← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويشبه هذا التأليف على الموضوعات، فالمؤلف يضع كتاب الطهارة -مثلا- في ضمن كتاب يشتمل على موضوعات متعددة، فيختصر في الأحاديث وفي الطرق، فإذا خصص هو أو غيره كتابا خاصا بالطهارة بسطه، فإذا خصص مسألة من مسائل الطهارة -كجلود الميتة، أو السواك، أو المسح على الخفين- بكتاب، زاد في بسطه واستوعب الطرق، وهكذا يقال في نقد الأحاديث. وهذه منهجية علمية من أعلى ما يكون وأدقه، أعني مراعاة المؤلف للسياق الذي ترد فيه المسألة، أيا كان نوعها. والملاحظ أيضا في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا يتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فمن فوقه، فيقل عندهم أن يبين الناقد درجة الإسناد، وبيان ما فيه من علة إن وجدت، نعم قد يوجد هذا عندهم، لكنه قليل بالنسبة لما أغفلوا النص عليه. ويبرز هنا سؤال مهم بالنسبة للباحث، وهو: كيف يحدد الناظر في الاختلاف مداره الذي يكون هو الأساس عنده، فما فوقه من اختلاف يكون اختلافا عاليا، وما دونه يكون اختلافا نازلا، وما خرج عنه فهو خارج هذا الاختلاف؟ . ولا شك أن هذا السؤال هام جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف, الخطوة الأولى في الجواب عنه هي في وروده في ذهن الناظر, ذلك أن بعض الباحثين ليس في ذهنه هذا السؤال أصلا, فأول خطواته في دراسة الاختلاف وضعها في الطريق المخطئة, فتتراكم عليه الأخطاء لاحقا.

стр. 772

وجواب السؤال: أما بالنسبة للناقد في عصر النقد، فهناك عدة عوامل تدخل في تحديد المدار، فقد يتحدد المدار بسؤال سائل عن مدار معين، هو موضع إشكال عند السائل، يريد أن يعرف رأي الناقد فيه، وهذا نراه في كتب العلل، والسؤالات، مثل «علل أحمد»، رواية عبدالله، ورواية المروذي، وغيرهما، و «سؤالات أبي داود لأحمد»، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين»، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، وغيرها. وقد يكون الناقد يترجم في كتاب له لراو من الرواة، وقع عليه اختلاف في حديث معين، فيسوق الناقد هذا الاختلاف، أو يكون الراوي المترجم له قد خالف غيره في روايته لحديث عن شيخ له، فيسوق المؤلف هذا الاختلاف، وهذا نراه في تواريخ البخاري، وكتاب العقيلي، وابن عدي. ويقع هذا لمؤلفي كتب الرواية، يسوق المؤلف حديثا بإسناد، ويكون قد وقع على بعض رواته اختلاف، فيتعرض له المؤلف، كالبخاري, ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم, ممن ألف على الموضوعات، أو على المسانيد، خاصة ما ألف على طريقة التعليل، مثل «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار». ومن عوامل تحديد المدار عند النقاد كذلك أن يكون غرض الناقد من كتابه جمع الاختلافات الواردة على راو معين، في عموم حديثه، فيكون هو مداره، وغرضه منصب عليه، ومعرفة الراجح عنه، كما يفعل محمد بن يحيى الذهلي في كتابه «علل حديث الزهري»، وقد قال فيه الدارقطني: «من أحب أن ينظر ويعرف

стр. 773

قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى» (١)، ثم بعده النسائي، ثم ابن حبان، وكلاهما في حديث الزهري (٢)، وكما يفعل ابن المديني في «علل حديث ابن عيينة» (٣)، وابن حبان في «علل حديث مالك» (٤). أما بالنسبة للباحث فالأمر كذلك، هناك غرض له من التعرض لاختلاف على راو معين، فقد يكون قصد إلى راو معين، فأراد دراسة الاختلافات الواردة على أحاديثه، وقد يخصص ذلك بكتاب معين، مثل ما ألف من رسائل في حديث الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وسفيان الثوري, الموجود منها في «علل الدارقطني». وقد لا يقصر الباحث الدراسة على أحاديث الراوي التي اختلف عليه فيها، فيكون غرضه استقصاء حديث الراوي، فيذكر أيضا ما خالف فيه غيره، وما لم يقع فيه اختلاف أصلا، لكنه مضطر في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف إلى تحديد المدار، إما الراوي موضع البحث، أو شيخه، وهكذا. وكأن يعمد إلى إمام فيجمع الأحاديث التي ذكر فيها اختلافا في كتاب له،

стр. 774

إما بإطلاق غير مقيد بنوع من الاختلاف، كما هو في رسائل بعض الباحثين والباحثات الذين تصدوا لما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، والترمذي في «السنن»، والبزار في «المسند»، والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «الحلية»، وغيرها. أو بتقييد ذلك بنوع من الاختلاف، مثل ما خصص من رسائل لما ذكر فيه أبو داود اختلافا في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو في زيادة راو وحذفه، وغير ذلك. ومثل هذا اشتغال بعض الباحثين في تحقيق كتب النقاد، مثل تحقيق كتاب «علل ابن أبي حاتم»، و «الكامل» لابن عدي، وغيرهما. وقد يكون موضوع البحث ليس في أحاديث معللة، ولكن يمر بالباحث أحاديث من هذا النوع، وللباحث منهج في المصدر الذي يثبت منه نص الحديث بإسناده، فيجد المؤلف قد ساق اختلافا على راو، أو أشار إليه، أو وجد الباحث هذا الاختلاف في الطرق التي جمعها. والباحث في جميع ما تقدم قد تحدد له المدار، إما لكونه موضوع بحثه، أو لأن الناقد قد قصر الاختلاف على هذا المدار، فيبقى الباحث معه، ويكون هو مداره، لا يتجاوزه إلا في حالات معينة، وفق ضوابط محددة. وإذا كان الناقد قد ذكر مدارات متعددة للاختلاف، ولم يمكن إدراج الاختلافات تحت اختلاف واحد, فالباحث كذلك يتابعه, فيقسم الاختلاف

стр. 775

بحسب هذه المدارات. واتضح مما تقدم أن تعيين مدار واحد في الحديث المعين يكون هو الأساس لكل من ينظر في الاختلاف الواقع فيه أمر غير ممكن، فتحديد المدار الأساس إذن أمر نسبي، فباحث يكون مداره في طبقة, وآخر يكون في طبقة نازلة عنه, وثالث في طبقة أعلى منهما، ورابع يكون عنده مدارات متعددة، وكل ذلك بحسب الباعث على دراسة هذا الحديث، وقد يحدد ذلك صفة ورود الحديث في كتب الرواية، وكتب النقد. والمهم هنا التأكيد على ضرورة تحديد المدار الذي ينصب عليه جهد الباحث، ويكون هو عقدة بحثه في الحديث المعين، ومتى لم يلتزم بذلك فقد انفرط عقد بحثه منذ الوهلة الأولى، وكذلك إذا لم يحسن تفريق المدارات عند الحاجة، فتتداخل عليه وعلى قارئه الاختلافات. وسأضرب بعض الأمثلة لذلك. ساق أحد الأئمة بإسناده عن عبدالرزاق، قال: حدثنا النعمان بن أبي شيبة الجندي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن تستخلفوا عليا -وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء». ثم قال الإمام: «ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي ﵁».

стр. 776

وظاهر أن غرض الإمام هو بيان الاختلاف على الثوري، فهو المدار الأساس إذن، وقد قام أحد الباحثين بدراسة هذا النص بعد أن نقله في كتابه، فأبعد النجعة جدا، وترك مدار الإمام، وبدأ باختلاف على مدار ليس في إسناد الإمام أصلا، وأطال في كلامه على الحديث، وتداخلت عليه المدارات، ولا يقف قارئه على معالجة المدار الأساس الذي قصده الإمام إلا بمشقة بالغة، فقال ما نصه: «هذا الحديث مداره على شريك القاضي، وأبي إسحاق السبيعي، واختلف على شريك القاضي على أوجه: الوجه الأول: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا. الوجه الثاني: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن حذيفة مرفوعا. الوجه الثالث: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، وأبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا. الوجه الرابع: ما روي عن شريك، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة مرفوعا. الوجه الخامس: ما روي عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، ومرة عن أبي اليقظان، عن حذيفة. واختلف على أبي إسحاق السبيعي على أوجه:

стр. 777

الوجه الأول: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا. الوجه الثاني: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي بن أبي طالب مرفوعا. الوجه الثالث: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا. الوجه الرابع: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن سلمان الفارسي مرفوعا. وسأبدأ بالاختلاف على شريك … ». وساق هذا الإمام حديثا من طريق أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، ومحمد بن يزيد الأسفاطي، عن إبراهيم بن يحيى بن هانئ، عن أبيه، عن موسى بن عقبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد قال: قال لي النبي ﷺ : «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته». ثم قال الإمام: «سقط من رواية الترمذي موسى بن عقبة». فالمدار الذي عقد الإمام الاختلاف عليه هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، فأبو إسماعيل الترمذي يسقط موسى بن عقبة من الإسناد، ومحمد بن يزيد يذكره، بل في تعبير الإمام بقوله: «سقط من رواية … » ما يشير إلى أنه ليس اختلافا في الرواية، وإنما هو سقط في الإسناد، ويدل على ذلك أنه جاء عن أبي إسماعيل الترمذي بذكر موسى بن عقبة.

стр. 778

وليس هذا هو المهم، فلو اعتبرناه اختلافا فالمدار -كما تقدم- هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ, والاختلاف في ذكر موسى بن عقبة، وحذفه، غير أن الباحث وهو يقوم بدراسة هذا النص عقد اختلافا جديدا لم يقصده الإمام، وفي الاختلاف الجديد ابتدأ بغير ما عند المؤلف، قال: «هذا الحديث مداره على قيس بن أبي حازم، واختلف عليه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قيس بن أبي حازم، عن النبي ﷺ مرسلا. الوجه الثاني: قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا. الوجه الثالث: قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر مرفوعا … ». وسئل إمام آخر عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه … » الحديث. فقال: «منهم من لا يقول في هذا الحديث: ابن عباس، ويرسله، والمرسل أصح، حدثنا ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، مرسل، إلا ما يرويه موسى بن أبي عائشة، فإنه يقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ». فالإمام تكلم على الاختلاف على سفيان بن عيينة وصلا وإرسالا، في روايته للحديث عن عمرو بن دينار، ورجح المرسل، ثم استدرك بأن الحديث يرويه موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير موصولا، فهناك اختلاف أدنى

стр. 779

على سفيان في طريق عمرو بن دينار، رجح فيه الإمام الإرسال، وهناك اختلاف أعلى على سعيد بن جبير، بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، ويظهر من استدارك الإمام أنه يرى الوصل محفوظا عن سعيد بن جبير. والباحث له أن يعقد الاختلاف على سفيان بن عيينة، ثم بعد الفراغ من دراسة الاختلاف عليه، وترجيح الإرسال، يرتقي إلى الاختلاف الأعلى بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة, وله أن يعقد الاختلاف على سعيد بن جبير, بين عمرو بن دينار , وموسى بن أبي عائشة, والاختلاف على سفيان بن عيينة في طريق عمرو بن دينار يعالجه على أنه اختلاف نازل عن المدار الأساس, ثم يرتقي إلى الاختلاف على المدار الأساس، وهو سعيد بن جبير, والمؤدى في الطريقتين واحد. فجاء أحد الباحثين لمعالجة هذا النص، وهو يحقق الكتاب، فسلك طريقة أخرى أبعدته عن سياق كلام الإمام، ومقصوده، قال الباحث: «روى هذا الحديث سفيان بن عيينة من طريقين، واختلف عنه في كلا الطريقين، الطريق الأول: روايته عن عمرو بن دينار، وقد اختلف عنه في هذا الطريق على وجهين». ثم ذكر الوجهين عن سفيان بن عيينة، بوصل الحديث وإرساله، ثم قال: «الطريق الثاني: روايته -يعني ابن عيينة- عن موسى بن أبي عائشة، وقد اختلف عنه على وجهين». ثم ذكر الوجهين عن سفيان بوصل الحديث وإرساله.

стр. 780

والباحث أخطأ حين ذكر اختلافا على سفيان بن عيينة في طريق موسى بن أبي عائشة، فقد رأى الباحث في «تفسير الطبري» عن محمد بن بشار، عن عبدالرحمن، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير مرسلا (١)، فظن سفيان هذا ابن عيينة، وإنما هو الثوري، وقد خلط بينهما غير مرة في تخريجه لهذا الحديث. فسفيان بن عيينة إذن ليس عليه اختلاف في روايته عن موسى بن أبي عائشة، لكن ليس هذا هو المهم هنا، فالمهم أنه لو كان سفيان هذا هو ابن عيينة وكان عليه اختلاف في طريق موسى بن أبي عائشة لم يكن للباحث أن يعقد عليه اختلافا في هذا الطريق، لأن الإمام لم يذكره، وإنما أشار إلى الاختلاف بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، وهذا لم يعرج عليه الباحث أصلا، فبقي في الاختلاف على سفيان من الطريقين في دراسة الاختلاف، ولم يحكمه أيضا، فإنه بعد أن توصل إلى أن الراجح عن سفيان في طريق عمرو هو الإرسال، والراجح في طريق موسى الوصل، عاد فنقض هذه النتيجة، فحمل سفيان عهدة التردد في الطريقين، قال: «وأخيرا يقال: لعل سفيان بن عيينة مرة ينشط فيرويه بالوصل، ومرة يعجز فيرسله … ». وقد قدمت آنفا أن سفيان بن عيينة لا اختلاف عليه أصلا في طريق موسى

стр. 781

بن أبي عائشة، وأن هذا من خطأ الباحث، ومع هذا فلم يحكمه، واشتغل به عن مقصود الإمام. وأول ما يبتدئ به الناظر في الاختلاف، بعد تحديد المدار وإتقان ذلك, أنه إذا كان الذي حدد له المدار أحد النقاد، على ما سبق شرحه آنفا، فهل الباحث يكتفي بالأوجه التي ذكرها الناقد فقط، ولا يزيد عليه، أو التزم أن ينظر في الأوجه كلها عن ذلك المدار؟ وهي قضية ليست سهلة، فالناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة، إما لاعتبار معين، كأن تكون الأشهر عن الراوي، أو لأن هذين الوجهين أو الثلاثة هي موضع السؤال الموجه للناقد، أو بملاحظة أمر دقيق في الاختلاف، أو لأنه قصد الموازنة بين روايين مختلفين على شيخ لهم، للاستدلال على حفظ هذا، أو ذاك، ونحو هذا، وإما لأن الناقد ذكر ما وقف عليه من الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى, وربما كان ما لم يذكره الناقد أشهر مما ذكره. فعلى الباحث أن يضبط منهجه، وأن يدرك حجم ما التزم به، ويختار المنهج الأنسب لبحثه. فإذا كان منهج الباحث الذي اختاره -لكونه الأنسب لبحثه- أن يقف مع ما ذكره الناقد فذاك، فيوازن بين الأوجه التي ذكرها الناقد، وينص على ذلك في النتيجة، فيقول مثلا: والأرجح من هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو حاتم -مثلا- هو كذا أو كذا، أو كلاهما محفوظ، ونحو ذلك.

стр. 782

أما إذا اختار الباحث أن يحرر الاختلاف كله عن ذلك الراوي فهو ملزم أولا بتقصي ذلك، واستيفاء البحث عن الأوجه، ثم بالنظر فيها كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره. وللباحث أن يقدم النظر في الأوجه التي ذكرها الناقد، ثم بعد تلخيص النتيجة يعود فيقول مثلا: ولكن للحديث أوجه أخرى عن فلان، ولم يذكرها الناقد، ثم يخرجها، وينظر فيها، ويقارن بينها وبين ما ذكره الناقد. والذي يسير عليه أكثر الباحثين إذا التزموا استيفاء الاختلاف هو دمج التخريج، ثم النظر في الأوجه كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره. مثال ذلك أن أبا داود ساق من طرق عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فليلق الشك، وليبن على اليقين … » الحديث. ثم ساقه من طرق أخرى عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلا (١). قام أحد الباحثين بتخريج هذين الوجهين، ثم قال: «وللحديث وجه آخر لم يذكره أبو داود، وهو الوجه الثالث: الموصول بذكر ابن عباس»، ثم خرج هذا الوجه، ووازن بين الأوجه الثلاثة جميعا (٢).

стр. 783

وساق أبو داود أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن الشريد بن سويد: «أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة … » الحديث. ثم قال أبو داود: «خالد بن عبدالله أرسله، لم يذكر الشريد» (١). فقام الباحث أيضا بتخريج هذين الوجهين عن محمد بن عمرو، ثم قال: «وللحديث وجهان آخران لم يذكرهما أبو داود»، فذكر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن محمد بن عمرو، عن عمرو بن أوس، عن رجل من الأنصار، ثم خرجهما، ووازن بين الأوجه الأربعة كلها (٢). وساق البزار بإسناده عن قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : أن لا أمر بقبر إلا سويته، وبمسح التماثيل». ثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه غير قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي ﵁، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس» (٣). فهذان وجهان من الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث

стр. 784

ذكرهما البزار, خرجتهما إحدى الباحثات، ثم ذكرت أن للحديث أوجها أخرى لم يذكرها البزار، وهي: حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن أبي وائل، بقصة علي مع أبي الهياج، وحبيب، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن علي. فهذه أربعة أوجه لم يذكرها البزار، فصارت الأوجه عند الباحثة ستة أوجه، خرجتها، ووازنت بينها جميعا. والوجهان الأولان من الأربعة التي لم يذكرها البزار هما أشهر الأوجه الستة وأقواها, والأول منهما في «صحيح مسلم» (١). وساق البزار أيضا من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة، أن عبدالله بن الزبير حدثه: «أن رجلا خاصم الزبير بن العوام في شراج الحرة … » الحديث. ثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، قال: «خاصمت رجلا من الأنصار في شراج الحرة … » ثم ذكره نحوه، ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن الزبير، عن النبي ﷺ » (٢). فهذان وجهان من الاختلاف على الزهري ذكرهما البزار، خرجتهما

стр. 785

الباحثة، وزادت عليهما ذكر وجهين آخرين، أحدهما: الزهري، عن عروة، عن أبيه الزبير، والثاني: الزهري, عن عروة بن الزبير مرسلا. والأول من الوجهين اللذين ذكرهما البزار في «الصحيحين»، لكن الوجهين اللذين تركهما قويان أيضا، وهما في «صحيح البخاري»، وخلصت الباحثة إلى أنهما أقوى الأوجه عن الزهري (١). وكذلك لو كان الباحث يتصدى هو للنظر في الاختلاف على راو, غير منطلق من كلام أحد النقاد, فيحدد منهجه هل يستوفي الأوجه كلها, أو يكتفي بأشهرها وأقواها؟ فبعض الأوجه يمكن الاستغناء عنها, كأن تكون شاذة جدا, من رواية المتروكين. والخلاصة أن الباحث إن أراد الوصول إلى نتيجة نهائية في الاختلاف عن المدار فلا بد من استيفاء الأوجه عنه وإن كثرت، وأي تقصير في ذلك يعود بالخلل على دراسة الاختلاف كله. وفي الوقت الراهن فإن سبيل الوصول إلى الحديث وأوجه الاختلاف على راويه قد تيسرت كثيرا، ولكن يبقى فهم الباحث وتأمله في حصر الأوجه واستقصائها بعد الوقوف عليها، وقد رأيت نقصا ظاهرا لدى كثير من الباحثين في هذا الجانب، ترى الواحد منهم يقف على طرق، يذكرها في المتابعات والشواهد، وهي في الحقيقة أوجه اختلاف على مداره.

стр. 786

وسأضرب لذلك مثالين، فقد سئل أحد النقاد عما رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أسيد بن حضير، قال: «بينما أنا في مشربة أقرأ سورة البقرة، إذ سمعت وجبة … » الحديث, ورواه سليمان بن المغيرة, عن ثابت, عن أسيد بن حضير, ولم يذكر أنسا, فقال الناقد: «سليمان أحفظ من حماد لحديث ثابت». تصدى أحد الباحثين لتخريج هذا النص, وذكر أنه لم يقف على الحديث من الطريقين لا من طريق حماد، ولا من طريق سليمان، ولا إشكال في ذلك، لكنه ذكر أن للحديث طرقا أخرى عن أسيد بن حضير، وذكر منها طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، ويرويه عن عبدالرحمن اثنان: قتادة، وثابت البناني، وعن ثابت يرويه حماد بن سلمة، وعن حماد جماعة من أصحابه الكبار. فطريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، من رواية ثابت عنه، هو جزء من الاختلاف على ثابت الذي ورد بعضه في السؤال وجوابه، وأصله اختلاف على حماد بن سلمة، فعن حماد وجهان، الوجه المذكور في السؤال، والوجه الذي يرويه عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، والأخير هذا أهم وجه في الاختلاف، ولم يتعرض له الباحث، مع أن في جواب الناقد إشكالا عالجه الباحث، وهو تقديم سليمان بن المغيرة على حماد بن سلمة, في ثابت، والمشهور عند النقاد -ومنهم الناقد صاحب الجواب- تقديم حماد على جميع أصحاب ثابت، فعدم ورود الوجه المشهور عن حماد لا في السؤال ولا في الجواب يجعل النص أكثر إشكالا، ويلزم عليه مزيد اعتناء بهذا الوجه، وإحضاره في دراسة الاختلاف.

стр. 787

وذكر باحث آخر في رسالة له ما رواه محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة». ثم ذكر الباحث في تخريجه للحديث أنه اختلف فيه على الزهري على وجهين، هذا أحدهما، والثاني: عن الزهري، عن عروة مرسلا: «أن جارية … »، ووازن الباحث بين الوجهين، ورجح الوجه الموصول. وبعد هذا الحديث مباشرة ذكر حديثا آخر، قال: «روى الإمام معمر في «جامعه»، عن الزهري، قال: «رأى النبي ﷺ جارية بها نظرة، فقال: استرقوا». وذكر في تخريجه أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري كرواية معمر، وأن عبدالرحمن بن إسحاق رواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ثم رجح الباحث وجه الزهري مرسلا. ثم بعد هذا بحديث، ذكر ما رواه الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ ، رأى في بيت أم سلمة زوج النبي ﷺ ، جارية بوجهها سفعة … » الحديث. وذكر في تخريجه أن ابن لهيعة رواه عن عقيل، عن الزهري، عن عروة مرسلا، فوازن بين الروايتين، وكأنه مال إلى ترجيح رواية الليث الموصولة، فإنه أحفظ من ابن لهيعة. هكذا صنع الباحث في هذا الحديث، جعله ثلاثة أحاديث، وكل واحد من

стр. 788

الثلاثة وصل فيه إلى نتيجة مستقلة، مع أن طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث أم سلمة، هو نفس طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث عائشة، وكذلك رواية عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، قد ذكرها الدارقطني في نقده لحديث أم سلمة، فأمام الباحث دلائل كون الحديث بأوجهه الأربعة, وهي جعله عن أم سلمة أو عائشة، أو من مرسل عروة، أو من مرسل الزهري - حديثا واحدا، ينظر فيه بين الأوجه مجتمعة، لكن الباحث لم يستفد من هذا، فوقع في التناقض. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جعل رواية عن المدار وجها من وجوه الاختلافات ليس بالمتيسر دائما، فقد يواجه الباحث روايات يتردد فيها هل هي من هذا الحديث, أو هي حديث آخر؟ كما يقع مثل هذا سواء بسواء في أصل الاختلاف هل هو موجود أو لا؟ وهي قضية سبق الحديث عنها في الفصل الأول من هذا الباب. فإذا فرغ الباحث من النظر في الاختلاف على المدار, فقد يكون غرضه انتهى هنا, فغرضه الوصول إلى نتيجة في الاختلاف نفسه, كما يفعل الأئمة النقاد، ويكتفون غالبا بالنظر في الاختلاف, يصدر الناقد حكمه عليه, ويسكت عن الإسناد من المدار فمن فوقه, لا يبين حاله. وقد يكون غرض الباحث أن ينظر في الإسناد بعد فراغه من الترجيح في الاختلاف عن المدار , فالباحث حينئذ بصدد مرحلة جديدة، ينتقل فيها من نظره في الاختلاف على المدار، إلى نظره في الإسناد ابتداء من المدار، فمن فوقه، ينظر في

стр. 789

الإسناد نفسه، وينظر في طرق الحديث الأخرى، كما فعل سواء بسواء في دراسته قبل المدار، فكأن الباحث بقصده الحكم على الإسناد كله عاد إلى نقطة البداية. وقد ذكرت قبل قليل في الحديث عن المدار الذي يعتمده الباحث في التخريج والدراسة، ويعقد عليه الاختلاف، أنه يواجه اختلافات نازلة عن المدار، إما على الرواة عن المدار، أو على من دونهم، وهذه الاختلافات وتناوله لها بالنظر والدراسة لن أتحدث عنها هنا، فمن المفترض أن يكون وهو يعالج الاختلاف الأساس عنده قد عالج هذه الاختلافات النازلة، وفرغ منها، إذ معالجتها والفراغ منها مرحلة مهمة في الوصول إلى نتيجة صحيحة في الاختلاف الأساس عنده، وقد مضى شرح هذا كله في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، في الكلام على القرائن في صفة الرواية، ومنها قرينة (الثبات والاضطراب) عند رواة الأوجه، فقد يستفيد الباحث من الاختلافات النازلة في الترجيح بكون أحد المختلفين على مداره الأساس قد جاء عنه اختلاف، فاضطرب، في مقابل ثبات الآخر. وكذلك تقدم الحديث عن الاختلافات النازلة في المبحث الثاني من الفصل الثالث من هذا الباب، في الكلام على تصفية رواة الأوجه عن المدار، فقد يعزل الباحث بعض الرواة لوجه ما، وذلك حين ينظر في اختلاف عليه نازل عن الاختلاف الأساس، فيبين أن روايته لذلك الوجه لا تصح، وأنها غلط عليه من بعض الرواة. وشرحت في المكانين ضرورة الاعتناء بالاختلافات النازلة، وبينت أثرها

стр. 790

على النظر في وتأثيرها على نظرة الاختلاف على المدار الأساس، والخلل الذي يقع من إغفال النظر في الاختلافات النازلة، وأشرت هناك إلى العنت الشديد الذي يلاقيه الباحثون، وكذلك المشرفون على رسائلهم في تناول الاختلافات النازلة، وصياغة النظر فيها مع النظر في الاختلاف الأساس. وأشير هنا إلى أن قواعد التعامل مع الاختلافات النازلة بعد وصول الباحث إلى نتيجة فيها، والارتقاء بهذه النتيجة إلى الاختلاف الأساس هي نفسها القواعد التي سأتحدث عنها بالنسبة للاختلاف على المدار الأساس عند الباحث، والاختلافات فوقه، فباب الاختلافات واحد، وكون الاختلاف نازلا، أو أساسا، أو عاليا، هو أمر نسبي، أي بالنسبة له وغرضه من البحث، وقد يكون ما هو نازل عند باحث أساسا عند باحث آخر، وما هو أساس عند باحث آخر نازلا عند آخر، وقد رأيت أن الأنسب في المكانين السابقين ترك الحديث عن كيفية تعامله مع الاختلاف النازل بعد وصوله إلى نتيجة فيه, لأنني سأتناول ذلك بالتفصيل هنا في هذا الفصل بالنسبة للاختلاف الأساس، وما فوقه، فلا يتشتت الموضوع، وما ينطبق على الاختلاف الأساس وما فوقه، ينطبق على الاختلاف النازل إن وجد عند الباحث. وقد يكون هناك تساؤل حول ضرورة النظر في المدار وما فوقه من طرق حين يقصد الباحث الحكم على الإسناد كله، وما قدمته آنفا من أن طريقة النقاد في الغالب هي التركيز على اختلاف على مدار معين، هو مجال نظرهم، وأنهم لا يحكمون في الأغلب على الإسناد بعد ذلك، ولا يعرجون على اختلافات عالية

стр. 791

فوق المدار الأساس، فلم نطالبه بما تركه الأولون؟ خاصة وأنكم تقولون بضرورة تجزئة مسائل العلم، فليس من المناسب أن يتعرض الباحث لكل شيء في كل مكان. وهذا التساؤل هام جدا، والجواب عنه بمثابة الاعتذار عما أطالب به الباحث هنا. وخلاصة الجواب أن الاختلاف إن كان ورد عنده في حديث ساقه في معرض الاستدلال به، كما يفعل الباحثون في كتبهم ورسائلهم المتعلقة بالحديث الموضوعي, فيجمع أحاديث موضوع معين، ويدرس هذه الأحاديث من جهة صحتها وضعفها، ثم من جهة الاستنباط منها - فهذا لا مناص له عن التعرض للإسناد بعد المدار، والنظر في الطرق العالية، وذلك لأن غرضه الوصول إلى الحكم النهائي على الحديث كله، ولا يمكنه ذلك إلا بالتعرض لما فوق المدار، وهذا عرف جرى عليه الباحثون في عصرنا, ألزمتهم به الأقسام العلمية في الجامعات، وأما النقاد الأولون فلا ينصون على أحكامهم على كل حديث بعينه، سواء كان في الإسناد اختلاف، أو لم يكن، استغناء بسوق الإسناد نفسه، أو اعتمادا على ما شرطه المؤلف على نفسه، في مقدمة كتابه، ونحو ذلك، وكذلك الاختلافات، قد يتعرض الإمام لاختلاف على مدار في باب من أبواب كتابه، ثم يتعرض لأعلى منه في مكان آخر. أما اليوم فالعرف قد اختلف، فالباحثون ألزموا أنفسهم بالنص على حكم كل حديث، سواء كان فيه اختلاف أو لم يكن، فهم مطالبون إذن بالنظر في

стр. 792

الاختلافات كلها إذا وجدت، ما كان أساسا، وما كان فوقه، لأن غرض الباحث إصدار حكم نهائي. وقد تقدم في آخر فصول «الاتصال والانقطاع» أنه لا يصح للباحث أن يكتفي في الحكم على الحديث، بالحكم على الإسناد الذي أمامه، وأنه مطالب بالنظر في القضايا الأخرى، فإن وجد اختلافا عالجه ونظر فيه، فيقول الباحث: هذا إسناد رجاله ثقات، وهو متصل، لكن وقع فيه اختلاف على فلان في وصل الحديث وإرساله على وجهين، ثم يتكلم على الاختلاف، فكذلك هنا، يقال له: إذا فرغت من اختلاف قُدِّر أن يكون هو الاختلاف الأساس عندك، وأردت أن تحكم على الإسناد بعد النظر في الاختلاف، يلزمك أن تنظر في الإسناد من المدار فمن فوقه، وكذلك في الطرق الأخرى. وقد أشرت هناك إلى أن موضوع البحث، وكونه ليس مختصا بالأحاديث المعللة, لا يعفي الباحث من النظر في الاختلاف، فإن الأمر دين، فهو سيصدر حكما على الحديث، والحكم عليه له خطوات لا يمكن الاستغناء عن بعضها بحجة نوع البحث وموضوعه. نعم طبيعة موضوع البحث تفرض منهجا معينا في كيفية عرض التخريج، وكيفية عرض الدراسة، وما يمكن الاستغناء عنه من أوجه الاختلاف، ونحو ذلك, يفارق هذا المنهج ما يطالب به من كان موضوعه خاصا بالنظر في أحاديث وقع فيها اختلاف, وذلك من حيث الاختصار والتطويل، وما يثبته كل منهما من معلومات، أما جوهر المسألة فلا يمكن التنازل عنه, والباحث الذي يفعل

стр. 793

ذلك يجني على نفسه قبل أن يجني على بحثه وعلى قارئه. والتساؤل السابق يبرز بصورة أكثر وضوحا في البحوث التي يخصصها أصحابها لدراسة الاختلافات، فغرض الباحث إذن النظر في اختلاف معين على راو بعينه، فما الذي يجعله يلتزم النظر في اختلاف أعلى، وقد عرفنا أن النقاد لم يلتزموا بذلك كله. والجواب أن الباحثين في مقدروهم أن يسعهم ما وسع الأولين، فينصب جهد الباحث على دراسة اختلاف على مدار محدد، سيقوم -ولا بد- من أجل الوصول إلى نتيجة دقيقة فيه بدراسة الاختلافات النازلة عنه, أما ما فوقه فلا علاقة له به إلا من حيث تأثير المتابعات للمدار ومن فوقه على نتيجة النظر في الاختلاف عن المدار، كما سبق شرحه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، أما ما عدا ذلك فيدعه ويسكت عنه، فيكفيه أن يقول فيما إذا كان الاختلاف -مثلا- على أبي عوانة: والراجح هو الوجه الأول، أو الوجه الثاني، أو الوجهان محفوظان عن أبي عوانة، وتكون نتيجة بحثه معلومة يقدمها لباحث آخر يحتاج إليها. غير أن الباحثين ألزموا أنفسهم, أو ألزمهم غيرهم كالأقسام العلمية في الجامعات، بما أثقل كاهلهم، وأدى إلى تضخيم حجم بحوثهم أحيانا، ألا وهو إعطاء القارئ نتيجة نهائية لدرجة الحديث كله، فهذا الالتزام يظنه البعض سهلا، فيكتبه في مقدمة بحثه، ويلزم نفسه بهذا الشرط، فإذا جاء إلى التطبيق العملي ضاق به ذرعا، إذ قد يكون ما أضافه زيادة على النظر في مداره الأساس

стр. 794

يفوق من حيث الحاجة إلى الوقت والجهد والحيز ما يحتاج إليه النظر في مداره الأساس. ومما يزيد ما تقدم وضوحا أن الباحث يلزم نفسه أو يلزمه غيره بأمر آخر، خارج الاختلاف أصلا، هو ضروري للوصول إلى درجة نهائية للحديث، وهو النظر في المتابعات والشواهد، فيكتب الباحث هذا الشرط، غير مدرك لعواقبه، ولهذا قل من يفي به، إذ معناه أن الباحث إذا فرغ تماما من الاختلافات الواردة في إسناده ذهب يحضر متابعات الإسناد، وقد يكون في بعض هذه المتابعات اختلافات أيضا، وربما كانت فوق ما عنده من حيث الوعورة والدقة، فهو بين خيارين، إما أن يذهب فيتتبعها، ويشرحها، ويعمل نظره فيها، فيطيل جدا في الحديث، ويخرج عن مقصوده، وإما أن يمر عليها سريعا غير محكم لها، وهذه أعظم. مثال ذلك أن يكون عند الباحث إسناد مرجعه إلى أبي صالح، عن أبي هريرة، وقد اختلف على أبي صالح، أو على من دونه في وصل الحديث، وإرساله، ثم يحضر الباحث متابعات لهذا الإسناد عن أبي هريرة، كأن يروى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فيجد الباحث اختلافا على محمد بن عمرو، على وجهين كذلك، أو أكثر، وهكذا في سلسلة لا تنقطع أحيانا. وقل مثل ذلك -أو زد عليه- في الشواهد. والخلاصة أن الباحث حين يقصد الحكم على الحديث كله فإنه ملزم بتتبع الطرق فوق مداره, وإن وجد فيها اختلافا لزمه النظر فيه.

стр. 795

وأول ما يضبطه الباحث هنا ويتقنه ما اصطلح الباحثون على تسميته بـ (رفع المدار)، ومعناه أنني إذا كنت بصدد النظر في اختلاف على راو معين، حدده لي إمام أنظر في كلامه، ثم وجدت أن الاختلاف ليس عليه فقط، وإنما هو على شيخه، أو على شيخ شيخه، وهكذا من فوقه، فمما يسهل علي معالجة الاختلافات هذه كلها أن أعمل النظر في فائدة إمكانية ترك الاختلاف على مدار الناقد, وعقد الاختلاف على راو أعلى منه, فيكون الاختلاف على مدار الناقد اختلافا نازلا بالنسبة لي، أعالجه في أثناء معالجة الاختلاف على المدار الأعلى. ورفع المدار يستفاد منه حين يمكن تطبيقه الاختصار، والبعد عن التشتيت ما أمكن، إذ لو لم يرفع الباحث المدار للزمه بعد أن يفرغ من النظر في الاختلاف على المدار الأول، ويصل إلى نتيجة، أن يستدرك فيقول: ولكن قد وقع اختلاف على فلان، أو فلان (أحد الرواة فوق المدار)، ثم يبدأ بعرض اختلاف جديد، وأوجه جديدة. وقيدت رفع المدار في كلامي السابق بشيئين، أن يكون هناك فائدة من رفع المدار، وأعني بذلك أن يقف الباحث على أوجه أخرى عن المدار الأعلى ولكنها لا تمر بالمدار الأدنى، فهي من طريق رواة آخرين. مثال ذلك ما إذا كانت الأوجه التي وقف عليها الباحث عن المدار الأعلى هي نفسها التي كانت على المدار الأدنى، فله أيضا أن يرفع المدار، ولكن لا فائدة منه، فالأحسن بقاؤه مع مدار الناقد، ويجعل الاختلاف عن المدار الأعلى بمثابة متابعات للأوجه عن المدار الأدنى.

стр. 796

ويزول الاختيار بالنسبة للباحث إذا كان الناقد هو الذي رفع المدار، فذكر أولا اختلافا على راو معين، كالرفع والوقف، ثم ذكر هذا الاختلاف بعينه أو زاد عليه على راو أعلى منه، فهو ملزم حينئذ بمتابعة الناقد، واعتماد المدار الأعلى، ولا يقول في حال كون الناقد لم يزد شيئا على ما ذكره من الاختلاف على المدار الأدنى: لا فائدة من رفع المدار, فعدم وجود الفائدة لا يلتفت إليه في مقابل متابعة الناقد في تصويره للاختلاف. وأما القيد الثاني -وهو أن يمكن رفع المدار- فالمقصود به الاحتراز عن حالات لا يمكن معها رفع المدار، فالباحث الذي اختار موضوع بحثه الأحاديث التي اختلف فيها على راو معين، كالزهري، أو قتادة، أو الأعمش، أو سعيد بن أبي عروبة، المدار عنده في الأحاديث كلها على هذا الراوي، لا يستطيع أن يرفع مداره فوقه، وإن وجد اختلافا على شيخه أو من فوقه. وكذلك إذا كان الباحث لم يتقيد براو معين كغالب البحوث، ولكن رفع المدار يؤدي إلى إلغاء بعض الأوجه عن المدار الأدنى، لكونها لا تمر على المدار الأعلى، فبينهما اشتراك في بعض الأوجه، ففي هذه الحالة يبقى الباحث في هذه المرحلة على مداره لا يتجاوزه. فإذا قام برفع مدار الاختلاف وهو لا يمكنه ذلك اضطرب في عرضه للاختلاف وفي دراسته. فمن ذلك أن إماما سئل عن حديث رواه مروان الفزاري، عن سَعَّاد الكوفي، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: «اختلفنا

стр. 797

في الشجرة التي اجتثت من الأرض، قال بعضنا: هي الكمأ، فخرج علينا رسول الله ﷺ » الحديث … , فقال الإمام: «إنما هو: جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ». فمدار الاختلاف في السؤال والجواب جعفر بن إياس، يروى الحديث عنه على وجهين، أحدهما الذي في السؤال، والآخر الذي في الجواب، فجاء أحد الباحثين وهو يحقق هذا النص ويخرجه، فترك مدار الإمام، وارتقى إلى شهر بن حوشب، وعقد عليه الاختلاف، فأدى عمله هذا إلى إخراج الوجه الأول، إذ هو لا يمر بشهر بن حوشب. وليته حين رفع المدار إلى شهر بن حوشب أتقن عرض الأوجه عنه، بذكر صفة كل وجه جاء عن شهر، ومن رواه عنه، ولكنه عوضا عن ذلك أخطأ أيضا في استخدام مصطلح (الوجه) الذي هو في باب الاختلاف يقصد به صفة في الرواية جاءت عن المدار، فاستخدمه بمعنى الطريق، فذكر الطرق عن شهر بن حوشب، وسماها أوجها، ثم في كل طريق ذكر الاختلافات على راوي ذلك الطريق، عن شهر بن حوشب، والاختلافات على من دونه أيضا، وبعض أجه الاختلافات هذه لا تمر بشهر أصلا، وهذا اضطراب ليس وراءه اضطراب، وصار مراد الإمام نقطة في بحر في خضم هذه الاختلافات، وطريقة عرضها، وقد استغرق عنده بضع عشرة صفحة، في حين أنه كان يمكنه أن يتناول الاختلاف الذي قصده الإمام بالتخريج والدراسة في صفحتين أو أقل من ذلك. والملاحظ أن الباحث لم يبخل على الحديث بجهد ولا وقت، غير أنه أخطأ

стр. 798

في الخطوتين الأوليين، وهما تحديد المدار، وإمكانية رفعه من عدمها، وهما أهم خطوتين في تناول أي اختلاف، إذا لم يتقنهما الباحث تراكمت الأخطاء في عمله، وشق على نفسه، وعلى قارئه. والخلاصة أن رفع المدار إنما يكون حيث لا يؤدي رفعه إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأساس، ولهذا فإنه في حال كون الناقد صاحب النص هو الذي ذكر مدارين، أدنى وأعلى، واعتماد المدار الأعلى يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأدنى، فالباحث ملزم بأن يقسم الاختلاف على المدارين, فيذكر الأوجه عن المدار الأدنى, ويخرجها كلها، ثم ينتقل إلى الأعلى كذلك، والقاعدة مطردة في ذلك، فمهما ذكر الناقد من المدارات، واعتماد بعضها يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن غيره، فلا بد من توزيع التخريج على المدارات كلها. مثال ذلك قول الترمذي: «حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: «سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا منها … » الحديث. وروى الحجاج بن أرطاة، عن عبدالله بن عبدالله الرازي هذا الحديث، فقال: عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، وحديث الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أصح. وقال حماد بن سلمة، عن حجاج، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير، فخالف حماد بن سلمة أصحاب الحجاج، وأخطأ فيه.

стр. 799

وروى عبيدة الضبي هذا الحديث عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة، عن النبي ﷺ ، وذو الغرة لا يدرى من هو؟ وحديث الأعمش أصح» (١). فذكر الترمذي اختلافا على عبدالله بن عبدالله الرازي في تسمية صحابي الحديث، بين الأعمش، وحجاج بن أرطاة، وعبيدة الضبي، وذكر أيضا اختلافا على الحجاج بن أرطاة في تسمية شيخه، فقيل عنه عن عبدالله بن عبدالله، وقيل عنه عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى. فإذا جعلنا المدار عبدالله بن عبدالله لم ينتظم هذا أحد الوجهين عن الحجاج، فأحد الوجهين فيه تسمية شيخه عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، ولو جعلنا المدار الحجاج بن أرطاة لم ينتظم هذا الاختلاف الأكبر على عبدالله بن عبدالله في تسمية الصحابي، والمخرج من هذا كله أن نجعل للاختلاف مدارين، فنقول: هذا الحديث يرويه الحجاج بن أرطاة، وعبدالله بن عبدالله، وقد اختلف على كل منها، أما الحجاج فاختلف عنه على وجهين، ثم يذكران ويخرجان، ثم عبدالله بن عبدالله كذلك، ويكون أحد الأوجه على عبدالله قد تقدم في الاختلاف على الحجاج فيذكر ولا يعاد تخريجه (٢). وتمر بالباحث حالات يكون الاختيار له فيها في رفع المدار، أو اعتماد مدارين، حسب منهجه الذي التزمه في بحثه في مثل هذه الحالات، منها أن يذكر

стр. 800

الناقد اختلافا على مدار، ثم يذكر اختلافا آخر مغايرا له على مدار أعلى منه، ولكن يمكن إدراج أحد الاختلافين في الآخر، ويعقد الاختلاف على المدار الأعلى، كما يمكن فصلهما. مثال ذلك قول البزار: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد: «أنه صلى، فنهض في الركعتين، فسبح الناس به، فمضى في صلاته ولم يجلس، ثم قال حين انصرف: أتروني كنت أجلس؟ إنما صنعت كما رأيت رسول الله ﷺ صنع»، وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفا، ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة» (١). فقد ذكر البزار أولا الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد في رفع الحديث ووقفه، ثم ذكر الاختلاف على قيس بن أبي حازم في جعله عن سعد بن أبي وقاص، أو المغيرة بن شعبة. فالباحث يمكنه في هذا النص أن يرفع المدار إلى قيس، ويجعل الاختلاف عليه على ثلاثة أوجه، قيس، عن سعد مرفوعا، وقيس، عن سعد موقوفا، وقيس، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا. ويمكنه أيضا -في حال رفعه للمدار- أن يجعل الاختلاف على وجهين: قيس، عن سعد بن أبي وقاص، وقيس، عن المغيرة بن شعبة، وفي الوجه الأول

стр. 801

منهما يتعرض للاختلاف الواقع فيه على إسماعيل بن أبي خالد رفعا ووقفا، ويعالجه، وذلك في حال احتياجه إلى ذلك للترجيح، أو يؤخر النظر فيه بعد الفراغ من دراسة الاختلاف الأعلى، وذلك في حال كون الحديث عن سعد هو الراجح. وللباحث أن يعتمد مدارين، فيعقد أولا اختلافا على إسماعيل بن أبي خالد، في رفع الحديث ووقفه، ثم يعقد اختلافا على قيس في إبدال الصحابي، ويوزع التخريج عليهما، ويعالجهما واحدا بعد الآخر. وغير خاف أن الأمور التي تحدثت عنها هنا في هذا الباب -مثل تحديد المدار، واستيفاء الأوجه عنه، ورفع المدار والقضايا المتعلقة به- لا تؤخذ بالدراسة النظرية فقط، فعمدتها التطبيق العملي، والممارسة الطويلة، ويواجه الباحث من القضايا في حديث غير ما واجهه في الحديث الذي قبله. وأيضا فدراستها النظرية مستوفاة لا يتسع لها المقام هنا، فهناك أمور أخرى كثيرة، تتعلق بتنظيم وترتيب وتخريج الاختلاف، وكذلك دراسته، أسأل الله تعالى أن ييسر لي كتابة دراسة مستقلة لاحقة، أشرح فيها تنوع النص الذي أمام الباحث، والخيارات التي يمكن للباحث أن يسلكها في تخريج كل نوع، ودراسته، موضحا طرق الباحثين في التخريج والدراسة، وما هو الأنسب منها لكل نوع؟ وكذلك قضايا المدار، ودرجاته، وكيفية التعامل مع كل درجة في التخريج والدراسة، والسبل المتوافرة لاختصار التخريج، ودمج بعض الأوجه ببعضها الآخر، وغير ذلك.

стр. 802

وقد ألجأتني الضرورة للحديث في هذا المبحث عن قضايا المدار, للحاجة إليها في شرح قضية المبحث الأساس, وهي أن الباحث إذا كان قصده وفي منهجه أن يصدر حكما على الحديث كله، ولا يكتفي بنتيجة النظر في الاختلاف الذي استقر على مدار فيه، فإنه يلزمه أن ينظر في الإسناد، ابتداء من المدار نفسه، فمن فوقه، من جهة درجات الرواة، وسماع بعضهم من بعض، ومن جهة النظر في الطرق الأخرى الموازية للمدار، ومن فوقه، إلى صحابي الحديث، هل فيها مخالفة للنتيجة التي انتهى إليها النظر في الاختلاف عن المدار أو لا؟ وإن كان هناك مخالفة أنشأ الباحث نظرا في اختلاف جديد، وهكذا أبدا حتى يصل إلى الصحابي، ولا يستثنى من ذلك شيء، اللهم إلا في حال كون الاختلاف الذي فرغ منه كان مداره الصحابي نفسه، كأن يختلف عليه في الرفع والوقف، أو يكون الاختلاف في متن الحديث، ففي هذه الحالة لم يبق إسناد ينظر فيه، ولا طرق أخرى للحديث. وتحت الجملة السابقة تفاصيل، وقضايا فرعية مهمة، وقد رأيت أن أقسم الحديث عنها بحسب النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف على مداره الأساس، وهي في -الجملة- لا تخلو من ثلاثة أحوال، سأتناول كل حال منها في مبحث خاص. * * *

стр. 803

المبحث الثاني الوجه الراجح والوجه المرجوح يمكن القول إن هذا هو الغالب في الاختلافات، يترجح وجه واحد، ويسقط ما عداه من الأوجه، وملاحظة هذا في كتب النقد أمر سهل، فالأقل فيها يذهب الناقد إلى صحة وجهين أو أكثر عن المدار، أو يضعفها جميعا عن المدار. فإذا وقع هذا للباحث، وترجح عنده أحد الأوجه فعليه أن يحسن التعامل مع الوجه المرجوح، ومع الوجه الراجح. أما الوجه المرجوح فالحديث عنه يتضمن عددا من الأمور، تعين على حسن التعامل مع هذا الوجه، وهي: ١ - إذا اعتمد الباحث كون هذا الوجه مرجوحا ضم هذه النتيجة إلى النقد الذي حرره في إسناد هذا الوجه إلى المدار, من حيث عدالة رواته وضبطهم وسماع بعضهم من بعض، وهي الشروط الثلاثة من شروط صحة الحديث، فإذا كان هناك خلل في هذه الشروط أو في بعضها ضم إليه كون الوجه لم يصح عن المدار أصلا، فقد خولف راويه، وترجح قول مخالفه، فلم يتحقق شرط عدم العلة، وصار معلولا، وازداد بذلك ضعفا, اللهم إلا إذا كان الأصل منكرا, ثم رفعت العلة شيئا من نكارته, فمن هذه الجهة اكتسب قوة مع بقاء ضعفه، على ما تقدم شرحه في الفصل الأول من الباب الثاني. وأمثلة نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار , وبالمخالفة، كثيرة جدا، تقدم

стр. 804

شيء منها في الفصول السابقة, فقد يكون الترجيح مبنيا على حال رواة الوجه الراجح ورواة الوجه المرجوح. ومن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي يرويه محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث، فمحمد بن فضيل ثقة معروف، ولكن في روايته عن الأعمش كلام يسير، وبعد النظر في الطرق الأخرى تبين أنه قد غلط على الأعمش، وأن الأعمش لا يرويه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وإنما يرويه عن مجاهد مرسلا، قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا … » الحديث، هكذا رواه الجماعة من أصحاب الأعمش. فنقول عن إسناد حديث أبي هريرة: فيه محمد بن فضيل، وفي روايته عن الأعمش كلام يسير لبعض النقاد، وقد خالفه الجماعة من أصحاب الأعمش، فحديثه معلول. ومثاله أيضا ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه بقية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي ﷺ كان يحتجم وهو صائم». فقالا: هو سعيد بن عبدالجبار، عن أبي جزي، عن هشام، والحديث حديث هشام، عن أبيه: «أنه كان يحتجم وهو صائم»، وأبو جزي ضعيف الحديث» (١).

стр. 805

فنلاحظ أن أبا حاتم، وأبا زرعة، نقدا إسناد حديث عائشة بتدليس بقية بن الوليد، فقد ارتكب هنا تدليس التسوية، فأسقط شيخ شيخه أبا جزي نصر بن طريف, ودلس أيضا تدليس الشيوخ, فسعيد بن أبي سعيد هو سعيد بن عبدالجبار, وهو مشهور بالضعف, وذكرا أن نصر بن طريف ضعيف الحديث، ومرادهما الضعف المطلق، وإلا فهو دون ذلك, فقد رمي بوضع الحديث، وقد قال فيه أبو حاتم مرة: «متروك الحديث» (١). فهذا النقد في الإسناد نفسه إلى هشام بن عروة، ونقداه أيضا بأن الصواب عن هشام، عن أبيه من فعله، ليس فيه عائشة، ولا النبي ﷺ ، فهذا نقد بالمخالفة (٢). وإن لم يكن هناك خلل في الشروط الثلاثة الأولى، فالرواة إلى المدار عدول ضابطون، والإسناد متصل، ثم تبين بعد جمع الطرق أن أحد رواة الإسناد قد خولف في الرواية عن شيخه، وبعد النظر في الاختلاف ترجح ما رواه الغير، وصار ما رواه مرجوحا، فيكون حينئذ قد اختل شرط عدم العلة، وضعف الإسناد من هذه الجهة، وصار معلولا، فيقول الباحث في نقده: إسناد الحديث إلى فلان رواته ثقات، وهو متصل، ولكن خولف فلان، ثم يذكر المخالفة، وأن الإسناد معلول.

стр. 806

ومثاله الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة». فسفيان بن عيينة من كبار أصحاب الزهري، والرواة عن سفيان ثقات، ولكن بعد جمع الطرق تبين أن سفيان خولف في هذا الحديث، خالفه الجماعة، فرووه عن الزهري مرسلا، فصار حديث ابن عمر معلولا، وعلته أن الصواب فيه الإرسال. وهكذا لو كان الوجه الراجح والوجه المرجوح تامين، كأن يكون الاختلاف في تسمية الصحابي، فالوجه الراجح يكون علة مؤثرة للوجه المرجوح, ويصير الوجه المرجوح معلولا، فلا يصح الحديث إلا عن أحد الصحابيين. أما إذا كان الوجه الراجح هو التام, والوجه المرجوح هو الناقص, كأن يترجح الرفع على الوقف، أو الوصل على الإرسال، فيبقى الوجه التام على تمامه، ولا يؤثر فيه وجود الناقص، ويقال في مثل هذا الإسناد: له علة، لكنها غير مؤثرة. ومثاله الحديث الماضي أيضا في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ شرب لبنا، ثم تمضمض، وقال: إن له دسما»، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وبلفظ الأمر بدون قصة (١).

стр. 807

فرواية عبدالله بن أبي بكر هذه لم تؤثر شيئا في رواية الجماعة، ويكون عبدالله أو من دونه قد قصر بهذا الحديث بعدم ذكر ابن عباس. وكل ما تقدم يتم تطبيقه سواء بسواء لو كان الراجح وجها واحدا في مقابل عدد من الأوجه كلها مرجوحة، فإنه يقضي عليها على النسق السابق، في صور لا تنتهي أبدا، لولا خشية الإطالة لضربت لبعضها أمثلة. ٢ - معنى كون الوجه مرجوحا عن المدار أنه لم يصح عنه، فلم يحدث به هكذا ، ومقتضى هذا أن الباحث في نقد الوجه المرجوح يكتفي بنقده إلى المدار، ولا ينقده بالمدار -لو كان محل نقد- ولا بمن فوق المدار، إذ كيف ينقده بهم، أو بسماع بعضهم من بعض، والإسناد لم يصح إليهم؟ . هذا أصل المسألة بلا تردد، غير أن الكلام في حال الإسناد بعد المدار للوجه المرجوح قد احتاج إليه الباحث أثناء نظره في الاختلاف قبل المدار, وهذه مسألة دقيقة جدا, فقد يكون الناظر في الاختلاف قد استفاد من حال الإسناد بعد المدار أثناء دراسته للاختلاف, واستخدمه في الترجيح, فيكون فيه ما يدل على غلط راوي هذا الوجه, وقد تقدم شرح هذا مفصلا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. وأما ما عدا ذلك فلا كلام للناظر في الاختلاف فيه, لأنه -كما تقدم- لم يصح عن المدار, فكأنه لا وجود له, غير أن الباحث قد يحتاج أن ينبه على تقارب وجهين في حال الإسناد بعد المدار, الراجح والمرجوح, كما إذا اختلف على راو على وجهين, إرسال الحديث, ووصله, ويكون الموصول منقطعا أيضا.

стр. 808

مثال ذلك ما روي من طريق إسرائيل بن يونس, عن أبي إسحاق, عن مسروق, عن بلال, قال: «كان عندي تمر للنبي ﷺ , فأصبت به أجود منه صاعا بصاعين … » الحديث (١). وروي هذا الحديث عن مسروق: «أن بلالا … » بالقصة. والراجح هو المرسل (٢) , غير أن الموصول منقطع أيضا في موضعين, فأبو إسحاق لم يسمع من مسروق, كما قال البرديجي, ومسروق لم يسمع من بلال, كما هو ظاهر من ترجمته, فالباحث ينبه على هذا. ويوجد في كتب التخريج, وكتب الفقه, الكلام في إسناد الوجه المرجوح بعد المدار لبيان ضعفه, غير أن هذا لا يدخل في النظر في الاختلاف, وإنما هو من باب التنزل في نقد الدليل, فكأنه يقول: على فرض صحة هذا الوجه المرجوح عن المدار ففيه أن فلانا لم يسمع من فلان, ونحو ذلك, كما يفعلون هذا في متن الحديث الضعيف, كأن يقول بعضهم: وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول على كذا وكذا. والذي ينبغي التأكيد عليه في قضية حال الإسناد المرجوح بعد المدار هو أن يكون الباحث شديد التيقظ، فيميز ما في الإسناد من أمور يمكن الاستفادة منها في الترجيح فهذه يسخرها للنظر في الاختلاف, وما لا يدخل في النظر في الاختلاف, فيدعه.

стр. 809

وغلط الباحثين في هذه القضية من المسائل الدقيقة في نقد الأسانيد, فالباحث يخطئ إذا جعل ما في الإسناد من نقص بعد المدار دليلا على رجحان الوجه المقابل, وليس في هذا النقص دليل على غلط راوي هذا الوجه, أو فسر بهذا كلام إمام من أئمة النقد, كأن يقول بعد نقله عن الإمام ترجيحه للوجه المقابل: وإنما فعل هذا لكون هذا الوجه منقطعا, أو فيه فلان وهو ضعيف, ونحو ذلك, مما لا يدخل في قرائن الترجيح، وهو أيضا يرتكب جناية على المدار المختلف عليه، أو على من فوقه, فينسب إليه تدليسا, أو إرسالا, أو رواية عن الضعفاء, وهو لم يفعل ذلك, إذ هذا الوجه لم يصح إليه أصلا، كما يرتكب جناية في حق الناقد حين فسر كلامه بما لا يحتمله ولا يريده الناقد، وقد تقدم زيادة تفصيل لهذا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. وبكل حال فنقد الوجه المرجوح بالمدار ومن فوقه ينبغي للباحث أن يتأنى فيه، فلا يعرج عليه مع ظهور الضعف للوجه عن المدار، وتضمن النقد لأمر فيه غمز لأحد رواة الإسناد، كرميه بالتدليس، أو الاختلاط، وتحميله بذلك عهدة ضعف الإسناد. وفي نقد الوجه المرجوح بهذه الطريقة تظهر إحدى العواقب الوخيمة لترك منهج النقاد في المقارنة والموازنة حين الاختلاف، فمن لا يسير على منهجهم يتعلق براو والإسناد لم يصح إليه أصلا، من جهة كونه معلولا بالمخالفة، فيجمع بين الضعف في النقد، وبين تحميل الرواة أخطاء غيرهم. مثال ذلك أن أحد النقاد ذكر الاختلاف على قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن

стр. 810

سمرة بن جندب مرفوعا في من ترك الجمعة متعمدا، أو عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، مرسلا، ليس فيه سمرة بن جندب، ثم قال في نقده: «فيه علتان، تدليس قتادة، والانقطاع بين الحسن، وسمرة، فإنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة». كذا صنع الباحث، أغفل غرض الناقد الذي يعلق على كلامه، وذهب يضعف الإسناد بالمدار ومن فوقه، ولم يقم بإتمام عمل الناقد، والنظر في صحة هذا الوجه الذي ذكره عن المدار، ولو نظر فيه لتبين له أنه ليس بحاجة إلى نقده بتدليس قتادة، ولا بسماع الحسن من سمرة، فإن هذا الوجه لا يصح عن قتادة أصلا، كما سبق بيان ذلك من كلام النقاد، حيث تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. والباحث نظر على عجل في الإسناد قبل قتادة، فوجد أنه من رواية نوح بن قيس الحداني، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، ونوح وأخوه صدوقان، فحالهما عند الباحث لا يقتضي تضعيف الإسناد بهما، فاتجه إلى نقده بقتادة ومن فوقه، وهذا -كما أشرت إليه- من آثار منهج تمزيق الطرق، والنظر إلى كل إسناد بمفرده. وليست هذه القضية خاصة بنقد الوجه المرجوح، بل تشمل نقد كل إسناد، وإن لم يكن فيه اختلاف، فالإسناد إذا سقط في حلقة من حلقاته لا يصح أن ننقده بمن فوقها، بأمر خفي، ككون أحد رواته ثقة، لكن تكلم فيه يسيرا من قبل حفظه، أو قد رمي بشيء من التدليس، أو لم يسمع ممن فوقه، إذ الإسناد لم يصح إليه أصلا، وهي قضية فاتني أن أنبه عليها في «الجرح والتعديل» عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، وكذلك في
следующие страницы →