← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الأعمش, عن سالم بن أبي الجعد, عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة حديث غسل الجنابة, وفي روايتهم جميعا ذكر غسل الرجلين. وكذا صنع مسلم في رواية وكيع, عن هشام بن عروة, عن عروة، عن عائشة، حديث الغسل هذا, فإن وكيعا زاد فيه غسل اليدين ثلاثا، وليس في رواية الباقين ذكر العدد، وإنما ذلك عند الجميع -وفيهم وكيع- في حديث ميمونة (١). ووافق مسلما على تعليل هاتين الزيادتين في حديث عائشة أبو الفضل بن عمار الشهيد، فقال عنهما: «وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة» (٢). وروى سعيد بن أبي مريم, عن مالك، عن الزهري, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا, ولا تحاسدوا, ولا تدابروا, ولا تنافسوا … » الحديث. قال حمزة بن محمد الكناني بعد أن روى هذا: «ولا نعلم أحدا قال في هذا

стр. 597

الحديث عن مالك: «ولا تنافسوا» غير سعيد بن أبي مريم, وقد روى هذه اللفظة «ولا تنافسوا» عبدالرحمن بن إسحاق, عن الزهري, عن أنس بن مالك, والله أعلم». قال الخطيب: «والأمر على ما قال حمزة، كل أصحاب مالك رووه عنه، ولم يختلفوا عليه فيه»، ثم ساق طرقا إلى مالك, ثم قال: «وهكذا روى الحديث عن ابن شهاب: شعيب بن أبي حمزة, ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة, ومحمد بن الوليد الزبيدي، ولم يذكر أحد منهم اللفظة التي زادها سعيد بن أبي مريم, عن مالك، عن ابن شهاب, وهي: «ولا تنافسوا»، وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد، عن الأعرج, عن أبي هريرة»، ثم ساق طرقه إلى مالك (١) , ونحوه لابن عبدالبر (٢). وروى شعبة, وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي وغيرهم, عن قتادة, عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا أفلس الرجل فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به من الغرماء» (٣). وروى موسى بن السائب، وغيره, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة, عن النبي ﷺ قال: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به, ويتبع البيِّع من باعه» (٤).

стр. 598

وفسر العلماء حديث سمرة هذا بأنه الرجل إذا سرق له مال, أو غصب منه, ثم وجده عند رجل قد اشتراه من سارقه أو غاصبه, أو ممن اشتراه منه فهو أحق به, ويرجع المأخوذ منه على من باعه بالثمن (١). وقد روى عمر بن إبراهيم، عن قتادة, الحديث الأول, حديث المفلس بإسناد الحديث الثاني (٢)، فقال محمد بن يحيى الذهلي في نقده: «هما حديثان عندي من حديث قتادة، فلعل عمر سمع من قتادة فاختلط عليه, فأما هذا الحديث -يعني حديث المفلس- فإنما رواه قتادة, عن النضر بن أنس, عن بشير بن نهيك, عن أبي هريرة, حدثنا به وهب بن جرير, عن شعبة, عن قتادة, وحدثنا به أبو النعمان, عن جرير بن حازم، عن قتادة، والحديث الآخر فهو ما روى موسى بن السائب, عن قتادة, عن الحسن, عن سمرة, عن النبي ﷺ ، هذا في السرقة وذاك في التفليس» (٣). وروى هشام الدستوائي, وشيبان بن عبدالرحمن, والأوزعي, وروح بن عبادة, ومعمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي قلابة, عن أبي أسماء الرحبي, عن ثوبان مرفوعا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٤).

стр. 599

ورواه عبدالرزاق, عن معمر, عن يحيى بن أبي كثير, عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ, عن السائب بن يزيد, عن رافع بن خديج, عن النبي ﷺ (١). وذهب جماعة من النقاد, منهم ابن معين، والبخاري, وإسحاق بن منصور, وأبو حاتم, إلى تضعيف رواية معمر هذه, ونص بعضهم على أن الصواب بهذا الإسناد حديث رافع بن خديج في النهي عن كسب الحجام, وقد رواه جماعة أيضا عن يحيى بن أبي كثير, وفيهم معمر (٢) , فكأنه اشتبه على معمر المتنان (٣). وروى الترمذي, عن أحمد بن عبدة الضبي, عن يحيى بن سليم الطائفي, عن سفيان الثوري, عن منصور بن المعتمر, عن خيثمة, عن رجل, عن ابن مسعود, عن النبي ﷺ قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث غريب, ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم, عن سفيان, سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث, فلم يعده محفوظا, وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان, عن منصور, عن خيثمة, عمن سمع ابن مسعود, عن النبي ﷺ قال: «لا سمر إلا لمصل أو مسافر»، قال محمد: وإنما يروى عن منصور، عن أبي إسحاق,

стр. 600

عن عبدالرحمن بن يزيد -أو غيره- قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»، » (١). وقد يكون الرابط بين الحديثين خفيا جدا, يحتاج فيه إلى خبرة الناقد واستحضاره للطرق, وما قد يوجد فيها من تشابه وإن كان خفيا ينتقل بسببه الراوي من حديث لآخر. روى ابن عيينة, عن الأعمش, عن عمارة بن عمير, عن أبي معمر، عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله ﷺ حَرَّ الرمضاء, فلم يشكنا» (٢). وراوه وكيع بن الجراح, وحفص بن غياث, عن الأعمش, عن أبي إسحاق السبيعي, عن حارثة بن مضرب, عن خباب, إلا أن رواية حفص فيها: عن حارثة بن مضرب, أو من هو مثله من أصحابه (٣). وكذلك رواه يونس بن أبي إسحاق, وشريك -في بعض الطرق إليه- عن أبي إسحاق (٤). والحديث معروف عن أبي إسحاق, رواه عنه جماعة من كبار أصحابه, منهم سفيان الثوري, وشعبة, وزهير بن معاوية, وأبو الأحوص وغيرهم, لكن شيخ أبي إسحاق في روايتهم هو سعيد بن وهب, وليس حارثة بن مضرب,

стр. 601

وهو الصواب (١). سأل ابن أبي حاتم أباه, وأبا زرعة, عن رواية سفيان بن عيينة, فقال أبو حاتم: «هذا خطأ, أخطأ فيه ابن عيينة, ليس لهذا أصل, لا ندري كيف أخطأ، وماذا أراد». وقال أبو زرعة: «إنما أراد ابن عيينة حديث الأعمش, عن عمارة, عن أبي معمر, عن خباب, أنه قيل له: كيف كنتم تعرفون قراءة النبي ﷺ ؟ قال: باضطراب لحيته»، قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة: عنده الحديثان جميعا؟ قال: أحدهما والآخر خطأ» (٢).

стр. 602

والمثالان الأخيران لهما نظائر كثيرة عند الرواة، ويقول الأئمة في نقدهم: «إنما أراد حديث كذا»، يشيرون بذلك إلى انتقاله من حديث إلى حديث آخر قريب منه متنا أو إسنادا, أو «إنما يروى بهذا الإسناد حديث كذا»، ونحو ذلك. كما في قول معمر لما رجع إلى اليمن فعرف أنه أخطأ حين حدث بالبصرة عن الزهري, عن سالم بن عبدالله بن عمر, عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة … » الحديث, والصواب أنه عن الزهري مرسلا (١) , فقال معمر في توجيه غلطه: «ذهبت إلى حديث الزهري, عن سالم, عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة طلق نساءه, وقسم ماله بين ولده» (٢). ويقولون كذلك: «دخل لفلان حديث في حديث»، فهذه العبارة معناها

стр. 603

تداخل حديثين على الراوي ونقل إسناد من حديث لآخر، أو الدمج بين الإسنادين. وقد تقدم في «الجرح والتعديل» الحديث عن الخلل الذي يمكن أن يقع حين التحديث من الكتاب, كأن ينتقل الراوي من سطر إلى سطر، أو تسقط عليه ورقة, أو يقلب ورقتين جميعا دون أن يشعر، فتتداخل عليه الأحاديث (١). وعبارة: «دخل لفلان حديث في حديث» يستخدمها الناقد ولو لم يقف على الحديث الآخر، كما تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في الباب الثاني (التفرد) , حيث يستنكر النقاد أحاديث يتفرد بها بعض الرواة, ويلتمس النقاد أسبابا للخطأ, فلا يوقف للحديث على علة ظاهرة, مع جزم الناقد بأن الحديث خطأ. ومما تقدم هناك ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبي عن حديث رواه عبدالله بن عمران، عن يحيى بن الضريس, عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس، قال: «سمعت النبي ﷺ يلبي بهما جميعا: لبيك بحجة وعمرة»، قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فأنكره, قال أبي: أرى دخل لعبدالله بن عمران حديث في حديث, وسرقه الشاذكوني, لأنه حدث به بعد عن يحيى بن الضريس» (٢). فأبو حاتم لم يذكر الحديث الذي تداخل على عبدالله بن عمران مع حديث الهرماس هذا, ولا أمكن الوقوف عليه, وإنما قال ما قال التماسا لسبب خطأ

стр. 604

عبدالله بن عمران في هذا الحديث المنكر (١). والمقصود أن هذا النوع من النقد إذا كان يستخدم وإن لم يكن بين الحديثين وجه شبه, بل ولو لم يوقف على الحديث الآخر أصلا، فإن استخدامه كقرينة للترجيح عند الاختلاف إذا أمكن الوقوف على الحديث الآخر وكان بينهما وجه شبه - من باب أولى, وهو الذي يمكننا أن نشارك أئمة النقد فيه. فمن ذلك ما تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول, وهو حديث سفيان الثوري, عن محارب بن دثار, عن سليمان بن بريدة, في صلاة النبي ﷺ عدة صلوات بوضوء واحد, فقد رواه جماعة -منهم عبدالرحمن مهدي, وأبو نعيم, وعبدالرزاق- عن الثوري هكذا مرسلا, ورواه جماعة -منهم وكيع, ومعتمر بن سليمان, ومعاوية بن هشام- عن الثوري موصولا بذكر بريدة بن الحصيب, والد سليمان, وتقدم هناك أن النقاد رجحوا رواية الإرسال. ويمكن تفسير سبب غلط وكيع ومن معه بأن الثوري يرويه أيضا عن علقمة بن مرثد, عن سليمان بن بريدة، عن أبيه موصولا, لم يختلف على الثوري في ذلك، وممن رواه عن الثوري: وكيع, ومعاوية بن هشام, في جملة أصحاب الثوري, فالظاهر أن جملة (عن أبيه) انتقلت لوكيع ومن معه من هذا الإسناد,

стр. 605

وظنوا أنه يرويه أيضا عن محارب بن دثار موصولا. وروى ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن عبدالله بن يزيد المقرئ, عن سعيد بن أبي أيوب, عن أبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني, عن أبي عثمان مسلم بن يسار, عن أبي هريرة مرفوعا: «من أفتي بفتيا غير ثبت, فإنما إثمه على من أفتاه» (١). هكذا جاء عند ابن ماجه, وهذا المتن يرويه عبدالله بن يزيد المقرئ, عن سعيد بن أبي أيوب, عن بكر بن عمرو المعافري, عن عمرو بن أبي نعيمة, عن أبي عثمان مسلم بن يسار, عن أبي هريرة, وفيه ألفاظ أخرى، هكذا رواه جماعة عن عبدالله بن يزيد المقرئ ومنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه»، واقتصر بعضهم على جزء منه, وربما أسقط عبدالله بن يزيد: عمرو بن أبي نعيمة من الإسناد. وهكذا رواه ابن وهب, عن سعيد بن أبي أيوب, وذكر فيه عمرا, وكذا رواه رشدين بن سعد, ويحيى بن أيوب, عن بكر بن عمرو, إلا أن رشدين ليس في روايته ذكر أبي هريرة (٢). وأما الإسناد الذي ساقه ابن ماجه فهو لمتن آخر, ولفظه: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم, فإياكم وإياهم».

стр. 606

هكذا رواه جماعة أيضا عن عبدالله بن يزيد, وكذا رواه ابن وهب, عن سعيد بن أبي أيوب, وكذا رواه شراحيل بن يزيد, عن مسلم بن يسار (١)، فالذي يظهر أنه دخل لابن ماجه حديث في حديث, والله أعلم. هذه بعض صور تطبيقات هذه القرينة, دون حصر لها, فهو غير ممكن, فكل ما في المتن والإسناد مما يدل على ضبط أحد الوجهين يدخل تحت هذه القرينة. و في بعض الاختلافات توجد تفاصيل في رواية الجميع، فيستدل بذلك على حفظ الروايتين إن أمكن ذلك, وإن لم يمكن فلا بد من مرجح خارجي . فمن ذلك أن الأعمش وغيره رووا عن إبراهيم النخعي، عن علقمة, عن ابن مسعود مرفوعا: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج … » الحديث، وفي بعض الطرق إليه قصة, قال علقمة: «كنت مع عبدالله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبدالرحمن، إن لي إليك حاجة, فخليا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبدالرحمن في أن نزوجك بكرا تذكرك ما كنت؟ فلما رأى عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي، فقال: يا علقمة, فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي ﷺ : «يا معشر الشباب … » الحديث (٢).

стр. 607

ورواه يونس بن عبيد، عن أبي معشر زياد بن كليب, عن إبراهيم به, وذكر القصة بمعناها، لكن جعل المرفوع من رواية عثمان بن عفان عن النبي ﷺ (١). فالترجيح بالقصة حينئذ غير ممكن, لوجودها في رواية الجميع، فلا بد من مرجحات أخرى، إذ لا مناص من الترجيح. وفي رواية الأعمش نفسها اختلاف في بعض تفاصيل القصة, منها ما في رواية زيد بن أبي أنيسة أن القصة وقعت بالمدينة, وفي رواية شعبة أن ذلك بعرفة, خلافا لرواية الأكثر, فهذه الاختلافات أيضا لا يمكن الترجيح بينها بالقصة، ولا مناص فيها من الترجيح أيضا. وروى مخرمة بن بكير, عن أبيه, عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال لي عبدالله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن الجمعة؟ قال: قلت: نعم, سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» (٢). وقد رواه جماعة عن أبي بردة بن أبي موسى من قوله, وفي رواية واصل بن حيان قال: «كنت عند ابن عمر, فسئل عن الساعة التي في الجمعة, فقلت: هي

стр. 608

الساعة التي اختار الله لها -أو فيها الصلاة- قال: فمسح رأسي, وبارك علي، وأعجبه ما قلت» (١). القرينة الثالثة: الثبات والاضطراب عند رواة الاختلاف: إذا اختلف الرواة على شيخهم فينبغي تأمل رواية كل وجه عنه، والتأكد من ثبات من روى الوجه أو اضطرابه في روايته هذه، فإذا كانت النتيجة ثبات راوي أحد الأوجه, واضطراب راوي الوجه الآخر، فإن رواية من ظهر من روايته أنه ثابت لم يضطرب مقدمة على رواية من اضطرب, فتكون هي الراجحة والأخرى مرجوحة. ولهذه القرينة صور متعددة, منها أن يتردد في نفس الرواية فيقول: كذا, أو كذا. ومنها أن يختلف عليه, فيروي عنه بعض أصحابه على صفة, وبعضهم على صفة أخرى، قد تكون صفة أخرى عن شيخه في هذا الاختلاف، وقد تكون على صفة خارج الاختلاف الأول عن شيخ آخر. ومنها أن يخالف الراوي في أول الإسناد -مثلا-، ثم يخالف مرة أخرى في مكان آخر في الإسناد, أو يخالف مرة أخرى في المتن, مما يدل على أنه لم يتقن هذا الحديث, فتعددت مخالفاته واضطرب فيه.

стр. 609

ومن أمثلة ذلك الحديث الماضي في المبحث الذي قبل هذا، وهو مبحث (القرائن في الرواة المختلفين)، في (القرينة الرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي)، وهو ما يرويه شعبة, عن عبد ربه بن سعيد, عن أنس بن أبي أنس, عن عبدالله بن نافع بن العمياء, عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي ﷺ : «الصلاة مثنى مثنى … » الحديث. ورواه الليث بن سعد وغيره عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع, عن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب, عن الفضل بن عباس. وقد ذكرت هناك تخطئة النقاد لشعبة في مواضع من إسناد الحديث. وروى أصحاب سفيان الثوري، ومنهم يحيى القطان، ووكيع بن الجراح وعبدالرزاق، وأبو حذيفة، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وغيرهم، رووا عن سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم, عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما رأيت أحدا كان أشد تعجيلا للظهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر, ولا من عمر» (١). ورواه إسحاق بن يوسف الأزرق مرة أخرى عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة (٢).

стр. 610

قال عبدالله بن أحمد: «سألت أبي عن حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن منصور … ، فقال: الحديث حديث حكيم بن جبير، ليس هذا من حديث منصور، وحدثناه الأزرق، عن سفيان، عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أخطأ لنا فيه، وقال مرة الأزرق: عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن الأسود، عن عائشة، وأنكر أبي أن يكون هذا من حديث منصور» (١). فاستدل أحمد على خطأ إسحاق الأزرق في الوجه الذي انفرد به عن أصحاب سفيان، وهو جعله عن منصور مكان حكيم بن جبير - بأن إسحاق قد رواه عن سفيان على وجهين آخرين، فصارت الأوجه التي رواها عن سفيان ثلاثة, وهذا اضطراب شديد. وروى محمد بن السائب المكي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر، قال: قال النبي ﷺ : «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» (٢). ورواه جماعة عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة (٣). ورواه آخرون عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن عمرو (٤).

стр. 611

قال البخاري: «والأول أصح»، يعني كونه عن أبي ذر, وأشار البخاري إلى الاختلاف على أبي بلج (١). وروى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر: «سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، ومدّ بها صوته» (٢). ورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي عنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر، قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته … » الحديث، وفي بعض الطرق إلى شعبة: أو سمعه حجر من وائل، وفي بعضها قول حجر: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل, وفي بعض طرقه إلى شعبة لم يذكر علقمة بن وائل (٣). قال البخاري: «حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل, في هذا الباب

стр. 612

أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع، قال: عن سلمة بن كهيل، عن حجرأبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس، وكنيته أبو السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وإنما هو: حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها» (١). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان، فقالا: عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر, ورواه همام، وهشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وسعيد بن بشير، فقالوا: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : «إذا زوج الوليان فهو للأول». فقالا: عن سمرة، عن النبي ﷺ أصح، لأن ابن أبي عروبة حدث به قديما فقال: عن سمرة، وبأخرة شك فيه» (٢). وقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حسان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن

стр. 613

النبي ﷺ قال: «يكتب للحجاج كذا … ». قال أبي: هذا خطأ، حدثناه حجاج الأنماطي، وأبو سلمة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن عمر، عن النبي ﷺ ، قال أبي: أخطأ يحيى بن حسان في موضعين، وهذا الصحيح» (١). وروى جماعة من أصحاب حماد بن سلمة، عنه، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: «من ملك ذا محرم مُحَرّم فهو حر»، وفي بعض طرقه: عن سمرة بن جندب -فيما يحسب حماد- (٢). ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب قوله (٣). ورواه سعيد بن أبي عروبة أيضا، وهشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن قوله (٤). قال أبو داود في نقد رواية حماد بن سلمة: «لم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه»، ثم ساق طريقي سعيد بن أبي عروبة وقال: «سعيد أحفظ من حماد».

стр. 614

وقال البيهقي في نقده: «والحديث إذ انفرد به حماد بن سلمة، ثم شك فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه - وجب التوقف فيه» (١). وروى سفيان الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وجرير بن عبدالحميد، وسفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه-، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: «كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية … » الحديث (٢). ورواه سفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه-، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير (٣). هكذا رواه سفيان زاد فيه والد حبيب بن سالم، قال الترمذي في نقد هذه الرواية، بعد أن ذكر رواية الجماعة عن إبراهيم: «وأما سفيان بن عيينة فيختلف عليه في الرواية، يروى عنه, عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا نعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث،

стр. 615

وقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو رواية هؤلاء» (١). وقال مرة -ويحتمل أنه ينقله عن البخاري-: «وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فيضطرب في روايته … » (٢). وروى سفيان الثوري -في المحفوظ عنه- عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (٣). ورواه عبدالعزيز الدراوردي، وحماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق، وعبدالواحد بن زياد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ (٤). قال الترمذي بعد أن أخرج رواية الدراوردي: «تابعه حماد سلمة، [و] كان الدراوردي أحيانا يذكر فيه: عن أبي سعيد، وربما لم يذكر فيه، والصحيح رواية

стр. 616

الثوري وغيره عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسل». وحماد بن سلمة قد تردد أيضا، ففي رواية عنه قال فيه: عن أبي سعيد -فيما يحسب-. وكذلك سفيان بن عيينة، فهو من رواية الشافعي عنه، وقد قال الشافعي بعد أن رواه مرسلا: «وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين، أحدهما منقطعا، والآخر عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ». ومحمد بن إسحاق قد جاء عنه أيضا شيء من هذا، قال الترمذي: «ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه -قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ». ويحتمل أن تكون هذه الجملة: «وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ »، من كلام عمرو بن يحيى، يبين فيها أن والده كثير الرواية عن أبي سعيد, لا بخصوص هذا الحديث بعينه, فوقع التردد من هؤلاء، واجتماعهم على روايته موصولا ومرسلا يبعد أن يكون وقع اتفاقا، فهذا سببه إذن، ويظهر بهذا قوة من رجح المرسل، وهم الترمذي، والدارمي -كما سبق-، والدارقطني، قال: «والمرسل المحفوظ» (١). ومن دقائق هذه المسألة -وهي ثبات الراوي أو اضطرابه- أن يخالف راو في إسناد، ثم تقع منه مخالفة في إسناد آخر، فيترجح أنه اضطرب ولم يحفظ،

стр. 617

وأن قول مخالفه هو الصواب. مثال ذلك أن جماعة من أصحاب محمد بن عجلان -منهم يحيى القطان, والثوري، وحماد بن مسعدة، ووهيب بن خالد في بعض الرويات عنه، وأبو خالد الأحمر في بعض الروايات عنه- رووا عن ابن عجلان, عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن عامر بن سعد بن أبي وقاص, قال: «أمر النبي ﷺ بوضع اليدين, ونصب القدمين» (١). ورواه وهيب وأبو خالد الأحمر -في بعض الروايات عنهما- عن محمد بن عجلان, عن محمد إبراهيم التيمي، عن عامر بن سعد، عن أبيه, هكذا روياه موصولا بذكر سعد بن أبي وقاص (٢). وقد رجح الأئمة الإرسال، وأبو خالد الأحمر متكلم فيه من جهة حفظه, وقد اختلف عليه, وخالف الجماعة، وأما وهيب فهو ثقة ثبت, لكن مخالفته للجماعة, والاختلاف عليه, يرجحان وهمه في الإسناد الموصول. ومما يرجح وهم وهيب أيضا أنه قد رواه عن محمد بن عجلان, عن بكير بن عبدالله, عن عامر بن سعد, عن أبيه سعد (٣)، وخالفه سفيان الثوري, فرواه

стр. 618

عن ابن عجلان, عن بكير, عن عامر بن سعد مرسلا (١). ومن المهم جدا أن ندرك -في قضية الاستفادة من تردد أحد المختلفين على الراوي واضطرابه وترجيح رواية من ثبت ولم يضطرب- أن ذلك الاضطراب إن كان بسبب الاختلاف على أحد الرواة المحكوم عليه بالاضطراب، فلا بد أولا من تطبيق قواعد الاختلاف عليه، فلا يصح أن نحكم على راو بأنه اضطرب وتردد بمجرد أن نقف على اختلاف عليه، فنطبق على الراوي نفسه ما تقدم في المبحث الأول (القرائن في الرواة المختلف عليهم)، وننظر هل هذا الراوي يحتمل أن يقع منه اضطراب أو لا؟ ، ونطبق كذلك على الرواة المختلفين عنه ما تقدم في المبحث الثاني (القرائن في الرواة المختلفين) وننظر هل يمكن الترجيح بينهم؟ ، وكذلك ما نحن بصدده في هذا المبحث وهي (القرائن في أوجه الاختلاف). ويتأكد هذا إذا كان الاختلاف على أحد الراويين قد وافق فيه مخالفه، فقد عرفنا فيما مضى في (المبحث الثاني) أن بعض الرواة قد يسقط ما يراه خطأ، أويقوم بتصويبه, لأسباب عديدة. ويلتحق بذلك تصرفات النساخ, ومحققي الكتب في الوقت الراهن, فإنهم يتصرفون في النص إسنادا أو متنا وفق ما يجدونه في مصادر أخرى, فيلتبس الأمر, خاصة إذا كان الاختلاف في جزء يسير من النص, إسنادا أو متنا، كما تقدم شرحه في الفصل الثالث من الباب الاول.

стр. 619

وكذلك تقدم في مبحثنا هذا في (القرينة الثانية) ما يتعلق بحمل بعض الروايات على بعضها الآخر، وقد يقع مع ذلك إفرادها على صفتها وهي محمولة. والتعامل مع الاختلافات بابه واحد، غاية ما هنالك أن الحديث الواحد قد يقع فيه أكثر من اختلاف، فيكون فيه عدة مدارات، فمدار أدنى، ومدار أعلى، وقد يوجد مدار أوسط، وهكذا، وقد تقدمت الإشارة إلى تعدد المدار في الفصل الثاني من الباب الاول, وكذلك في الفصل الأول من هذا الباب -الباب الثالث-. وقضية تعدد المدار إحدى القضايا التي تلقي على الناظر في الاختلاف مزيدا من العبء، سواء في عرض الطرق وتلخيصها للقارئ وعرض دراسة الاختلاف والنظر فيه، أو في الوصول إلى نتيجة في الاختلاف موضع الدراسة, والنتيجة النهائية للحديث كله, وسيأتي الحديث عن ذلك -بعون الله تعالى وقوته- في فصول قادمة. وأراني هنا ملزما بذكر بعض الأمثلة التي توضح الغرض المشار إليه. فمن ذلك الحديث الماضي قريبا, وهو حديث أبي سعيد الخدري: «الأرض كلها مسجد … » الحديث, فقد رجح النقاد رواية سفيان الثوري المرسلة, فهو أحفظ من جميع من وصله, مع ترددهم في الوصل والإرسال, وقد جاء موصولا من طريق الثوري (١)، فلا يصح أن يقال: والثوري أيضا قد اختلفت روايته, فيترجح الموصول كما فعله بعض الباحثين, لأن الموصول عن الثوري لا يثبت

стр. 620

عنه, ولهذا قال البيهقي بعد ذكر إرساله من طريق الثوري: «وقد روي موصولا وليس بشيء» (١). ومن ذلك أيضا الحديث المتقدم آنفا، وهو حديث وائل بن حجر، وقد اختلف فيه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج في مواضع منه، في متنه وإسناده، وحكم النقاد فيها كلها لسفيان الثوري، وعدوا اجتماعها دليلا على عدم ضبط شعبة لهذا الحديث. ومن المواضع التي جرى فيها الاختلاف بينهما فيه أن سفيان الثوري لم يذكر في الإسناد علقمة بن وائل، فجعله عن حجر بن عنبس، عن وائل، وأما شعبة فذكر فيه علقمة، لكن جاء عن شعبة من طرق بموافقة سفيان، وإسقاط علقمة، وجاء عنه أيضا قوله: أو سمعه حجر من وائل، على اختلاف بين المصادر في هذه الجملة، فمثل هذا الاختلاف عن شعبة يمكن تأييد رواية سفيان به، وأن شعبة كان يتردد في هذا الموضع من الإسناد ويضطرب. وقد رجح بعض الباحثين ممن تكلم على هذا الحديث اعتمادا على صنيع شعبة هذا أن حجر بن عنبس سمعه من علقمة بن وائل، عن وائل، وسمعه من وائل نفسه، فحفظ سفيان أحد الوجهين، وحفظهما شعبة جميعا، فكان يذكر هذا وهذا، وما رجحه هؤلاء الباحثون بعيد جدا. وعكس هذا أنهما اختلفا في لفظ الحديث، فرواه سفيان بلفظ: «فقال:

стр. 621

آمين -ومدَّ بها صوته-»، وفي بعض طرقه: «ورفع بها صوته»، ورواه شعبة بلفظ: « … وأخفى بها صوته». وقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن أبي الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، عن شعبة، وفيه: «قال: آمين -ورفع بها صوته-». والرواية هذه عن شعبة بموافقة سفيان، جعلها بعض من تكلم على الحديث مؤيدة لرواية سفيان، وأن شعبة رجع إلى قول سفيان, وهذا بعيد جدا, فالطرق متضافرة عن شعبة، أنه يرويه بلفظ: «وأخفى بها صوته»، ورواية البيهقي هذه لا تصح عن شعبة، فقد أخرجه الطبراني, عن معاذ بن المثنى, عن أبي الوليد الطيالسي, باللفظ المشهور عن شعبة, وكذلك أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أبي الوليد، إلا أنه قرن أبا الوليد بسليمان بن حرب, والنتيجة أن الاختلاف على شعبة هذا لا يصح أن يعده الباحث اضطرابا من شعبة، فيجعل ذلك من مرجحات قول سفيان, لأن أحد الوجهين عن شعبة لا يصح عنه. وكذلك رواية أبي الوليد التي فيها موافقة شعبة لسفيان، حين النظر بينها وبين رواية الجماعة عن شعبة، لا يصح تعليلها بأن أبا الوليد قد اختلف عليه فلم يضبط، لأن أبا الوليد من الثقة والتثبت فوق أن ينسب إليه الاضطراب، وقد أمكن أن يحمل الخطأ غيره، وذاك أن إبراهيم بن مرزوق البصري الذي أخرج البيهقي الرواية من طريقه قد ذكر أنه كان يخطئ، وخاصة بعد ما عمي، ومعاذ بن المثنى، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، أثبت منه بكثير.

стр. 622

وثالث المواضع التي وقع الاختلاف فيها بين سفيان، وشعبة، أن سفيان يقول فيه: عن حجر بن عنبس، وشعبة يقول: عن حجر أبي العنبس، وقد جاء عن سفيان الثوري بموافقة شعبة، وأنه يقول فيه: عن حجر أبي العنبس، جاء هذا من رواية محمد بن كثير، والمحاربي، عن سفيان، وكذا جاء عن وكيع في بعض الطرق إليه، فجعل هذا بعض الأئمة المتأخرين دليلا على ضبط شعبة لروايته، فإن سفيان قد اختلف عليه, فوافق شعبة في بعض الروايات عنه، وبنوا عليه أن حجرا يكنى أبا العنبس، ويكنى أيضا أبا السكن، فله كنيتان. وما ذكروه بعيد، فإن هذه الروايات عن سفيان التي وافق فيها شعبة لا تصح عنه، ولا يحتمل فيها أن يقال: إن سفيان كان يقول مرة بهذا ومرة بهذا، ولولا ضيق المقام لشرحت المقصود. ومن الأمثلة كذلك حديث الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام, عن مروان بن الحكم, عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث, عن أُبي بن كعب, قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من الشعر حكمة». هكذا يرويه الجماعة من أصحاب الزهري، منهم شعيب بن أبي حمزة, ويونس بن يزيد, ومعمر، وزياد بن سعد, وعبيدالله بن أبي زياد, وإسماعيل بن أمية, وغيرهم. ورواه إبراهيم بن سعد, عن الزهري, فكان يقول فيه: عبدالله بن الأسود, مكان عبدالرحمن بن الأسود, هكذا رواه جماعة عن إبراهيم بن سعد, وهو مشهور عنه يخطئ فيه، وقد جاء عنه بموافقة رواية الجماعة, وجاء عنه بالإبهام

стр. 623

هكذا: عن ابن الأسود بن عبد يغوث. فهذا الاختلاف عن إبراهيم لا ينبغي أن يعد اضطرابا منه, فقوله واحد وإن كان يخطئ فيه, فالتصرف في اسم الراوي بإعادته إلى الصواب أو بإبهامه هو ممن بعد إبراهيم. وجاء عن إبراهيم في أحد الطرق إليه بإسقاط أبي بن كعب, فهذا أيضا ليس منه, فالطرق متضافرة إليه بذكر أبي, والخطأ ممن دونه. وجاء عن يونس بن يزيد في بعض الطرق إليه في «مسند أحمد» كقول إبراهيم بن سعد, فهذا أيضا لا ينبغي أن يعد اختلافا على يونس, تعضد به رواية إبراهيم، فإن سياق الإسناد ما قبله وما بعده يدل على أنه من تحريف النساخ، وهو على الصواب في «أطراف المسند»، و «إتحاف المهرة». وخالف معمر الجماعة في موضع آخر، فرواه عنه عبدالرزاق, وابن المبارك, بجعل عروة بن الزبير مكان أبي بكر بن عبدالرحمن. ورواه رباح بن زيد, وهشام بن يوسف, عن معمر, كقول الجماعة. فهذا اختلاف حقيقي على معمر, تضعف به روايته, فالطرق إليه قوية, وقد قال رباح بن زيد: «إن معمرا أخرج كتابه فإذا فيه: عن أبي بكر بن عبدالرحمن»، فالظاهر أنه يغلط فيه إذا حدث من حفظه (١).

стр. 624

وفي ختام هذا المبحث -القرائن في أوجه الاختلاف- أود التنبيه إلى قضيتين هامتين تتعلقان باستخدام صفة في رواية وجه من أوجه الاختلاف لترجيحه، أو لترجيح غيره عليه. أما القضية الأولى فإن الباحث قد يجد في صفة بعض الأوجه مرجحات أخرى لم يتقدم الحديث عنها, تعمدت ترك الحديث عنها هنا لأن بحثها سيأتي موسعا في الباب الرابع (المعارضة والاعتضاد) , في الفصل الخاص بالمعارضة, وهي أمور لا تختص بالاختلاف, فهناك الحديث عن فحص متن الحديث بعرضه على عدة أصول, منها القرآن الكريم, والأحاديث المعارضة, والبلاغة النبوية, وما قد يرد عن الراوي من فتوى بخلاف ما روى, وغير ذلك, سواء كان الحديث فيه اختلاف, أو لم يكن, وسواء في ذلك الوجه الراجح أو الوجه المرجوح إن كان الحديث فيه اختلاف. فهذا العرض قد ينتج عنه ما يفيد في ترجيح أحد الأوجه عن المدار, فيضم إلى غيره, ولا يصح أن يغفله الباحث, كأن يختلف على راو في تسمية شيخه أو من فوق شيخه على وجهين, ويأتي عن أحد المسمين في هذا الاختلاف رأي

стр. 625

يخالف ما في متن الحديث, فيمكن أن يستدل بذلك على حفظ الوجه الآخر عن المدار, فهو من قرائن الترجيح إذن. وأما القضية الثانية فهي عكس القضية الأولى: التنبيه على خطورة استخدام صفات لا صلة لها بالترجيح, فقد رأيت بعض الباحثين يستخدم في الترجيح أمورا لا مدخل لها فيه, وأكثر ذلك شيوعا عند الباحثين صفتان: الصفة الأولى: تمام أحد الإسنادين، ففي الاتصال والانقطاع إذا اختلف على راو من الرواة على وجهين, رجح الباحث أحدهما لكونه متصلا عن صحابيه -مثلا- أو عن تابعيه، والآخر منقطعا, فالراوي الموجود فيه دون الصحابي لم يسمع منه, أو دون التابعي لم يسمع منه. وهذا مزلق خطير، فلا مدخل لهذا في الترجيح, والبحث عن الراجح إنما هو عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، ما الذي حدث به؟ وقد يكون الراجح عنه هو التام, وقد يكون هو الناقص، أو يترجح عنه حفظ الوجهين. ومن أمثلة ذلك أن وكيع بن الجراح روى عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن أبي أنس مالك بن عامر, عن عثمان: «أنه توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا, وعنده رجال من أصحاب رسول الله ﷺ … » الحديث (١). ورواه جماعة كثيرون, منهم الأشجعي, وعبدالله بن الوليد العدني, والحسين بن حفص، ومحمد يوسف الفريابي, وأبو حذيفة موسى بن مسعود،

стр. 626

عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد, عن عثمان (١). سئل أبو حاتم, وأبو زرعة, عن هذا الاختلاف, وذكر لهما رواية وكيع، ورواية الفريابي, فرجحا رواية وكيع، وأن الفريابي وهم في جعله الحديث عن بسر بن سعيد، ثم قال أبو حاتم: «وأبو أنس جد مالك بن أنس, وأبوأنس عن عثمان متصل, وبسر بن سعيد, عن عثمان، مرسل» (٢). فرأيت توارد بعض الباحثين على ذكر الاتصال بين أبي أنس، وعثمان بن عفان، وكونه سمع منه, وليس كذلك بسر بن سعيد، من مرجحات رواية من جعل الحديث عن أبي أنس, عن عثمان, وهو وكيع, ويذكرون كلمة أبي حاتم في هذا, بل ذكر بعضهم أن الدارقطني -وهو أحد النقاد الذين خالفوا أبا حاتم, وأبا زرعة, فرجحوا رواية الجماعة على رواية وكيع- إنما رجح رواية الجماعة لكونه يعتقد أن رواية بسر بن سعيد, عن عثمان متصلة, وهي في الواقع منقطعة, كذا قال الباحث, زاد الطين بلة في الاتكاء على قضية اتصال الإسناد وأثره في الترجيح. وليس هذا الصنيع بجيد, فلا مدخل لهذا في الترجيح, وأبو حاتم, وأبو زرعة, إنما رجحا رواية وكيع لأنها ذكرت لهما في مقابل رواية الفريابي, فقدما وكيعا عليه، وأما غيرهما من الأئمة ممن تكلم على هذا الاختلاف

стр. 627

-مثل أحمد والدارقطني- فقد نظروا في هذا الاختلاف بين رواية وكيع ورواية الجماعة، فلم يترددوا في ترجيح رواية الجماعة، وأن وكيعا يخطئ فيه ولم يلتفتوا للاتصال من عدمه (١). وفي أمثلة أخر رجح أبو حاتم في الاختلاف الطريق المنقطع, أو الأظهر انقطاعا، ولم يلتفت لاتصال الثاني, أو لقرب اتصاله, وقد ذكر هذا هو بعد أن فرغ من الترجيح، قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن أيوب, عن حفص المهرقاني، عن محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر, عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر, عن النبي ﷺ قال: «الغازي والحاج والمعتمر وفد الله، سألوا الله فأعطاهم, ودعوا الله فأجابهم». فقال أبي: هذا حديث خطأ, إنما هو: أبو بكر بن حفص, عن عمر مرسلا، وقد أدرك أبو بكر بن حفص: ابن عمر, ولم يدرك عمر» (٢). وقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن يونس, عن مندل, عن حصين, عن عمرو بن ميمون, قال: قال عمر بن الخطاب: «كان رسول الله ﷺ يكره الكراث … » الحديث. قال أبي: هذا خطأ, وإنما هو: حصين, عن هلال بن يساف, عن عمر بن الخطاب -مرسلا- عن النبي ﷺ .

стр. 628

قلت لأبي: عمرو بن ميمون لقي عمر, قال: نعم, وهلال بن يساف لم يلق عمر» (١). وتعرض أحد الباحثين لحديث قتادة، عن سعيد بن المسيب, عن سعد بن أبي وقاص, أن النبي ﷺ قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، وقد اختلف فيه على قتادة, وعلى من دونه, ومن الاختلاف فيه ما رواه يوسف بن عطية الصفار, عن سعيد بن أبي عروبة, عن قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة. فذكر الباحث ضعف هذا الوجه, وذلك لسببين, الثاني منهما ضعف يوسف الصفار, وأنه متروك, وهذا لا إشكال فيه، وبه سقط هذا الوجه قبل أن يصل إلى قتادة, بل قبل أن يصل إلى سعيد بن أبي عروبة. والسبب الأول الذي ذكره الباحث استفتحه بما نقله عن البرديجي أن سلسلة (قتادة, عن سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة) لا تصح، كلها معلولة, وهذا حق, ولكن هذا عائد للسبب الثاني, وهو أنها لا تصح عن قتادة أصلا, فهي معلولة. وذكر الباحث في السبب الأول أيضا بعد نقل كلام البرديجي ما جاء عن أحمد, وعبدالرحمن بن مهدي, من تضعيف رواية قتادة, عن سعيد بن المسيب, وأنه يدخل بينه وبين سعيد رجالا لا يعرفون.

стр. 629

وصنيع الباحث هنا هو موضع الإشكال, فنقد الوجه بهذه الطريقة تحميل لقتادة عهدة خطأ ممن دونه، فهو لم يصح عنه أصلا, ودراسة الباحث للاختلاف في هذا الحديث ينبغي أن تنصب على النظر في الأوجه عن قتادة, وما الذي يصح منها عنه, وما الذي لا يصح؟ وأما ما بعد قتادة, فإنما ينظر فيه الباحث بعد الترجيح، ويكتفي بالنظر في الوجه الراجح فقط، وسيأتي شرح هذا في الفصل الرابع بحول الله وقوته. وقد وقفت على كلمة للدارقطني توهم الاعتداد بقضية الاتصال والانقطاع في الترجيح، فإنه قال في حديث التشهد بعد أن ذكر أوجه الاختلاف فيه على أبي إسحاق السبيعي: «وكل الأقاويل صحاح عن أبي إسحاق, إلا ما قال زيد بن أبي أنيسة من ذكر علقمة، فإن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة شيئا» (١). وليست العبارة على ظاهرها، فالمقصود تخطئة هذا الوجه لمجيئه مصرحا فيه أبو إسحاق بالسماع من علقمة, وهو لم يسمع منه، كما تقدم في الاتصال والانقطاع (٢)، يدل على ذلك أن الدارقطني ساق من طرقه عن أبي إسحاق, رواية يوسف بن أبي إسحاق, وسعاد بن سليمان, عن أبي إسحاق, عن الأسود, وأبي الأحوص, وعمرو بن ميمون, وأصحاب عبدالله, عن عبدالله، وبعدها رواية زهير بن معاوية, عن أبي إسحاق: سألت أبا الأحوص، وربيع بن خثيم,

стр. 630

ومسروقا، وعبيدة, والأسود, وقص الحديث عن الأسود, عن عبدالله. ويحتمل في كلمة الدارقطني أن يكون الاستثناء منقطعا, فبعد أن صحح الأوجه عن أبي إسحاق، عاد فاستأنف كلاما يبين فيه حال الأسانيد بعد أبي إسحاق، وأنها كلها متصلة عمن رواها عنهم، سوى روايته عن علقمة فإنه لم يسمع منه، والنقاد يتكلمون كثيرا عن حال الأسانيد بعد الفراغ من الموازنة والترجيح، أي من المدار فصاعدا كما تقدم آنفا في كلام أبي حاتم، وسيأتي شرح ذلك بالأمثلة في المبحث الثاني من الفصل الرابع. ورواية أبي إسحاق، عن علقمة مشهورة عنه، من رواية كبار أصحابه عنه (١)، فلا يستقيم حينئذ أن يكون الانقطاع دليلا على خطأ من جعل الحديث عن أبي إسحاق، عن علقمة، والاعتماد في التخطئة كان على أمر آخر, وإنما يستقيم دليلا لو كان أبو إسحاق لم يرو عن علقمة أصلا, فهذا مدخل للترجيح مشهور, تقدم شرحه والحديث عنه بأمثلته في الفصل الرابع من الباب الأول, في المبحث الثالث منه, فالإسناد حينئذ مركب لا يستقيم, وربما عبر الناقد عن هذا بنفي بالسماع, أو بنفي الاتصال, وليس غرضه جعله مرجوحا بقرينة عدم السماع, وإنما مراده أنه لم يرو عنه أصلا. ومن أمثلة ذلك أيضا ما روى أبو بكر بن عياش, عن الأعمش, عن عمرو

стр. 631

بن مرة, عن عبدالله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر, عن عبدالله بن عمرو قال: «كان رسول ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع … » الحديث (١). ورواه حميد بن عطاء، عن عبدالله بن الحارث, عن عبدالله بن مسعود، عن النبي ﷺ (٢). وقيل لأبي زرعة: أيهما صح؟ فقال: «حديث زهير أصح وأشبه, وحميد ضعيف الحديث, واهي الحديث, وعبدالله بن الحارث، عن ابن مسعود مرسل» (٣). وقد قال أبو حاتم في حميد: «ضعيف الحديث, منكر الحديث, قد لزم عبدالله بن الحارث, عن ابن مسعود, ولا يعرف لعبدالله بن الحارث, عن ابن مسعود شيء» (٤). ومما يؤكد ما تقدم أن الاختلاف لو كان في إسناد واحد بذكر راو وحذفه, وكان الإسناد بذكر الراوي متصلا, أو أخف انقطاعا، لم يكن هذا كافيا لترجيح ذكر الراوي, ولا بد من الاعتماد على قرائن أخرى, وقد تقدم شرح شيء من هذا في هذا المبحث في قرينة (السهولة والوعورة) (٥). فإن قيل: نرى النقاد يكثرون من النص على الانقطاع في الوجه المرجوح فما

стр. 632

غرضهم من ذلك إذن؟ والجواب: لهم من ذلك أغراض متعددة, منها أن يكون الغرض نفي الرواية أصلا, والتعبير بنفي السماع قصد به هذا, كما تقدم آنفا. ومنها زيادة نقد للوجه المرجوح, فكأنه يقول: على فرض صحته عن المدار ففلان لم يسمع من فلان, كما يفعلون ذلك مع رواة الإسناد أنفسهم بعد المدار, ببيان درجتهم، وقد يفعلون هذا لمجرد البيان فهو إنشاء كلام. ومنها أن يكون الوجه الراجح بعد ترجيحه عن المدار بقرائن الترجيح من أدلة الانقطاع في الوجه المرجوح, وهذا يكثر منه النقاد, خاصة إذا كان الوجه المرجوح فيه تصريح بالتحديث يراه الناقد خطأ, وقد تقدم شرح هذا في (الاتصال والانقطاع) في الكلام على قرائن وجود السماع أو عدمه, فإدخال راو بين راويين من أقوى القرائن على وجود انقطاع بينهما, وقد يقوى بحيث يرد تصريحا بالتحديث ورد في بعض الأسانيد (١). ويوضح هذا أن النقاد يتكلمون في قضية الاتصال والانقطاع في الوجه الراجح، كما تقدم في كلام أبي حاتم، وهكذا يفعله غيره من النقاد، فلم يؤثر كونه منقطعا أن يكون راجحا، والمتصل هو المرجوح. ومثله في حال ترجيح حفظ وجهين، قد ينقدون أحدهما بالانقطاع، ولم يمنع هذا من كونه محفوظا عن المدار.

стр. 633

روى البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حَرَّة المدينة عشاء … » الحديث، قال الأعمش بعده: «قلت لزيد: إنه بلغني أنه أبو الدرداء، فقال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة»، ثم قال الأعمش: «وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه» (١). وأخرجه البخاري أيضا من طريق جرير، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، وعلق بعده من طريق شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وعبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ثم قال: «حديث أبي صالح، عن أبي الدرداء مرسل لا يصح، إنما أردنا للمعرفة، والصحيح حديث أبي ذر»، ثم سئل عن حديث عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، فقال: «مرسل أيضا لا يصح، والصحيح حديث أبي ذر، اضربوا على حديث أبي الدرداء» (٢). فحديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء، محفوظ عن الأعمش، رواه عنه جماعة (٣)، والذي منع البخاري من تصحيحه كونه منقطعا بين أبي صالح، وأبي الدرداء، وهذا لا علاقة له بحفظه عن الأعمش.

стр. 634

ومثل ما يقال في الاتصال والانقطاع يقال في الرواة, فإذا اختلف مثلا على راو في تسمية شيخه أو من فوقه, وكان أحد الوجهين رواته بعد الراوي المختلف عليه ثقات, والوجه الآخر ليس كذلك, أو ثقات ولكنه دون الأول، لم يكن هذا مرجحا, ولا مدخل له في الترجيح, وما يقع من بعض الباحثين من الترجيح بدرجة الرواة بعد المدار خطأ بين. فمن ذلك أن جماعة من أصحاب الأعمش -منهم وكيع، وأبو بكر بن عياش- رووا عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»، وجاء في بعض الطرق إلى وكيع التصريح بعروة بن الزبير (١). ورواه عبدالرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: أخبرنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة (٢). تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من مرجحات الوجه الأول: جهالة شيوخ الأعمش وجهالة عروة المزني، في الوجه الثاني. كذا صنع الباحث، ولا مدخل لما ذكره في الترجيح، فالنظر في الراجح عن الأعمش، وما الذي حَدَّث به؟ وقد يكون الوجه الثاني هو الذي حَدَّث به،

стр. 635

أي هو الراجح، فيتم نقده -بعد ترجيحه عن الأعمش- بما ذكره الباحث. الصفة الثانية: ترجيح أحد النقاد لبعض الأوجه, وهذا كثير عند الباحثين, وخاصة تخريج الشيخين البخاري ومسلم أو أحدهما للوجه, فيقوم الباحث بذكر قرائن الترجيح، ويذكر منها أن هذا الوجه هو الراجح لكون الشيخين أخرجاه، أو لكون البخاري أو مسلم أخرجه, ويفعلون هذا مع غيرهما، فيذكر الباحث في مبرراته لترجيح الوجه أن أحمد, أو ابن معين, أو أبا حاتم, أو أبا زرعة، رجحه, وربما نزل بعضهم إلى أبي نعيم الأصبهاني, والبيهقي، وابن عبدالبر. وغير خاف أن آراء المجتهدين ليست أدلة, فهي بحاجة إلى الدليل، والاستدلال بها حينئذ فيه دور, لا ينقطع إلا بوجود إجماع من أهل الفن على رأي, فالحجة إذن في إجماعهم, وما عدا ذلك فهو من باب الركون والتقليد لقول مجتهد. يدل على ذلك أنه في حال اختلاف ناقدين فإن الباحث يستبعد رأييهما من القرائن، ويبحث عن قرائن لقول كل منهما, فلو كان رأي الناقد في نفسه دليلا لاستمر هذا, ولوجب إحضاره في كل اختلاف، فالدليل في حال هو دليل في حال أخرى، وإنما يقدم الأخذ بأحد الدليلين لأمور خارجة عن كون الدليل في نفسه دليلا. مثال ذلك أنه لو استدل مجتهد في مسألة شرعية بدليل من السنة النبوية لعد عمله هذا موافقا لأصول الاستدلال، بغض النظر عن قوة الدليل وصلاحيته للاستدلال في هذه المسألة بعينها، ولو استدل ببعض كلام العرب -مثلا- لم ينظر في دليله أصلا, لخروجه عن أصول الاستدلال، وقد يكون موافقا للقول الراجح.
следующие страницы →