقال المزي في نقدها: «كذا رواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن هشيم، بلفظ سفيان بن عيينة، حمل حديث أحدهما على حديث الآخر، والمحفوظ عن علي بن حجر لفظ النسائي عنه» (١).
ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الأول منه، وهو حديث أبي هريرة: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، فهذا هو اللفظ المشهور فيه عن سهيل بن أبي صالح، رواه الجماعة عنه، سفيان الثوري، وعبدالله بن إدريس، وأبو عوانة، وغيرهم.
ورواه سفيان بن عيينة، وزهير بن معاوية، وعبدالعزيز الدراوردي، عن سهيل، بلفظ الأمر، كما تقدم شرحه هناك.
وقد أخرجه الخطيب من طريق أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، والدراوردي، وأبي عوانة، عن سهيل، بلفظ الأمر كذلك.
ورواية أبي عوانة هذه لا شك أنها محمولة على رواية سفيان، والدراوردي، فالروايات المفردة عن أبي عوانة موافقة لرواية الجماعة عن سهيل (٢).
стр. 568
ولترجيح وقوع الحمل في الرواية لا يشترط الوقوف على رواية مفردة للراوي تخالف روايته المقرونة، إذا قامت قرينة أخرى، كشهرة هذه الرواية عن راو واحد، فإذا جاءت عن غيره في رواية مقرونة أمكن ترجيح وقوع الحمل حينئذ.
مثال ذلك الحديث الماضي في المبحث المشار إليه آنفا، وهو حديث أنس: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة»، وهو من رواية جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، مشهور عن جرير، خطأه النقاده فيه، وقد خالفه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، فروياه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا.
وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن عمرو بن عاصم، عن جرير، وهمام، عن قتادة عن أنس.
فرواية همام هذه لا تصلح أن تكون عاضدة لرواية جرير، لكونها وردت مقرونة معها، فلا بعد أن تكون محمولة عليها، يقال هذا وإن لم يوقف على رواية عن همام مفردة توافق رواية الجماعة، وذلك لشهرة الحديث الموصول عن جرير بن حازم، وأنه كان يخطئ فيه.
وروى أبو داود الطيالسي, عن أبي الأشهب جعفر بن حيان, وجرير بن حازم, وحماد بن نجيح, وسلم بن زرير, وصخر بن جويرية, عن أبي رجاء العطاردي, عن عمران بن حصين, وابن عباس, قالا: قال رسول الله ﷺ : «نظرت في الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء … » الحديث.
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذه الرواية فخطأها, وعلل ذلك بأن بعض
стр. 569
أصحاب أبي رجاء رووه عنه, عن عمران وبعضهم رووه عنه, عن ابن عباس, قال أبو حاتم: «ولا أعلم واحدا منهم يجمع عن أبي رجاء بين ابن عباس, وعمران بن حصين, عن النبي ﷺ ».
ثم ذكر ابن أبي حاتم أن أبا الأشهب, وحماد بن نجيح, وصخر بن جويرية يروونه عن أبي رجاء, عن ابن عباس (١) , وأن سلم بن زرير يرويه عن أبي رجاء, عن عمران بن حصين (٢) , وزاد ابن أبي حاتم رواة له على كل وجه.
قال ابن أبي حاتم: «وأما جرير بن حازم فلا أدري كيف يروي, فإنه لم يقع عندنا» (٣).
وكذا قال الخطيب: «كذا روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث, وخلط في جمعه بين رواية هؤلاء الخمسة» , إلى أن قال: «وأما جرير بن حازم فلا نعلم كيف كان يرويه, لأنه لم يقع إلينا حديثه إلا من رواية أبي داود هذه, مجموعا مع رواية غيره, والحديث عند أبي رجاء, عن ابن عباس, وعن عمران جميعا, إلا أنا لا نعلم أحدا اجتمعت له الروايتان عن أبي رجاء غير أيوب السختياني, فرواه أيضا عن
стр. 570
أبي رجاء عن عمران بن حصين» (١).
والشاهد هنا أن عدم الوقوف على رواية لجرير تخالف ما رواه عنه أبو داود, لا يمنع من تخطئه أبي داود فيها, وأنه حملها على رواية غيره, كما حمل رواية غيره على روايته, فجمع بين الصحابين, وقرينة ذلك أنه ظهر غلط أبي داود في الأربعة الآخرين.
وقد تقدم في «الجرح والتعديل» الكلام في جماعة من الرواة عرفوا بحمل روايات شيوخهم بعضها على بعض، وبينها اختلاف، والنقاد يعدون ذلك خللا في حفظهم تكلموا فيهم بسببه (٢)، وليس هذا الصنيع مقتصرا على هؤلاء، فهو كثير الوقوع من الرواة.
و لكثرة وقوع الحمل من الرواة شدد المحدثون في الاكتفاء بذكر اسم أحد المقرونين في الإسناد، وحذف الآخر، خاصة إذا كان المسقط ضعيفا ، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي عنهما قد دمج روايتيهما، وبينهما اختلاف، وعقد الخطيب في «الكفاية» بابا لذلك، وروى بإسناده عن حرب بن إسماعيل، عن
стр. 571
أحمد، أنه قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت، وأبان، عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتا، وأترك أبانا، قال: «لا، لعل في حديث أبان شيئا ليس في حديث ثابت،
-وقال-: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما» (١).
قال الخطيب بعد أن ضرب مثالا لهذا: «ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح، ويجعل الحديث عن الثقة وحده، خوفا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر، أو حمله عليه» (٢).
وقال ابن رجب بعد أن ذكر عن أحمد أن هذا لا يجوز فعله: «وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمول عليه» (٣).
ومع هذا التشديد فقد وقع من الرواة إفراد إحدى الروايتين، وتكون هذه الرواية المفردة في الأصل محمولة على غيرها، ومثاله أن سفيان بن عيينة يروي عن ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي حديث (القيام للجنازة)، هكذا يرويه سفيان بن عيينة، يحمل رواية ابن أبي نجيح، على رواية ليث بن أبي سليم، ورواية ابن أبي نجيح في الأصل ليس فيها أبو معمر، فهي عن مجاهد، عن علي.
стр. 572
قال الحميدي بعد أن ساق رواية ليث مفردة، وفيها أبو معمر: «وكان سفيان ربما حدثنا به عن ابن أبي نجيح، وليث، عن أبي معمر، فإذا وقفناه عليه لم يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر» (١).
قال ابن رجب: «وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين» -يعني الموصول والمنقطع-.
ثم قال ابن رجب: «وقد رواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وحده، وذكر في إسناده [أبا معمر]، وهو وهم» (٢).
وممن أفرد رواية ابن أبي نجيح، وذكر فيها أبا معمر: محمد بن منصور، رواه عنه النسائي (٣)، فإما أن يكون الإفراد منه، أو من النسائي، حذف ليث بن أبي سليم لضعفه.
والحديث مشهور عن ليث بن أبي سليم، بذكر أبي معمر، رواه أيضا جماعة عن ليث، منهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وغيرهما (٤).
وروى سفيان الثوري وغيره، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو
стр. 573
بن بجدان، عن أبي ذر مرفوعا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين … » الحديث (١).
ورواه جماعة منهم الثوري أيضا عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، وقال بعضهم: رجل من بني قشير (٢).
ورواه عبدالحميد بن محمد، وأحمد بن بكار، وأبو جعفر النفيلي، وعمرو بن هشام -فيما حدث به عنه أبو عروبة الحراني-، وإبراهيم بن يوسف، وغيرهما، رووه عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، وأيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (٣).
هكذا صنع مخلد بن يزيد، قال الدارقطني: «أحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد، لأن أيوب يرويه، عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه عن أبي ذر» (٤)، وكذا قال الخطيب (٥).
стр. 574
وإلى هنا والأمر لا إشكال فيه، لكن رواه النسائي، عن عمرو بن هشام، عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (١)، هكذا أفرد رواية الثوري, عن أيوب، وسمى فيها شيخ أبي قلابة، فإما أن يكون هذا من النسائي وإما أن يكون من عمرو بن هشام أفرده حين حدث به النسائي، فقد رواه جماعة -كما تقدم آنفا- عن عمرو بن هشام وجمع فيه بين أيوب, وخالد الحذاء.
والخلاصة أن الباحث حين نظره في الروايات عليه أن يدقق في الروايات المقرونة، إذ يحتمل أن يكون وقع فيها حمل لرواية على أخرى في المتن أو الإسناد، وإنما يعرف ذلك إذا وجد بعضها مفردا، ورأى أن الرواية المفردة فيها مخالفة للرواية نفسها وهي مقرونة، والأصل ترجيح الرواية المفردة على الرواية المقرونة، وهذا هو بيت القصيد هنا.
وعليه أيضا -من جهة ثانية- أن يدقق في الروايات المفردة متى ما ارتاب فيها، فيحتمل أيضا أن تكون أفردت من رواية مقرونة وقع فيها الحمل.
وأنا أدرك أن هذه القضايا من دقائق نقد الأسانيد، ولكن لا أرى مناصا عن التعرض لها وشرحها فهي تعرض -ولا بد- لمن يمارس النقد, وقد رأيت خللا في الالتفات لهذه القضية من قبل بعض الباحثين.
فمن ذلك حديث ابن عيينة, عن الزهري, عن سالم, عن أبيه في المشي أمام
стр. 575
الجنازة، الماضي قريبا, ذهب أحد المشايخ الفضلاء يصحح رواية ابن عيينة, ويعضدها بروايات أخرى, ومنها رواية همام بن يحيى, عن منصور بن المعتمر, وزياد بن سعد, وبكر بن وائل, قرنها همام بروايته عن سفيان بن عيينة, ولم يعرج المصحح إلى قضية حمل الروايات بعضها على بعض، وشيوعه عند الرواة, خاصة في المتون، وقد أوضحت دليل الحمل هنا فيما في سبق, وانتهى الشيخ إلى تصحيح الموصول والمرسل عن الزهري, وأنه هو الذي يفعل هذا وهذا, يعني بحسب النشاط, ونقل هذه النتيجة عن الشيخ باحث آخر، واصفا لها بأنها كلام جيد.
وهذا النتيجة فوق أنها مخالفة لقواعد النقد فهي أيضا مخالفة لإجماع أئمة الحديث على ترجيح المرسل وتوهيم ابن عيينة, كما تقدم نقله عنهم.
وكذلك حديث علي في (القيام للجنازة) الماضي آنفا, توارد على تصحيحه جمع كثير من الباحثين, من طريق سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي، الذي رواه ابن أبي شيبة ومحمد بن منصور, عن سفيان, وجعلوه عاضدا لرواية ليث بن أبي سليم, عن مجاهد, ولم يلتفتوا لكلام الحميدي، ورواية ابن المديني, بل لم يعرجوا عليهما أصلا.
وفوق ذلك أن أحد الباحثين وهو يعلق على كلام الحميدي ذكر رواية محمد بن منصور عند النسائي، ثم قال: «وهذا يرد ما زعم الحميدي من أن سفيان كان لا يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر»، كذا قال الباحث.
وروى عبدالرزاق من رواية الجماعة -وفيهم أحمد, ومحمد بن يحيى الذهلي-
стр. 576
عن معمر, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة … » الحديث (١).
ورواه مالك, وسفيان بن عيينة, وإسماعيل بن أمية, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, مرسلا ليس فيه أبو سعيد (٢).
وكذلك رواه سفيان الثوري, عن زيد, من رواية يحيى بن سعيد القطان, ووكيع بن الجراح, ومحمد بن يوسف الفريابي, عن سفيان, ورواه عبدالرزاق عن سفيان الثوري, عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار, عن رجل من أصحاب النبي ﷺ , ورواه عبدالرحمن بن مهدي, عن سفيان، عن زيد, قال: حدثني الثبت عن النبي ﷺ (٣).
وقد توارد أئمة النقد على تخطئة الوجه الموصول الذي يرويه معمر (٤).
وتعرض أحد المشايخ لطرق هذا الحديث, فذهب إلى تصحيح الموصول
стр. 577
من رواية معمر, ومما احتج به لذلك أنه قد رواه أبو الأزهر السليطي, عن عبدالرزاق، عن معمر, والثوري, عن زيد بن أسلم, وقد رواه كذلك عن عبدالرزاق, محمد بن سهل بن عسكر في بعض الطرق إليه (١) , فجعل الشيخ سفيان الثوري متابعا لمعمر على وصل الحديث بذكر أبي سعيد.
ولا يخفى ما في هذا التقرير, فإن رواية عبدالرزاق عن الثوري هذه جاء فيها سفيان مقرونا مع معمر, ومعمر هو الذي يذكر أبا سعيد, وأما الثوري فيقول: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ , هكذا يرويه عبدالرزاق في الرواية المفردة, مع أنه قد خالف الجماعة عن سفيان في زيادة: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وفيهم حفاظ ثقات مقدمون في سفيان الثوري.
وروى شعبة, وسعيد بن أبي عروبة, وهمام بن يحيى, ومعمر, وسلام بن مسكين, وهشام الدستوائي -في رواية يزيد بن زريع, ومسلم بن إبراهيم, ووهب بن جرير- عن قتادة, عن سعيد بن المسيب: «أن النبي ﷺ كفن في ريطتين وبرد أحمر» (٢).
ورواه عمران القطان، وهشام الدستوائي -في رواية محمد بن كثير,
стр. 578
وأبي داود الطيالسي- عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة (١).
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, فبدأ أولا بالنظر في الاختلاف على هشام الدستوائي, ورجح الإرسال عنه, لكونه من رواية الأكثر والأحفظ, ولا إشكال في ذلك, لكنه ذكر أن رواية الوصل عن هشام قوية, لاجتماع محمد بن كثير, وأبي داود الطيالسي عليها، كذا حرره الباحث, وأبعد النجعة جدا, فالوصل عنه ضعيف, فرواية أبي داود الطيالسي تفرد بها أحمد بن عبدالله المنجوفي وهو صدوق, عن أبي داود, وفوق ذلك -وهو موضع الشاهد هنا- أنها جاءت مقرونة مع رواية عمران القطان, فلا بعد -إن صحت الرواية عن أبي داود- أن يكون قد حملها على رواية عمران القطان, ويحتمل أن يكون ذلك من المنجوفي الراوي عنه.
ولتقريب مسألة حمل بعض الروايات على رواية أخرى أذكر بمسألة شبيهة بها تقدمت في الفصل الثاني من الباب الأول, وهي مسألة عطف إسناد أو أكثر على إسناد آخر، فللعطف مشكلات تقدم الحديث عنها هناك, يهمنا منها هنا أن العطف يقع فيه تجوز وتسامح في صفته, فيعطف إسناد موصول -مثلا- على إسناد مرسل, فالناظر لأول وهلة يظن أن الإسنادين جميعا موصولان, وهكذا في الرفع والوقف.
стр. 579
وقد تقدم لهذا أمثلة هناك, وأذكر الآن مثالا آخر, فقد روى إبراهيم بن الحجاج، وأبو سلمة التبوذكي, عن حماد بن سلمة, عن ثابت البناني, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل, عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ رأى حبلا ممدودا بين ساريتين … » (١).
قال الخطيب بعد أن أخرجه من طريق أبي سلمة: «ربما ظن من لم يمعن النظر أن حمادا روى هذا الحديث عن ثابت البناني, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل، كليهما، عن أنس بن مالك, وليس الأمر كذلك, إنما رواه حماد, عن ثابت, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ مرسلا, ورواه حماد أيضا عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك, عن النبي ﷺ ».
ثم أخرجه من طريق أحمد، عن عبدالرحمن بن مهدي, عن حماد بن سلمة، بالتفصيل الذي ذكره (٢) , وقد رواه أحمد أيضا عن عفان، عن حماد بن سلمة كذلك (٣).
وفي مثل هذا يقع أيضا سوق الروايتين مساقا واحدا, وربما جرى إفراد الرواية المرسلة وسوقها موصولة، ظنا ممن فعل ذلك أنها موصولة في الأصل, فمن ذلك أن جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة, منهم أحمد، وسعيد بن منصور، وغيرهما, رووا عنه, عن عمرو بن دينار، عن عطاء, وابن جريج, عن عطاء، عن
стр. 580
ابن عباس قال: «أعتم النبي ﷺ بالعشاء … » الحديث (١).
فهذا الحديث ظاهره أن رواية عطاء من كلا الطريقين -عمرو بن دينار، وابن جريج- فيها ابن عباس, لكن هذا الظاهر غير مراد، فرواية عمرو بن دينار, عن عطاء مرسلة، بين ذلك جماعة من أصحاب سفيان، فميزوا الموصول من المرسل, منهم علي بن المديني, والحميدي, وغيرهما, ونص الحميدي على أن سفيان يرويه بالصورة الموهمة لوصل رواية عمرو بن دينار بالعنعنة -يعني يتسامح في ذلك- فإذا قال: حدثنا, وسمعت, ميَّز المرسل من الموصول (٢).
ومشى على ظاهر الرواية جماعة من أصحاب ابن عيينة، أو من بعدهم, فساقوا الروايتين وفيهما جميعا ذكر ابن عباس، فيقولون: عن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس, وعن ابن جريج, عن عطاء, عن ابن عباس, وربما قدم بعضهم رواية ابن جريج, وعطف عليها رواية عمرو.
ورواه آخرون فأفردوا رواية عمرو بن دينار، وذكروا فيها ابن عباس، وهؤلاء وهمهم أشد كما قال الإسماعيلي (٣).
стр. 581
وروى الحميدي, عن سفيان بن عيينة, عن ابن جريج, عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن أبيه, قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فحملت فيها على بكر -وكان أوثق عملي في نفسي- فاستأجرت أجيرا, فقاتل رجلا … » الحديث.
ثم رواه الحميدي, عن سفيان, عن عمرو بن دينار, عن عطاء: «أن أجيرا ليعلى … » مرسلا.
قال الحميدي: «وكان سفيان ربما ضمهما فأدرج فيه الإسناد, وإذا فصلهما جعل حديث ابن جريج مسندا, وجعل حديث عمرو مرسلا» (١).
وأخرجه النسائي عن عبدالجبار بن العلاء, عن سفيان بن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن أبيه, ثم ذكر النسائي أن عبدالجبار بن العلاء حدثهم مرة أخرى عن سفيان, عن عمرو, عن عطاء, عن صفوان, عن يعلى, وابن جريج, عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن يعلى.
هكذا رواه عبدالجبار, جعل رواية سفيان, عن عمرو بن دينار مسندة,
стр. 582
وساقها كذلك مع رواية ابن جريج, ثم أفردها مرة أخرى مسندة كذلك, وهي في الأصل مرسلة معطوفة, فيتوهم أنها مسنده كرواية بن جريج, وصفة العطف الموهم أن يقول سفيان: حدثنا عمرو بن دينار, عن عطاء, وابن جريج, عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن يعلى، فيوهم هذا السياق أن رواية عمرو هي عن عطاء, عن صفوان بن يعلى, عن يعلى, وليست كذلك.
وقد قال يعقوب بن شيبة: «كان سفيان بن عيينة، ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله» (١).
ولعل سفيان بن عيينة أخذ هذه الطريقة من شيخه الزهري, فإنه يفعل ذلك أيضا، فيقع الاشتباه (٢).
стр. 583
ومثل ما يقال في عطف الأسانيد, يقال كذلك في سوق الأسانيد باستخدام طريقة التحويل, وكذلك تعليق الأسانيد وسردها مجتمعة, كما تقدم شرحه أيضا في الفصل الثالث من الباب الأول، فالأسانيد تساق مجتمعة, وقد يكون بينها اختلاف في الإسناد أو المتن, لم ينبه عليه من فعل ذلك، لأنه ليس من غرضه في هذا الموضع.
ويلتحق بهذا أيضا ما يعرف بالإحالة, وهي أن يسوق الراوي حديثا بإسناده, ثم يسوق إسنادا آخر يقف به عند صحابي الحديث, أو عند راو هو مدار الحديث, ولا يسوق ما بعده, ويقول: مثله أو نحوه (١).
كل هذه الأساليب موجودة بكثرة في كتب السنة, كما في «الصحيحين» وغيرهما, ألجأهم إليها الاختصار, والبعد عن التطويل.
والذي أختم به هذه القرينة هو التأكيد على معناها ومضمونها, وهو أن الرواية إذا جاءت مفصلة عن راو معين، ثم جاءت عنه رواية أخرى مجملة، بخلاف الرواية المفصلة، فالأصل ترجيح الرواية المفصلة وتقديمها على الأخرى, مع التأكيد أيضا على أن بعض الروايات المفصلة والمفردة مأخوذة خطأ من روايات مجملة.
стр. 584
والبحث عن صفة كل رواية على وجه الدقة من القضايا الدقيقة في التعامل مع الأسانيد حين اختلافها، وبها وبأمثالها يمكن للباحث أن يشبع نهمه في البحث عن الصواب والوصول إليه أو الاقتراب منه -بتوفيق الله تعالى-، وبتطبيقها يتميز الباحث المتخصص من غيره, بل بها يتميز الباحثون المتخصصون فيما بينهم صبرا وأناة وفهما لقواعد هذا العلم, وما يقوله أئمة النقد.
وفوق ذلك بها وبأمثالها ندرك ما بذله أئمة النقد من جهود جبارة لا يقدر قدرها في نقد الأسانيد وفحص المرويات, وفيما نحن فيه يمكن للقارئ أن ينظر في حديث الزهري، عن عروة, عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته … » الحديث, وما جرى فيه للرواة من إدراج, وحمل, وإفراد مخطئ, وما بذله النقاد في تمييز ذلك من جهود (١).
وجانب آخر يتعلق بإدراك الباحث لصنيع النقاد والمؤلفين، واضطرارهم أحيانا إلى سوق عدد من الروايات مجتمعة لغرض ما، وربما كان بينها اختلاف في جهة أخرى في الإسناد أو المتن لم ينبه عليه الناقد أو المؤلف، فإن الباحث إذا أدرك هذا لم يحتج إلى تعقبهم، ولم ينسبهم إلى الخطأ، فهم يفعلون هذا وهم مدركون له، ولكن لا مفر من فعلهم هذا، وإلا لطالت الكتب جدا، وحال هذا دون العناية بها، ووصولها إلى من بعدهم، ومن يريد أن يحتج برواية منها في غير ما أوردها الناقد لأجله لزمه أن يبحث عنها مفردة.
стр. 585
أخرج البخاري من طريق جرير بن عبدالحميد، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر الحديث الطويل في قصته مع النبي ﷺ حين خرج معه عشاء، وفيه عدة جمل، ثم أردفه بقوله: «قال النضر: أخبرنا شعبة، وحدثنا حبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وعبدالعزيز بن رفيع، حدثنا زيد بن وهب بهذا» (١).
فتعقبه الإسماعيلي متعجبا من هذا الإطلاق، فإن حديث شعبة ببعض الحديث وليس بجميعه.
قال ابن حجر مجيبا عن البخاري: «تبع الإسماعيلي على اعتراضه المذكور جماعة، منهم مغلطاي ومن بعده، والجواب عن البخاري واضح على طريقة أهل الحديث، لأن مراده أصل الحديث، فإن الحديث المذكور في الأصل قد اشتمل على ثلاثة أشياء، فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أريد (٢) بقول البخاري: بهذا، أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المساق … » (٣)، ثم بين ابن حجر أن غرض البخاري بيان اتفاق هؤلاء الرواة عن زيد بن وهب على أن الحديث عنه، عن أبي ذر، وليس عن أبي الدرداء كما جاء في بعض الروايات.
وذكر عبدالحق الإشبيلي من حديث مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام»، ثم
стр. 586
قال: «رواه يحيى بن سلام، عن مالك، بهذا الإسناد، عن النبي ﷺ ، وتفرد برفعه، ولم يتابع عليه، ورواه أصحاب الموطأ موقوفا على جابر، وهو الصحيح».
فتعقبه ابن القطان بكلام خشن، أدرج فيه تعقبه لعدد من الأئمة، بما يدل على أنه لم يتمعن طريقتهم، فأغلظ القول عليهم، وأنقل نصه للعبرة، وليتجنب الباحث الوقوع في مثل ما وقع فيه، فمن أهم صفات الباحث في أي فن إدراكه لطريقة أئمة هذا الفن، وما اصطلحوا عليه، لئلا يقع في التنبيه على ما هو بدهي لا يحتاج إلى تنبيه، أو التعقب والاستدراك في غير محله.
قال ابن القطان متعقبا عبدالحق: «الخطأ فيه بين، إلا أنه لما لم يعزه، جوّزنا أن يكون قد وجده كما قال، ويغلب على الظن أنه إنما اتبع فيما قال أبا عمر بن عبدالبر، فإنه الذي ذكر حديث مالك هذا، ثم أتبعه أن قال: رواه يحيى بن سلام، صاحب التفسير، عن مالك، عن أبي نعيم، عن جابر، عن النبي ﷺ ، وصوابه موقوف كما في الموطأ.
هكذا قال أبو عمر، وهو خطأ، وكذلك أيضا فعل فيه الدارقطني، وهو غلط، فإن الذي روى يحيى بن سلام مرفوعا، ليس هكذا، وإنما هو: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلم يصل إلا وراء الإمام».
وفرق عظيم بين اللفظين، فإن حديث مالك يقضي إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة، فأما حديث يحيى بن سلام عنه، فيمكن أن يتقاصر عن هذا المعنى بأن يقال: إنما فيه إيجابها في الصلاة ويتفصَّى عن عهدته بالمرة الواحدة.
стр. 587
وسنورد رواية يحيى بن سلام بنصها في باب ما أغفل نسبته من الأحاديث إلى المواضع التي نقلها منها.
وههنا أيضا أمر آخر لغير ابن عبدالبر، والدارقطني، يجب التنبيه عليه، وهو أن أبا عبدالله بن البيع الحاكم، ذكر في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل طبقة من المجروحين: رابعة وهم قوم رفعوا أحاديث إنما هي موقوفة.
ثم قال في الباب: ويحيى بن سلام المصري، روى عن مالك، عن وهب ابن كيسان، عن جابر أن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة».
وهو في الموطأ لمالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قوله، انتهى كلامه.
وهو أيضا خطأ، فإنه ليس في الموطأ هكذا، ولا رواه يحيى بن سلام هكذا.
وذلك أن هذا اللفظ لم يعرض فيه لأم القرآن بتعيين، لا في كل الصلاة ولا في ركعة منها.
وهؤلاء إنما يؤتون من قلة الفقه، فهم يسوون بين الألفاظ المتغايرة الدلالات وينبغي أن تسقط الثقة بمن هذه حاله» (١).
وكل هؤلاء الأئمة لم يفتهم الفرق بين هذه الألفاظ، لكن غرضهم الرئيس هو قضية خطأ يحيى بن سلام في رفع هذا الحديث، وأما ما عداه من تفاصيل فإنما يؤخذ من الروايات المسندة لكل راو، وهذا بيت القصيد هنا.
стр. 588
القرينة الثانية: ذكر تفاصيل في المتن والإسناد تدل على الضبط:
ذكر تفاصيل في متن الحديث أو إسناده في رواية أحد الرواة المختلفين على شيخ لهم وإغفالها في رواية الآخر، يجعله النقاد دليلا على ترجيح رواية من ذكر التفاصيل, فحفظ الراوي لها يدل على اعتنائه بروايته وإتقانه وحفظه فهي زيادة عبء عليه, وترك الآخر لها يفيد عكس ذلك، فروايته مرجوحة إذن.
و لهذه التفاصيل صور متعددة, مثل قصة في متن الحديث، أو في إسناده, أو كلمة لأحد رواة الإسناد، أو ورود اسم راو عرضا، إلى غير ذلك .
ومبدأ الاستعانة بذكر بعض التفاصيل للدلالة على الحفظ والتثبت أمر مقرر معروف، استخدمه الصحابة بكثرة, فيقول الصحابي مثلا: سمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب، أو على المنبر, أو وهو يفعل كذا, أو كنت إلى جنبه فقال كذا، فورود مثل هذه العبارات قصد بها في الأصل الإيحاء للسامع بقوة الاستحضار وعدم النسيان، وقد يزيد الراوي على ذلك بقوله: سمعته أذناي, ووعاه قلبي، ونحو هذه العبارة.
ومن أقوال النقاد في تقرير هذه القرينة قول أحمد: «إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه» (١).
ومن أمثلة استخدام النقاد لهذه القرينة أن علي ابن المديني قال في كلامه على قيس بن أبي حازم ومن روى عنهم: «روى عن عمار، واختلفوا عن ابن أبي خالد
стр. 589
فيه، فقال بعضهم: عن ابن أبي خالد، عن يحيى بن عابس, قال عمار: ادفنوني في ثيابي, وقال بعضهم: إسماعيل, عن قيس، عن عمار: ادفنوني في ثيابي» (١).
قال يحيى بن معين في كلامه على هذا الاختلاف: «حديث شعبة, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن قيس قال: قال عمار: ادفنوني في ثيابي، وإنما هو: إسماعيل, قال: سمعت يحيى بن عابس يحدث في مجلس قيس» (٢).
وروى سفيان الثوري عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: «لما خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه نظر إلى امرأة مقتولة … » الحديث (٣).
سئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا فقالا: «هذا خطأ, يقال: إنه من وهم الثوري, إنما هو: المرقع بن صيفي, عن جده رباح بن الربيع -أخي حنظلة-, عن النبي ﷺ ، كذا يرويه مغيرة بن عبدالرحمن، وزياد بن سعد, وعبدالرحمن بن أبي الزناد»، قال أبو حاتم: «والصحيح هذا» (٤).
وقد خطأ رواية الثوري أيضا جماعة آخرون من النقاد, منهم ابن أبي شيبة,
стр. 590
والبخاري، والترمذي، ولفظ الترمذي: «حديث سفيان هذا خطأ, إنما هو: عن المرقع, عن رباح بن الربيع -أخي حنظلة الكاتب-, هكذا رواه غير واحد عن ابن أبي الزناد» (١).
وسبب توهيم الثوري ظاهر, فهو بالإضافة إلى مخالفته للجماعة عن أبي الزناد, في رواية الجماعة ما يدل على ضبطهم وهو قولهم: عن رباح (أو رياح) بن الربيع -أخي حنظلة الكاتب-، فانتقل حفظ الثوري إلى حنظلة نفسه, وفي كلام أبي حاتم, وأبي زرعة، والترمذي, إشارة إلى هذا.
وسئل أبو حاتم, وأبو زرعة عما رواه عبدالوارث بن سعيد, عن أيوب السختياني, عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه, عن عائشة: «أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب»، فقالا: «هذا خطأ, رواه شعبة, عن عبدالرحمن بن القاسم: «أن النبي ﷺ كفن … »، قال شعبة: فقلت لعبدالرحمن بن القاسم: من حدثك؟ قال: أبو جعفر محمد بن علي, وهو الصحيح» (٢).
وروى سفيان بن عيينة، ومحمد بن سوقة -من رواية أسباط بن محمد- عن محمد بن المنكدر، عن النبي ﷺ مرسلا, قصة المرأة التي سألت عن حج الصبي (٣).
стр. 591
ورواه قزعة بن سويد، وعمارة المعولي، وإسماعيل بن مسلم, ويوسف بن محمد بن المنكدر، وكذا محمد بن سوقة -من رواية أبي معاوية الضرير، والقاسم بن غصن- عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي ﷺ (١).
وقد رجح النقاد المرسل, ومما اعتمدوا عليه في ذلك نص ابن عيينة على أنه سمعه من محمد بن المنكدر مرسلا، فقيل لسفيان: إن محمدا سمعه من إبراهيم بن عقبة, فذهب سفيان إلى إبراهيم بن عقبة، فسمعه منه، وذكر له إبراهيم بن عقبة أنه حدث به ابن المنكدر.
وقد نص أبو حاتم في ترجيحه على هذا المرجح, فقال لما سئل عن رواية قزعة بن سويد, عن محمد بن المنكدر الموصولة: «قال ابن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت ابن المنكدر، عن كريب، عن ابن عباس هذا الحديث» (٢).
ولفظ ابن عيينة بتمامه بعد أن رواه عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: «وكان ابن المنكدر حدثناه أولا مرسلا، فقيل لي: إنما سمعه من إبراهيم -يعني ابن عقبة- فأتيت إبراهيم، فسألته عنه فحدثني به وقال: حدثت به ابن المنكدر فحج بأهله كلهم» (٣).
стр. 592
والخلاصة أن قول سفيان هذا يدل على ضبطه للحديث وإتقانه، وأن الحديث لا يرويه ابن المنكدر عن جابر، فمصدره عنده إبراهيم بن عقبة، فكان ابن المنكدر يرسله، ولا يذكر إسناده، ولعل ذلك لكونه أكبر من إبراهيم بن عقبة سنا.
وروى جرير بن عبدالحميد, عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه -أو عن ابن أبي سعيد الخدري- عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في التثاؤب، وفي بعض المصادر: عن سهيل, عن أبيه, وعن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه -بواو العطف- (١).
ورواه محمد بن خوط, وعبدالله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢).
وقد رواه جماعة كثيرون عن سهيل فقالوا: عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد، منهم سفيان الثوري، وبشر بن المفضل، والدراوردي، ومعمر، وسليمان بن بلال، وزهير بن معاوية، وغيرهم، ومنهم من سماه: عبدالرحمن (٣).
стр. 593
ورواية جرير أخرجها مسلم لكنه أشار إلى علتها، فأخرج قبلها رواية بشر بن المفضل، والدراوردي، والثوري، وفي رواية بشر قوله: حدثنا سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدِّث أبي, عن أبيه …
ففي رواية بشر هذه مزيد ضبط، وبيان لسبب وهم جرير بن عبدالحميد أو تردده.
وأما من رواه عن سهيل, عن أبيه, عن أبي هريرة, فهو أشد وهما, حيث قلب الإسناد كله.
ومثل هذا سواء بسواء ما رواه أبو خالد الأحمر, عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، ومسلم البطين, وسلمة بن كهيل, عن عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد, عن ابن عباس: «أن امرأة زعمت أن أختها ماتت وعليها صوم … » الحديث (١).
ورواه عبدالرحمن بن مغراء, عن الأعمش, عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, وعن سلمة بن كهيل، عن مجاهد, عن ابن عباس، وعن الحكم بن عتيبة، عن عطاء, عن ابن عباس (٢).
ورواه الثوري, وشعبة, ويحيى بن سعيد القطان, وزائدة بن قدامة,
стр. 594
وأبو معاوية, عن الأعمش, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (١).
قال الدارقطني متعقبا الشيخين في تخريجهما رواية أبي خالد الأحمر، موصولة عند مسلم، ومعلقة بصيغة التمريض عند البخاري: «وبين زائدة في روايته من أين دخل الوهم على أبي خالد, فقال في آخر الحديث: فقال سلمة بن كهيل، والحكم -وكانا عند مسلم حين حدث بهذا الحديث-: ونحن سمعناه من مجاهد, عن ابن عباس» (٢).
وأجاب ابن حجر عن تخريج الشيخين لها بقوله: «لا يلحق الشيخين في ذكرهما لطريق أبي خالد لوم, لأن البخاري علقه بصيغة تشير إلى وهمه فيه، وأما مسلم فأخرجه مقتصرا على إسناده دون سياق متنه» (٣).
والأمر كما قال ابن حجر، فإنهما أخرجاها لبيان علتها, وقد ساقا جميعا قبيلها رواية زائدة بن قدامة (٤).
стр. 595
وفي رواية موسى بن أعين نحو رواية زائدة، إلا أنه لم يذكر مجاهدا، ولفظها: «قال سليمان (يعني الأعمش): وحدثنيه سلمة بن كهيل، والحكم، بمثل ذلك عن ابن عباس» (١).
ومن دقائق هذه القرينة أن يخالف راو في إسناد الحديث أو متنه, ثم يوجد عنده أو عند شيخه أو من فوقه هذا الإسناد أو المتن في حديث آخر, فيترجح أنه لم يضبط, وأن تلك المخالفة انتقلت إليه من ذلك الحديث، خاصة إذا كان بين الحديثين شبه في جهة ما.
ومن أمثلة ذلك أن مسلما روى من طريق أبي معاوية, عن هشام بن عروة، عن أبيه, عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه … » الحديث، وفي آخره: «ثم غسل رجليه».
ثم رواه من طريق جرير بن عبدالحميد, وعلي بن مسهر، وعبدالله بن نمير, ووكيع، عن هشام بن عروة، ونص مسلم على أنه ليس في حديثهم ذكر غسل الرجلين.
ثم أخرج مسلم من طريق عيسى بن يونس، ووكيع, وأبي معاوية, عن
стр. 596
الأعمش, عن سالم بن أبي الجعد, عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة حديث غسل الجنابة, وفي روايتهم جميعا ذكر غسل الرجلين.
وكذا صنع مسلم في رواية وكيع, عن هشام بن عروة, عن عروة، عن عائشة، حديث الغسل هذا, فإن وكيعا زاد فيه غسل اليدين ثلاثا، وليس في رواية الباقين ذكر العدد، وإنما ذلك عند الجميع -وفيهم وكيع- في حديث ميمونة (١).
ووافق مسلما على تعليل هاتين الزيادتين في حديث عائشة أبو الفضل بن عمار الشهيد، فقال عنهما: «وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة» (٢).
وروى سعيد بن أبي مريم, عن مالك، عن الزهري, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا, ولا تحاسدوا, ولا تدابروا, ولا تنافسوا … » الحديث.
قال حمزة بن محمد الكناني بعد أن روى هذا: «ولا نعلم أحدا قال في هذا
стр. 597
الحديث عن مالك: «ولا تنافسوا» غير سعيد بن أبي مريم, وقد روى هذه اللفظة «ولا تنافسوا» عبدالرحمن بن إسحاق, عن الزهري, عن أنس بن مالك, والله أعلم».
قال الخطيب: «والأمر على ما قال حمزة، كل أصحاب مالك رووه عنه، ولم يختلفوا عليه فيه»، ثم ساق طرقا إلى مالك, ثم قال: «وهكذا روى الحديث عن ابن شهاب: شعيب بن أبي حمزة, ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة, ومحمد بن الوليد الزبيدي، ولم يذكر أحد منهم اللفظة التي زادها سعيد بن أبي مريم, عن مالك، عن ابن شهاب, وهي: «ولا تنافسوا»، وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد، عن الأعرج, عن أبي هريرة»، ثم ساق طرقه إلى مالك (١) , ونحوه لابن عبدالبر (٢).
وروى شعبة, وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي وغيرهم, عن قتادة, عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا أفلس الرجل فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به من الغرماء» (٣).
وروى موسى بن السائب، وغيره, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة, عن النبي ﷺ قال: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به, ويتبع البيِّع من باعه» (٤).
стр. 598
وفسر العلماء حديث سمرة هذا بأنه الرجل إذا سرق له مال, أو غصب منه, ثم وجده عند رجل قد اشتراه من سارقه أو غاصبه, أو ممن اشتراه منه فهو أحق به, ويرجع المأخوذ منه على من باعه بالثمن (١).
وقد روى عمر بن إبراهيم، عن قتادة, الحديث الأول, حديث المفلس بإسناد الحديث الثاني (٢)، فقال محمد بن يحيى الذهلي في نقده: «هما حديثان عندي من حديث قتادة، فلعل عمر سمع من قتادة فاختلط عليه, فأما هذا الحديث -يعني حديث المفلس- فإنما رواه قتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, حدثنا به وهب بن جرير, عن شعبة, عن قتادة, وحدثنا به أبو النعمان, عن جرير بن حازم، عن قتادة، والحديث الآخر فهو ما روى موسى بن السائب, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة, عن النبي ﷺ ، هذا في السرقة وذاك في التفليس» (٣).
وروى هشام الدستوائي, وشيبان بن عبدالرحمن, والأوزعي, وروح بن عبادة, ومعمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء الرحبي, عن ثوبان مرفوعا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).
стр. 599
ورواه عبدالرزاق, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ, عن السائب بن يزيد, عن رافع بن خديج, عن النبي ﷺ (١).
وذهب جماعة من النقاد, منهم ابن معين، والبخاري, وإسحاق بن منصور, وأبو حاتم, إلى تضعيف رواية معمر هذه, ونص بعضهم على أن الصواب بهذا الإسناد حديث رافع بن خديج في النهي عن كسب الحجام, وقد رواه جماعة أيضا عن يحيى بن أبي كثير, وفيهم معمر (٢) , فكأنه اشتبه على معمر المتنان (٣).
وروى الترمذي, عن أحمد بن عبدة الضبي, عن يحيى بن سليم الطائفي, عن سفيان الثوري, عن منصور بن المعتمر, عن خيثمة, عن رجل, عن ابن مسعود, عن النبي ﷺ قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث غريب, ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم, عن سفيان, سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث, فلم يعده محفوظا, وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان, عن منصور, عن خيثمة, عمن سمع ابن مسعود, عن النبي ﷺ قال: «لا سمر إلا لمصل أو مسافر»، قال محمد: وإنما يروى عن منصور، عن أبي إسحاق,
стр. 600
عن عبدالرحمن بن يزيد -أو غيره- قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»، » (١).
وقد يكون الرابط بين الحديثين خفيا جدا, يحتاج فيه إلى خبرة الناقد واستحضاره للطرق, وما قد يوجد فيها من تشابه وإن كان خفيا ينتقل بسببه الراوي من حديث لآخر.
روى ابن عيينة, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, عن أبي معمر، عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حَرَّ الرمضاء, فلم يشكنا» (٢).
وراوه وكيع بن الجراح, وحفص بن غياث, عن الأعمش, عن أبي إسحاق السبيعي, عن حارثة بن مضرب, عن خباب, إلا أن رواية حفص فيها: عن حارثة بن مضرب, أو من هو مثله من أصحابه (٣).
وكذلك رواه يونس بن أبي إسحاق, وشريك -في بعض الطرق إليه- عن أبي إسحاق (٤).
والحديث معروف عن أبي إسحاق, رواه عنه جماعة من كبار أصحابه, منهم سفيان الثوري, وشعبة, وزهير بن معاوية, وأبو الأحوص وغيرهم, لكن شيخ أبي إسحاق في روايتهم هو سعيد بن وهب, وليس حارثة بن مضرب,