← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ومثاله الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة». فسفيان بن عيينة من كبار أصحاب الزهري، والرواة عن سفيان ثقات، ولكن بعد جمع الطرق تبين أن سفيان خولف في هذا الحديث، خالفه الجماعة، فرووه عن الزهري مرسلا، فصار حديث ابن عمر معلولا، وعلته أن الصواب فيه الإرسال. وهكذا لو كان الوجه الراجح والوجه المرجوح تامين، كأن يكون الاختلاف في تسمية الصحابي، فالوجه الراجح يكون علة مؤثرة للوجه المرجوح, ويصير الوجه المرجوح معلولا، فلا يصح الحديث إلا عن أحد الصحابيين. أما إذا كان الوجه الراجح هو التام, والوجه المرجوح هو الناقص, كأن يترجح الرفع على الوقف، أو الوصل على الإرسال، فيبقى الوجه التام على تمامه، ولا يؤثر فيه وجود الناقص، ويقال في مثل هذا الإسناد: له علة، لكنها غير مؤثرة. ومثاله الحديث الماضي أيضا في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ شرب لبنا، ثم تمضمض، وقال: إن له دسما»، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وبلفظ الأمر بدون قصة (١).

стр. 807

فرواية عبدالله بن أبي بكر هذه لم تؤثر شيئا في رواية الجماعة، ويكون عبدالله أو من دونه قد قصر بهذا الحديث بعدم ذكر ابن عباس. وكل ما تقدم يتم تطبيقه سواء بسواء لو كان الراجح وجها واحدا في مقابل عدد من الأوجه كلها مرجوحة، فإنه يقضي عليها على النسق السابق، في صور لا تنتهي أبدا، لولا خشية الإطالة لضربت لبعضها أمثلة. ٢ - معنى كون الوجه مرجوحا عن المدار أنه لم يصح عنه، فلم يحدث به هكذا ، ومقتضى هذا أن الباحث في نقد الوجه المرجوح يكتفي بنقده إلى المدار، ولا ينقده بالمدار -لو كان محل نقد- ولا بمن فوق المدار، إذ كيف ينقده بهم، أو بسماع بعضهم من بعض، والإسناد لم يصح إليهم؟ . هذا أصل المسألة بلا تردد، غير أن الكلام في حال الإسناد بعد المدار للوجه المرجوح قد احتاج إليه الباحث أثناء نظره في الاختلاف قبل المدار, وهذه مسألة دقيقة جدا, فقد يكون الناظر في الاختلاف قد استفاد من حال الإسناد بعد المدار أثناء دراسته للاختلاف, واستخدمه في الترجيح, فيكون فيه ما يدل على غلط راوي هذا الوجه, وقد تقدم شرح هذا مفصلا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. وأما ما عدا ذلك فلا كلام للناظر في الاختلاف فيه, لأنه -كما تقدم- لم يصح عن المدار, فكأنه لا وجود له, غير أن الباحث قد يحتاج أن ينبه على تقارب وجهين في حال الإسناد بعد المدار, الراجح والمرجوح, كما إذا اختلف على راو على وجهين, إرسال الحديث, ووصله, ويكون الموصول منقطعا أيضا.

стр. 808

مثال ذلك ما روي من طريق إسرائيل بن يونس, عن أبي إسحاق, عن مسروق, عن بلال, قال: «كان عندي تمر للنبي ﷺ , فأصبت به أجود منه صاعا بصاعين … » الحديث (١). وروي هذا الحديث عن مسروق: «أن بلالا … » بالقصة. والراجح هو المرسل (٢) , غير أن الموصول منقطع أيضا في موضعين, فأبو إسحاق لم يسمع من مسروق, كما قال البرديجي, ومسروق لم يسمع من بلال, كما هو ظاهر من ترجمته, فالباحث ينبه على هذا. ويوجد في كتب التخريج, وكتب الفقه, الكلام في إسناد الوجه المرجوح بعد المدار لبيان ضعفه, غير أن هذا لا يدخل في النظر في الاختلاف, وإنما هو من باب التنزل في نقد الدليل, فكأنه يقول: على فرض صحة هذا الوجه المرجوح عن المدار ففيه أن فلانا لم يسمع من فلان, ونحو ذلك, كما يفعلون هذا في متن الحديث الضعيف, كأن يقول بعضهم: وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول على كذا وكذا. والذي ينبغي التأكيد عليه في قضية حال الإسناد المرجوح بعد المدار هو أن يكون الباحث شديد التيقظ، فيميز ما في الإسناد من أمور يمكن الاستفادة منها في الترجيح فهذه يسخرها للنظر في الاختلاف, وما لا يدخل في النظر في الاختلاف, فيدعه.

стр. 809

وغلط الباحثين في هذه القضية من المسائل الدقيقة في نقد الأسانيد, فالباحث يخطئ إذا جعل ما في الإسناد من نقص بعد المدار دليلا على رجحان الوجه المقابل, وليس في هذا النقص دليل على غلط راوي هذا الوجه, أو فسر بهذا كلام إمام من أئمة النقد, كأن يقول بعد نقله عن الإمام ترجيحه للوجه المقابل: وإنما فعل هذا لكون هذا الوجه منقطعا, أو فيه فلان وهو ضعيف, ونحو ذلك, مما لا يدخل في قرائن الترجيح، وهو أيضا يرتكب جناية على المدار المختلف عليه، أو على من فوقه, فينسب إليه تدليسا, أو إرسالا, أو رواية عن الضعفاء, وهو لم يفعل ذلك, إذ هذا الوجه لم يصح إليه أصلا، كما يرتكب جناية في حق الناقد حين فسر كلامه بما لا يحتمله ولا يريده الناقد، وقد تقدم زيادة تفصيل لهذا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. وبكل حال فنقد الوجه المرجوح بالمدار ومن فوقه ينبغي للباحث أن يتأنى فيه، فلا يعرج عليه مع ظهور الضعف للوجه عن المدار، وتضمن النقد لأمر فيه غمز لأحد رواة الإسناد، كرميه بالتدليس، أو الاختلاط، وتحميله بذلك عهدة ضعف الإسناد. وفي نقد الوجه المرجوح بهذه الطريقة تظهر إحدى العواقب الوخيمة لترك منهج النقاد في المقارنة والموازنة حين الاختلاف، فمن لا يسير على منهجهم يتعلق براو والإسناد لم يصح إليه أصلا، من جهة كونه معلولا بالمخالفة، فيجمع بين الضعف في النقد، وبين تحميل الرواة أخطاء غيرهم. مثال ذلك أن أحد النقاد ذكر الاختلاف على قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن

стр. 810

سمرة بن جندب مرفوعا في من ترك الجمعة متعمدا، أو عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، مرسلا، ليس فيه سمرة بن جندب، ثم قال في نقده: «فيه علتان، تدليس قتادة، والانقطاع بين الحسن، وسمرة، فإنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة». كذا صنع الباحث، أغفل غرض الناقد الذي يعلق على كلامه، وذهب يضعف الإسناد بالمدار ومن فوقه، ولم يقم بإتمام عمل الناقد، والنظر في صحة هذا الوجه الذي ذكره عن المدار، ولو نظر فيه لتبين له أنه ليس بحاجة إلى نقده بتدليس قتادة، ولا بسماع الحسن من سمرة، فإن هذا الوجه لا يصح عن قتادة أصلا، كما سبق بيان ذلك من كلام النقاد، حيث تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. والباحث نظر على عجل في الإسناد قبل قتادة، فوجد أنه من رواية نوح بن قيس الحداني، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، ونوح وأخوه صدوقان، فحالهما عند الباحث لا يقتضي تضعيف الإسناد بهما، فاتجه إلى نقده بقتادة ومن فوقه، وهذا -كما أشرت إليه- من آثار منهج تمزيق الطرق، والنظر إلى كل إسناد بمفرده. وليست هذه القضية خاصة بنقد الوجه المرجوح، بل تشمل نقد كل إسناد، وإن لم يكن فيه اختلاف، فالإسناد إذا سقط في حلقة من حلقاته لا يصح أن ننقده بمن فوقها، بأمر خفي، ككون أحد رواته ثقة، لكن تكلم فيه يسيرا من قبل حفظه، أو قد رمي بشيء من التدليس، أو لم يسمع ممن فوقه، إذ الإسناد لم يصح إليه أصلا، وهي قضية فاتني أن أنبه عليها في «الجرح والتعديل» عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، وكذلك في

стр. 811

«الاتصال والانقطاع» في آخر مبحث منه، عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، واتصال الإسناد وانقطاعه. ومما يؤسف له أن هذا الصنيع حاضر بقوة في عمل الباحثين، ونقدهم للأسانيد، ترى الواحد منهم يعمد إلى أئمة الرواية وأساطينها، فينقد الإسناد بهم، إما بتدليسهم، أو اختلاطهم، أو إرسالهم عمن فوقهم، ونحو ذلك، والإسناد لم يصح إليهم أصلا. ٣ - إذا رجعنا إلى المبحثين الثالث والرابع، من الفصل الثالث من هذا الباب، المتعلقين بتعاضد القرائن على نتيجة النظر التي يصل إليها الناظر في الاختلاف، وتعارض القرائن في ذلك - أدركنا بسهولة أن الوجه المرجوح ليس على درجة واحدة ، فكلما تعاضدت القرائن على أن هذا الوجه مرجوح كان ضعفه أشد, والعكس كذلك، إذا كانت القرائن ضعيفة، أو متعارضة، خف ضعف الوجه المرجوح، ويترتب على هذا أن الأوجه المرجوحة في حال وجود عدة أوجه مرجوحة ليست على درجة واحدة في الضعف. وغير خاف أن قرائن الترجيح كثيرة جدا على ما سبق شرحه في الفصل الثاني من هذا الباب، فبعضها متعلق بالراوي المختلف عليه، وبعضها بالمختلفين، وبعضها بصفة الأوجه، إلى غير ذلك، فضعف الوجه المرجوح يتعلق بها جميعا, فينفصل الباحث عن النظر إلى الإسناد المفرد للوجه المرجوح, ويكون الاعتبار للنظر المجمل في الاختلاف, وبناء على ذلك يتم إطلاق الوصف المناسب على الوجه المرجوح، فلا يستغرب الباحث إذا وقف على كلام لناقد

стр. 812

يصف فيه رواية ثقة، أو صدوق، بأنها باطلة، أو لا أصل لها، أو يقول الناقد: هذا الحديث بهذا الإسناد شبيه بالموضوع، أو يحذر من التحديث به، إلى غير ذلك. وقد أشرت في مناسبات سابقة -وربما يأتي هذا في مناسبات لاحقة- إلى أنه من الضروري جدا الفصل بين الراوي ودرجته، وبين حديثه المعين، فإن الحكم على هذا الحديث بهذا الإسناد الذي فيه الراوي لا يخضع فقط لدرجة الراوي المطلقة، وإنما يخضع بصفة أساس لدرجته في هذا الحديث بعينه، فقد يكون ثقة أو صدوقا في مجمل حاله، لكنه في هذا الحديث لجزم الناقد بناء على القرائن التي أمامه بأنه غلط ولا بد هو في درجة الضعيف، أو المتروك. مثال ذلك أن عبيس بن مرحوم, روى عن حاتم بن إسماعيل, عن محمد بن عجلان, عن محمد بن كعب القرظي, عن ابن عباس, عن النبي ﷺ , أنه قال: «أمني جبريل عند البيت مرتين … » الحديث. سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الحديث بهذا الإسناد، فقال أبو زرعة: «وهم عبيس في هذا الحديث» وقال أبو حاتم: «أخشى أن يكون وهم فيه عبيس»، واتفقا جميعا على أن الصحيح ما رواه عدة من الحفاظ عن حاتم, عن عبدالرحمن بن الحارث بن أبي ربيعة, عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف, عن نافع بن جبير, عن ابن عباس, عن النبي ﷺ (١).

стр. 813

قال ابن أبي حاتم: «وسمعت أبي يقول مرة أخرى: أخشى أن يكون هذا الحديث بهذا الإسناد موضوعا» (١). وعبيس هذا من شيوخ أبي حاتم, وقال فيه: «كان ثقة وفي حديثه شيء» (٢). وفي مقابل هذا إذا كان الترجيح ليس قويا, والقرائن بعد جمع الباحث لها قريبة من التكافؤ مثلا, فبقي احتمال أن يكون المرجوح عن المدار محفوظا عنه, فالوجه المرجوح حينئذ يكتسب قوة من هذه الجهة, وسيأتي لهذا زيادة بيان في الكلام على الوجه الراجح. ٣ - والوجه المرجوح -سواء كان واحدا أو أكثر- بعد تحرير درجته وأنه ضعيف لاختلال شرط عدم العلة، إما لوحده، أو مع اختلال غيره من الشروط، يتم إلغاؤه، ولا يلتفت إليه لاحقا، فلا يعضد غيره, ولا يعتضد بغيره، إذ تبين أنه لا وجود له أصلا، وهذا هو مقتضى الترجيح. فلو جئنا إلى حديث أبي هريرة المتقدم، وهو من رواية محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكان الباحث قد قام بدراسة الرواة، واتصال الإسناد، ثم بعد ذلك درس الاختلاف على الأعمش، وترجح لديه أن هذا الإسناد غلط، فلا يعود مرة أخرى، ويقول: ولكن حديث أبي هريرة هذا يشهد له كذا وكذا، أو له طريق آخر إلى أبي هريرة، فيرتقي به الحديث, أو يقول عند دراسته لحديث سابق أو لاحق: ويشهد لهذا الحديث حديث أبي هريرة.

стр. 814

فكل هذا لا يصح أبدا، والباحث إذا فعل هذا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فقد قضى على جهده السابق في جمع الطرق، والنظر في الاختلاف، ووقع في التناقض، ففي حديث أبي هريرة هذا كأنه يقول: محمد بن فضيل قد غلط على الأعمش، فهذه نتيجة النظر في الاختلاف، تم عاد فقال: ولكن محمد بن فضيل لم يغلط، وهذا مقتضى اعتماد إسناده ليعتضد بغيره، أو ليعضد غيره. ورب قائل يقول: نرى هذا كثيرا في كلام المتأخرين على الأحاديث، فالإسناد المعلول يعتمدونه، ويبحثون له عن متابعات وشواهد، ويعضدونه بها، وأيضا يعضدون به غيره، فما توجيه ذلك؟ وتوجيهه أن كثيرا من المتأخرين لا يلتفتون إلى علل الأحاديث، فلم ينظروا في الاختلاف أصلا، والإسناد إذا كان ظاهره الاستقامة صححوه، أو حسنوه، بغض النظر عن الطرق الأخرى المعلة له، وقد مضى شرح مذهبهم ومقارنتهم بمنهج أئمة النقد في الفصل الأول من هذا الباب. وليس الكلام هنا معهم، وإنما هو مع من يتصدى للنظر في الاختلاف، ويصل إلى راجح عنده ومرجوح، ثم بعد ذلك يعود على عمله بالنقض، ويعتمد المرجوح في الاعتضاد. فمن ذلك أن ابن حجر تكلم على الحديث المتقدم آنفا, وهو حديث الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية … » الحديث، وعالج الاختلاف الواقع فيه على الزهري، ودافع عن إخراج الشيخين للحديث موصولا، ثم قال: «وقد جاء حديث عروة

стр. 815

هذا من غير رواية الزهري، أخرجه البزار من رواية أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة، وقال الدارقطني: رواه مالك، وابن عيينة -وسمى جماعة- كلهم عن يحيى بن سعيد، فلم يجاوزوا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا يصح، وإنما قال ذلك (يعني الدارقطني) بالنسبة لهذه الطريق، لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا، والله أعلم» (١). وظاهر ما نقله ابن حجر عن الدارقطني موافقته للدارقطني على أن ذكر أم سلمة في رواية أبي معاوية خطأ من أبي معاوية، وأنه لا يصح، لانفراد أبي معاوية بذكرها، ومخالفته للحفاظ الكبار من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم مالك بن أنس، خاصة أن أبا معاوية ليس بالقوي في غير حديث الأعمش، وينبني عليه أن ذكر أم سلمة كأنه لم يكن، إذ لا وجود له أصلا. وعلى هذا فقول ابن حجر في نهاية كلامه: «وإذ انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا»، نقض للنتيجة السابقة، فقد عاد إلى اعتماد رواية أبي معاوية المرجوحة, وعضد بها رواية الزبيدي، عن الزهري. وتابع ابن حجر أحد الباحثين، فنقل كلامه في اعتضاد رواية الزبيدي برواية أبي معاوية موافقا له، لكن الباحث عاد في الحديث التالي عنده فذكر حديث سليمان بن يسار، عن عروة، والاختلاف فيه على يحيى بن سعيد الأنصاري،

стр. 816

وذكر أن عبدالله بن نمير قد تابع أبا معاوية فيه بذكر أم سلمة، لكنه انتهى إلى ترجيح المرسل، وأطال في ذلك، قال: «وبالنظر في اختلاف الرواة يتبين -والله تعالى أعلى وأعلم- قوة ما رواه مالك وغيره عن يحيى بن سعيد، وهي رواية الإرسال، وذلك لما يأتي: رواية الجم لها، ولا شك أن من رواه مرسلا أكثر عددا ممن رواه موصولا … ». وتعرض أحد الباحثين للحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب, وهو ما رواه محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن دينار, عن جابر, عن النبي ﷺ قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة … » الحديث, فنقد الباحث من صحح الإسناد، إذ هو منقطع من عمرو بن دينار, وجابر بن عبدالله، ودليل ذلك رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت من غير واحد, عن جابر بن عبدالله أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة … » الحديث موقوفا عليه, ونقل عن ابن خزيمة قوله: «هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي, وابن جريج أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم». ثم قال الباحث: «قلنا: لكن يشهد لرواية محمد بن مسلم الطائفي رواية أبي الزبير, عن جابر … ». كذا صنع الباحث، تناقض من حيث لا يدري, فإن رواية ابن جريج التي اعتمد عليها في الحكم بالانقطاع, ونقل عن ابن خزيمة ترجيحها على رواية محمد بن مسلم موقوفة على جابر, فهي علة لرواية محمد بن مسلم من هذه الجهة, وقد رواه كذلك أبو جعفر الرازي, عن عمرو بن دينار, عن جابر موقوفا, ولم يذكر

стр. 817

الباحث روايته, وعلى هذا فرواية محمد بن مسلم يصرف النظر عنها تماما, فلا يستشهد بها, ولا يشهد لها غيرها. ثم إن الباحث وقع في أمر تقدم التنبيه عليه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب, وهو أن أي رواية فوق المدار يعضد بها أحد الأوجه لا بد من دراستها وكأنها الرواية الأساس مع الباحث, فرواية أبي الزبير، عن جابر, قد اختلف فيها على أبي الزبير رفعا ووقفا, وقد أشار الباحث إلى ذلك في تخريجها، لكنه لم يتعرض للاختلاف بالدراسة, ولم يصل إلى نتيجة فيه, ولا بد من ذلك, فهو اختلاف قوي, وقد رجح جماعة من النقاد -ومنهم البخاري- وقفه أيضا على جابر من هذا الطريق, وسيأتي قريبا في الكلام على الوجه الراجح شرح ذلك. وتعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على الزهري في حديث أبي هريرة: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح»، وقد اختلف فيه على الزهري في إسناده, وفي وقفه ورفعه, كما سيأتي شرح ذلك في المبحث الثالث. وانتهى الباحث إلى ترجيح وجهين موقوفين على أبي هريرة, وتضعيف المرفوع, وأحد الموقوفين رجاله ثقات, ثم قال: «وقد جاء مرفوعا من غير طريق الزهري»، ثم ذكر أن أبا داود, والحاكم، أخرجاه من طريق ابن وهب, عن جرير بن حازم, عن عبيدالله بن عمر, عن نافع, عن ابن عمر مرفوعا, وأن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (١)، ثم قال الباحث: «وعليه يمكن القول بأن الحديث الذي معنا صحيح لغيره».

стр. 818

وبغض النظر عن تسامح الباحث في نقد إسناد حديث ابن عمر، إذ هو لا يصح, فقوله عن الحديث الذي معه إنه صحيح لغيره هو موضع الإشكال هنا، إن كان يعني بالحديث الوجه المرفوع, فهذا الوجه قد انتهى بترجيح الوجهين الموقوفين عليه, فلا يصح أن يعضد بغيره بعد ذلك، وإن كان يعني بالحديث الموقوف ففيه إشكال أيضا من جهة أخرى. ورب قائل يقول: الذي نعرفه أن ما لا يقبل الاعتضاد هو الإسناد إذا كان ضعفه شديدا، وهو أن يكون أحد رواته متروك الحديث، أو دون ذلك، فعلى كلامك هنا يستوي ما هذه صفته، وما رواه ثقة خالفه غيره، وترجح قول المخالف، فما توجيه هذا؟ وتوجيهه أن يقال إن قصر الضعف الذي لا يصلح للاعتضاد على رواية المتروك هو أساس المشكلة، وهو أحد مداخل الضعف الواسعة التي أدت إلى كثرة تصحيح وتحسين الأحاديث الضعيفة، فالراوي إذا تفرد بحديث ولو لم يخالف، واستنكر النقاد حديثه هذا لم يعد صالحا للاعتضاد، بالنسبة لنا، لأنه منكر، ولو ذهبنا نعضده فمقتضاه أننا رفعنا عنه النكارة، والحال أنها باقية، يستوي في ذلك الراوي الثقة، ومن دونه، فإذا خالف غيره وترجح رواية الغير فكذلك لا يصح لنا أن نعود فنعضده، لأن الحال أن روايته مرجوحة، وأنها خطأ، فإذا عدنا وقويناها نقضنا الحكم الأول, وحكمنا بصوابه مرة أخرى. وههنا أمر آخر، وهو أن الراوي المتروك قد يكون دليل الحكم عليه بأنه متروك الحديث هو كثرة مخالفته للثقات، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أن من

стр. 819

أهم وسائل الحكم على الراوي مقارنة رواياته بروايات غيره، والنظر في مخالفته وموافقته لهم، فالراوي المتروك يفرق بينه وبين الثقة الذي حكم بغلطه في حديث ما أن الثقة وقع منه هذا على سبيل الندرة، ولو وقفوا على عدد من الأحاديث خالف فيها غيره لنزلت درجته, ولا تزال تنزل بحسب ما يوقف على أحاديث له يغلط فيها، ومثله الصدوق، فالذي جعله صدوقا هو أنه وقف على أحاديث يغلط فيها أكثر عددا من تلك التي وقف عليها عند الراوي الذي وثقوه، ودون التي وقف عليها عند الراوي الذي ضعفوه، أو حكموا عليه بالترك، فأعيان الأحاديث إذا ترجح غلط الراوي فيها هم فيها متساوون، واختلف الحكم على الراوي نفسه من جهة القلة والكثرة، أو نوع الغلط. وقضية الارتباط بين اختلاف الرواة في الأحاديث، وبين الجرح والتعديل، قضية هامة جدا، نبهت عليها في مناسبات سابقة، وسأعود إليها لاحقا حين تأتي مناسبتها، فبينهما ارتباط وثيق، إن لم يحكمه الباحث وقع في التناقض. ومما يؤكد ويوضح ما تقدم -وهو قضاء الوجه الراجح على الوجه المرجوح فلا يصلح للاعتضاد- أن الوجه المرجوح إذا كان هو الناقص، وكان الوجه المرجوح جزءا من الوجه الراجح، كأن يكون مرسلا، أو فيه سقوط راو أو أكثر، والراجح هو التام، فإن أئمة النقد ربما أطلقوا الصحة على الوجه المرجوح، مع كونه مرجوحا قد قصر به راويه، ومرادهم أن النقص سدده الوجه الراجح، فلم يعد له وجود، فعاد الوجهان وجها واحدا.

стр. 820

وقد تكرر هذا من أبي حاتم الرازي (١). ثم إن الوجه المرجوح إذا عرفنا أنه لا يصح أن يعضد إسنادا آخر، أو يعضده إسناد آخر، فمن باب أولى أن لا يعضد الوجه الراجح، أو يعضده الوجه الراجح، إذ هو علته، فكيف يتعاضدان؟ وإنما يفعل هذا من لا يلتفت لعلل الأحاديث، واختلاف الرواة، من الموغلين في الظاهرية، فنراهم حين يعل الناقد مرفوعا بموقوف, أو موصولا بمرسل, أو يحكمون على راو بأنه أخطأ في إبدال راو بآخر - يجيبون عن ذلك بأن هذه طرق للحديث يقوي بعضها بعضا, كما يفعله ابن حزم في تقريراته. فمن ذلك قوله: «وقد علل قوم أحاديث بأن رواها ناقلها عن رجل مرة, وعن رجل مرة أخرى, وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته, ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك … , وكل ما تعللوا به من مثل هذ وشبهه في حديث دعاوى بلا برهان، فهي ساقطة» (٢). ويكثر من تقرير هذا ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإبهام». فمن ذلك قوله في كلامه على اختلاف الطرق رفعا ووقفا, أو إرسالا ووصلا , إذا وقع ذلك من الثقات: «ما ذاك إلا قوة للخبر, ودليل على شهرته,

стр. 821

وتحدث الناس به, فجعل ذلك من علل الأخبار شيء لا معنى له» (١). وقال أيضا: «لا يكاد يوجد حديث لم يختلف في إسناده, وانتشار الطرق أدل على صحته منها على ضعفه، إذا كان في بعض طرقه طريق سالم من الضعف» (٢). وقال أحمد شاكر في كلامه على حديث أعله أئمة النقد بالإرسال: «الذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلا لها» (٣). وابن القطان -مع بعد قوله عن المنهج الصحيح كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب- قد اشترط أن يوجد طريق سالم من الضعف, وكثير من المتأخرين لا يلتفت لهذا، يشد الطريق المعلول بالطريق الآخر الذي هو علة لهذا الطريق, وإن كان كل منهما ضعيفا في نفسه. وأين هؤلاء من كلمة أحمد التي تقدمت في التمهيد، فقد نعى فيها على بعض طلبة الحديث، أنهم يكتبون الإسناد التام، ويدعون الإسناد الناقص، لحديث واحد، وقد يكون الإسناد الناقص هو الأقوى, فيضعف التام، ويكون علة له. وأعيد كلمة أحمد هنا لأهميتها, قال الخطيب وهو يعدد أسباب كتابة أهل الحديث للمراسيل وروايتهم لها: « … ومنهم من يكتبها على معنى المعرفة لعلل

стр. 822

المسندات بها، لأن في الرواة من يسند حديثا يرسله غيره، ويكون الذي أرسله أحفظ وأضبط، فيجعل الحكم له. وقد قال أحمد بن حنبل بمثل هذا فيما حدثت عن عبدالعزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخلال، قال: أخبرني الميموني، قال: تعجب إلي أبو عبدالله ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا -أو أكبر- قلت: بينه لي، كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلا, وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يرفعه، ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ معناه: لو كتب الإسنادين جميعا عرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوة ذا» (١). ومن يفعل ما ذكره أحمد يشبه من لا يلتفت إلى اختلاف الرواة، وعلل الأحاديث، فكيف لو وقف أحمد وغيره من النقاد على صنيع من تجاوز هذا، ووصل به الحال إلى أن يعضد الإسناد بما هو علة له؟ ومن المشهور المقرر ضعف تصحيحات الحاكم في كتابه «المستدرك»، وأحد جوانب الضعف عنده التزامه تصحيح زيادات الثقات في الأسانيد، وصلا، ورفعا، ونحو ذلك، وإن خالفوا غيرهم، كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب، وربما تجاوز ذلك، فجعل ما هو علة للإسناد عاضدا له.

стр. 823

روى سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ كتب كتاب الصدقة، فقرنه بسيفه … » الحديث (١). ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، أقرأنيها سالم بن عبدالله بن عمر، فوعيتها على وجهها … (٢). ورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، قال (يعني الزهري): أقرأني سالم كتابا كتبه رسول الله ﷺ في الصدقات … ، وفي بعض الروايات: عن سالم -أحسبه- عن أبيه (٣)، كذا في رواية سليمان. وبرواية يونس أعل أبو داود، ثم الترمذي، وغيرهما رواية سفيان بن حسين الموصولة. وقال الحاكم بعد أن صحح رواية سفيان بن حسين: «ويصححه حديث عبدالله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال، فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين» (٤).

стр. 824

وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، كما تقدمت الإشارة إليه (١)، ومثله سليمان بن كثير، ولذا تعقب الحاكم ابن حجر، فقال عن طريق يونس: «بل هو علته» (٢). والخوف -كل الخوف- أن يسري هذا الصنيع إلى ناظر في الحديث يسير على طريقة أئمة النقد في النظر في الاختلاف، فيؤخذ على حين غرة، إذ قد يطول الفصل, أو يبحث على عجل، فيذكر الراجح متابعا للمرجوح، ويعضده به، أو العكس، وأكثر ما يحدث هذا إذا كان الاختلاف على الراوي في تسمية شيخه أو من فوقه، فيتراءاهما إسنادين، وأحدهما علة للآخر، فالراجح أحدهما. وقد نبهت أكثر من مرة -وسأنبه لاحقا- إلى أن من ينظر في الاختلاف، ويوازن، ويرجح، ثم يعود في مرحلة من مراحل النظر في الحديث إلى طريقة المتأخرين, أشد ضررا ممن اعتمد طريقتهم وطبقها من الأساس، فهذا قد عرف منهجه، وأنه صحح أو حسن إسناد حديث بالنظر في رواته، ولم يلتفت إلى من خالفهم، أما الأول فصورته عند القارئ أنه قد نظر في العلل، ووازن، ورجح، لكن القارئ -وربما الباحث نفسه- لا يدرك أنه خرج إلى منهج آخر في بعض مراحل النظر. وهناك كلمة مشهورة في بعض العلوم التي يحتاج إليها، قال ابن تيمية: «قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف

стр. 825

متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان» (١). ولا بأس أن يضم إليهم غيرهم، ف نصف الناقد هو من يخلط بين منهجين ، فنجده يطيل البحث في حديث ما، ويقارن ويوازن، وفجأة يدع المنهج الذي هو عليه إلى منهج آخر، ويظهر هذا جليا في قضيتنا هذه: الموقف من الوجه المرجوح، وفي قضايا أخرى بعضها تقدم، وبعضها سيأتي. وقضية الاعتضاد والشد بالطرق الأخرى لها فصل مستقل سيأتي بعون الله تعالى وتوفيقه في باب مستقل غير أني أعرج على بعض ضوابطها في مناسباتها. وأما الوجه الراجح فالحديث عنه أيضا في عدد من الأمور: ١ - إذا كان الباحث في ترجيحه للوجه قد استخدم القدر المشترك في الترجيح، فيتم تذكيره الآن بالعودة إلى الوجه الراجح مرة أخرى، فينظر في اختلاف رواته فيما بينهم، ويصل إلى الراجح من روايتهم، وقد مضى في المبحث الأول من الفصل الثالث, من هذا الباب شرح طريقة النقاد في الترجيح بالقدر المشترك, وعودة الناقد مرة أخرى إلى الترجيح بين رواته، مضى ذلك بأمثلته. ويلتحق بهذا ما إذا اختلف راويان على شيخهما في جهة ما في الإسناد أو المتن، وترجح قول أحدهما، وكان أصحاب راوي الوجه الراجح قد اختلفوا عليه في جهة ثانية، لم يدخلها الباحث في نظره الأول، فهذا اختلاف نازل, أجله

стр. 826

الباحث, فلا بد له من العودة إلى الوجه الراجح، والنظر في اختلاف أصحاب راويه. مثال ذلك أن الأعمش روى عن الحكم بن عتيبة, عن عبدالرحمن بن أبي ليلى, عن علي، الحديث في ثواب عيادة المريض, واختلف فيه عن الأعمش رفعا ووقفا (١). ورواه شعبة، ومنصور بن المعتمر، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالله بن نافع، عن علي، وقفه منصور، وشعبة في بعض الطرق إليه، ورفعه شعبة في بعض الطرق إليه (٢). ورواه الأجلح الكندي، عن الحكم، عن علي، ليس بينهما أحد، ووقفه على علي (٣). فالناظر في الاختلاف على الحكم إذا كان قد جعل الأوجه على إسناد الحديث، وتسمية شيخ الحكم، وهي ثلاثة، ووصل في النظر بينها إلى ترجيح ما رواه شعبة، ومنصور، وأنه عن الحكم، عن عبدالله بن نافع، عليه أن يعود إلى هذا الوجه، وينظر في الاختلاف الواقع فيه بين رواته رفعا ووقفا، ويصل إلى نتيجة فيه. وكذلك لو كان الباحث انتهى إلى رجحان رواية الأعمش، عليه أن يعود إلى الاختلاف الواقع عليه رفعا ووقفا، ويصل إلى نتيجة فيه.

стр. 827

٢ - قد يكون في الوجه الراجح قبل المدار ضعف في جهة ما من جهات التضعيف، كأن يكون راويه عن المدار أو من دونه متكلما فيه، أو معروفا بالتدليس، أو يكون قد اختلف عليه فثار احتمال أن يكون قد اضطرب، ويكون الحكم برجحانه مبنيا على أنه -مع ما فيه من كلام- أحسن حالا من إسناد الوجه المرجوح إلى المدار. وهذا كله ليس بجديد على الباحث، إذ هو قد توصل إليه، واستفاد منه حين نظره في الاختلاف على المدار، إذ النظر في الرواة المختلفين من أهم ما يقوم به الباحث للوصول إلى نتيجة في الاختلاف عن المدار, كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب. وكذلك الطرق إلى رواة الأوجه عن المدار, لا بد أن يكون الباحث قد فرغ منها, كما تقدم شرحه أيضا في المبحث الثاني من الفصل الثالث من هذا الباب. والمقصود هنا أن يأخذ الباحث هذا بعين اعتباره في حكمه النهائي على الوجه الراجح إلى المدار. ومثال ذلك هنا أن أبا بكر بن عياش روى عن الأعمش, عن عطاء, عن ابن عمر مرفوعا: «إذا تبايعوا بالعينة, واتبعوا أذناب البقر … » الحديث (١). ورواه يحيى بن العلاء الرازي، عن الأعمش, عن مجاهد, عن ابن عمر. سئل أبو زرعة عن هذا الاختلاف, فرجح الوجه الأول, وقال: «وهذا

стр. 828

أشبه» (١). ولا شك في رجحان الوجه الأول, فيحيى بن العلاء هذا متروك الحديث, متهم بالوضع, وراوي الوجه الراجح أبو بكر بن عياش فوقه بكثير, غير أنه متكلم فيه من قبل حفظه, وقد تفرد به عن الأعمش, فالوجه الراجح محل نقد من هذه الجهة. وعليه فالكلام في الإسناد قبل المدار في الوجه الراجح لا يغفله الناظر في الاختلاف، ويحمله معه ليضمه إلى ما يجده في الإسناد من المدار ومن فوقه. ٣ - ينظر الباحث بعد ذلك في المدار الذي عليه الاختلاف، درجته في نفسه، وفي شيخه، وسماعه منه، وما إلى ذلك، فالاختلافات كما تكون على الرواة الثقات، تكون أيضا على من دونهم، وينظر فيها النقاد، ويرجحون في الاختلاف، والمقصود بالترجيح أي عن المدار، فإذا عرف الراجح، وأردنا أن نصدر حكما نهائيا عليه فالمدار الآن واحد من رواته، لا بد من النظر فيه. وهو قد نظر في المدار قبل ذلك حين نظره في الاختلاف, فهو حلقة مهمة في الوصول إلى الراجح عنه هو، وقد تقدم شرح القضايا المتعلقة بالمدار نفسه، وأثرها على الترجيح عنه في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب. والمفترض فيه أن يكون قد فرغ من النظر في المدار وأثره على الراجح عنه في المرحلة السابقة، مع ما نظر فيه من المؤثرات الأخرى، كالرواة عن المدار، وصفة

стр. 829

روايتهم، وأدى به النظر إلى راجح ومرجوح عن المدار، فالمطلوب منه إذن في هذه المرحلة -مرحلة الحكم على الوجه الراجح- أن يستصحب ما وجده في المدار من كلام في عموم روايته، أو بخصوص شيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد، أو في سماعه منه، من أجل الحكم النهائي على الوجه الراجح. والنقاد قد يميل الواحد منهم إلى الترجيح عن المدار والمدار نفسه محل نظر, فقد يكون الاضطراب منه, ولهذا ربما ذكر الناقد الاحتمالين جميعا، كما تقدم شرحه بأمثلته في المبحث الرابع من الفصل الثالث، من هذا الباب, والباحث يعرض له مثل هذا, قد يرجح في اختلاف والمدار محل نظر, وعليه حينئذ في كلامه على الوجه الراجح أن لا يغفل ما في المدار من كلام. مثال ذلك ما رواه أبو بكر بن عياش, عن ليث بن أبي سليم, عن أبي الخطاب, عن أبي زرعة, عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي … » الحديث, فيه عدة جمل (١). ورواه ذواد بن علبة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة, عن ليث, عن أبي الخطاب, عن أبي زرعة، عن أبي إدريس الخولاني, عن ثوبان (٢). وجاء عن ليث بن أبي سليم على أوجه أخرى بإسقاط بعض رواته وذكر بعضهم (٣).

стр. 830

سئل أبو زرعة عن الوجه الأول، فذكر الوجه الثاني، وقال: «وهذا الصحيح , قد وصلوه, زادوا فيه رجلا» (١). فإذا ترجح لدى الناظر هذا الوجه, وأراد أن يبين حال الإسناد, فالمدار الذي هو ليث بن أبي سليم محل نقد, فهو ضعيف الحديث. وروى أبو معاوية الضرير, عن عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي, عن النعمان بن سعد, عن علي, قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور … » الحديث (٢). ورواه عبدالواحد بن زياد, ومحمد بن فضيل, ونصر بن إسماعيل, عن عبدالرحمن بن إسحاق، فوقفوه على علي (٣). فإذا رجح الناظر في الاختلاف الوجه الموقوف عاد في النظر في إسناده إلى مدار الحديث عبدالرحمن بن إسحاق , فهو ضعيف (٤). وبناء على ما تقدم فنظر الباحث في هذه المرحلة حيث يكون المدار محل نظر، أما إذا كان المدار هو الصحابي، كأن يكون الاختلاف عليه في رفع الحديث ووقفه، أو في متن الحديث، أو زيادة صحابي بعده، فقد انتهى عنده النظر،

стр. 831

والوجه الراجح قد تحددت درجته لدى الباحث من خلال نظره في الطرق المختلفة إلى الصحابي. ٤ - بعد النظر في المدار ينتقل الباحث إلى النظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار، وكذلك من فوقه، إلى صحابي الحديث، مقارنا لها بإسناد الوجه الراجح عنده, خشية أن يكون فيها مخالفة للوجه الراجح عن مداره, فإن وجد فيها مخالفة للراجح عن المدار أنشأ نظرا جديدا في هذا الاختلاف، يستخدم فيه جميع ما استخدمه من قرائن النظر والموازنة في الاختلاف الذي وقع على مداره، وفرغ منه، وهي خطوة في غاية الأهمية للوصول إلى حكم نهائي على الحديث كله. والاختلافات التي يجدها الباحث فوق مداره الأصل لا ضابط لها ولا حصر، سواء من جهة تنوعها، أو من جهة نتيجة النظر فيها مع الراجح في الاختلاف الأساس عند الباحث. فأما التنوع فقد يكون الاختلاف على مدار الباحث في رفع ووقف، والاختلاف الذي فوقه في وصل وإرسال، أو في زيادة راو في الإسناد، أو في إبدال الإسناد كله، أو في زيادة ألفاظ، أو تغيير في متن الحديث، إلى آخر أنواع الاختلافات. ونتيجة النظر قد تكون متوافقة مع النظر في الاختلاف على المدار الأساس، فالراجح فيه هو الراجح في الاختلاف الجديد، وقد تكون النتيجة بضد ذلك، فالراجح في الاختلاف على المدار الأساس عاد مرجوحا في الاختلاف الجديد، وقد يترجح حفظ الوجهين في الاختلاف الجديد، أو يترجح وجه من وجوه

стр. 832

الاختلاف لم يكن في الاختلاف الأول، وربما ترجح حفظ أكثر من وجه كلها لم تكن في الاختلاف الأول، وربما لم يصح شيء منها ألبتة. ثم الاختلاف فوق طبقة المدار قد يقع في طبقة واحدة، وقد يوجد أيضا في طبقة فوقها أو أكثر. والأئمة النقاد لا يغفلون شيئا من هذا، لكن لا يلزم -كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول- أن يكون نظرهم في جميع هذه الاختلافات في سياق واحد في مكان واحد، فهم يتكلمون في كل مكان بحسبه، فقد يحكم الناقد في اختلاف على مدار، وفوقه اختلافات سكت عنها هنا، وتكلم عليها -هو أو غيره- في مناسبة أخرى. وأول ما يبدأ به الباحث من الاختلافات العليا ما استفاد منه حين نظره في الاختلاف على مداره، فقد يكون أكد ترجيحه للوجه الراجح بمتابعة للمدار أو من فوقه عليه، ويكون في هذه المتابعة نفسها مخالفة للوجه الراجح من جهة أخرى، فالاستعانة بهذه المتابعة تم وفق ما يعرف بالترجيح بالقدر المشترك، وقد مضى شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب. ومن أمثلة ذلك حديث عمر بن الخطاب: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا»، وقد تقدم هناك بيان الاختلاف فيه على إسماعيل بن أبي خالد، حيث قيل عنه، عن عمرو بن حريث، عن عمر مرفوعا، وقيل عنه، عن عمرو بن حريث , عن عمر موقوفا، والراجح عن إسماعيل وقف الحديث، وتأيد الوجه الراجح برواية عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد

стр. 833

بن زيد، عن عمر موقوفا. فهذه المتابعة للمدار -وهو إسماعيل بن أبي خالد- على الوجه الراجح عنه وهو الوقف، فيها مخالفة لإسماعيل بزيادة سعيد بن زيد في الإسناد، فلا بد من النظر بين هاتين الروايتين -ذكر سعيد وإسقاطه- لمعرفة المحفوظ منهما، والذي يظهر أنهما جميعا محفوظتان عنه، وأنه تارة يرسله عن عمر، وتارة يذكر الواسطة بينهما. وكذلك الحديث الماضي هناك أيضا، وهو ما رواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه … » الحديث. وقد خالف سعيد بن عامر الجماعة من أصحاب شعبة، حيث رووه عنه، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، وبعضهم -وهو مرجوح عن شعبة- ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان. وقول سعيد بن عامر مرجوح، فالصواب رواية الجماعة عن شعبة، وقد أمكن تأييد الوجه الراجح عن شعبة بمتابعات كثيرة لشعبة, وفي رواتها حفاظ ثقات، منهم الثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، رووه عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر. ورواه كذلك عن حفصة بنت سيرين: عبدالله بن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، وفي رفع الحديث ووقفه، وخالد الحذاء لم يذكر الرباب.

стр. 834

فاستفدنا من كل هذا أن الحديث معروف عن سلمان بن عامر، وأما من حديث أنس فلا يعرف إلا من رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، فدل على خطأ سعيد، وقد تقدم شرح هذا كله هناك. والشاهد هنا أن حديث سلمان بن عامر لم ينته النظر فيه، فرواية شعبة الراجحة عنه، وهي روايته للحديث عن عاصم الأحول، عن حفصة، عن سلمان بن عامر، لا بد من النظر بينها وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، بذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان. قال الترمذي في النظر في الاختلاف على شعبة، مرجحا رواية الجماعة عنه على رواية سعيد بن عامر، ثم في النظر في الاختلاف الذي فوقه على عاصم الأحول، بذكر الرباب وحذفها، مرجحا رواية الجماعة بذكرها على رواية شعبة بحذفها، قال بعد أن أخرج رواية سعيد بن عامر: «حديث أنس لا نعلم رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ, لا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي ﷺ ، وهو أصح من حديث سعيد بن عامر. وهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب، والصحيح ما رواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.

стр. 835

وابن عون يقول: عن أم الرائح بنت صليع، عن سلمان بن عامر، والرباب هي أم الرائح» (١). ثم بعد ذلك هناك نظر آخر في الحديث، في طبقة أعلى، فعاصم الأحول الذي ترجح عنه ذكر الرباب، قد شاركه في هذا الحديث جماعة، يروونه عن حفصة بنت سيرين، وفي رواياتهم ذكر الرباب وحذفها، فلا بد من معرفة الراجح عن حفصة أيضا. وأهم من ذلك أن هشام بن حسان قد جاء عنه وقف الحديث، وفي بعض الروايات عنه بعد أن يرويه موقوفا: «وحدثني عاصم الأحول أن حفصة ترفعه إلى النبي ﷺ » (٢)، فلا بد من النظر أيضا في الاختلاف على حفصة في رفعه ووقفه. ويلي ذلك أن ينظر الباحث في طرق أخرى لم ترد عنده في النظر في الاختلاف على مداره، فلم يستخدم فيها الترجيح بالقدر المشترك، وهذا هو الغالب، وأمثلته كثيرة جدا. فمن ذلك أن جرير بن حازم روى عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة

стр. 836

قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : صوما مكانه يوما آخر» (١). واستنكر النقاد -كأحمد، وعلي بن المديني، ومسلم, والنسائي- رواية جرير بن حازم هذه، فالصواب ما رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري مرسلا (٢). فإذا ارتقى الباحث إلى الطرق عن الزهري وجد فيها من يوافق يحيى بن سعيد على الإرسال، مثل مالك، ومعمر، ويونس بن يزيد، وعبيدالله بن عمر العمري، وغيرهم، وفيها من يرويه عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، مثل جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وعبدالله بن عمر العمري، وغيرهم, بل يروى أيضا عن يحيى بن سعيد (٣). فهذا اختلاف جديد على الزهري الموجود في الإسناد الراجح في الاختلاف الأول، لا بد من النظر فيه.

стр. 837

وقد رجح النقاد أيضا مرسل الزهري، وخطؤوا من جعله عنه، عن عروة، عن عائشة، منهم أحمد, وابن المديني, وابن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وغيرهم (١). وروى هشام بن عروة حديث (الرضاع)، واختلف فيه عليه وعلى من دونه على أوجه كثيرة، من أشهرها ما رواه الجماعة، ومنهم الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وعبدالله بن نمير، وعبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة، وغيرهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحرم المصة ولا المصتان» (٢). ومن هذه الأوجه أيضا ما رواه محمد بن دينار البصري، عن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه الزبير (٣).

стр. 838

ورواه أيوب السختياني -في المشهور عنه- عن ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ (١). سأل الترمذي شيخه البخاري عن رواية محمد بن دينار، عن هشام بن عروة، وعن رواية ابن أبي مليكة، فقال: «الصحيح: عن ابن الزبير، عن عائشة، وحديث محمد بن دينار أخطأ فيه، وزاد فيه: عن الزبير، إنما هو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي ﷺ » (٢). فرجح البخاري في الاختلاف على هشام بن عروة رواية الجماعة، وهو جعله عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الله بن الزبير، غير أن هذا الوجه عاد مرجوحا في الاختلاف الأعلى، وهو الاختلاف على عبدالله بن الزبير، فالراجح عنه رواية ابن أبي مليكة بزيادة ذكر عائشة. وكذلك صنع الترمذي، فقد قال بعد أن أخرج حديث ابن أبي مليكة: «وروى غير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي ﷺ … ، وروى محمد بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي ﵊، وزاد فيه محمد بن دينار: عن الزبير، عن النبي ﷺ ، وهو غير محفوظ، والصحيح عند أهل الحديث حديث

стр. 839

ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي ﷺ » (١). وروى جماعة من أصحاب هشام بن عروة، منهم يحيى بن سعيد القطان، وعبدة بن سليمان، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ووكيع، وغيرهم، عن هشام، عن أبيه، أن زيد بن ثابت، أو أبا أيوب -هكذا بالشك- قال لمروان: «ألم أرك قصرت سجدتي المغرب؟ رأيت النبي ﷺ يقرأ فيها بالأعراف»، ومنهم من لم يذكر قصة مروان (٢). ورواه محاضر بن المورع، عن هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت وحده بالمرفوع دون قصة مروان، وكذلك روي عن الليث بن سعد، عن هشام (٣). ورواه محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت -جميعا- (٤). ورواه أبو ضمرة، وابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت: «ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل … » الحديث (٥).

стр. 840

ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (١). وتابع هشام بن عروة على هذا الحديث اثنان، فرواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت، كرواية أبي ضمرة، وابن أبي الزناد، عن هشام (٢). ورواه أبو الأسود يتيم عروة، عن عروة، كرواية محاضر، والليث بن سعد، عن هشام، جعله عن عروة، عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان بن الحكم (٣). سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، وذكر له رواية الطفاوي بالجمع بينهما، فقال: «الصحيح: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، هشام بن عروة يشك في هذا الحديث»، ثم قال الترمذي: «وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت، رواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» (٤). وكذا صنع الدارقطني، ضعف رواية الطفاوي، عن هشام بن عروة، بالجمع

стр. 841

بين زيد بن ثابت، وأبي أيوب، وأن المحفوظ رواية الجماعة عن هشام بالشك، ثم ذكر أن المحفوظ في النهاية أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد (١). فالصحيح عن هشام بن عروة إذن أنه يرويه عن أبيه بالشك، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، وبدون ذكر مروان بن الحكم في الإسناد وكل من رواه عنه على غير هذه الصفة يخطئ عليه، لكن الصحيح عن عروة غير هذا، فالصحيح عنه أنه يرويه عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت، بدون شك، وبذكر مروان في الإسناد. وروى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش, وعاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ، في المسح على الخفين (٢). فأما روايته عن الأعمش فخالفه فيها الجماعة من أصحاب الأعمش -ومنهم الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وأبو معاوية، وغيرهم-، فرووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وفيه قصة بوله ﷺ قائما (٣). وأما روايته عن عاصم فوافقه عليها شعبة، وحماد بن سلمة، وتابع عاصما

стр. 842

عليها حماد بن أبي سليمان، وفي هاتين الروايتين قصة البول فقط (١). ورواه منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، كرواية الجماعة عن الأعمش، إلا أنه اكتفى بقصة البول (٢). فهنا اختلاف على الأعمش، ثم اختلاف على أبي وائل، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن الاختلاف على الأعمش، فاتفقا جميعا على أن أبا بكر بن عياش أخطأ في حديث الأعمش، وأن الصواب جعله عنه، عن أبي وائل، عن حذيفة. ثم سألهما في الاختلاف الأعلى, وذكر لهما رواية الأعمش، وعاصم, فرجح أبو حاتم رواية الأعمش، ورجح أبو زرعة رواية عاصم (٣). وعكس ذلك من هذين الإمامين في حديث آخر عن الأعمش أيضا، اختلفا في الترجيح في الاختلاف الأدنى، ثم اتفقا في الاختلاف الذي أعلى منه. فقد روى الجماعة من أصحاب الأعمش -ومنهم أبو معاوية، وعبدالله بن نمير، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، وغيرهم- عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: «أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار» (٤).

стр. 843

ورواه زائدة بن قدامة، وحفص بن غياث، وعمار بن رزيق، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن بلال -هكذا بذكر البراء مكان كعب بن عجرة- (١). ورواه سفيان الثوري، وشريك، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا بلا واسطة- (٢). ورواه شعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وأبان بن تغلب، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا أيضا بلا واسطة- (٣). ورواه ليث بن أبي سليم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، كالرواية الأولى عن الأعمش، وزاد ليث في متنه ذكر

стр. 844

أبي بكر، وعمر (١). سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، قال ابن أبي حاتم: «قلت لهما: فأي هذا الصحيح؟ قال أبي: الصحيح من حديث الأعمش: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-. قلت لأبي: فمن غير حديث الأعمش؟ قال: الصحيح ما يقول شعبة، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة أيضا: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-. قال أبي: الثوري، وشعبة، أحفظهم … وقال أبو زرعة: الصحيح حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب, عن بلال. قلت لأبي زرعة: أليس شعبة، وأبان، وزيد بن أبي أنيسة، يقولون: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-؟ قال أبو زرعة: الأعمش حافظ، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء، قد حفظوا عنه، ومن غير حديث الأعمش الصحيح: عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-، ورواه منصور، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغير واحد، إنما قلت: من حديث الأعمش» (٢). فاتفق الإمامان على أن الراجح عن الحكم روايته للحديث عن عبدالرحمن بن أبي ليلى, عن بلال, بدون كعب بن عجرة, ويرى أبو حاتم أن هذا هو الراجح

стр. 845

أيضا في الاختلاف الأدنى على الأعمش , وأما أبو زرعة فيرى أن المحفوظ عن الأعمش زيادة كعب في الإسناد. وروى همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن أبي مسعر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود البدري، قال: «لا صلاة قبل خروج الإمام يوم العيد» (١). ورواه عبدالوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن أبي معشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود. سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، فاتفقا على أن رواية عبدالوارث أشبه، وذكر أبو حاتم أنه لا يعرف أبا مسعر، وأما أبو معشر فهو زياد بن كليب صاحب إبراهيم النخعي (٢). ثم انتقل الإمامان إلى اختلاف أعلى، فقد رواه شعبة، عن أبي المعلى العطار، عن سعيد بن جبير، فجعله عن ابن عباس، مكان أبي مسعود البدري (٣)، فتردد أبو حاتم، وجزم أبو زرعة بأنهما حديثان، قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: فلا أدري حفظ أبو المعلى، أو الخبران صحيحان، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث آخر، هذا عن ابن عباس، وذاك عن أبي مسعود» (٤).
следующие страницы →