الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله : رجل خرج غازيا في سبيل الله … » الحديث (١).
سئل أبو حاتم عن هذا الحديث، وذكر له رواية الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، فقال: «رواه الوليد وغيره عن الأوزاعي، عن سليمان, عن أبي أمامة موقوفا»، ثم قال أبو حاتم: «هقل أحفظ، والحديث موقوفا أشبه» (٢).
وروى خالد بن الحارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله ﷺ وبنت لها, وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب … » الحديث (٣).
ورواه معتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب بالقصة مرسلة (٤).
قال النسائي بعد أن أخرج الطريقين: «خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب» (٥).
стр. 737
وكأن النسائي رجح المرسل لقوة القرينة المرجحة له، وهي ترك الجادة فإن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، سلسلة مشهورة جدا، فمن تركها وأرسل الحديث فقد حفظ.
وروى عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ : «من صام ثلاثة أيام فقد صام الشهر»، ومنهم من يدخل بين أبي عثمان وبين أبي ذر رجلا (١).
ورواه ثابت البناني، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة (٢).
قال أبو حاتم: «حديث أبي ذر أشبه، لأنه يروى هذا الكلام عن أبي ذر بإسناد آخر، وثابت أحفظ من عاصم» (٣).
فثابت البناني أحفظ من عاصم, فهذه قرينة, ورجح أبو حاتم قول عاصم بقرينة أخرى، وهي أن الحديث معروف عن أبي ذر من غير هذا الطريق.
ووافقه الدارقطني فقال: «وحديث أبي ذر أشبه بالصواب» (٤).
стр. 738
ثم بعد ذلك أمثلة فيها يتردد الناقد الواحد حين نظره في القرائن، فلا يجزم بشيء، أو يختلف رأيه في مكانين.
فمن ذلك حديث ابن مسعود في (الاستنجاء بالحجرين)، اختلف فيه اختلافا واسعا على أبي إسحاق السبيعي (١) , قال الترمذي بعد أن ذكر بعض أوجه الاختلاف: «فسألت محمدا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح, ووضع حديث زهير في كتاب «الجامع»، » (٢).
فالبخاري أولا لم يقض فيه بشيء, لاتساع الخلاف فيه عن أبي إسحاق, ثم ظهر له رجحان رواية زهير بن معاوية ومن تبعه, فأخرجها في «صحيحه»، هذا معنى كلام الترمذي.
وروى حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في صفة الوضوء (٣).
ورواه حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس بن مالك.
стр. 739
قال أبو حاتم: «حماد بن زيد أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، وسنان بن ربيعة أبو ربيعة مضطرب الحديث» (١).
فذكر أبو حاتم أولا قرينة حفظ حماد بن زيد وتثبته، مقارنة بحماد بن سلمة، ومعنى هذا أن الخطأ من حماد بن سلمة، والمحفوظ عن سنان بن ربيعة كون الحديث عن شهر بن حوشب, عن أبي أمامة, ثم عاد أبو حاتم وذكر قرينة أخرى يبرئ فيها حماد بن سلمة من الخطأ، فيحتمل أن روايته عن سنان محفوظة أيضا، وذلك بالنظر لحال سنان، فهو مضطرب الحديث، فلا يبعد أن يكون حدث به حماد بن زيد على صفة، وحدث به حماد بن سلمة على صفة أخرى.
وروى أشعث بن شعبة, وخلاد بن يحيى, عن حنش بن الحارث, عن عبدالرحمن بن الأسود, عن أبيه, عن عائشة, قالت: «رأيت الطيب في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم» (٢).
سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذه الرواية, فقال: «حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حنش, عن عبدالرحمن بن الأسود, عن عائشة, عن النبي ﷺ , ولم يقل: عن أبيه»، قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: أبو نعيم أثبت, ولا أبعد أن يكون قال لهم مرة: عن أبيه, عن عائشة, عن النبي ﷺ » (٣).
стр. 740
فذهب أبو حاتم أولا إلى الترجيح, فرجح بحفظ أبي نعيم وتثبته, ثم عاد فأبدى احتمالا قويا أن يكون التردد من الشيخ نفسه, وأنه ذكر الأسود بن يزيد مرة, وأسقطه أخرى (١).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي ﷺ : «بين العبد والكفر ترك الصلاة»، فقال أبو زرعة: هذا خطأ, رواه بعض الثقات من أصحاب حماد فقال: حدثنا عمرو بن دينار -أو حدثت عنه- عن جابر موقوفا.
قلت لأبي زرعة: الوهم ممن هو؟ قال: ما أدري؟ يحتمل أن يكون حدث حماد مرة كذا ومرة كذا، قلت: فبلغك أنه توبع أبو الربيع في هذا الحديث؟ فقال: ما بلغني أن أحدا تابعه … » (٢).
فتردد أبو زرعة في الاختلاف على حماد بن زيد، إذ يحتمل أن يكون ذلك منه، فقد رواه أبو الربيع عنه مرفوعا بغير شك، ورواه جماعة عنه موقوفا بالشك، وقيل عنه مرفوعا أيضا بالشك، وفي الشك تارة يقول: حدثني عمرو -أو بعض أصحابي عنه-، وتارة يقول: عن عمرو -أو بلغني عنه-, وتارة يقول: سمعت عمرا -أو حدثت عنه-, وتارة يقول: سمعت من عمرو -أو حدثني أخي سعيد عنه- (٣)، فهذا يدل على أنه هو الذي يضطرب فيه.
стр. 741
ويحتمل أن يكون الوجه المرفوع بغير شك عهدته أبو الربيع الزهراني, فقد انفرد بهذا الوجه ولم يتابع عليه.
وروى إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب، حديث فضل متابعة المؤذن (١).
قال الدارقطني حين سئل عنه: «ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن مرسلا عن النبي ﷺ ، ووقفه يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن خبيب.
وحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم» (٢).
هكذا قال الدارقطني في هذا المكان، رجح الموصول المرفوع، موافقا لمسلم, وفي كتابه الآخر ذكر هذا الحديث متعقبا مسلما في إخراجه، وذكر أن الدراوردي وغيره يروونه عن عمارة بن غزية مرسلا (٣).
стр. 742
وروى الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم، عن عاصم بن عمرو، عن علي، حديث دعائه ﷺ للمدينة (١).
ورواه ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه (٢).
سئل الدارقطني عن هذا الحديث، فذكر هذين الوجهين، وذكر أيضا أن عبدالحميد بن جعفر رواه عن المقبري، عن عمرو بن سليم، عن أبي عمر، عن علي, وأن ابن جريج رواه عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ثم قال: «والأشبه بالصواب لا أحكم فيه بشيء» (٣).
وسئل عنه مرة أخرى فلم يذكر وجه أبي هريرة، فالظاهر أنه لا يدخل في الموازنة أصلا، لأن أبا بكر بن أبي سبرة هذا معروف بوضع الحديث، وقد سلك الجادة، والمعروف عن ابن أبي ذئب هو ما تقدم.
وذكر الدارقطني في جوابه هنا أن عبدالحميد بن جعفر رواه كرواية الليث، فسمى شيخ عمرو بن سليم: عاصم بن عمرو.
ثم قال الدارقطني: «ويشبه أن يكون القول قول الليث ومن تابعه، لأن الليث من أثبت الناس في سعيد المقبري، والله أعلم» (٤).
стр. 743
وقد نص أحمد وابن معين, على أن الليث بن سعد أصح الناس حديثا عن المقبري، وقدمه أحمد على ابن أبي ذئب (١).
وابن أبي ذئب ثبت فيه، كما قال ابن المديني: «الليث، وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري» (٢).
وسئل يحيى بن معين عنهما مرة أيهما أثبت في سعيد فقال: «كلاهما» (٣).
ولعل هذا هو سبب تردد الدارقطني في الترجيح (٤).
وأما أمثلة ما وقع فيه الاختلاف بين النقاد بسبب تعارض القرائن، وربما نص الناقد على مبررات ما ذهب إليه، أو عرف ذلك بالنظر في الاختلاف، وتطبيق قرائن النظر والموازنة, فكثيرة جدا لا تدخل تحت الحصر, وسيأتي شيء منها في الفصل الخامس (النظر في الاختلاف وكلام النقاد) , وأذكر الآن أمثلة لذلك مختصرة.
روى سفيان الثوري, عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾
стр. 744
قال: ليس بخاتم، ولكن خلط» (١) (يعني أن شرابهم ممزوج بالمسك، لا أن المسك يجعل في آخر شرابهم).
وخالفه جماعة كثيرون، فرووه عن أشعث بهذا الإسناد موقوفا على علقمة (٢).
سئل عن ذلك إمامان جليلان، وأجابا بجوابين مختلفين، فروى عمرو بن علي الفلاس, قال: «سمعت سفيان بن زياد يقول ليحيى بن سعيد في حديث أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: يا أبا سعيد خالفه أربعة، قال: من؟ قال: زائدة، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وشريك، قال يحيى: لو كانوا أربعة آلاف مثل هؤلاء لكان سفيان أثبت منهم».
قال عمرو: «وسمعت سفيان بن زياد يسأل عبدالرحمن بن مهدي عن هذا، فقال عبدالرحمن: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، وسفيان أثبت منهم, والإنصاف لا بأس به» (٣).
فبقي يحيى بن سعيد القطان مع حفظ سفيان الثوري وقلة غلطه، وهي مسألة إجماع، وجنح عبدالرحمن بن مهدي إلى ترجيح ما رواه الجماعة، وقد رواه غير هؤلاء الأربعة أيضا.
стр. 745
وروى شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ كان يكره الشكال من الخيل».
ورواه سفيان الثوري، عن سلم بن عبدالرحمن النخعي، عن أبي زرعة به.
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك أن أحمد يخطئ شعبة في تسميته الشيخ: عبدالله بن يزيد النخعي، وأن الصواب ما رواه الثوري, وكذا خطأه يحيى بن معين، قال: «يخطئ فيه شعبة، يقول: عن عبدالله بن يزيد» (١).
وخالفهما جماعة من النقاد، فذهبوا إلى تصويب الروايتين، وأن شعبة لم يخطئ، فهو راو آخر، منهم مسلم، فتقدم هناك أنه أخرجه من الوجهين.
وكذلك البخاري، والترمذي، قال الترمذي بعد أن ساق رواية شعبة: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى سفيان، عن سلم بن عبدالرحمن، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وكان أحمد بن حنبل يرى أن حديث شعبة وهم، ويقول: إنما أراد شعبة حديث سلم بن عبدالرحمن، قال محمد: وأرى حديث شعبة صحيحا».
ثم قال الترمذي: «حديت سلم بن عبدالرحمن هو صحيح عندهم ليس فيه كلام, وقد يحتمل أن يكونا روياه جميعا عن أبي زرعة» (٢).
стр. 746
وحجة أحمد, وابن معين, ظاهرة، فإن شعبة عرف عنه الخطأ في أسامي الرواة، وفيهم من هو من شيوخه، كما تقدم في المبحث المشار إليه، ومخالفه سفيان الثوري أحفظ منه.
وأيضا قد تفرد شعبة بالرواية عن هذا الرجل بهذا الاسم، وتفرد هو بالرواية عن أبي زرعة، وأما سلم بن عبدالرحمن فقد روى عن جماعة، وروى عنه أيضا غير سفيان الثوري (١).
ثم إن شعبة روى عن عبدالله بن يزيد النخعي في هذا الحديث زيادة «تسمو باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (٢)، وهذه الزيادة رواها شريك بن عبدالله النخعي أتم منها عن سلم بن عبدالرحمن (٣) , فهذا مخالف آخر لشعبة في التسمية, موافق لسفيان الثوري.
والثوري, وشريك, كوفيان, وأما شعبة فهو بصري, والراوي الذي وقع الاختلاف في تسميته كوفي.
وأما حجة البخاري ومن معه فالظاهر أنهم اعتمدوا على أن سفيان وشعبة ثقتان حافظان، ولا يبعد أن يروي الحديث عن أبي زرعة اثنان, يلقى أحدهما الثوري وغيره, ويلقى أحدهما شعبة، وهما جميعا غير مشهورين, رواياتهما قليلة جدا.
стр. 747
وروى ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يمشي أمام الجنازة»، قال: «وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ﵃ … ».
ورواه محمد بن بكر البرساني، وأبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس, عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر … » الحديث.
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك قول أحمد في نقد حديث أنس، وذكر له رواية محمد بن بكر البرساني: «هذا -يعني الوهم- من يونس، لعله حدثه حفظا».
ففي كلام أحمد أن هذا الوجه محفوظ أيضا عن يونس, وإن كان يهم فيه، وقرينة ذلك أن يونس بن يزيد يخطئ إذا حدث من حفظه، وكتابه صحيح، فلما حدث بالحديث على وجهين ترجح أن ما أصاب فيه كان من كتابه، وما أخطأ فيه كان من حفظه.
وأما البخاري فقد سئل أيضا عن رواية محمد بن بكر البرساني فقال: «هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري: «أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة»، قال الزهري: «وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة»، هذا أصح» (١).
ورأي البخاري هذا معناه أن المحفوظ عن يونس وجه واحد، وهو كونه
стр. 748
عن الزهري مرسلا، وأما كونه عن الزهري عن أنس فخطأ عليه ممن رواه عنه، وهو محمد بن بكر البرساني، وقرينة ذلك ظاهرة، فإن محمد بن بكر هذا صدوق، وقد خالف من هو فوقه بدرجات، خاصة في يونس، وهو عبدالله بن وهب.
ويتأيد قول أحمد بأن محمد بن بكر قد توبع، تابعه أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري، وهو لا بأس به.
وروى وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ ينام حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ» (١).
ورواه أبو حمزة السكري، ومنصور بن أبي الأسود، وعبدالله بن عبدالقدوس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود (٢).
قال الترمذي بعد أن ساق روايتي وكيع وأبي حمزة السكري: «سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: يحتمل عنهما جميعا، ولا أعلم أحدا من أصحاب الأعمش قال: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، إلا وكيعا.
وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (هو الدارمي) فقال: حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله أصح» (٣).
فقد تعارض هنا قرينتان: الكثرة، والحفظ، فإن وكيعا أحفظ من كل واحد
стр. 749
من الثلاثة المخالفين له، فرأى البخاري أن الأقرب حفظ الوجهين عن الأعمش، وأما الدارمي فرجح بالكثرة.
ووافقه الدارقطني، فساق الاختلاف على الأعمش، وعلى من فوقه، ثم قال: «وأشبهها بالصواب حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله» (١).
وروى قتادة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن أبيه، عن النبي ﷺ في صوم الدهر، قال: «لا صام ولا أفطر» (٢).
ورواه الجريري، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن أخيه مطرف، عن عمران بن حصين (٣).
سئل البخاري عن هذا الاختلاف، فقال: «يحتمل عنهما جميعا» (٤).
وسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأما أبو حاتم فقال: «قتادة أحفظ»، وأما أبو زرعة فقال: «ما أقف من هذا الحديث على شيء، يحتمل أن يكونا جميعا صحيحين، ومطرف، عن أبيه، ما أدري كيف هو؟ والجريري بآخره ساء حفظه, وليس هو بذاك الحافظ» (٥).
стр. 750
فهذه ثلاثة آراء في هذا الاختلاف، ترجيح حفظ الوجهين، وهذا للبخاري، وترجيح رواية قتادة وذكر قرينة الترجيح، وهذا لأبي حاتم، والتوقف فيه، مع ذكر احتمال صحة الوجهين، واحتمال ضعفهما جميعا, وبيان سبب ذلك، وهذا لأبي زرعة.
وروى إبراهيم بن موسى الرازي، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» (١).
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبدالوهاب الثقفي مرسلا لم يذكر ابن عباس (٢).
فأخرج البخاري الإسناد الموصول في «صحيحه».
وأما أبو زرعة فسئل عنه فساق المرسل عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قال: «هذا الصحيح، ولا أدري من أين جاء إبراهيم بن موسى بابن عباس؟ » (٣).
وإبراهيم بن موسى ثقة حافظ، بل قدمه أبو زرعة على أبي بكر بن أبي شيبة،
стр. 751
فإنه قال فيه: «إبراهيم بن موسى أتقن من أبي بكر بن شيبة، وأصح حديثا منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه» (١).
وكان قد كتب عن كل واحد منهما مئة ألف حديث (٢)، إلا أنه أخذ على أبي بكر بن أبي شيبة أحاديث يخطئ فيها، لكونه يحدثهم من حفظه، فيصححها له أبو زرعة (٣).
ومع هذا قدم رواية أبي بكر بن أبي شيبة المرسلة على رواية إبراهيم بن موسى، فيحتمل أن يكون حكم لابن أبي شيبة لكونه ترك الجادة, فعكرمة كثير الرواية عن ابن عباس، أو لكون الحديث عنده من طريق آخر عن خالد الحذاء أو عكرمة, مرسلا.
وروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».
ورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني.
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب, وتقدم هناك أن البخاري ذهب إلى أن الصواب جعله عن زيد بن خالد، وحجته
стр. 752
ظاهرة، فمحمد بن عمرو بن علقمة في حفظه كلام، وقد سلك الجادة في جعله عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وتقدم أيضا أن الترمذي خالفه فصححه من الوجهين، وذكرت حجته هناك.
وهناك قول ثالث وهو للنسائي، قال: «محمد بن عمرو أصلح من ابن إسحاق في الحديث»، ومعنى هذا أنه يرجحه عن أبي هريرة، لا عن زيد بن خالد.
ويتأيد قول النسائي بأن الحديث رواه عن محمد بن عمرو جماعة من كبار أصحابه منهم يحيى القطان، وزائدة، وعبدة بن سليمان، وغيرهم، فلم يختلفوا عليه في الإسناد، مما يدل على أنه ضبطه.
وروى شعبة، عن منصور، عن الفيض بن أبي حثمة، عن أبي ذر: «أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني، وأذهب عني الأذى».
ورواه سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي، عن أبي ذر.
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب, وتقدم هناك ترجيح أبي زرعة لقول الثوري، ونصه على قرينة ذلك، وهي أن أكثر وهم شعبة كان في أسماء الرجال.
وأما أبو حاتم فإنه قال: «كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصحيح، والثوري أحفظ، وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال، ولا ندري هذا منه أم لا؟ » (١).
стр. 753
فتوقف أبو حاتم في الترجيح مع نصه على قرينتين لترجيح قول سفيان، وهما كونه أحفظ من شعبة في الجملة، وما عرف عن شعبة من الخطأ في أسماء الرواة.
وروى عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، عن النبي ﷺ في الصلاة خلف الصف (١).
ورواه حصين بن عبدالرحمن، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة (٢).
فرجح أبو حاتم رواية عمرو بن مرة، قال لما سئل عنهما: «عمرو بن مرة أحفظ» (٣).
ووافقه البزار فيما يفهم من كلامه، فإنه ضعف الطريقين، أما الأول فضعفه بعمرو بن راشد، فكأنه يثبته عن هلال بن يساف، وأما الثاني فضعفه بحصين بن عبدالرحمن، وذكر أنه ليس بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في حكم (٤).
وخالفهما الترمذي، فرجح رواية حصين, قال: «اختلف أهل الحديث في هذا، قال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد … أصح.
стр. 754
وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد … أصح, وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة، لأنه قد روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة» (١).
فاحتج الترمذي بأن الحديث جاء عن زياد بن أبي الجعد من غير رواية هلال بن يساف (٢)، وهذا يؤيد قول حصين بن عبدالرحمن.
وروى قتادة, عن الحسن، عن سمرة: «أن النبي ﷺ نهى عن التبتل» (٣).
ورواه الأشعث بن عبدالملك، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة (٤).
ذهب البخاري، وأبوحاتم, إلى أنهما جميعا محفوظان، أما الأول فلحفظ قتادة، وأما الثاني فقد جاء من طرق عن سعد بن هشام في سؤاله عائشة عن التبتل، وصورته موقوف (٥)، وأيضا فرواية الحسن، عن سمرة, نسخة مشهورة، فمن تركها فقد حفظ.
стр. 755
قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث الحسن عن سمرة, محفوظ، وحديث الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، هو حسن، وقد روي عن سعد بن هشام، عن عائشة موقوفا» (١).
وقال أبو حاتم: «قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح -يعني التبتل-» (٢).
وأما النسائي فقال بعد أن أخرج الحديثين: «قتادة أثبت وأحفظ من أشعث بن عبدالملك، وحديث أشعث أشبه بالصواب» (٣).
وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه حبان بن هلال، وحرمي، وإبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن ثمامة بن أنس، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر من البول».
قال أبي: حدثنا أبو سلمة، عن حماد، عن ثمامة، عن النبي ﷺ مرسلا، وهذا أشبه عندي.
وقال أبو زرعة: المحفوظ: عن حماد، عن ثمامة، عن أنس، وقصَّر أبو سلمة» (٤).
стр. 756
فأبو حاتم رجح بالحفظ, فإن أبا سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي أحفظ من كل واحد من الثلاثة المخالفين له، وإن كانوا جميعا ثقات، ثم هو ترك الجادة فأرسل الحديث، وأبو زرعة رجح بالكثرة.
وروى سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: «قال لي جبريل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها … » الحديث (١).
ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري، وعمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن حذيفة، عن النبي ﷺ .
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي, وأبا زرعة, عن حديث رواه الثوري, عن الزبير بن عدي, عن أبي رزين, عن زِرّ بن حبيش, عن أُبي بن كعب, عن النبي ﷺ في المُعَوِّذتين.
قال أبو زرعة: ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري, وعمرو بن أبي قيس, عن الزبير بن عدي, عن أبي رزين, عن حذيفة, عن النبي ﷺ .
قال أبو زرعة: حديث عنبسة، وعمرو، أشبه عندي، إذ اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير، وأخاف أن يكون اشتبه على الثوري: عاصم عن زِرّ، ولعله من الزبير.
قال أبي: حديث الثوري أصح، عن أُبي، وهو أحفظهم، وأعلى من هؤلاء
стр. 757
بدرجات، والحديث بأُبي أشبه، إذ كان قد رواه عاصم، عن زر، عن أُبي، عن النبي ﷺ ، وليس لحذيفة عن النبي ﷺ في المعوذتين معنى» (١).
فرجح أبو زرعة أولا أن الحديث عن حذيفة، وذلك لاتفاق عنبسة بن سعيد، وعمرو بن أبي قيس، على ذلك، وهما من أهل الري، كشيخهما الزبير بن عدي، وخشي أبو زرعة أن يكون الثوري انتقل ذهنه إلى حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، فإنه عند الثوري أيضا، وهو مشهور عن عاصم (٢).
ثم نظر أبو زرعة إلى قوة حفظ سفيان الثوري، فذكر أنه يحتمل أن يكون الاختلاف من الزبير بن عدي، فيصح عنه الوجهان، ويكون الاضطراب منه.
وأما أبو حاتم فلم يتردد في أن الصواب مع الثوري، لقوة حفظه، وكونه أرفع من عنبسة، وعمرو، بدرجات, وأيد ذلك بأن الحديث معروف عن زر، عن أبي من طريق آخر، وهو طريق عاصم، ولا يعرف عن حذيفة من طريق آخر.
والحديث له طريق ثالث إلى زر، عن أبي بن كعب، وهو طريق عبدة بن أبي لبابة (٣).
وروى سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق الثوري -أخي
стр. 758
سفيان الثوري-، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج قصة إعطاء النبي ﷺ المؤلفة قلوبهم يوم حنين.
ورواه سفيان الثوري، وأبو الأحوص، والجراح بن مليح والد وكيع، وقيس بن الربيع، وشريك القاضي، عن سعيد بن مسروق، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها … » الحديث، وفيه قصة التأليف أيضا، وقصة الخوارج.
وقد تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب.
فذهب أبو زرعة الرازي إلى خطأ الوجه الأول, وأن الصواب ما رواه سفيان الثوري، وذكر أن الخطأ من أخيه عمر بن سعيد (١).
وما ذهب إليه أبو زرعة هو أيضا ظاهر صنيع البخاري، فإنه أخرج الحديث الثاني وأعرض عن الأول.
وخالفهما مسلم, فأخرج الحديثين جميعا.
وما ذهب إليه أبو زرعة حجته ظاهرة، فإن الحديثين في أمر واحد وهو إعطاء المؤلفة قلوبهم، وعمر بن سعيد قد تفرد بالوجه الأول، وخالف الجماعة, خاصة وفيهم أخوه سفيان، وهو أحفظ منه.
وأيضا فقد رواه عمارة بن القعقاع بن شبرمة، عن عبدالرحمن بن أبي نعم به.
وما ذهب إليه مسلم حجته ظاهرة أيضا، فإن القصتين مختلفان تماما،
стр. 759
فحديث رافع في قسمة غنائم حنين، وحديث أبي سعيد في قصة الذهيبة التي بعثها علي من اليمن، وفيه أمر زائد وهو قصة الخوارج.
وأيضا فإسناد حديث رافع فيه وعورة، فحفظ عمر بن سعيد له يدل على ضبطه.
وروى يونس بن يزيد، ومعمر -في رواية بعض أصحابه عنه-، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، والأوزاعي -في رواية غريبة عنه-، رووا عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عَرَّس … » الحديث، ومنهم من اختصره (١).
ورواه مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر, في المحفوظ عنهم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا، ليس فيه أبو هريرة (٢).
فذهب أبو زرعة إلى أن الصحيح هو الموصول (٣)، وكذا أخرج الموصول
стр. 760
مسلم في «صحيحه» من طريق يونس، وقال البيهقي: «ومن وصله ثقة» (١).
وساق الترمذي رواية صالح بن أبي الأخضر الموصولة، ثم قال: «هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن النبي ﷺ … ، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة، وصالح بن أبي الأخضر يضعف في الحديث … » (٢).
وكذا قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف: «والمحفوظ هو المرسل» (٣).
وحجة من صحح الموصول ظاهرة، فإن يونس بن يزيد من كبار أصحاب الزهري، خاصة إذا حدث من كتابه، وقد تابعه غيره، لكن الاعتماد عليه.
وذكر البيهقي من مؤيدات الوصل أنه جاء عن أبي هريرة من وجه آخر نحوه مختصرا (٤)، فقد رواه أبو حازم، عن أبي هريرة، وساقه مسلم بعد حديث سعيد بن المسيب (٥).
وأما من رجح المرسل فلأن من أرسله جماعة فيهم المقدم في أصحاب الزهري: مالك بن أنس، وقد تابعه سفيان بن عيينة، ومعمر، وهما أيضا من كبار أصحاب الزهري.
стр. 761
وروى الأوزاعي، وأبان بن يزيد العطار -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن الناس يعلمون ما في صلاة العتمة وصلاة الصبح لأتوهما ولو حبوا» (١).
ورواه شيبان بن عبدالرحمن، وأبان بن يزيد -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس-وهو يحنَّس بن أبي موسى مولى مصعب بن الزبير-، عن عائشة (٢).
قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر رواية الأوزاعي: «قال أبي: رواه أبان وشيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس، والصحيح عندي -والله أعلم-: محمد بن إبراهيم, عن عيسى، عن عائشة، عن النبي ﷺ .
وقال أبو زرعة: أشبه عندي: عن يحنَّس، وأخاف أن عيسى إنما صحف فيه، وأراد: يحنَّس.
قلت لأبي زرعة: إن مسلم بن إبراهيم روى عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، قال: أخاف أن يكون غلط مسلم، حدثنا أبو سلمة، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يحنَّس، وهذا أصح
стр. 762
من حديث مسلم» (١).
وروى الجماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي، منهم شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، حديث الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة في المزدلفة (٢).
ورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر (٣).
ورجح جماعة من النقاد منهم يحيى القطان، والترمذي، والدارقطني
-مرة- رواية الجماعة، وحجتهم ظاهرة، قال الدارقطني في تقريرها: «هذا عندي وهم من إسماعيل، وقد خالفه جماعة، شعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، وإسماعيل -وإن كان ثقة- فهؤلاء أقوم منه لحديث أبي إسحاق، والله أعلم» (٤).
وأخرج مسلم رواية إسماعيل بن أبي خالد، لكنه أخرجها بعد أن ساقه عن سعيد بن جبير من طريق الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن سعيد،
стр. 763
وساقه من طريقين آخرين إلى ابن عمر دون ذكر الإقامة.
ورجح الدارقطني مرة أن رواية إسماعيل محفوظة أيضا, فلأبي إسحاق فيه شيخان، قال الدارقطني في تقرير ذلك والاحتجاج له: «وكان شيوخنا يقولون: إن إسماعيل بن أبي خالد وهم في قوله: عن سعيد بن جبير، وأن الحديث حديث عبدالله بن مالك، والذي عندي -والله أعلم- أن الحديثين صحيحان، لأن حديث سعيد بن جبير مرفوعا رواه عنه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن دينار, وسالم الأفطس, رووه عن سعيد بن جبير, عن ابن عمر ﵁, فيشبه أن يكون أبو إسحاق قد تحفظه عنهما، فحدث به مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵁، فحفظه عنه إسماعيل بن أبي خالد، وحدث به مرة عن عبدالله بن مالك, فحفظه عنه الثوري ومن تابعه» (١).
واستدل المزي، ثم ابن حجر، على حفظ رواية إسماعيل بن أبي خالد بأن شريك بن عبدالله النخعي رواه عن أبي إسحاق فجمع بين شيخيه: عبدالله بن مالك، وسعيد بن جبير (٢).
وأبو إسحاق السبيعي لم يسمع من سعيد بن جبير فيما قاله البخاري، فإنه قال: «لا أعرف لأبي إسحاق سماعا من سعيد بن جبير» (٣)، وحديثه هذا عن
стр. 764
سعيد بن جبير جاء معنعنا، بل في رواية مسلم يرويه أبو إسحاق هكذا: قال سعيد بن جبير، ولعله لهذا السبب اشتهر عن أبي إسحاق روايته للحديث عن عبدالله بن مالك، ولم تشتهر روايته له عن سعيد بن جبير، فإنه يرسله عنه.
و من دقائق قضايا تعارض القرائن أن يتجاذب الحال قرينة واحدة لها شقان، أو يتجاذبها قرينتان مختلفتان.
فمن تجاذب شقي القرينة الواحدة ما تقدم في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب, في قرينة (السهولة والوعورة) فإن من زاد راويا أو أكثر في الإسناد فهو الذي حفظ، لأنه قد سلك الأوعر، ومن ترك الزيادة فهو أسهل عليه، ولكن قد يعارض هذا في بعض الحالات أن يكون من زاد راويا أو أكثر قد سلك الجادة، فهو أسهل عليه، ومن حذف الزيادة ترك الجادة، فقوله هو الراجح, وقد تقدم شرح هذا بأمثلته هناك، فاعتماد أحد شقي القرينة يحتاج إلى مزيد تأمل وإنعام نظر.
وأما تجاذب قرينتين مختلفتين، فمن صوره أن الراوي إذا اتفق مع الجماعة عن شيخهم على إسناد، ثم انفرد عنهم بإسناد آخر، فبعض النقاد يستدل بهذا على حفظ الراوي للإسناد الذي انفرد به عن الجماعة، وقد تقدم أيضا شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني.
ولكن قد يعارض هذا أن يعمل في المقام نفسه قرينة (الثبات والاضطراب) الماضي شرحها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فينظر لإتيان الراوي بإسنادين عن شيخه على أنه اضطراب منه وتردد، فيحكم عليه بالغلط فيما انفرد به.
стр. 765
ومن صوره أيضا أن يترجح أحد الوجهين بكون راويه ترك الجادة، ومن سلكها فقوله مرجوح، لأن ترك الجادة أشد وعورة على الراوي، مما يدل على حفظه للإسناد، واستحضاره له، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني.
وقد يعارض هذا أن يكون من ترك الجادة أتى بإسناد غريب مركب، فإن الأئمة كثيرا ما ينقدون شدة الغرابة في الإسناد، وأنه مركب لا يستقيم على صورته الظاهرة، كما تقدم شرحه في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثالث منه، فيترجح حينئذ قول من سلك الجادة.
وإعمال إحدى القرينتين في مثل هذا يحتاج كذلك إلى تأن، وإلى نظر في مرجحات أخرى.
واختم هذا المبحث بالتنبيه على ضرورة تأني الباحث حين يواجه تعارض القرائن في الاختلاف, خاصة إذا انضم إلى ذلك وقوفه على أقوال مختلفة للنقاد, ومن البدهي أن يقال للباحث إن الوصول إلى رأي راجح في كل اختلاف ليس ضربة لازب, فالذي تقتضيه أصول البحث العلمي أن الباحث قد يتوقف عن الترجيح, فلا يظهر له رأي راجح, وقد يكون هذا التوقف مستمرا, أو مؤقتا بحيث يظهر له فيما بعد إمكانية الترجيح, وقد تقدم قريبا في هذا المبحث أمثلة لذلك مما وقع للنقاد.
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه حرب بن إسماعيل, قال: «قلت (يعني لأحمد): فحديث ابن عباس حيث قال: وهن يمشين بنا هميسا, يختلفون في إسناده, بعضهم
стр. 766
يقول: عوف, عن زياد بن حصين، عن أبيه, وبعضهم يقول, زياد بن حصين, عن أبي العالية؟ قال: الناس يختلفون في إسناده, قلت: فأيهما أصح؟ قال: يختلفون في إسناده, ما أدري» (١).
وذكر الترمذي حديث عبدالله بن مسعود في (الاستنجاء بحجرين) الماضي في أول هذا المبحث، وما فيه من الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي, ثم قال بعد ذكر رأي البخاري فيه: «وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا فلم يقض فيه بشيء» (٢).
وذكر الترمذي أيضا حديث علي بن المبارك, عن يحيى بن أبي كثير, عن حية بن عابس, عن أبيه, قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا شيء في الهام … » الحديث, ثم قال: «سألت محمدا عن هذا الحديث, فقال: روى علي بن المبارك, وحرب بن شداد, عن يحيى بن أبي كثير, عن حية بن عابس التميمي, عن أبيه, قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، عن أبي هريرة, قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال: صاحب كتاب, وشيبان صاحب كتاب, ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء, كأن حديث علي بن المبارك أشبه, لما وافقه حرب بن شداد» (٣).
стр. 767
الفصل الرابع
الاختلاف عن المدار والحكم النهائي
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: المدار الأساس والطرق فوقه.
المبحث الثاني: الوجه الراجح والوجه المرجوح.
المبحث الثالث: الأوجه المحفوظة عن المدار.
المبحث الرابع: عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار.
стр. 768
المبحث الأول
المدار الأساس والطرق فوقه
إذا تصدى الباحث للنظر في اختلاف على راو في إسناده فمن المهم جدا أن يكون قد حدد مقصوده ومراده من هذا النظر، وإذا حدده فلا يتجاوزه، ولا يقصر دونه.
وتحديد غرض الباحث من النظر أمر بالغ الأهمية، سواء بالنسبة للباحث والجهد والوقت الذي يبذله، أو بالنسبة للبحث نفسه من حيث الاختصار والإطالة.
ولشرح هذا أجدني مضطرا إلى التذكير بما مر في الفصل الثاني من الباب الأول, وهو الفصل المتعلق بالمصطلحات التي تمر بالباحث في مقارنته للمرويات، وذلك في مصطلح (المدار)، فقد تقدم هناك أن الحديث له مدار أساس، وهو الراوي الذي ترجع إليه كافة طرق الحديث، وقد يكون هو الصحابي، وذلك إذا روى الحديث عن الصحابي اثنان أو أكثر، مثل أن يروي الحديث جابر بن عبدالله، ويرويه عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والمنذر بن مالك أبو نضرة العبدي.
وقد يكون التابعي هو المدار، في حال تفرد التابعي عن الصحابي، واشتهاره عن التابعي، مثل أن يروي الحديث عائشة، وعنها عمرة بنت عبدالرحمن، ويرويه عن عمرة: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعروة بن الزبير، والزهري.
وهكذا، قد يكون المدار نازلا، فيكون تابع التابعي، أو من دونه، فحديث
стр. 769
الأعمال بالنيات، حديث عمر المشهور، مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، وله عنه طرق تبلغ العشرات، وهو يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر.
ثم بعد ذلك قد يكون لبعض الطرق إلى المدار الأساس مدار خاص به، نازل عن المدار الأساس، فلو افترضنا حديثا يرويه عن جابر ثلاثة، أحدهم أبو الزبير المكي، ويرويه عن أبي الزبير المكي، مالك بن أنس، وله عن مالك طرق كثيرة، فيقال إن طريق أبي الزبير مداره على مالك بن أنس.
وفي الطريقين الآخرين عن جابر قد يكون لهما أو لأحدهما مدار خاص به، وقد يوجد في الطرق الثلاثة أو في بعضها مدارات أخرى نازلة.
وبالنسبة للاختلاف قد يوجد اختلاف في الحديث على مداره الأعلى الذي هو الصحابي مثلا، أو التابعي، فبعض الطرق ترفعه إلى رسول الله ﷺ ، وبعضها تقفه، ثم قد يوجد هذا الاختلاف على أحد المدارات النازلة، فيختلف الرواة عنه في رفع الحديث، ووقفه، وقد يكون الاختلاف عن المدار النازل من نوع آخر، فبعض الرواة يصل الحديث بذكر صحابيه، وبعضهم يرسله، أو غير ذلك.
وقد يكون الاختلاف ليس على المدار الأعلى، بل على الرواة عنه، أو على بعضهم، فإذا كان صحابي الحديث ابن عباس-مثلا-، ويرويه عنه عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، يكون طريق عكرمة قد جرى فيه عليه اختلاف، فبعض الرواة عنه يصله بذكر ابن عباس، وبعضهم يرسله، وكذلك طريق سعيد
стр. 770
بن جبير، ومجاهد، قد يكون فيهما اختلاف أيضا، وقد توجد اختلافات نازلة في شيء من الطرق إليهم.
وفي بعض الأحاديث تكثر الاختلافات، وتتعدد مداراتها، وربما كان بينها شيء من التداخل، بما يعسر فهمه والإلمام به, ويشتد ذلك إذا كان من الاختلافات ما هو بإبدال الصحابي بآخر, فتتداخل الأحاديث.
فإذا استحضرنا هذا أمكننا أن ندرك بسهولة سبب تكرار الكلام على الاختلاف في الحديث الواحد في كتب النقد ، سواء منها الكتب المخصصة للنقد، ككتب العلل، وكتب الرجال، أو كتب الرواية، وأن مَرَدَّ ذلك إلى كون الناقد قد يتكلم في مكان على اختلاف على مدار معين، ثم في المكان الآخر على اختلاف على مدار أعلى، أو مدار أدنى، فمن العسير في كثير من الأحاديث جمع النظر في اختلافات الحديث كلها في مكان واحد.
وأوسع من يتكلم على اختلافات متعددة في الحديث الواحد هو الدارقطني في «العلل»، لكونه ينطلق من راو عال, وهو التابعي أو الراوي عنه، ثم يتكلم عن الاختلافات النازلة، ومع هذا يضطر إلى تجزئة الاختلافات إذا روى الحديث تابعيان أو أكثر، وجرى عليهم اختلاف، وقد يفعل هذا دون التابعي أيضا.
وليس معنى هذا أنه لا يوجد أحد من النقاد أطال في اختلافات في حديث معين، فاستوعبها وقصد استيعابها، لكن المقصود أن الاقتصار على جزء من الاختلاف هو الغالب.
стр. 771
ويشبه هذا التأليف على الموضوعات، فالمؤلف يضع كتاب الطهارة -مثلا- في ضمن كتاب يشتمل على موضوعات متعددة، فيختصر في الأحاديث وفي الطرق، فإذا خصص هو أو غيره كتابا خاصا بالطهارة بسطه، فإذا خصص مسألة من مسائل الطهارة -كجلود الميتة، أو السواك، أو المسح على الخفين- بكتاب، زاد في بسطه واستوعب الطرق، وهكذا يقال في نقد الأحاديث.
وهذه منهجية علمية من أعلى ما يكون وأدقه، أعني مراعاة المؤلف للسياق الذي ترد فيه المسألة، أيا كان نوعها.
والملاحظ أيضا في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا يتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فمن فوقه، فيقل عندهم أن يبين الناقد درجة الإسناد، وبيان ما فيه من علة إن وجدت، نعم قد يوجد هذا عندهم، لكنه قليل بالنسبة لما أغفلوا النص عليه.
ويبرز هنا سؤال مهم بالنسبة للباحث، وهو: كيف يحدد الناظر في الاختلاف مداره الذي يكون هو الأساس عنده، فما فوقه من اختلاف يكون اختلافا عاليا، وما دونه يكون اختلافا نازلا، وما خرج عنه فهو خارج هذا الاختلاف؟ .
ولا شك أن هذا السؤال هام جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف, الخطوة الأولى في الجواب عنه هي في وروده في ذهن الناظر, ذلك أن بعض الباحثين ليس في ذهنه هذا السؤال أصلا, فأول خطواته في دراسة الاختلاف وضعها في الطريق المخطئة, فتتراكم عليه الأخطاء لاحقا.
стр. 772
وجواب السؤال: أما بالنسبة للناقد في عصر النقد، فهناك عدة عوامل تدخل في تحديد المدار، فقد يتحدد المدار بسؤال سائل عن مدار معين، هو موضع إشكال عند السائل، يريد أن يعرف رأي الناقد فيه، وهذا نراه في كتب العلل، والسؤالات، مثل «علل أحمد»، رواية عبدالله، ورواية المروذي، وغيرهما، و «سؤالات أبي داود لأحمد»، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين»، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، وغيرها.
وقد يكون الناقد يترجم في كتاب له لراو من الرواة، وقع عليه اختلاف في حديث معين، فيسوق الناقد هذا الاختلاف، أو يكون الراوي المترجم له قد خالف غيره في روايته لحديث عن شيخ له، فيسوق المؤلف هذا الاختلاف، وهذا نراه في تواريخ البخاري، وكتاب العقيلي، وابن عدي.
ويقع هذا لمؤلفي كتب الرواية، يسوق المؤلف حديثا بإسناد، ويكون قد وقع على بعض رواته اختلاف، فيتعرض له المؤلف، كالبخاري, ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم, ممن ألف على الموضوعات، أو على المسانيد، خاصة ما ألف على طريقة التعليل، مثل «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار».
ومن عوامل تحديد المدار عند النقاد كذلك أن يكون غرض الناقد من كتابه جمع الاختلافات الواردة على راو معين، في عموم حديثه، فيكون هو مداره، وغرضه منصب عليه، ومعرفة الراجح عنه، كما يفعل محمد بن يحيى الذهلي في كتابه «علل حديث الزهري»، وقد قال فيه الدارقطني: «من أحب أن ينظر ويعرف
стр. 773
قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى» (١)، ثم بعده النسائي، ثم ابن حبان، وكلاهما في حديث الزهري (٢)، وكما يفعل ابن المديني في «علل حديث ابن عيينة» (٣)، وابن حبان في «علل حديث مالك» (٤).
أما بالنسبة للباحث فالأمر كذلك، هناك غرض له من التعرض لاختلاف على راو معين، فقد يكون قصد إلى راو معين، فأراد دراسة الاختلافات الواردة على أحاديثه، وقد يخصص ذلك بكتاب معين، مثل ما ألف من رسائل في حديث الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وسفيان الثوري, الموجود منها في «علل الدارقطني».
وقد لا يقصر الباحث الدراسة على أحاديث الراوي التي اختلف عليه فيها، فيكون غرضه استقصاء حديث الراوي، فيذكر أيضا ما خالف فيه غيره، وما لم يقع فيه اختلاف أصلا، لكنه مضطر في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف إلى تحديد المدار، إما الراوي موضع البحث، أو شيخه، وهكذا.
وكأن يعمد إلى إمام فيجمع الأحاديث التي ذكر فيها اختلافا في كتاب له،
стр. 774
إما بإطلاق غير مقيد بنوع من الاختلاف، كما هو في رسائل بعض الباحثين والباحثات الذين تصدوا لما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، والترمذي في «السنن»، والبزار في «المسند»، والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «الحلية»، وغيرها.
أو بتقييد ذلك بنوع من الاختلاف، مثل ما خصص من رسائل لما ذكر فيه أبو داود اختلافا في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو في زيادة راو وحذفه، وغير ذلك.
ومثل هذا اشتغال بعض الباحثين في تحقيق كتب النقاد، مثل تحقيق كتاب «علل ابن أبي حاتم»، و «الكامل» لابن عدي، وغيرهما.
وقد يكون موضوع البحث ليس في أحاديث معللة، ولكن يمر بالباحث أحاديث من هذا النوع، وللباحث منهج في المصدر الذي يثبت منه نص الحديث بإسناده، فيجد المؤلف قد ساق اختلافا على راو، أو أشار إليه، أو وجد الباحث هذا الاختلاف في الطرق التي جمعها.
والباحث في جميع ما تقدم قد تحدد له المدار، إما لكونه موضوع بحثه، أو لأن الناقد قد قصر الاختلاف على هذا المدار، فيبقى الباحث معه، ويكون هو مداره، لا يتجاوزه إلا في حالات معينة، وفق ضوابط محددة.
وإذا كان الناقد قد ذكر مدارات متعددة للاختلاف، ولم يمكن إدراج الاختلافات تحت اختلاف واحد, فالباحث كذلك يتابعه, فيقسم الاختلاف
стр. 775
بحسب هذه المدارات.
واتضح مما تقدم أن تعيين مدار واحد في الحديث المعين يكون هو الأساس لكل من ينظر في الاختلاف الواقع فيه أمر غير ممكن، فتحديد المدار الأساس إذن أمر نسبي، فباحث يكون مداره في طبقة, وآخر يكون في طبقة نازلة عنه, وثالث في طبقة أعلى منهما، ورابع يكون عنده مدارات متعددة، وكل ذلك بحسب الباعث على دراسة هذا الحديث، وقد يحدد ذلك صفة ورود الحديث في كتب الرواية، وكتب النقد.
والمهم هنا التأكيد على ضرورة تحديد المدار الذي ينصب عليه جهد الباحث، ويكون هو عقدة بحثه في الحديث المعين، ومتى لم يلتزم بذلك فقد انفرط عقد بحثه منذ الوهلة الأولى، وكذلك إذا لم يحسن تفريق المدارات عند الحاجة، فتتداخل عليه وعلى قارئه الاختلافات.
وسأضرب بعض الأمثلة لذلك.
ساق أحد الأئمة بإسناده عن عبدالرزاق، قال: حدثنا النعمان بن
أبي شيبة الجندي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن تستخلفوا عليا -وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء».
ثم قال الإمام: «ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي ﵁».