← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الأول من الباب الثالث، وهو ما رواه شيبان بن عبدالرحمن، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين». ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وزاد فيه ذكر المسح على العمامة. ولما أخرج البخاري طريق الأوزاعي هذا علق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير, عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أمية بالزيادة المذكورة فجعله متابعا للأوزاعي بذكرها مع أن رواية معمر هذه تخالف رواية الجماعة ومنهم الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو بن أمية من الإسناد. وروى محمد بن مسلم الطائفي, وعيسى بن ميمون بن داية المكي, عن عمرو بن دينار, عن جابر, عن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة, وليس فيما دون خمس أواق صدقة, وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة» (١). قال البخاري في نقد هذه الرواية بعد أن رواه مختصرا عن يَسَرة بن صفوان

стр. 667

الدمشقي, عن محمد بن مسلم, عن عمرو بن دينار, عن جابر, وأبي سعيد: «وقال لنا آدم: حدثنا أبو جعفر الرازي, عن عمرو بن دينار, عن جابر قوله, وقال لي يحيى بن موسى: حدثنا عبدالرزاق, عن ابن جريج, أخبرني عمرو, قال: سمعت عن جابر بن عبدالله, وعن غير واحد مثله, وهذا أصح, مرسل» (١). فجمع البخاري بين روايتين متفقتين على وقف الحديث على جابر, فهذا قدر مشترك بينهما, ومختلفتين في وصل الحديث, أو إرساله بين عمرو بن دينار وجابر, وما اتفقا فيه كان دليلا على ضعف رواية محمد بن مسلم الطائفي في جعله عن جابر مرفوعا. وروى عمرو بن خالد, عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: أجل إنه لذو المعارج، وما كنا نقول هذا مع رسول الله ﷺ ». سئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: «هكذا رواه عمرو بن خالد، وإنما هو كما رواه الثوري، وجرير، ويحيى بن سعيد القطان, وحاتم، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، عن ابن عجلان، عن عبدالله بن أبي سلمة -زاد الدراوردي: عن عامر بن سعد- عن سعد» (٢).

стр. 668

فعبدالعزيز الدراوردي في هذا الحديث له وجه مستقل، حيث زاد في الإسناد عامر بن سعد، فالإسناد حينئذ متصل لو صحت هذه الزيادة، لكنها لا تصح، ومع هذا جمعه أبو زرعة مع الأكثرين لاشتراكه معهم في تسمية شيخ ابن عجلان: عبدالله بن أبي سلمة. وروى عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن جندب بن سفيان قال: كان النبي ﷺ يقول: «إن أفضل الصلاة بعد المفروضة: الصلاة في جوف الليل, وإن أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم» (١). قال أبو حاتم: «أخطأ فيه عبيدالله، الصواب ما رواه زائدة وغيره عن عبدالملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يرسله يقول: حميد عن النبي ﷺ » (٢). فجمع أبو حاتم بين الوجهين الموصول والمرسل لاشتراكهما في جعل الحديث عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، في مقابل كونه عن جندب بن سفيان. وروى صالح بن أبي الأخضر, عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،

стр. 669

وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إنما سمي البيت: العتيق لأنه أعتق من الجبابرة». سئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، رواه معمر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير موقوفا، ورواه الليث، عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير, عن النبي ﷺ »، ثم قال أبو حاتم: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ مرفوعا» (١). فاستدل أبو حاتم برواية معمر، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر, في جعلهما الحديث عن عبدالله بن الزبير، على خطأ صالح بن أبي الأخضر، مع كونهما قد اختلفا في رفع الحديث ووقفه. وروى جماعة كثيرون من أصحاب الزهري وفيهم حفاظ ثقات من كبار أصحابه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر في شأن الميراث. ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد، عن الزهري،

стр. 670

عن عثمان بن إسحاق بن خرشة, عن قبيصة, ورواه ابن عيينة في إحدى روايتيه عن الزهري، عن رجل، عن قبيصة. قال الدارقطني عن رواية سفيان: «فقوى هذا قول مالك، وأبي أويس, ويشبه أن يكون الصواب ما قال مالك، وأبو أويس، وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عنه» (١). فجمع الدارقطني بين من سمى الواسطة ومن لم يسمه، وجعله دليلا على أن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وليس مراده تخطئة من رواه بإسقاط الواسطة فهم جماعة كثيرون يبعد خطؤهم، والاختلاف من الزهري نفسه (٢). ومن دقيق استخدام الترجيح بالقدر المشترك بين رواة عن شيخ لهم أن يختلفوا عليه في جهتين من الحديث, إسنادا أو متنا، فيتم الترجيح بالقدر المشترك في الجهتين، إذ المخطئ في جهة قد أصاب في الجهة الأخرى، وهذا أيضا كثير في الأحاديث وفي استخدام النقاد. ومن ذلك أن همام بن يحيى، وحجاجا الأحول, رويا عن قتادة, عن قدامة بن وبرة, عن سمرة بن جندب مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر

стр. 671

فليتصدق بدينار» (١). ورواه سعيد بن بشير, عن قتادة, عن قدامة بن وبرة, عن سمرة بن جندب مرفوعا بلفظ: «من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم, أو نصف درهم, أو مد حنطة, أو نصف مد»، إلا أن سعيدا في أحد الطرق إليه لم يذكر سمرة (٢). ورواه أيوب بن مسكين, عن قتادة, عن قدامة بن وبرة مرسلا, بنحو لفظ سعيد بن بشير (٣). ورواه خالد بن قيس الحداني, عن قتادة, عن الحسن البصري, عن سمرة بن جندب, بنحو رواية همام بن يحيى, وحجاج الأحول (٤). فاستخدم أبو داود في سننه القدر المشترك بين رواية أصحاب قتادة هؤلاء، فجعل رواية خالد بن قيس مؤيدة لرواية همام, وحجاج, من جهة اللفظ، وإن كان خالفهما في الإسناد بذكر الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة, وفي مقابلهما رواية سعيد بن بشير, وأيوب بن مسكين, وبينهما اختلاف في ذكر سمرة, فذكره سعيد, ولم يذكره أيوب.

стр. 672

وجعل رواية سعيد بن بشير عاضدة لرواية همام بن يحيى, وحجاج الأحول, بذكر سمرة في الإسناد, مع اختلافهما في المتن, في مقابل رواية أيوب بن مسكين بإسقاط سمرة, ورواية الأربعة هؤلاء متعاضدة على خطأ خالد بن قيس في ذكره الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة, مع أن أيوب من بينهم لم يذكر سمرة. وفي حال استخدام الناظر في الاختلاف للقدر المشترك في الترجيح، يلزمه بعد الفراغ منه أن يعود إلى الأوجه على المدار التي جمعها القدر المشترك, فيوازن بينها، إذ هي في الحقيقة لم تتفق في كل شيء، وإنما اتفقت في هذا القدر المشترك. ففي أول مثال تقدم معنا هنا، هناك وجهان جمعهما قدر مشترك، وهو جعل الحديث عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة موصولا بذكر أبي هريرة أو مرسلا، في مقابل الوجه الثالث: الزهري، عن أنس بن مالك، فالوجهان الأولان بعد استخدامهما في جعل الوجه الثالث مرجوحا، يلزم النظر بينهما لمعرفة المحفوظ عن معمر منهما. ومثله المثال الثاني، اجتمع عدد من الأوجه عن يحيى بن أبي كثير، بينها قدر مشترك أمكن استخدامه للحكم بتضعيف من جعل الحديث عنه، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه، وبعد ذلك لا بد من النظر في الأوجه الأولى لمعرفة المحفوظ منها عن يحيى، وهكذا. والنظر في الأوجه التي وجد بينها قدر مشترك بعد الاستعانة بها كثير في عمل النقاد, ومنه ما تقدم آنفا من صنيع البخاري في حديث جابر مرفوعا:

стр. 673

«لا صدقة فيما دون خمسة أوسق … »، فإن البخاري بعد أن استفاد من القدر المشترك بين وجهين موقوفين أحدهما فيه إرسال، إلى الترجيح بين هذين الوجهين، فرجح المرسل، فترجح في النهاية واحد وهو الموقوف على جابر، وهو أيضا مرسل بين عمرو دينار، وجابر. وكذلك فعل أبو حاتم في حديث أبي هريرة مرفوعا: «إنما سمي البيت: العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة»، استخدم القدر المشترك بين وجهين، في مقابل وجه ثالث، ثم عاد إلى ترجيح أحد الوجهين اللذين جمعهما القدر المشترك، وهو الوجه الموقوف. ومن ذلك أيضا أن سعد بن الصلت روى عن حجاج بن أرطاة, عن عطية العوفي, عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ : «أنه سمع رجلا ينشد ناقة في المسجد, فقال: لا وجدتها». ورواه حفص بن غياث, وعباد بن العوام, عن الحجاج، عن أبي سعيد الأعسم, عن مصعب بن سعد, عن سعد بن أبي وقاص, إلا أن عبادا لم يذكر سعد بن أبي وقاص. ذكر أبو حاتم خطأ رواية سعد بن الصلت, والصواب ما رواه حفص, وعباد, ثم عاد أبو حاتم إلى الموازنة بين روايتيهما, فقال: «والصحيح عندنا -والله أعلم-: عن حجاج، عن أبي سعيد الأعسم, عن مصعب, عن سعيد, عن النبي ﷺ » (١).

стр. 674

والقدر المشترك يستعان به أيضا في حال وجوده بين بعض الروايات عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه. مثال ذلك أن خلاد بن يحيى روى عن الثوري, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن عمرو بن حريث, عن عمر بن الخطاب مرفوعا: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» (١). ورواه غير خلاد, عن سفيان الثوري موقوفا, وكذا رواه أبو معاوية, ويحيى القطان, وغيرهما، عن إسماعيل بن أبي خالد (٢). وقد رواه عبدالملك بن عمير, عن عمرو بن حريث, عن سعيد بن زيد, عن عمر موقوفا كذلك (٣). فرواية عبدالملك بن عمير هذه تشترك مع رواية إسماعيل بن أبي خالد في وقف الحديث, وتكون دليلا على خطأ خلاد بن يحيى, وإن كان فيها مخالفة لرواية إسماعيل من جهة زيادة سعيد بن زيد في الإسناد (٤).

стр. 675

وقد يوجد القدر المشترك بين بعض الأوجه عن المدار، ويعضدها كذلك وجوده بينها وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه. ومثاله أن محمد بن جعفر المعروف بغندر، وأبا الوليد الطيالسي, وأبا داود الطيالسي, ومسلم بن إبراهيم, رووا عن شعبة, عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه، فإن لم يجد تمرا فليفطر على الماء، فإن الماء طهور»، إلا أن أبا داود الطيالسي في إحدى الروايتين عنه ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان بن عامر، وكذا علق البيهقي بصيغة التمريض عن روح بن عبادة أنه رواه كذلك عن شعبة (١). ورواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك (٢). ورجح النقاد رواية الجماعة من أصحاب شعبة (٣) فإنهم -على اختلافهم في ذكر الرباب وحذفها- قد اتفقوا على خلاف رواية سعيد بن عامر هذه, فالخطأ منه (٤).

стр. 676

ومما يستعان به في تأييد هذا الترجيح أن رواة كثيرين، منهم الثوري, وابن عيينة، وحماد بن زيد, وأبو معاوية، وعبدالواحد بن زياد، وحماد بن سلمة، قد تابعوا شعبة على الوجه الأول، فرووه عن عاصم الأحول, عن حفصة بنت سيرين، إلا أنهم زادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وأرسله حماد بن سلمة, فجعله عن الرباب بقصة سلمان بن عامر (١)، وكذلك رواه ابن عون، وهشام بن حسان, وخالد الحذاء, عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، وفي رواية عنه لم يذكر الرباب, وكذلك روي عن خالد الحذاء, عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان, ليس فيه الرباب (٢). أمكن هذا هنا مع أن رواية الجماعة عن عاصم الأحول فيها زيادة الرباب بنت صليع في الإسناد, خلافا للمشهور عن شعبة, وكذلك رواية ابن عون وهشام بن حسان فيها زيادة ذكر الرباب، وفيها أيضا اختلاف قوي على هشام

стр. 677

بن حسان في رفع الحديث ووقفه. فدلت هذه الروايات في الطبقات العليا على أن الحديث في الجملة معروف عن عاصم الأحول، ومعروف كذلك عن حفصة بنت سيرين، وأما جعله عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس فلا متابع له عن عبدالعزيز ولا عن أنس، على أي صفة كان، وقد أشار إلى هذا الترمذي في نقده فقال بعد أن أخرجه: «وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس». * * *

стр. 678

المبحث الثاني الطرق إلى رواة الأوجه الناظر في الحديث إذا فرغ من دراسة إسناده الأصل، ثم قام بجمع الطرق، ونظر فيها، فوجد فيها مخالفة لإسناده الأصل، أو وجد بينها اختلافا على المدار، وجب عليه أن يقوم بدراسة هذه الطرق الجديدة إلى المدار، كما قام بدارسة الإسناد الأصل سواء بسواء، فينظر في درجة كل راو من حيث الإجمال, ودرجته في شيخه الذي فوقه إن أمكن، وما في كل راو من جوانب القوة والضعف، ويتأكد من عدم وقوع تحريف في الإسناد, وينظر كذلك في اتصال الإسناد وانقطاعه، وما يتضمن ذلك من التدليس والإرسال الخفي والجلي، ويعد كل واحد من هذه الأسانيد كأنه إسناده الأصل. وبيان ذلك أن وصف الإسناد الأول الذي بين يدي الباحث بالإسناد الأصل ليس وصفا للإسناد نفسه من حيث هو إسناد، وإنما ذلك بالنسبة لهذا الباحث المعين فقد يكون فرض عليه لكونه يحقق كتابا، أو يقوم بدراسة أحاديث كتاب معين، ونحو ذلك، أو يكون هو اختاره لكونه الأعلى أو الأقرب إلى اللفظ الذي يخرجه، فالإسناد الأصل مع باحث هو مع باحث آخر إسناد فرع. ثم يقوم الناظر في الحديث بعمل آخر وهو النظر في الطرق التي جمعها ووجد بينها اختلافا على المدار، هل وقع على واحد من رواتها اختلاف؟ فإن وجد اختلافا على واحد من رواتها أصبح عنده الآن اختلاف نازل له مدار, ويسمى

стр. 679

المدار النازل، يجب عليه النظر فيه والوصول إلى رأي راجح فيه، وما يترجح لديه من هذا الاختلاف يعتمده في نظره في الاختلاف العالي الذي هو أساس عنده، ويستخدم في نظره في الاختلافات النازلة القرائن التي تقدمت في الفصل الذي قبل هذا, المتعلقة بالراوي المختلف عليه، وبالرواة المختلفين، وكذلك المتعلقة بصفة الرواية، فيفعل في هذه الاختلافات كما يفعل في الاختلاف العالي الذي هو الأساس عنده. والاختلاف النازل تارة يكون بصفة الاختلاف الأساس, فأحد رواة الاختلاف العالي أو من دونه جاءت عنه رواية أخرى على وجه آخر أو أكثر من أوجه الاختلاف الموجودة، وتارة يكون الاختلاف النازل مغايرا للاختلاف الأساس، فيأتي عن أحد رواة الاختلاف الأساس أو من دونه وجه آخر أو أكثر ليس من الأوجه الموجودة في الاختلاف العالي. وتعد الاختلافات النازلة من أدق وأعسر ما يكون بالنسبة للباحثين, ويلاقي المشرفون على الرسائل العلمية شيئا من المشقة في تدريب الطلاب على طريقة صياغتها في التخريج, وكيفية التعامل معها. وقد كان النقاد الأولون كابن أبي حاتم، والدارقطني, يذكرونها ويعالجونها على السجية، وأكثر الطرق يذكرونها معلقة مع وجودها عندهم مسندة اختصارا، لكونهم يخاطبون من هو في حكمهم، أما اليوم فالباحث ملزم بتخريجها والنظر فيها، وعرض ذلك بطريقة واحدة, أسهم في ذلك قيام الدراسات النظامية في الجامعات، واتباع مناهج البحث العلمي في العزو والترقيم والترتيب، وسيأتي

стр. 680

شرح ذلك -إن شاء الله تعالى- حين الوصول إلى الفصل الخاص بعرض التخريج والدراسة، وزاد الأمر وعورة كثرة هذه الاختلافات وتشعبها أحيانا. والخلاصة أن الناظر في الحديث ملزم بتصفية رواة كل وجه من وجوه الاختلاف، وذلك بالنظر في الطرق إليهم، وفي الاختلافات الواقعة عليهم أو على من دونهم التي يطلق عليها اصطلاحا: الاختلافات النازلة. وقد تقدم في المبحث الثالث من الفصل الذي قبل هذا في القرينة الثالثة (الثبات والاضطراب عند رواة الاختلاف) أمثلة على طريقة التصفية لرواة الأوجه، في قضية ترجيح رواية راو على آخر بأنه ثبت ولم يضطرب، والآخر اضطرب في روايته, فروى الحديث على أوجه مختلفة، وتقدم أنه لا بد من التأكد من صحة أكثر من وجه واحد عنه، ليحكم بالاضطراب، فقد لا يصح عنه إلا وجه واحد، فلا يحكم عليه بالاضطراب، وهذه هي التصفية. وسأسوق الآن زيادة أمثلة من عمل النقاد، وأمثلة أخرى، توضح ما سبق. فمن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب, وهو ما رواه الجماعة من أصحاب عبيدالله بن عمر، ومنهم يحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن نمير، وحفص بن غياث، وغيرهم، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا حديث ما يلبسه المحرم من الثياب، وفي آخره: «ولا تلبسوا شيئا مسه الورس والزعفران». ورواه أبو معاوية الضرير, عن عبيدالله بن عمر، وزاد على الجملة السابقة في آخرها: «إلا أن يكون غسيلا».

стр. 681

وتوقف يحيى بن معين في ثبوت هذه اللفظة عن أبي معاوية لكونه وقف عليها من رواية يحيى الحماني، وهو ضعيف، حتى أخبر يحيى بأن الحماني قد توبع، فروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران قال: «ورأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحماني أن يحدث بهذا الحديث، فقال له عبدالرحمن (يعني ابن صالح الأزدي): هذا عندي، ثم وثب من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحماني، فكتبه عنه يحيى بن معين» (١). ولعل ابن معين سمع هذا الحديث من أبي معاوية بدون الزيادة, إذ قد رواه كذلك بدونها محمد بن إسماعيل الواسطي (٢)، فيحتمل أن يكون أبو معاوية يذكرها أحيانا ويدعها أحيانا أخرى. وأشار ابن حجر إلى احتمال تبرئة أبي معاوية من هذه الزيادة، فقال في نقد هذين الطريقين إلى أبي معاوية: «والحماني ضعيف، وعبدالرحمن الذي تابعه فيه مقال» (٣). لكن قد رواها عن أبي معاوية أيضا أحمد كما تقدم في تخريجها، فالعهدة في الخطأ إذن على أبي معاوية كما نص عليه النقاد، قال أحمد: «أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره» (٤).

стр. 682

وقال أبو زرعة: «أخطأ أبو معاوية في هذه اللفظة» (١). والشاهد من هذا المثال هو صنيع ابن معين، فهو لم يذهب إلى الموازنة بين أبي معاوية وبين بقية أصحاب عبيدالله بن عمر في بادئ الأمر، لأن الطريق إلى أبي معاوية عنده لم يثبت، وكذلك صنيع ابن حجر بعده، فاستمر في نقد الطريقين اللذين وقف عليهما إلى أبي معاوية. وروى الحكم بن موسى, عن الوليد بن مسلم, عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدالله بن أبي قتادة, عن أبيه مرفوعا: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته … » الحديث (٢). ورواه هشام بن عمار, عن عبدالحميد بن أبي العشرين, عن الأوزاعي, عن يحيى, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة (٣). سئل عنها أبو حاتم, بعد أن ذكر تفرد الحكم بالوجه الأول، ومعارضة رواية بن أبي العشرين لروايته: «جميعا منكران, ليس لواحد منهما معنى, حديث ابن أبي العشرين لم يروه أحد سواه, وكان الوليد صنف كتاب «الصلاة» وليس فيه هذا الحديث» (٤). فالوجه الأول ضعفه أبو حاتم قبل أن يصل إلى راويه عن الأوزاعي, وهو

стр. 683

الوليد بن مسلم, فضعفه بكونه ليس في كتاب «الصلاة» للوليد بن مسلم, فالحكم بن موسى أخطأ عليه إذن, وقد ضعفه بتفرد الحكم أيضا علي بن المديني (١). وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم، عن أبي العالية، عن أبي برزة، عن النبي ﷺ في كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك … ». ورواه يونس بن محمد، عن مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن رافع بن خديج، عن النبي ﷺ . قلت: ورواه منصور، عن فضيل بن عمرو، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ ، مرسل. قال أبي: حديث منصور أشبه، لأن حديث أبي هاشم رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم، وحجاج ليس بالقوي، وحديث الربيع بن أنس دونه مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، عن الربيع … » (٢). وروى معمر بن سليمان الرقي, عن عبدالله بن بشر, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة مرفوعا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (٣).

стр. 684

قال الدارقطني بعد أن ذكر هذه الرواية: «وروي عن أبي عوانة, وشعبة, عن الأعمش, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ , ولا يصح عنهما, ورواه إبراهيم بن طهمان, عن الأعمش, فوقفه على أبي هريرة, ولم يرفعه, وهو أشبههما بالصواب» (١). فالموازنة إذن بين رواية عبدالله بن بشر, وبين رواية إبراهيم بن طهمان, وأما رواية أبي عوانة, وشعبة, فاستبعدها الدارقطني من الوجه المرفوع, لأنها لا تصح عنهما أصلا. وروى جرير بن حازم، وزيد بن حبان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي ﷺ » (٢). وكذا رواه أيوب بن سويد الرملي، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني (٣). ورواه حماد بن زيد، وابن جريج، ومعمر، وإسماعيل علية، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا ليس فيه ابن عباس (٤).

стр. 685

وكذا رواه وكيع بن الجراح, عن سفيان الثوري، عن أيوب (١). فسفيان الثوري له رواية على الوجهين، لكن راوي الوجه الأول الموصول عنه أيوب بن سويد الرملي, وهو ضعيف, وراوي الوجه الثاني المرسل عنه وكيع بن الجراح، وهو ثقة حافظ من كبار أصحاب سفيان. وحينئذ فتكون الموازنة بين رواية جرير بن حازم، وزيد بن حبان، من جهة، وبين رواية حماد بن زيد، وابن جريج، ومعمر، وإسماعيل بن علية، والثوري، من جهة أخرى، ويسقط اسم الثوري من رواة الوجه الأول. ولهذا الحديث بعينه طريق آخر إلى عكرمة، وهو طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، هكذا رواه عبدالملك بن عبدالرحمن الذماري، عن سفيان الثوري، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير (٢). وقد رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري -في رواية محمد بن كثير عنه- عن هشام الدستوائي, عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة مرسلا (٣). فسفيان الثوري عنه وجهان، لكن راوي الوجه الأول الموصول عنه عبدالملك الذماري، وهو صدوق، وراوي الوجه الثاني محمد بن كثير، وهو ثقة،

стр. 686

وقد رواه غيره كذلك عن الثوري، قال الدارقطني بعد أن أخرجه: «هذا وهم من الذماري، وتفرد بهذا الإسناد، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة مرسل، وهم فيه الذماري عن الثوري، وليس بقوي». وقال البيهقي: «هو في جامع الثوري عن الثوري كما ذكره أبو الحسن الدارقطني ﵀ مرسلا، وكذلك رواه عامة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام». وحينئذ فليس عن هشام الدستوائي سوى وجه واحد وهو المرسل، وهو الذي يرويه عنه إسماعيل بن علية، والثوري، وأما الموصول فلم يثبت عن الراوي عنه وهو الثوري، فصفى على هشام وجه واحد إذن، فيوازن بين رواية هشام، وبين رواية غيره ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير, فقد رواه عن يحيى غير هشام, وفي بعضها مخالفة لما رواه (١). ومن ذلك أيضا حديث قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي مرفوعا: «يغسل من بول الجارية … » الحديث، رواه أصحاب قتادة عنه فاختلفوا عليه، فرفعه هشام الدستوائي على اختلاف عليه في الوقف والرفع, وفي ذكر علي, ووقفه سعيد بن أبي عروبة على علي، على اختلاف عليه في ذكر أبي الأسود وإسقاطه، لكن لم يختلف عليه في وقف الحديث (٢).

стр. 687

وذكر الدارقطني أن هماما رواه موقوفا كذلك (١). وأضاف عدد من الباحثين إليهما ثالثا، وهو شعبة بن الحجاج، واعتمدوا في ذلك على ما في «العلل الكبير» للترمذي, وأنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: «شعبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة, عن قتادة، فلم يرفعه» (٢). وهذا النص وقع فيه تصحيف فشعبة لا يروي هذا الحديث, وصواب النص: «سعيد لا يرفعه … »، وقد نقله البيهقي في «سننه» عن الترمذي، وهو فيه على الصواب، قال البيهقي: «وفيما بلغني عن أبي عيسى أنه قال: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يرفعه، وهو حافظ» (٣). وكذا قال الترمذي في «سننه»: «رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة, وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ولم يرفعه» (٤).

стр. 688

وحينئذ فيحذف شعبة من رواة الوجه الموقوف، وتبقى المقارنة بين هشام الدستوائي من جهة، وسعيد بن أبي عروبة, وهمام من جهة أخرى. وغير خاف أن تصفية رواة الأوجه إنما تتم حيث يجزم بضعف الطريق إلى راو من رواتها أو أكثر، وأما حين يقع التردد فيبقى الراوي ولا يلغى، ويشرح الباحث هذا التردد في مكانه من الدراسة. ومن صور ذلك أن يجزم بخطأ وجه ما ويقع التردد هل الخطأ من راوي الوجه نفسه أو من الطريق إليه؟ ، والأمثلة على ذلك مما وقع للنقاد كثيرة جدا ومنها ما تقدم آنفا, وهو ما رواه جرير بن حازم، وزيد بن حبان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ … ». ورواه حماد بن زيد وجماعة من كبار أصحاب أيوب، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا. فرواية جرير، وزيد بن حبان, مرجوحة بلا شك، غير أن رواية جرير وقع فيها اختلاف بين النقاد، فذهب أبو حاتم، والنخشبي, إلى أن الخطأ من الراوي عن جرير, وهو حسين بن محمد، قال أبوحاتم: «لم يروه عن جرير غيره» (١). وذكر النخشبي أن جماعة -لم يسمهم- رووا هذا الحديث عن جرير مرسلا (٢). وذهب الطحاوي، والبيهقي, إلى أن الخطأ من جرير بن حازم، ودافع الخطيب

стр. 689

البغدادي عن حسين بن محمد بأنه قد توبع، وساقه من طريق محمد بن سليمان المنقري، عن سليمان بن حرب، عن جرير بالوصل (١). ولم ينته الأمر، فطريق سليمان بن حرب هذا بحاجة إلى تصفية، قام بها أحد الباحثين، فقد بحث عن محمد بن سليمان المنقري فلم يجد له ترجمة، مع تفرده بهذه الرواية عن سليمان بن حرب (٢) , فبقي قول أبي حاتم، والنخشبي, على قوته. والخلاصة أن الباحث قبل أن يوازن بين روايات رواة الأوجه عنده لا بد من قيامه بتصفية هذه الروايات، يصمد منها ما يصمد ويلغى منها ما يلغى، ولا يتسامح في هذا الجانب، إذ قد يترتب على إهمال ذلك ترجيح غير الراجح، أو ادعاء حفظ وجهين أو أكثر عن المدار، وعند التحقيق لا يكون هذا صحيحا. مثال ذلك حديث ابن عباس الآنف الذكر, فقد مرَّ بعض الباحثين برواية حسين بن محمد المروذي, عن جرير بن حازم, عن أيوب, عن عكرمة, عن ابن عباس الموصولة, فقال بعد تخريجها: «وقد أعل هذا الحديث بالإرسال, وبتفرد جرير بن حازم, عن أيوب, وبتفرد حسين بن محمد المروذي, عن جرير. قلنا: أما تفرد جرير بن حازم, فقد تابعه في روايته عن أيوب, زيد بن حبان, وسفيان الثوري, وأما تفرد حسين بن محمد, عن جرير, ففي «نصب الراية»

стр. 690

٣/ ١٩٠, عن «التنقيح»: قال الخطيب البغدادي: «قد رواه سليمان بن حرب, عن جرير بن حازم, أيضا كما رواه حسين, فبرئت عهدته, وزالت تبعته, -ثم رواه بإسناده-». وأما الإرسال, فقد أخرجه أبو داود, (٢٠٩٧) , ومن طريقه البيهقي ٧/ ١١٧، عن محمد بن عبيد, عن حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة النبي ﷺ بهذا الحديث, ولم يذكر ابن عباس, ورجح إرساله أبو داود, وأبو حاتم، والدارقطني, والبيهقي, قال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ١١٧: جرير بن حازم ثقة جليل, وقد زاد الرفع, فلا يضر إرسال من أرسله, كيف وقد تابعه الثوري, وزيد بن حبان, فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا … ». كذا صنع الباحث, أرسل الكلام على عواهنه ولم يمحص, فرواية الثوري عن أيوب الموصولة لو صحت عن الثوري كانت حجة قوية على ترجيح الموصول, لكنها لا تصح عنه, فالراوي عنه ضعيف, وقد خالفه أحد الحفاظ الكبار في الثوري وهو وكيع بن الجراح, فرواه عن الثوري مرسلا كما تقدم شرح ذلك, فرواية الثوري هذه إذن تنقل إلى رواة الوجه المرسل, فهي حجة لكلام النقاد على ترجيح الإرسال, وليست دليلا ضدهم. ثم إن الباحث قصر أيضا في ذكر من رواه مرسلا, فاقتصر على حماد بن زيد, وقد رواه أيضا مرسلا معمر, وابن جريج, وابن علية, فهؤلاء خمسة من كبار أصحاب أيوب, لا يقارن بهم أبدا جرير بن حازم, يكفي واحد منهم لترجيح روايته على رواية جرير، وأما زيد بن حبان الذي تابعه فهو ضعيف في نفسه.

стр. 691

وكذلك رفع تفرد حسين بن محمد بمتابعة سليمان بن حرب له عن جرير، لم يمحصه الباحث, ولم ينظر في الراوي عن سليمان بن حرب, وهو غير معروف كما تقدم آنفا. فالخلاصة أن الباحث ارتكب صنوفا من الأخطاء في معالجته لهذا الاختلاف على أيوب, وقصر جدا في تصفية رواة الأوجه، فكانت هذه النتيجة التي دافع عنها, وخالف فيها كبار النقاد. نعم قد يتسامح بعض النقاد والباحثين في سرد رواة وجه ما، وتكون الطرق إلى بعضهم فيها نظر، وذلك حين يكثر رواة هذا الوجه، ويتيقن من ثبوته عن أكثرهم، أو عن بعضهم، بما يمكن معه تقرير ثبوت هذا الوجه عن المختلف عليه. وقد تقدم مثل هذا في رواة الأوجه أنفسهم في المبحث الثاني من الفصل الثاني، في الترجيح بين رواة الأوجه بالكثرة، فقد تقدم هناك أن رواة الوجه إذا كثروا يتسامح الناقد في سردهم، فقد يكون من بينهم من هو ضعيف أو دون الضعيف، ولا يبين حاله. ونبهت هناك إلى أن الأولى صنيع بعض الباحثين, حيث يلتزمون نقد رواة الأوجه موضع النقد، خاصة حين يكون الراوي غير صالح للاعتضاد، كأن يكون متروك الحديث أو دون ذلك. ومثل هذا يقال هنا، فالأحسن التنبيه على ضعف الطريق إلى راوي الوجه إذا كان ضعفه شديدا، كأن يكون من رواية متروك الحديث، أو تكون نكارته

стр. 692

شديدة، يتفرد به راو متكلم فيه عن إمام مشهور, أو له علة قوية فيحسن التنبيه حينئذ، لا سيما مع ظهور حاجة لذلك، مثل كون راوي الوجه حافظا ثقة له أثر في قوة ترجيح حفظ هذا الوجه عن المختلف عليه، وإن كان الترجيح حصل بدونه. إذا تقرر ما تقدم فإن إحدى مشكلات النظر في الأحاديث التي فيها اختلاف على أحد رواتها ما يقع من أئمة النقد من تعليق لأسانيد عن الرواة المختلفين، بقصد الاختصار حين الاستدلال بها في مناسبة ما، أو حين حكاية الاختلاف على الراوي، فيقول الإمام: قال سعيد بن المسيب, عن أبي هريرة، أو روى شعبة, عن الحكم بن عتيبة، أو يقول حاكيا الاختلاف على راو: روى هذا الحديث قتادة، واختلف عنه، فقال سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي كذا، وقال شعبة، وهمام كذا, وقد يزيد الناقد بذكر من رواه عن هؤلاء، فيقول مثلا: قال ذلك عن سعيد: يزيد بن زريع، ويحيى القطان … الخ. وقد يكون التعليق عن المختلف عليه نفسه، فيعلق عنه بعض الأوجه فلا يذكر راويه أصلا فيقول الناقد بعد ذكر الوجه المرفوع مثلا: هو موقوف عن فلان -يعني المدار-، أو الصحيح عنه الوقف، ونحو ذلك، وقد يذكر الناقد راوي الوجه ويبهمه فيقول: وغير فلان يرويه موقوفا، أو خالفه أصحاب فلان فلم يرفعوه، أو وقفه جماعة عن فلان، ونحو هذه العبارات. وكثير من هذه الأسانيد المعلقة لا يقف عليها الباحث موصولة عند هذا الناقد أو عند غيره، وليس هذا بالقليل بل هو كثير جدا، يدرك ذلك بكل سهولة من احتاج إلى النظر في أحاديث وقع فيها اختلاف، أو قرأ لمن نظر في ذلك.

стр. 693

فابن حجر -مثلا- في «تغليق التعليق» أو في «فتح الباري» يقول في بعض الأسانيد التي يعلقها البخاري: لم أقف عليه موصولا، أو لم أقف على من وصله، وربما أغفل تخريجه. وهكذا توجد مثل هذه العبارات عند الباحثين الذين اشتغلوا بـ «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني» أو اشتغلوا بالأحاديث التي حكى الأئمة فيها اختلافا، كالبخاري في «تاريخه»، وأبي داود، والترمذي في «سننهما»، والبزار في «مسنده»، والعقيلي في «ضعفائه»، وغيرهم. وكذلك في الإبهام، يقول الناظر: لم أقف على هذا الغير الذي رواه موقوفا، أو مرسلا, أو يقول في رواية الأصحاب غير المسمين: لم أقف على رواية أحد منهم، أو وقفت على رواية فلان, ولم أقف على رواية غيره. واعتماد هذه الروايات في الموازنة والترجيح يعارضه ما تقرر من أنه لا يصح أن ينسب إلى أحد شيء إلا بعد ثبوته عنه, ولا يعرف ذلك إلا بالوقوف على الإسناد الذي روي به. ويتأكد هذا إذا عرفنا أنه يوجد في معلقات النقاد ما يوقف عليه موصولا، ويتبين بعد فحص الإسناد أنه لا يصح إلى من علق عنه، أو يوجد عن الراوي بخلاف ما علقه عنه الناقد، فيعلقه الناقد عن راو على وجه, ويوجد عنه موصولا على وجه آخر, وهذا كثير أيضا, سيأتي شيء منه قريبا. ومن ذلك قول ابن الجنيد: «ذكر يحيى بن معين -وأنا أسمع- حديث العلاء, عن أبيه, عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «إذا مضى النصف من شعبان فلا تصوموا»، فقال: رواه زهير بن محمد, وعبدالرحمن بن إبراهيم, والزنجي.

стр. 694

قلت ليحيى: والدراوردي, قال: الدراوردي, ومحمد بن جعفر, لا يرفعانه, قلت: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه … » (١). وروى موسى بن مسعود, ومؤمل بن إسماعيل, وعبدالرحمن بن مهدي -في رواية الجماعة عنه- عن الثوري، عن الأعمش, ومنصور, عن أبي وائل, عن ابن مسعود مرفوعا: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله, والنار مثل ذلك» (٢). قال البزار بعد أن رواه عن محمد بن المثنى, عن عبدالرحمن بن مهدي هكذا: «وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش, عن أبي وائل, عن عبدالله موقوفا, وأسنده الثوري, عن منصور, والأعمش». كذا قال البزار, يشير إلى تفرد سفيان بالرفع, والروايات الموجودة عن الأعمش كلها موافقة لرواية سفيان الثوري بالرفع, هكذا رواه وكيع, وعبدالله بن نمير, وشيبان بن عبدالرحمن, وغيرهم (٣) , ولم يوقف على رواية عن الأعمش بالوقف, سوى ما رواه أحمد, عن عبدالرحمن بن مهدي, عن سفيان الثوري موقوفا (٤) , وقد رواها الجماعة وهم محمد بن المثنى, وزهير بن حرب,

стр. 695

ومحمد بن يحيى الذهلي, عن عبدالرحمن بن مهدي مرفوعا (١). فهذه مبررات توجب التوقف في الاعتماد على المعلقات التي لا يوقف علهيا موصولة. وفي مقابل ذلك: إغفال هذه الأسانيد يفضي إلى تعطيل جزء كبير من روايات السنة النبوية، خاصة في مجال النقد، وقد تقدم في تمهيد هذا الكتاب شكوى أحمد وغيره من كون الرواة في عصر الرواية يكتبون الأسانيد التامة ويدعون الناقصة، وقد تكون الناقصة هي الأقوى إسنادا عن المدار، فتعل التامة، فقد ذهب إذن جزء من الأسانيد الكاشفة للعلل في ذلك الزمان. ثم ازداد الأمر في عصر التأليف, فالذين ألفوا في جمع السنة وصنفوها على الأبواب, أو على المسانيد، أو غير ذلك, كان اهتمامهم منصبا على الأسانيد التامة موصولة مرفوعة، أما ما يُعِلُّ هذه الأسانيد بالوقف أو الإرسال أو الإبدال أو غير ذلك، فكان اهتمامهم به في هذه المؤلفات دون النوع الأول، وكثير مما يذكرونه من النوع الثاني يذكرونه معلقا، كما يفعل البخاري، وأبو داود، والترمذي. والمؤلفات التي عنيت بالأسانيد, الني تكشف العلل وخصصت لهذا الغرض هي كتب النقد, مثل كتب علل الأحاديث, غير أن أكثر الأسانيد في هذه الكتب جاءت معلقة, مع أن هذا اللون من التصنيف لم يصلنا أكثره.

стр. 696

فإغفال الأسانيد المعلقة في مجال النقد مع العوز الموجود أصلا فيما نحتاجه من أسانيد تكشف العلل, له تأثيره الكبير على الدراسات النقدية. هذه مبررات اعتماد الأسانيد المعلقة عند الموازنة والنظر. وقد سبرت موقف الباحثين من هذه الأسانيد المعلقة فرأيت بعضهم -وهم الأكثر- يعتمدها ويدرجها في الموازنة، على حين يكتفي بعضهم بالأسانيد الموصولة عنده، ولم أر من تعرض لأسباب الاعتماد أو الترك, وبالنظر في مبررات اعتماد هذه الأسانيد ومبررات إغفالها التي ذكرتها آنفا يظهر أن مبررات اعتمادها أقوى، ولكن مع هذا ففي رأيي أن المسألة تحتاج إلى بحوث موسعة، تتم فيها دراسة جملة من هذا النوع من الأسانيد، دراسة مقارنة، يصل فيها الباحث إلى نتيجة يرى أنها صوابا، والأحسن أن يقتصر الباحث على إمام واحد ليمكنه الإلمام بالموضوع، ويسلم من تشعبه، وتقوم الدراسة على أساس اختيار قدر كاف من الأسانيد المعلقة عند ذلك الإمام والبحث عنها موصولة، فمتى وجد الباحث أن ما يقف عليه موصولا أسانيدها ثابتة إلى من علقها عنه, أو أكثرها كذلك, عرفنا أن الإمام لا يعلق عن شخص إلا ما ثبت عنه, وإن كان غير ذلك بأن تكثر الأسانيد الضعيفة للمعلقات، فمعناه أن هذا الإمام يعلق ومراده ورود الرواية، بغض النظر عن ثبوتها، خاصة إن كانت الأسانيد الموصولة يوجد شيء منها عند هذا الإمام. ومع الحاجة إلى مثل هذه الدراسات فإن هذا لا يمنع من القول بأنه يمكن للباحث أن يتعامل مع كل حالة بعينها، وأعني بذلك أن ينظر في المعلق الذي بين

стр. 697

يديه وما يحف به من قرائن القبول والرد، فمتى جزم الناقد بتعليق رواية وعضدت القرائن قبول هذا المعلق، صح اعتماده في الموازنة والترجيح، وإلا فلا. هذا كله إذا كان هذا المعلق له أثره في الموازنة، أما إن كان الأمر مفروغا منه بهذا المعلق وبدونه فالأمر هين، فقد تقدم آنفا أنه يتسامح في سرد طرق تبين ضعفها إذا قضي الأمر بمعزل عنها، فما كان فيه احتمال القوة والضعف من باب أولى. ومثال ذلك الحديث السابق في أول هذا المبحث، وهو ما رواه جرير بن حازم، وزيد بن حبان، وكذا الثوري من رواية أيوب بن سويد عنه، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة المرأة التي زوجها أبوها وهي كارهة. ورواه معمر، وابن جريج، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وكذا الثوري من رواية وكيع عنه، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا. ورواية معمر، وابن جريج، والثوري, جاءت موصولة عنهم بأسانيد صحيحة, وأما رواية حماد بن زيد فعلقها أبو داود، وأبو حاتم، ورواية ابن علية علقها أبو حاتم، والطحاوي. وكما هو ظاهر فالترجيح للمرسل حاصل بالروايات التي وجدت موصولة، وعدم الوقوف على رواية حماد بن زيد، وابن علية، لا أثر له مطلقا في الترجيح، فسرد الجميع -الموصول والمعلق- لا بأس به حينئذ. والقرائن في الاسترواح للمعلق من عدمه كثيرة، منها ما يتعلق بالإمام الذي علق الإسناد، فلا شك أن ما يعلقه أئمة النقد في عصر النقد عصر الرواية

стр. 698

كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن معين، والبخاري، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، أقوى مما يعلقه من تأخر عنهم. وكذلك كيفية سوق الإمام لهذا المعلق، وهل اعتمد عليه في الترجيح أو لا؟ . وأيضا توارد النقاد على تعليق رواية واعتمادها، أو انفراد واحد منهم. ومنها ما هو في المعلق نفسه، وفي جملة الحديث الذي جاء فيه الاختلاف. وسأذكر الآن بعض ال أمثلة لأسانيد معلقة يترجح قبولها واعتمادها بقرائن ، وأخرى يترجح ردها وإغفالها. فمن الأول ما تقدم في المبحث الثالث من الفصل الثاني (القرائن في أوجه الاختلاف) في القرينة الأولى (السهولة والوعورة)، وهو ما رواه جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي وائل، عن عبدالله، أن النبي ﷺ قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقد جزم البخاري بأن الصواب عن مغيرة، عن أبي وائل مرسلا، وعبدالله هذا هو ابن حذافة السهمي. ولم يذكر البخاري من رواه عن مغيرة مرسلا، ولكن لا مناص من قبول هذا وترجيحه على رواية جرير، فإن البخاري ذكره جازما به، ووافقه النسائي على أن عبدالله هذا ليس ابن مسعود، وقد رواه سيار أبو الحكم العنزي، عن أبي وائل فأرسله.

стр. 699

وروى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد الأنصاري، عن عبدالله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين, وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل» (١). قال البخاري في نقده لهذا الحديث بهذا الإسناد: «وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح» (٢). فهذا المعلق عند البخاري لم يوقف له الآن على إسناد (٣)، ولكن كل الدلائل تشير إلى صحة هذا المعلق، فقد روى أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قصة حوار أبي هريرة مع كعب الأحبار حول ساعة الإجابة يوم الجمعة، ومراجعة التوراة (٤)، فلا بعد أن يكون كعب قد حدثه بهذا الحديث. وقد رواه الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن كعب الأحبار وفيه: «بدأ خلق السموات والأرض يوم الأحد … » الحديث مختصرا ذكر فيه الأيام إلى

стр. 700

الجمعة، ولم يذكر السبت (١)، وأبو صالح من خاصة أصحاب أبي هريرة، فإما أن يكون أخذه عن أبي هريرة، عن كعب وأرسله، وإما أن يكون سمعه مع أبي هريرة من كعب. والحديث يرويه إبراهيم بن أبي يحيى، عن أيوب بن خالد الأنصاري، ومرة عن صفوان بن سليم، عن أيوب بن خالد (٢)، ولذا قال ابن المديني في نقده للحديث: «ما أرى إسماعيل بن أمية أخذه إلا من إبراهيم بن أبي يحيى» (٣)، وإبراهيم هذا متروك الحديث، بل رماه بعضهم بالوضع. ومتن الحديث فيه نكارة رده بسببها كثير من النقاد، فهو مخالف لما في القرآن من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام لا في سبعة (٤)، ورواية الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب, لا إشكال فيها من هذه الجهة، وليس فيها هذه التفاصيل، فهذا يؤيد ما ذكره ابن المديني، وأن التخليط فيه إسنادا ومتنا من إبراهيم بن أبي يحيى. فتلخص من الدلائل السابقة صحة ما علقه البخاري عن بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب قوله، وأيضا فالرواية الأقوى عن كعب ليس فيها ما يشكل.

стр. 701

وروى سعد بن سعيد الأنصاري -أخو يحيى بن سعيد الأنصاري القاضي- في المشهور عنه, عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا» (١). وللحديث طرق أخرى إلى عمرة، لكن طريق سعد بن سعيد هو أشهرها، والحديث يعرف به، والطرق الأخرى الأقرب أنها تعود إليه (٢). وسعد بن سعيد هذا تكلم فيه النقاد من قبل حفظه، وقد خالفه محمد بن عبدالرحمن بن سعد الأنصاري، وهو قريب لعمرة، فعمرة عمته أو عمة أبيه، فرواه عن عمرة موقوفا على عائشة، ومحمد ثقة معروف له اختصاص بعمرة، وقد ضبط هذا الحديث عنها، ففيه قصة، وأشار محمد إلى أن هناك من يرفعه عن عمرة، مما يدل على ضبطه للحديث، فروى شعبة، عن محمد بن عبدالرحمن قال: «قالت لي عمرة: أعطني قطعة من أرضك أدفن فيها، فإني سمعت عائشة تقول:

стр. 702

كسر عظم الميت مثل كسر عظم الحي»، قال محمد: «ومن أهل المدينة من يحدثه عن عائشة، عن النبي ﷺ »، وفي بعض المصادر: «وكان مولى بالمدينة يحدثه عن عمرة, عن عائشة, عن النبي ﷺ » (١). ورواه مالك أنه بلغه عن عائشة … ، فذكره موقوفا (٢). وقد علقه الدارقطني، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة موقوفا (٣)، ولم يمكن الوقوف على إسناد لهذا المعلق، وعلقه البخاري كذلك عن عروة بن الزبير, والقاسم بن محمد، عن عائشة موقوفا (٤)، ولم يمكن الوقوف على إسناد لهذا المعلق، بل جاء عن القاسم مرفوعا لكن الإسناد إليه ضعيف (٥). وحينئذ فما علقه الدارقطني من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة،

стр. 703

وما علقه البخاري عن عروة، والقاسم عن عائشة، يترجح قبوله، فالدلائل كلها تشير إلى صحة هذا، فالصواب وقفه على عائشة كما ذهب إليه النقاد. وروى أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود قال: «كان من تلبية النبي ﷺ : لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» (١). وعلق ابن أبي حاتم، عن شعبة، عن أبي إسحاق, عن عبدالرحمن بن يزيد قال: «كانت تلبية عبدالله بن مسعود … » لم يرفعه (٢). ولم يتيسر الوقوف على هذه الرواية موصولة (٣)، ولكن يترجح قبولها, فإن ابن أبي حاتم علقها جازما، بها ثم نقل عن أبيه قوله: «حديث شعبة أصح». وكذا رجح الموقوف أحمد، ولم يذكر من رواه موقوفا، وجعل العهدة في رفعه على حماد بن زيد راويه عن أبان، فقد سئل أحمد عن المرفوع فقال: «هذا أراه من حماد -يعني رفعه إلى النبي ﷺ ، لأن الحديث موقوف على عبدالله» (٤). وأيضا فقد تابع أبا إسحاق على الوجه الموقوف عمارة بن عمير، فرواه عن عبدالرحمن بن يزيد قال: «كان عبدالله يعلمنا هذه التلبية: لبيك اللهم

стр. 704

لبيك … » الحديث (١). ثم قد روى المرفوع كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، فاقتصر على أوله، ولفظه: «قال عبدالله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك» (٢). وروى جماعة كثيرون -منهم مالك، وسفيان بن عيينة, وابن جريج, ويحيى القطان, والثوري، وغيرهم- عن يحيى بن سعيد الأنصاري, عن محمد بن يحيى بن حبان, عن أبي عمرة, عن زيد بن خالد الجهني: «أن رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ , فلم يصل عليه … » الحديث, وفي بعض الطرق إليهم: عن ابن أبي عمرة (٣). وعلقه أبو حاتم, عن حماد بن زيد, عن يحيى بن سعيد, عن محمد بن يحيى

стр. 705

بن حبان, عن زيد بن خالد, ليس بينهما أحد (١). وعلقه ابن عبدالبر عن حماد بن زيد, كرواية الجماعة بذكر أبي عمرة (٢). ولا إشكال في قبول ما علقه ابن عبدالبر, فهو الموافق لرواية الجماعة, ثم قد رواه محمد بن نصر المروزي, عن محمد بن عبيد بن حساب, عن حماد بن زيد كذلك (٣). وما علقه أبو حاتم يظهر قبوله كذلك, فقد رواه البزار, عن محمد بن عبدالملك القرشي, عن حماد بن زيد, عن محمد بن يحيى بن حبان, عن رجل, عن زيد بن خالد (٤) , فيظهر أن حمادا كان مترددا في أبي عمرة, فربما ذكره, وربما أبهمه, وقد يسقطه. وروى جماعة كثيرون عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن أبا هند حجم النبي ﷺ في اليافوخ، فقال النبي ﷺ : يا بني بياضة: أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه، وقال: وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة»، ومنهم من اقتصر على بعضه (٥).
следующие страницы →