← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

بن مرة, عن عبدالله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر, عن عبدالله بن عمرو قال: «كان رسول ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع … » الحديث (١). ورواه حميد بن عطاء، عن عبدالله بن الحارث, عن عبدالله بن مسعود، عن النبي ﷺ (٢). وقيل لأبي زرعة: أيهما صح؟ فقال: «حديث زهير أصح وأشبه, وحميد ضعيف الحديث, واهي الحديث, وعبدالله بن الحارث، عن ابن مسعود مرسل» (٣). وقد قال أبو حاتم في حميد: «ضعيف الحديث, منكر الحديث, قد لزم عبدالله بن الحارث, عن ابن مسعود, ولا يعرف لعبدالله بن الحارث, عن ابن مسعود شيء» (٤). ومما يؤكد ما تقدم أن الاختلاف لو كان في إسناد واحد بذكر راو وحذفه, وكان الإسناد بذكر الراوي متصلا, أو أخف انقطاعا، لم يكن هذا كافيا لترجيح ذكر الراوي, ولا بد من الاعتماد على قرائن أخرى, وقد تقدم شرح شيء من هذا في هذا المبحث في قرينة (السهولة والوعورة) (٥). فإن قيل: نرى النقاد يكثرون من النص على الانقطاع في الوجه المرجوح فما

стр. 632

غرضهم من ذلك إذن؟ والجواب: لهم من ذلك أغراض متعددة, منها أن يكون الغرض نفي الرواية أصلا, والتعبير بنفي السماع قصد به هذا, كما تقدم آنفا. ومنها زيادة نقد للوجه المرجوح, فكأنه يقول: على فرض صحته عن المدار ففلان لم يسمع من فلان, كما يفعلون ذلك مع رواة الإسناد أنفسهم بعد المدار, ببيان درجتهم، وقد يفعلون هذا لمجرد البيان فهو إنشاء كلام. ومنها أن يكون الوجه الراجح بعد ترجيحه عن المدار بقرائن الترجيح من أدلة الانقطاع في الوجه المرجوح, وهذا يكثر منه النقاد, خاصة إذا كان الوجه المرجوح فيه تصريح بالتحديث يراه الناقد خطأ, وقد تقدم شرح هذا في (الاتصال والانقطاع) في الكلام على قرائن وجود السماع أو عدمه, فإدخال راو بين راويين من أقوى القرائن على وجود انقطاع بينهما, وقد يقوى بحيث يرد تصريحا بالتحديث ورد في بعض الأسانيد (١). ويوضح هذا أن النقاد يتكلمون في قضية الاتصال والانقطاع في الوجه الراجح، كما تقدم في كلام أبي حاتم، وهكذا يفعله غيره من النقاد، فلم يؤثر كونه منقطعا أن يكون راجحا، والمتصل هو المرجوح. ومثله في حال ترجيح حفظ وجهين، قد ينقدون أحدهما بالانقطاع، ولم يمنع هذا من كونه محفوظا عن المدار.

стр. 633

روى البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: «كنت أمشي مع النبي ﷺ في حَرَّة المدينة عشاء … » الحديث، قال الأعمش بعده: «قلت لزيد: إنه بلغني أنه أبو الدرداء، فقال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة»، ثم قال الأعمش: «وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه» (١). وأخرجه البخاري أيضا من طريق جرير، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، وعلق بعده من طريق شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وعبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ثم قال: «حديث أبي صالح، عن أبي الدرداء مرسل لا يصح، إنما أردنا للمعرفة، والصحيح حديث أبي ذر»، ثم سئل عن حديث عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، فقال: «مرسل أيضا لا يصح، والصحيح حديث أبي ذر، اضربوا على حديث أبي الدرداء» (٢). فحديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء، محفوظ عن الأعمش، رواه عنه جماعة (٣)، والذي منع البخاري من تصحيحه كونه منقطعا بين أبي صالح، وأبي الدرداء، وهذا لا علاقة له بحفظه عن الأعمش.

стр. 634

ومثل ما يقال في الاتصال والانقطاع يقال في الرواة, فإذا اختلف مثلا على راو في تسمية شيخه أو من فوقه, وكان أحد الوجهين رواته بعد الراوي المختلف عليه ثقات, والوجه الآخر ليس كذلك, أو ثقات ولكنه دون الأول، لم يكن هذا مرجحا, ولا مدخل له في الترجيح, وما يقع من بعض الباحثين من الترجيح بدرجة الرواة بعد المدار خطأ بين. فمن ذلك أن جماعة من أصحاب الأعمش -منهم وكيع، وأبو بكر بن عياش- رووا عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»، وجاء في بعض الطرق إلى وكيع التصريح بعروة بن الزبير (١). ورواه عبدالرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: أخبرنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة (٢). تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من مرجحات الوجه الأول: جهالة شيوخ الأعمش وجهالة عروة المزني، في الوجه الثاني. كذا صنع الباحث، ولا مدخل لما ذكره في الترجيح، فالنظر في الراجح عن الأعمش، وما الذي حَدَّث به؟ وقد يكون الوجه الثاني هو الذي حَدَّث به،

стр. 635

أي هو الراجح، فيتم نقده -بعد ترجيحه عن الأعمش- بما ذكره الباحث. الصفة الثانية: ترجيح أحد النقاد لبعض الأوجه, وهذا كثير عند الباحثين, وخاصة تخريج الشيخين البخاري ومسلم أو أحدهما للوجه, فيقوم الباحث بذكر قرائن الترجيح، ويذكر منها أن هذا الوجه هو الراجح لكون الشيخين أخرجاه، أو لكون البخاري أو مسلم أخرجه, ويفعلون هذا مع غيرهما، فيذكر الباحث في مبرراته لترجيح الوجه أن أحمد, أو ابن معين, أو أبا حاتم, أو أبا زرعة، رجحه, وربما نزل بعضهم إلى أبي نعيم الأصبهاني, والبيهقي، وابن عبدالبر. وغير خاف أن آراء المجتهدين ليست أدلة, فهي بحاجة إلى الدليل، والاستدلال بها حينئذ فيه دور, لا ينقطع إلا بوجود إجماع من أهل الفن على رأي, فالحجة إذن في إجماعهم, وما عدا ذلك فهو من باب الركون والتقليد لقول مجتهد. يدل على ذلك أنه في حال اختلاف ناقدين فإن الباحث يستبعد رأييهما من القرائن، ويبحث عن قرائن لقول كل منهما, فلو كان رأي الناقد في نفسه دليلا لاستمر هذا, ولوجب إحضاره في كل اختلاف، فالدليل في حال هو دليل في حال أخرى، وإنما يقدم الأخذ بأحد الدليلين لأمور خارجة عن كون الدليل في نفسه دليلا. مثال ذلك أنه لو استدل مجتهد في مسألة شرعية بدليل من السنة النبوية لعد عمله هذا موافقا لأصول الاستدلال، بغض النظر عن قوة الدليل وصلاحيته للاستدلال في هذه المسألة بعينها، ولو استدل ببعض كلام العرب -مثلا- لم ينظر في دليله أصلا, لخروجه عن أصول الاستدلال، وقد يكون موافقا للقول الراجح.

стр. 636

يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الباحثين يعتمد تخريج الشيخين -مثلا- دون تمحيص، فتجده يذهب إلى حفظ عدد من الأوجه بقرينة تخريجها جميعا عندهما أو عند أحدهما، وهذا مزلق خطير، فإنهما كغيرهما يخرجان الشيء لبيان علته, وترجيح غيره عليه, فلا يصح أن ينسب إليهما تخريجه للاتكاء عليه دون نظر في كيفية تخريجه, بل ربما أخرجا بعض الأوجه عرضا دون قصد له. وكل هذه القضايا سيأتي الحديث عنها في الفصل الخامس, وهو الفصل الخاص بكلام النقاد, وضوابط الاستفادة منه, وإحكام ذلك, ويأتي هناك أيضا الحديث عن ضرورة التمعن في كلام الناقد, وفهم مراده بالترجيح, قبل اعتماد الاستفادة منه, فإن هذا أيضا من المزالق الخطيرة في التعامل مع كلام النقاد. وسأذكر الآن مثالا واحدا من صنيع أحد الباحثين, جمع فيه بين الاعتماد على قرينة كون أحد الوجهين متصلا, وبين الاعتماد على قرينة تخريج أحد الشيخين, وكلاهما لا يصح الاعتماد عليه في الترجيح. ذكر أحد الباحثين الفضلاء ما أخرجه البخاري من طريق الأعمش, عن إبراهيم النخعي, عن همام بن الحارث, عن حذيفة قال: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا … » الحديث, ثم أخرج الأثر من مصادر أخرى من طريق الأعمش, ومن طريق عبدالله بن عون, عن إبراهيم, ورواية ابن عون ليس فيها همام بن الحارث, ثم قال في الموازنة بينهما: «وهو الصواب (يعني رواية الأعمش) لموافقته لرواية البخاري, ولأن إبراهيم النخعي لم يلق حذيفة … ».

стр. 637

المبحث الرابع المتابعات للمدار ومن فوقه يستعين الناظر في الاختلاف على أحد الرواة برواية أقران الراوي المختلف عليه، أو برواية أقران شيخه ومن فوقه, إلى صحابي الحديث، فربما وجد في رواياتهم ما يؤيد ترجيح أحد وجوه الاختلاف على الراوي الذي ينظر في الاختلاف عليه، وربما وجد ما يؤيد حفظ وجهين أو أكثر من الاختلاف على ذلك الراوي. وهذا له صورتان: الصورة الأولى: أن يختلف على راو في إسناد واحد, فيختلف عليه في صفة هذا الإسناد، كالوصل والإرسال, أو الرفع والوقف، أو بزيادة راو فيه وحذفه, أو بزيادة أو تغيير في متنه، ونحو ذلك, كأن يروي بعض أصحاب شعبة بن الحجاج -مثلا- عن شعبة, عن الأعمش, عن إبراهيم, عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود حديثا مرفوعا, ويرويه بعض أصحاب شعبة عنه بهذا الإسناد موقوفا, فالناظر في هذا الاختلاف يبحث عن رواة آخرين شاركوا شعبة في رواية هذا الحديث عن الأعمش لينظر على أي صفة رووه، على الرفع أو الوقف؟ ويبحث كذلك عن رواة آخرين شاركوا الأعمش, في الرواية عن إبراهيم, وهكذا في إبراهيم, عن علقمة، وفي علقمة, عن ابن مسعود، وفي ابن مسعود, عن النبي ﷺ .

стр. 638

والاستعانة برواية من هو في طبقة المختلف عليه ومن فوقه في هذه الصورة كثير جدا عند النقاد. فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الثالث, وهو ما رواه سفيان الثوري، عن أبي الزناد, عن المرقع بن صيفي, عن حنظلة الكاتب, وأن جماعة من النقاد تواردوا على تخطئة الثوري في هذا، والصواب: عن المرقع بن صيفي, عن جده رباح -أو رياح- أخي حنظلة الكاتب. والشاهد هنا أن البخاري في كلامه على هذا الحديث ذكر أولا مخالفة الثوري لبعض من رواه عن أبي الزناد نفسه, ثم ارتفع إلى طبقة أبي الزناد, فذكر من رواه عن المرقع بخلاف ما رواه الثوري. قال البخاري: «رباح بن الربيع -أخو حنظلة- التميمي الأسيدي، قال إسماعيل, عن ابن أبي الزناد, عن أبيه, عن المرقع بن صيفي, أن جده رباح بن الربيع -أخا حنظلة الكاتب- أخبره, أنه خرج مع النبي ﷺ في غزوة، فقال: «الحق خالدا فلا يقتلن ذرية، ولا عسيفا». وقال عبدالعزيز: أخبرني ابن أبي الزناد, مثله. وقال المقدمي: حدثنا فضيل بن سليمان، سمع موسى بن عقبة، سمع المرقع، شهد على جده رباح الحنظلي, مثله. وقال أبو الوليد: حدثنا عمر بن مرقع بن صيفي بن رباح -أخو حنظلة بن الربيع-، سمع أباه, عن جده رباح, مثله.

стр. 639

وقال الثوري: عن أبي الزناد, عن مرقع, عن حنظلة الكاتب، وهذا وهم» (١). وروى جماعة منهم حماد بن سلمة, عن خالد الحذاء, عن خالد بن أبي الصلت, عن عراك بن مالك, عن عائشة, حديث استقبال القبلة عند قضاء الحاجة, ومنهم من لم يسم خالد بن أبي الصلت, ومنهم من حذفه, ومنهم من زاد عمرة بين عراك, وعائشة, ومنهم من زاد عروة بن الزبير (٢). والشاهد هنا أن بعض الرواة عن حماد بن سلمة روى الحديث بصيغة التحديث بين عراك بن مالك, وعائشة, وكان أحمد وغيره يذهبون إلى أنه لم يسمع من عائشة ولم يلقها, فسئل أحمد عن هذا الحديث، فأنكر ما فيه من التصريح بالتحديث, واحتج بأن الجماعة من أصحاب حماد بن سلمة لم يقولوا في رواية عراك: سمعت, وأيد أحمد ذلك برواية المتابعين لحماد, فلم يقولوا: سمعت. قال الأثرم: «سمعت أبا عبدالله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت, عن

стр. 640

عراك بن مالك, عن عائشة ﵂ … ، فقال: مرسل, فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂, فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة, هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة, عن خالد الحذاء, فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه: سمعت, وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت» (١). وروى حفص بن غياث, عن الحجاج بن أرطاة, عن عطاء, عن حمران, عن عثمان (حديث الوضوء) (٢). ورواه جماعة عن الحجاج بن أرطاة -منهم حماد بن زيد, وعباد بن العوام, وأبو معاوية, وغيرهم- عن الحجاج, عن عطاء, عن عثمان, مرسلا ليس فيه حمران (٣). وكذلك رواه ابن جريج, ويزيد بن أبي حبيب, والليث بن سعد, وغيرهم, عن عطاء, عن عثمان, وفي رواية ابن جريج, عن عطاء, أنه بلغه عن عثمان (٤).

стр. 641

وسئل أبو زرعة عن رواية حفص الموصولة بذكر حمران, فذكر رواية الجماعة عن الحجاج, ثم رواية الجماعة عن عطاء, ورجح المرسل (١). الصورة الثانية: وقوع الاختلاف على الراوي بأسانيد مختلفة، فيروي عنه بعض أصحابه الحديث بإسناد, ويرويه بعضهم بإسناد آخر، وهكذا, وقد يكون التغيير في راو واحد فقط. فإذا وقع الاختلاف على راو من الرواة على هذه الصورة فيستعان بالمتابعات التي قد توجد لأحد الوجهين لترجيحه، أو لكونه محفوظا مع حفظ الوجه الآخر, وقد توجد هذه المتابعات للوجهين جميعا, فيستدل بذلك على تأكيد حفظهما عن المدار. وقد أكثر النقاد من استخدام هذا الجانب في النظر في الاختلاف. فمن ذلك أن محمد بن عمرو بن علقمة روى عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٢). ورواه محمد بن إسحاق, عن محمد بن إبراهيم التيمي, عن أبي سلمة

стр. 642

بن عبدالرحمن، عن زيد بن خالد الحهني (١). فذكر الترمذي أن البخاري رجح أن الحديث عن زيد بن خالد, وليس عن أبي هريرة، وخالفه الترمذي فصحح الحديثين جميعا، واحتج بأن الحديث معروف عن أبي هريرة من غير وجه, قال الترمذي: «وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد, كلاهما عندي صحيح, لأنه قد روي من غير وجه, عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة, عن زيد بن خالد أصح» (٢). وروى جماعة من أصحاب الأعمش, منهم شعبة, وحفص بن غياث, وجرير بن عبدالحميد، وشيبان بن عبدالرحمن, عن الأعمش، عن أبي صالح, عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين … » الحديث (٣). ورواه يزيد بن عبدالعزيز بن سياه, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي سعيد الخدري (٤).

стр. 643

ذكر لأبي حاتم رواية حفص بن غياث, ورواية يزيد بن عبدالعزيز, أيهما أصح؟ فقال: «حفص أحفظ، والحديث مروي عن أبي هريرة من طريق آخر، ولا أعلم لأبي سعيد، عن النبي ﷺ في هذا شيئا» (١). وروى سعيد بن خثيم, عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه: «أنه كان إذا نظر إلى رجل يريد السفر، يقول: أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودع, ثم يقول: أستودع الله دينك, وأمانتك, وخواتيم عملك» (٢). ورواه الوليد بن مسلم وغيره عن حنظلة, عن القاسم, عن ابن عمر (٣). ذكر أبو حاتم, وأبو زرعة, أن هذين الإسنادين جميعا خطأ, وأن الصواب وجه ثالث وهو: عن حنظلة, عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن يحيى بن إسماعيل بن جرير، عن قزعة, عن ابن عمر, عن النبي ﷺ . واستدلا بما روياه عن أبي نعيم الفضل دكين, عن عبدالعزيز بن عمر كذلك, فترجح هذا الوجه عن حنظلة بكونه قد توبع عليه (٤). وقد رواه جماعة كثيرون عن عبدالعزيز بن عمر كما رواه أبو نعيم, إلا أن

стр. 644

بعضهم سمى شيخ عبدالعزيز بن عمر: إسماعيل بن جرير، وبعضهم سماه إسماعيل بن محمد بن سعد، ومنهم من أسقطه, والأكثرون سموه كقول أبي نعيم (١). وروى جماعة -منهم عبدالله بن المبارك, وأنس بن عياض، وحاتم بن إسماعيل- عن موسى بن عقبة, عن نافع, عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف, ومشى أربعة … » الحديث (٢). ورواه زهير بن معاوية, عن موسى بن عقبة, عن سالم, عن ابن عمر. سئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن المبارك، وزهير فقال: «جميعا صحيحين، وقد روي عنهما جميعا» (٣). ومراد أبي حاتم -فيما يظهر- أن الحديث معروف عن نافع، ومعروف عن سالم، فهذا يدل على أن موسى بن عقبة قد رواه عنهما جميعا، وأن من رواه عنه عن نافع لم يخطئ عليه، ومن رواه عنه عن سالم لم يخطئ عليه كذلك.

стр. 645

وقد رواه عن نافع جماعة، منهم عبيدالله العمري، وفليح بن سليمان، وكثير بن فرقد، وعبدالله العمري، وأيوب السختياني (١). ورواه عن سالم بن عبدالله: الزهري (٢). وفي ختام هذا المبحث أود التنبيه على أمور: الأمر الأول: المتابعات للمدار من فوقه قد يوجد فيها شيء من القرائن الماضية في المبحث الثالث, وهي القرائن في أوجه الاختلاف نفسها, فقد يوجد فيها من يفصل بين روايتين, فيستدل بذلك على أنه قد حفظ, أو يوجد فيها تفاصيل في المتن أو في الإسناد تدل على الحفظ, كوجود قصة مثلا. ومن أمثلة ذلك ما رواه عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة, عن أنس: «أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته

стр. 646

أقبل عليهم بوجهه فقال: أتقرأون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ … » الحديث (١). ورواه معمر, وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد, وعبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ مرسلا (٢). ورواه خالد الحذاء, عن أبي قلابة, عن محمد بن أبي عائشة, عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٣). ونص جماعة من النقاد على خطأ الوجه الأول وهو جعله عن أنس, عن النبي ﷺ ، واستدل البخاري بما رواه من طريق إسماعيل بن علية, عن خالد الحذاء قال: «قلت لأبي قلابة: من حدثك هذا؟ قال: محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية، كان خرج مع بني مروان حيث خرجوا من المدينة» (٤). فهذا النص يدل بوضوح على صحة رواية الجماعة عن أيوب, وأن أبا قلابة

стр. 647

يرويه له مرسلا، وعلى خطأ من ذكر أنسا، فإنه لو كان عند أبي قلابة عن أنس لبادر بذكره حين سئل عنه. الأمر الثاني: المتابعات للمدار ومن فوقه في غاية الأهمية بالنسبة للترجيح في الاختلاف على مدار ينظر فيه الباحث, فالمتابعات للمدار ومن فوقه قد تتظافر فيقطع بخطأ الوجه الآخر, وقد تعدم تماما فيفقد الترجيح شيئا من قوته من هذه الجهة, وبين تظافر المتابعات وانعدامها درجات أخرى بحسب عدد الطبقات التي توجد فيها المتابعات. وهذا الكلام يسري في جميع أنواع الاختلاف, وسأكتفي بمثالين في كل منهما زيادة في متن الحديث ضعفها النقاد بالنظر في المدار والرواة عنه, وفي إحداهما زيادة ترجيح بالمتابعات للمدار ومن فوقه. فالأول الحديث الماضي في المبحث الثالث من هذا الفصل, وهو حديث أبي معاوية, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة في صفة غسله ﷺ من الجنابة, فقد زاد فيه أبو معاوية على جميع أصحاب هشام في آخره: «ثم غسل رجليه»، ولا توجد متابعات لهشام عن أبيه, ولا لعروة عن عائشة, يتأكد بها ترجيح عدم حفظ هذه الزيادة. ومثلها في هذا الحديث زيادة وكيع لفظ: «ثلاثا» في غسل اليدين. والثاني حديث أبي هريرة في (ولوغ الكلب في الإناء) , فقد رواه علي بن مسهر, عن الأعمش, عن أبي صالح, وأبي رزين, عن أبي هريرة, وزاد فيه علي: «فليرقه».

стр. 648

وقد رواه إسماعيل بن زكريا, وأبو معاوية, وشعبة, وحفص بن غياث, وغيرهم, عن الأعمش, فلم يذكروا هذه الزيادة, إلا أن منهم من جمع بين أبي صالح, وأبي رزين, كما فعل علي بن مسهر, ومنهم من اقتصر على أحدهما. وكذا جاء عن سهيل بن أبي صالح, عن أبيه, عن أبي هريرة, ليس فيه الزيادة. وكذا رواه جماعة كثيرون من أصحاب أبي هريرة, ليس فيه الزيادة فرواه الأعرج, ومحمد بن سيرين, وهمام بن منبه, وثابت بن عياض, وأبو سلمة بن عبدالرحمن, وعبدالرحمن بن أبي عمرة, وعبيد بن حنين. وقد رواه كذلك عبدالله بن مغفل عن النبي ﷺ , وليس في حديثه ذكر الإراقة. فبهذه المتابعات للأعمش, ولأبي صالح, وأبي رزين, ولأبي هريرة, ازداد ترجيح عدم حفظ هذه الزيادة قوة, ولهذا توارد النقاد -منهم مسلم, والنسائي, وغيرهما- على تضعيفها, مع أنه قد جاء من طريق محمد بن سيرين, وعطاء بن أبي رباح, الأمر بالإراقة موقوفا على أبي هريرة, فلو صح هذا كان دالا أيضا على خطأ علي بن مسهر (١).

стр. 649

والمتأمل في عمل بعض الناظرين في الأسانيد يرى خللا في مراعاة وجود المخالفة في عدد من الطبقات, فيحكم بصحة وجه دون تمعن فيما يلزم على التصحيح. فمن ذلك أن بعض الباحثين حين جاء إلى زيادة علي بن مسهر الآنفة الذكر, وذكر تفرد علي بن مسهر بها, قال: «وهي زيادة ثقة مقبولة, ووجودها في المتن تحصيل حاصل». كذا قال, وكون وجودها في المتن تحصيل حاصل غير مسلم, وليس هذا موضع الشاهد, فالشاهد هنا قوله عنها إنها زيادة ثقة مقبولة, إذ يلزم عليه أن نقول إن أبا هريرة: ذكرها لأبي صالح, وأبي رزين, ولم يذكرها للجماعة من أصحابه, ثم أبو صالح ذكرها للأعمش, ولم يذكرها لابنه سهيل, ثم الأعمش, ذكرها لعلي بن مسهر فقط, ولم يذكرها لبقية أصحابه الذين رووا عنه هذا الحديث, ومنهم من هو مقدم في الأعمش, كأبي معاوية, وشعبة, وعلي بن مسهر ربما أخطأ لكونه يحدث من حفظه, وكان بصره قد ذهب في آخر عمره, وذكر أيضا أنه دفن كتبه (١) , فالقول بأن هذه زيادة محفوظة بعيد جدا. وروى الجماعة من أصحاب شعبة -منهم محمد بن جعفر، ووكيع، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- عن شعبة، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج

стр. 650

-ثلاثا- غير تمام» (١). وهكذا رواه بقية أصحاب العلاء، منهم سفيان بن عيينة، والدراوردي، وروح بن القاسم، وإسماعيل بن علية، وجماعة كثيرون (٢). ورواه وهب بن جرير، عن شعبة، بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» (٣)، وقيل: إن محمد بن كثير رواه عن شعبة كذلك (٤). قال ابن حجر: «ومن الأحاديث التي رواها بعض الرواة بالمعنى الذي وقع له، وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه، ما رواه العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة … »، فذكر الحديث كما رواه الجماعة عن شعبة، وعن العلاء، ثم قال: «وانفرد وهب بن جرير، عن شعبة بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، حتى زعم بعضهم أن هذه الرواية مفسرة للخداج الذي في الحديث، وأنه عدم الإجزاء.

стр. 651

وهذا لا يتأتى له إلا لو كان مخرج الحديث مختلفا، فأما والسند واحد متحد، فلا ريب في أنه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول، لأنه يبعد كل البعد أن يكون أبو هريرة ﵁ سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك فلم يذكره العلاء لأحد من رواته على كثرتهم إلا لشعبة، ثم لم يذكره شعبة لأحد من رواته على كثرتهم إلا لوهب بن جرير» (١). وفي حال عدم وجود متابعات لأحد الوجهين, يستعيض الناظر في الاختلاف عن ذلك بالطبقة, فإذا كان مدار الاختلاف عالي الطبقة كالتابعين, أمكن أن يقال بحفظ الوجهين, كالوصل والإرسال, والرفع والوقف, وأن الراوي قد ينشط وقد يفتر, إذا كانت القرائن تساعد على ذلك, ومثله في زيادات الألفاظ, يترجح قبولها إذا كانت الزيادة على مدار عالي الطبقة. أما إذا وقع ذلك والمدار نازل الطبقة, في الثالثة وما دونها, فيضعف حفظ الوجهين, أو حفظ الزيادات في المتون, وكلما نزلت طبقة المدار زاد استبعاد ذلك. ووجه ما تقدم أن الرواية في الزمن المتأخر عن عصر الصحابة, وعصر التابعين, صارت مقصودة لذاتها, لها قواعدها وأحكامها, والشيخ يقصد من أجل الرواية, وربما سمع بعض أصحابه منه الحديث الواحد عدة مرات،

стр. 652

فإذا خالف بعضهم وأتى بشيء ليس عند أصحابه ترجح أنه غير محفوظ, قال ابن معين في علي بن الحسن بن شقيق: «كان عالما بابن المبارك, قد سمع الكتب مرارا, حدث يوما عن ابن المبارك, عن عوف, عن زيد بن شراجة, فقيل له: شراحة, فقال: لا, ابن شراجة, سمعته من ابن المبارك أكثر من ثلاثين مرة»، ثم قال ابن معين: «وهو الصواب: ابن شراجة» (١). ومثال ذلك زيادة أبي معاوية, وزيادة وكيع, في حديث عائشة في غسل الجنابة المتقدم آنفا, يبعد جدا أن يفوت هذا الجلة من أصحاب هشام, وينفرد هذان بحفظ ذلك. ومثال ذلك أيضا أن إبراهيم بن طهمان روى عن حسين المعلم, عن عبدالله بن بريدة، عن عمران بن حصين, قال: «كان بي الناصور, فسألت النبي ﷺ عن الصلاة, فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا, فإن لم تستطع فعلى جنب» (٢). ورواه يحيى القطان, وعبدالوارث بن سعيد, وروح بن عبادة, وعيسى بن يونس, وسفيان بن حبيب, ويزيد بن زريع, وسعيد بن أبي عروبة, وعبدالوهاب الخفاف, وإسحاق الأزرق, ويزيد بن هارون, وأبو خالد الأحمر, وأبو أسامة حماد بن أسامة, وغيرهم, عن حسين المعلم بلفظ: «سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا, فقال: إن صلى قائما فهو أفضل, ومن صلى قاعدا فله نصف

стр. 653

أجر القائم, ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد»، ومنهم من ذكر قصة الناصور (١). فالذي يظهر أن إبراهيم بن طهمان قد رواه بالمعنى, لانفراده بهذا اللفظ وعدم روايته للفظ الآخر, إذ يبعد جدا أن يكون اللفظان عند حسين المعلم, فيروي لإبراهيم بن طهمان أحدهما, ويروي الآخر لسائر أصحابه, على اختلاف بلدانهم ولقيهم له, ووجودهم في زمن تقنين الرواية, والحرص على تتبع الألفاظ. وقد أشار إلى ذلك الترمذي, فقال بعد أن أخرج رواية إبراهيم بن طهمان, وعيسى بن يونس: «ولا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان, وقد روى أبو أسامة وغير واحد عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس». وكذا أشار إلى هذا ابن الجارود, فإنه أخرجه من طريق إسحاق الأزرق, عن حسين المعلم, ثم قال: «وهكذا حدثنا به محمد بن يحيى, عن يزيد بن هارون, عن حسين المعلم»، ثم ساق رواية إبراهيم بن طهمان. وذكر الطحاوي عن قوم لم يسمهم أن الحديث مضطرب, لاختلاف لفظيه, ثم دفع الاضطراب بأنهما حديثان مختلفان, لكن الطحاوي لم يذكر في

стр. 654

مقابل رواية إبراهيم بن طهمان سوى رواية عيسى بن يونس (١). وعكسه ما وقع في حديث (ولوغ الكلب) المتقدم آنفا فقد رواه الجماعة من أصحاب أبي هريرة فلم يذكروا فيه التتريب, وجاء ذكره من رواية محمد بن سيرين, عن أبي هريرة, وكذا روي عن أبي رافع الصائغ, عن أبي هريرة, لكنه لا يصح. فذكر التتريب في حديث أبي هريرة يقرب جدا حفظه, وإن كان قد تفرد به شخص واحد, والجماعة لم يذكروه, لوقوع ذلك في طبقة عليا. وأرجح أن هذا أحد الأسباب الرئيسة لما ذكره بعض العلماء من أن زيادة صحابي على صحابي آخر مقبولة بالاتفاق, وليست داخلة في مبحث زيادات الثقات (٢). وكثير من الباحثين لا يراعي طبقة المدار في نظره في الاختلاف, فيذهب يدفع بعض العلل عن الإسناد, كالإرسال والوقف, بإمكانية حفظ الوجهين, دون مراعاة لطبقة المدار, فإذا اختلف على مدار نازل وصلا وإرسالا, أو رفعا ووقفا, أو بزيارة راو, تجد الباحث يكرر مثل هذه العبارات: الراوي قد ينشط فيصل الحديث, وقد يفتر فيرسله, وهكذا في الرفع والوقف, والزيادة والنقص, ولو تأمل الباحث هذا لأدرك أنه بعيد جدا, إذ يلزم عليه أن يكون كل راو حدث

стр. 655

بالوجهين من دونه في الإسناد, وهكذا حتى وصل إلى المدار فحدث بالوجهين أيضا, دون أن يذكر واحد منهم أنه عنده على الوجهين. روى جماعة من أصحاب الثوري -ومنهم يحيى القطان, ووكيع, وخالد بن الحارث- عن الثوري, عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي وائل شقيق بن سلمة, عن أبي الهياج الأسدي, قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا تدع تمثالا إلا طمسته, ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (١). ورواه جماعة آخرون -منهم عبدالرحمن بن مهدي, وأبو نعيم, وعبدالرزاق, وأبو إسحاق الفزاري- عن الثوري, عن حبيب, عن أبي وائل: «أن عليا قال لأبي الهياج … » الحديث (٢). تعرض أحد المشايخ لهذين الوجهين, وما قيل في الحديث إنه مضطرب, واختار في الجواب عنه مسلك الجمع, وهو تصحيح الوجهين, قال: «وتوجيهه أن أبا وائل سمع الحديث مرة من علي, ومرة من أبي الهياج, فكان يحدث بهذا تارة, وبهذا تارة أخرى, وتبعه حبيب, وتبعه سفيان».

стр. 656

كذا قال, وما قرره من أبعد ما يكون, ولو وقع هذا لذكره أحدهم مرة، وفي إثباته سماع أبي وائل من علي بهذا الحديث نظر كبير, فهو دليل عدم سماعه منه (١). الأمر الثالث: حين يقف الباحث على متابعات للمدار ومن فوقه يريد أن يعضد بها أحد الوجهين, أو كليهما, عليه أن يقوم بفحص هذه المتابعات, والتحقق من صلاحيتها للاعتضاد، من جميع الجهات التي يلزم النظر فيها, فينظر في رواة الإسناد, وفي سماع بعضهم من بعض, وينظر كذلك إن كان هناك اختلاف على أحد رواة المتابعات الجديدة, فيلزمه حينئذ النظر فيه, كما ينظر في الاختلاف الأساس معه سواء بسواء. وأدق من ذلك أن يكون ما يظنه الباحث عاضدا لأحد الأوجه هو المفسر لسبب غلط الراوي لذلك الوجه, كما تقدمت أمثلة ذلك قريبا في المبحث الثالث, ومنها الاختلاف على سفيان الثوري في حديث بريدة بن الحصيب, في صلاة النبي ﷺ يوم الفتح عدة صلوات بوضوء واحد, فقد رواه جماعة عن سفيان, عن محارب بن دثار, عن سليمان بن بريدة مرسلا, ورواه جماعة آخرون عن سفيان موصولا بذكر بريدة. وقد رواه سفيان أيضا -ولم يختلف عليه في ذلك- عن علقمة بن مرثد, عن سليمان بن بريدة, عن أبيه موصولا.

стр. 657

فهذا الإسناد الموصول لا يصح أن يعضد به رواية من رواه بالإسناد الأول موصولا, لأنه هو سبب غلط من وصله, نقل الوصل من هذا الإسناد إلى ذاك. وكل هذا أمر بدهي, وإنما ينبه عليه الباحث هنا خشية أن يفتر, ويستعجل الحكم باعتضاد وجه دون تمحيص, بسبب انشغاله باختلافه الواقع على مداره الأساس, فيعود هذا على عمل الباحث بالنقض. ولن أطيل هنا بضرب الأمثلة, وقد مر لهذا نظير يمكن القياس عليه, وهو ما مضى في المبحث الثالث من هذا الفصل, في الترجيح باضطراب راوي أحد الوجهين, فقد طلب من الباحث هناك التحقق من وجود الاضطراب, وصحة ذلك عن الراوي, فهذا مثله. ويأتي أيضا بحث قضية فحص الطرق قبل الاعتماد عليها في أماكن لاحقة, فيأتي ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثالث, في الكلام على تصفية رواة الأوجه, وفي المبحث الثاني من الفصل الرابع, في الكلام على موقف الباحث مما يجده من طرق فوق مداره, فهي أيضا بحاجة إلى فحص وتصفية إذا كان ما فيها يخالف ما ترجح في الاختلاف على مدار الباحث, وجماع ذلك كله يأتي في فصل خاص بالاعتضاد وشروطه, في الباب الرابع، بإذن الله تعالى, فالشد بالطرق والروايات بابه واحد, وإنما ينبه الباحث على شيء من قواعده في مناسبات ذلك, فإنه موضوع خطير في علم نقد المرويات, لا يضر طرقه في عدة أماكن, بل هذا ضروري فيما أرى, ليتعرف الباحث على مواطن حاجته لتطبيق قواعد الاعتضاد.

стр. 658

الأمر الرابع: الاستعانة بطبقة المدار المختلف عليه ومن فوقه لترجيح وجه أو أكثر من وجوه الاختلاف على المدار أمر في غاية الدقة, وهو مزلة قدم إذا لم يحكمه الباحث، وبيان ذلك أن الاستعانة بالطبقات العليا والاستفادة منها للترجيح في اختلاف على راو إنما يصح إذا كان الترجيح في الاختلاف على هذا الراوي قد فرغ منه الناقد, أو كاد يفرغ منه, وذلك بالنظر في المدار نفسه, وفي الرواة المختلفين عليه, وفي صفة رواياتهم, فيزيد هذا الترجيح قوة بالاستعانة بالطبقات العليا. وعلى هذا فالروايات في الطبقات العليا لا تقلب الترجيح, فلو اختلف على سفيان الثوري -مثلا- أصحابه, فرواه بعضهم على وجه, ورواه بعضهم على وجه آخر، ثم ترجح للباحث أحد الوجهين وفرغ منه, وانتقل إلى النظر في الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش, فوجد أن الطرق الأخرى عن الأعمش توافق الوجه المرجوح عن الثوري, لا يعود الباحث وينقض ترجيحه في الخلاف على الثوري. وكذلك لو وجد الباحث خلافا على الأعمش, ثم عالجه, ووصل إلى ترجيح وجه كان هو المرجوح عن الثوري, لا يعود إلى الاختلاف على الثوري ويقلب نتيجة النظر بجعل ما هو مرجوح عن الثوري راجحا عنه. ومثل ذلك لو تقرر عند الباحث بصورة ظاهرة حفظ الوجهين عن الثوري، ثم انتقل إلى الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش، فوجد أن المحفوظ عنه وجه واحد, لا يعود إلى الاختلاف على الثوري، ويلغي النتيجة الأولى, بل هي باقية.

стр. 659

والروايات الأخرى عن الأعمش أفادت حينئذ أي قولي الثوري هو الذي أصاب فيه، وأيهما الذي أخطأ فيه؟ فأفادتنا ما هو الراجح من المدار فما فوق, وأما قبل المدار فلم تتغير النتيجة. والخلاصة أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة نظر في اختلاف في طبقة، وبين ما هو حاصل في الطبقات التي فوقه, وشرح ذلك لن أطيل به هنا, فهذا له فصل خاص به هو الفصل الرابع, وهو بعنوان (الاختلاف عن المدار والحكم النهائي) , والمباحث في الفصل الذي نحن فيه الآن خاصة المبحثين الثاني, والثالث - هي في معرفة ما هو المحفوظ عن المدار الذي ينظر الباحث في الاختلاف عليه, غير أني استعجلت التنبيه على هذه القضية لأن لها مناسبة هنا، ولكثرة وقوع الخلط عند الباحثين حين يستعينون بالنظر في روايات الطبقات العليا. وأكتفي هنا بعرض مثال يتضح به المقصود, وهو حديث اختلف فيه على الزهري وعلى من دونه, وأشهر الأوجه فيه وجهان, فرواه إسماعيل بن عياش, عن موسى بن عقبة, وقال مرة: عن الزبيدي, كلاهما عن الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن, عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ قال: «أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل … » الحديث (١). ورواه مالك, ويونس بن يزيد, وصالح بن كيسان, ومعمر, عن الزهري, عن أبي بكر بن عبدالرحمن مرسلا, ليس فيه أبو هريرة.

стр. 660

وقد توارد النقاد -محمد بن يحيى الذهلي, وأبو داود, وأبو زرعة, وأبو حاتم, والعقيلي, والدارقطني- على ترجيح المرسل, وأن الموصول بذكر أبي هريرة غير محفوظ (١). تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, فتكلف جدا في تقوية الوجه الأول, لكنه رجح الوجه الثاني لأنه من رواية الحفاظ الكبار من أصحاب الزهري, ثم عاد فنقض هذا, وقال: «لكن يلاحظ أنه وجد متابع للزهري عليه (يعني الوجه الأول) بسند صحيح, وذلك فيما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» (٢) من طريق يحيى بن سعيد, عن أبي بكر بن عمرو بن حزم, عن عمر بن عبدالعزيز, عن أبي بكر بن عبدالرحمن, عن أبي هريرة مرفوعا … , وعليه يمكن القول بالجمع بين الوجهين, ويكونان مسموعين عن الزهري … ». كذا قال الباحث, وصنيعه هذا من أبعد ما يكون عن قواعد النقد, فالوجه الموصول ضعيف عن الزهري, لو صح الطريق إلى موسى بن عقبة, والزبيدي, فكيف والراوي عنهما إسماعيل بن عياش؟ ثم زاد الباحث الطين بلة, فاتكأ على رواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة لترجيح حفظ الموصول عن الزهري, ولا يصح هذا أبدا، فلا تنفع رواية عمر بن عبدالعزيز لانتشال ما هو ضعيف جدا عند الزهري, بل قد تزيده ضعفا, لأن الحديث إذا عرف واشتهر من رواية شخص,

стр. 661

ثم نقله من لا يعتمد عليه إلى راو آخر مشهور دل على ضعف روايته, كما تقدم شرحه في المبحث الذي قبل هذا. وكان ينبغي للباحث حين فرغ من النظر في الوجهين عن الزهري, ورجح المرسل, أن يتوقف عند هذا بالنسبة لرواية الزهري, ثم ينشئ نظرا آخر في الاختلاف على المدار الأعلى وهو أبو بكر بن عبدالرحمن, والنظر يكون بين رواية الزهري المرسلة, ورواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة, كما سيأتي شرح ذلك في الفصل المشار إليه آنفا. وهذا كله لو كان الحديثان متفقين في المعنى, وليس كذلك, فإن في رواية الزهري زيادة تفصيل ليس في رواية عمر بن عبدالعزيز. * * *

стр. 662

الفصل الثالث مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف وفيه مباحث: المبحث الأول: الترجيح بالقدر المشترك. المبحث الثاني: الطرق إلى رواة الأوجه. المبحث الثالث: تعاضد القرائن. المبحث الرابع: تعارض القرائن.

стр. 663

المبحث الأول الترجيح بالقدر المشترك القدر المشترك هو الصفة التي يجتمع عليها وجهان أو أكثر في مقابل وجه واحد من أوجه الاختلاف, بين الأوجه المجتمعة في هذه الصفة اختلاف في جهة أخرى, أو في أكثر من جهة. وصور القدر المشترك كثيرة جدا، فمن ذلك أن يأتي عن الراوي وجه بوصل الحديث بذكر صحابيه, ووجه آخر بإرسال الحديث بإسقاط الصحابي، ووجه ثالث بالإرسال كذلك لكن مع إبدال التابعي بتابعي آخر، فالوجهان الأخيران بينهما اختلاف في تسمية التابعي, لكنهما يتفقان في إرسال الحديث في مقابل الوجه الأول الموصول. ومن صوره أيضا أن يأتي وجه عن المدار بوقف الحديث، ووجه آخر برفعه موصولا، ووجه ثالث برفعه مرسلا ليس فيه الصحابي، فبين الوجهين الأخيرين قد مشترك وهو الرفع في مقابل الوجه الموقوف. ومن أمثلة ذلك ما رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي هريرة, قصة محاورة عمر لأبي بكر في قتال المرتدين (١).

стр. 664

ورواه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة مرسلا ليس فيه أبو هريرة (١). ورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (٢). فبين الوجهين الأولين قدر مشترك وهو أن الحديث ليس مخرجه أنس بن مالك وإنما هو عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، إما موصولا بذكر أبي هريرة، أو مرسلا بإسقاطه، في مقابل الوجه الثالث وهو جعله عن أنس بن مالك. وروى حماد بن يحيى الأبح، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا القرآن، لا تأكلوا به، ولا تستأثروا به، ولا تحفوا عنه، ولا تغلوا فيه» (٣). وهذا الحديث جزء من حديث تضمن عدة جمل، وقد رواه كاملا أو بالاقتصار على بعضه جماعة من أصحاب يحيى بن أبي كثير، منهم هشام الدستوائي، وأبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، ومعمر، وهمام بن يحيى، وغيرهم، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبدالرحمن بن شبل مرفوعا، لكنهم اختلفوا على يحيى، بل بعضهم عليه اختلاف، فمنهم من يسقط زيدا، ومنهم من يسقط أبا سلام، ومنهم من

стр. 665

يسقطهما جميعا، ومنهم من يسقط أبا راشد الحبراني, ومنهم من يسقط أبا سلام، وأبا راشد (١). فهذه أوجه مختلفة عن يحيى بن أبي كثير، لكن يجمعها قدر مشترك وهو هذا الإسناد كيفما تصرف، في مقابل الوجه الأول: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه. ومن تطبيقات النقاد في استخدام القدر المشترك في الترجيح أن همام بن يحيى روى عن قتادة، عن شريك بن خليفة، قال: سألت عبدالله بن عمرو: آكل وأنا جنب؟ قال: «توضأ وضوءك للصلاة ثم كل». ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة مثله، غير أنه سمى صحابيه: عبدالله بن عمر. ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله بن عمرو. قال عفان بن مسلم: «قلت ليحيى (يعني ابن سعيد القطان): أخطأ هشام، وسعيد، وأصاب همام، قال: كيف يا مجنون؟ قلت: وافق سعيد هماما على عبدالله بن عمرو، ووافق هشام هماما على شريك» (٢).

стр. 666

ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الأول من الباب الثالث، وهو ما رواه شيبان بن عبدالرحمن، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين». ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وزاد فيه ذكر المسح على العمامة. ولما أخرج البخاري طريق الأوزاعي هذا علق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أمية بالزيادة المذكورة فجعله متابعا للأوزاعي بذكرها مع أن رواية معمر هذه تخالف رواية الجماعة ومنهم الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو بن أمية من الإسناد. وروى محمد بن مسلم الطائفي, وعيسى بن ميمون بن داية المكي, عن عمرو بن دينار, عن جابر, عن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة, وليس فيما دون خمس أواق صدقة, وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة» (١). قال البخاري في نقد هذه الرواية بعد أن رواه مختصرا عن يَسَرة بن صفوان

стр. 667

الدمشقي, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار, عن جابر, وأبي سعيد: «وقال لنا آدم: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن عمرو بن دينار, عن جابر قوله, وقال لي يحيى بن موسى: حدثنا عبدالرزاق, عن ابن جريج, أخبرني عمرو, قال: سمعت عن جابر بن عبدالله, وعن غير واحد مثله, وهذا أصح, مرسل» (١). فجمع البخاري بين روايتين متفقتين على وقف الحديث على جابر, فهذا قدر مشترك بينهما, ومختلفتين في وصل الحديث, أو إرساله بين عمرو بن دينار وجابر, وما اتفقا فيه كان دليلا على ضعف رواية محمد بن مسلم الطائفي في جعله عن جابر مرفوعا. وروى عمرو بن خالد, عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: أجل إنه لذو المعارج، وما كنا نقول هذا مع رسول الله ﷺ ». سئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: «هكذا رواه عمرو بن خالد، وإنما هو كما رواه الثوري، وجرير، ويحيى بن سعيد القطان, وحاتم، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، عن ابن عجلان، عن عبدالله بن أبي سلمة -زاد الدراوردي: عن عامر بن سعد- عن سعد» (٢).

стр. 668

فعبدالعزيز الدراوردي في هذا الحديث له وجه مستقل، حيث زاد في الإسناد عامر بن سعد، فالإسناد حينئذ متصل لو صحت هذه الزيادة، لكنها لا تصح، ومع هذا جمعه أبو زرعة مع الأكثرين لاشتراكه معهم في تسمية شيخ ابن عجلان: عبدالله بن أبي سلمة. وروى عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن جندب بن سفيان قال: كان النبي ﷺ يقول: «إن أفضل الصلاة بعد المفروضة: الصلاة في جوف الليل, وإن أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم» (١). قال أبو حاتم: «أخطأ فيه عبيدالله، الصواب ما رواه زائدة وغيره عن عبدالملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يرسله يقول: حميد عن النبي ﷺ » (٢). فجمع أبو حاتم بين الوجهين الموصول والمرسل لاشتراكهما في جعل الحديث عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، في مقابل كونه عن جندب بن سفيان. وروى صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،

стр. 669

وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إنما سمي البيت: العتيق لأنه أعتق من الجبابرة». سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، رواه معمر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير موقوفا، ورواه الليث، عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير, عن النبي ﷺ »، ثم قال أبو حاتم: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ مرفوعا» (١). فاستدل أبو حاتم برواية معمر، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر, في جعلهما الحديث عن عبدالله بن الزبير، على خطأ صالح بن أبي الأخضر، مع كونهما قد اختلفا في رفع الحديث ووقفه. وروى جماعة كثيرون من أصحاب الزهري وفيهم حفاظ ثقات من كبار أصحابه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر في شأن الميراث. ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد، عن الزهري،

стр. 670

عن عثمان بن إسحاق بن خرشة, عن قبيصة, ورواه ابن عيينة في إحدى روايتيه عن الزهري، عن رجل، عن قبيصة. قال الدارقطني عن رواية سفيان: «فقوى هذا قول مالك، وأبي أويس, ويشبه أن يكون الصواب ما قال مالك، وأبو أويس، وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عنه» (١). فجمع الدارقطني بين من سمى الواسطة ومن لم يسمه، وجعله دليلا على أن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وليس مراده تخطئة من رواه بإسقاط الواسطة فهم جماعة كثيرون يبعد خطؤهم، والاختلاف من الزهري نفسه (٢). ومن دقيق استخدام الترجيح بالقدر المشترك بين رواة عن شيخ لهم أن يختلفوا عليه في جهتين من الحديث, إسنادا أو متنا، فيتم الترجيح بالقدر المشترك في الجهتين، إذ المخطئ في جهة قد أصاب في الجهة الأخرى، وهذا أيضا كثير في الأحاديث وفي استخدام النقاد. ومن ذلك أن همام بن يحيى، وحجاجا الأحول, رويا عن قتادة, عن قدامة بن وبرة, عن سمرة بن جندب مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر
следующие страницы →