بين زيد بن ثابت، وأبي أيوب، وأن المحفوظ رواية الجماعة عن هشام بالشك، ثم ذكر أن المحفوظ في النهاية أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد (١).
فالصحيح عن هشام بن عروة إذن أنه يرويه عن أبيه بالشك، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، وبدون ذكر مروان بن الحكم في الإسناد وكل من رواه عنه على غير هذه الصفة يخطئ عليه، لكن الصحيح عن عروة غير هذا، فالصحيح عنه أنه يرويه عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت، بدون شك، وبذكر مروان في الإسناد.
وروى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش, وعاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ ، في المسح على الخفين (٢).
فأما روايته عن الأعمش فخالفه فيها الجماعة من أصحاب الأعمش
-ومنهم الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وأبو معاوية، وغيرهم-، فرووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وفيه قصة بوله ﷺ قائما (٣).
وأما روايته عن عاصم فوافقه عليها شعبة، وحماد بن سلمة، وتابع عاصما
стр. 842
عليها حماد بن أبي سليمان، وفي هاتين الروايتين قصة البول فقط (١).
ورواه منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، كرواية الجماعة عن الأعمش، إلا أنه اكتفى بقصة البول (٢).
فهنا اختلاف على الأعمش، ثم اختلاف على أبي وائل، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن الاختلاف على الأعمش، فاتفقا جميعا على أن أبا بكر بن عياش أخطأ في حديث الأعمش، وأن الصواب جعله عنه، عن أبي وائل، عن حذيفة.
ثم سألهما في الاختلاف الأعلى, وذكر لهما رواية الأعمش، وعاصم, فرجح أبو حاتم رواية الأعمش، ورجح أبو زرعة رواية عاصم (٣).
وعكس ذلك من هذين الإمامين في حديث آخر عن الأعمش أيضا، اختلفا في الترجيح في الاختلاف الأدنى، ثم اتفقا في الاختلاف الذي أعلى منه.
فقد روى الجماعة من أصحاب الأعمش -ومنهم أبو معاوية، وعبدالله بن نمير، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، وغيرهم- عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: «أن رسول الله ﷺ مسح على الخفين والخمار» (٤).
стр. 843
ورواه زائدة بن قدامة، وحفص بن غياث، وعمار بن رزيق، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن بلال -هكذا بذكر البراء مكان كعب بن عجرة- (١).
ورواه سفيان الثوري، وشريك، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا بلا واسطة- (٢).
ورواه شعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وأبان بن تغلب، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا أيضا بلا واسطة- (٣).
ورواه ليث بن أبي سليم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، كالرواية الأولى عن الأعمش، وزاد ليث في متنه ذكر
стр. 844
أبي بكر، وعمر (١).
سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، قال ابن أبي حاتم: «قلت لهما: فأي هذا الصحيح؟ قال أبي: الصحيح من حديث الأعمش: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-.
قلت لأبي: فمن غير حديث الأعمش؟ قال: الصحيح ما يقول شعبة، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة أيضا: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-.
قال أبي: الثوري، وشعبة، أحفظهم …
وقال أبو زرعة: الصحيح حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب, عن بلال.
قلت لأبي زرعة: أليس شعبة، وأبان، وزيد بن أبي أنيسة، يقولون: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-؟ قال أبو زرعة: الأعمش حافظ، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء، قد حفظوا عنه، ومن غير حديث الأعمش الصحيح: عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-، ورواه منصور، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغير واحد، إنما قلت: من حديث الأعمش» (٢).
فاتفق الإمامان على أن الراجح عن الحكم روايته للحديث عن عبدالرحمن بن أبي ليلى, عن بلال, بدون كعب بن عجرة, ويرى أبو حاتم أن هذا هو الراجح
стр. 845
أيضا في الاختلاف الأدنى على الأعمش , وأما أبو زرعة فيرى أن المحفوظ عن الأعمش زيادة كعب في الإسناد.
وروى همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن أبي مسعر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود البدري، قال: «لا صلاة قبل خروج الإمام يوم العيد» (١).
ورواه عبدالوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن أبي معشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود.
سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، فاتفقا على أن رواية عبدالوارث أشبه، وذكر أبو حاتم أنه لا يعرف أبا مسعر، وأما أبو معشر فهو زياد بن كليب صاحب إبراهيم النخعي (٢).
ثم انتقل الإمامان إلى اختلاف أعلى، فقد رواه شعبة، عن أبي المعلى العطار، عن سعيد بن جبير، فجعله عن ابن عباس، مكان أبي مسعود البدري (٣)، فتردد أبو حاتم، وجزم أبو زرعة بأنهما حديثان، قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: فلا أدري حفظ أبو المعلى، أو الخبران صحيحان، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث آخر، هذا عن ابن عباس، وذاك عن أبي مسعود» (٤).
стр. 846
والنظر في الاختلاف الأعلى فوق مدار الباحث ليس بالأمر اليسير في كثير من الأحيان، فالمتابعون للمدار أو من فوقه إذا وقع منهم أو من أحدهم مخالفة للراجح عن المدار، عاد الباحث بسببه إلى نقطة البداية، فأصبح أمامه اختلاف جديد قد يكون أقوى وأشد وعورة من الاختلاف على مداره الأساس، إذ عليه دراسة المتابعين للمدار أو من فوقه، ودراسة الطرق إليهم، وقد يقع عليهم أو على بعضهم اختلاف نازل، من جنس الاختلاف على المدار الأساس، أو مغاير له، فيلزم الباحث حينئذ تحرير هذا الاختلاف النازل، والوصول فيه إلى نتيجة، فإذا فرغ الباحث من ذلك كله عاد إلى النظر بين روايات هؤلاء المتابعين، وبين ما ترجح عن المدار الاساس عنده.
ومثل هذه القضية أنبه عليها ليدرك الباحث مدى صعوبة التصدي لتصحيح الحديث وتضعيفه، والحاجة إلى نفس طويل في بعض الأحاديث، والباحث إذا كان نفسه قصيرا وعالج قضيته الأساس، ظن أنه في حِلّ من تناول ما أمامه من قضايا لا مناص له من معالجتها، فيطلق الكلام على عواهنه، ويصل إلى نتائج حاسمة لم يحكم النظر فيها، وسيأتي لهذه القضية نظائر في مباحث لاحقة.
ومن الأمثلة على ذلك حديث سلمان بن عامر المتقدم آنفا، فإذا كان مدار الباحث الأساس هو شعبة، فسينتقل بعد تحرير الراجح عن مداره إلى المتابعين لشعبة، وقد خالفوا شعبة في الإسناد، فزادوا فيه الرباب بنت صليع، وعليه فسينظر الباحث في هذا الاختلاف، فإذا فرغ منه انتقل إلى المتابعين لشيخهم عاصم الأحول، وهم: ابن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وسيجد أن
стр. 847
منهم من اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، ومنهم من اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فالباحث قبل أن ينظر بين روايتهم ورواية عاصم الأحول ملزم بتحرير الاختلاف عليهم، من جهة ذكر الرباب، ومن جهة الرفع والوقف، فإذا حرر ذلك عاد إلى الموازنة بين ما تحرر عن كل منهم، وبين ما صفى له عن عاصم الأحول، وهو الموجود في إسناده الأساس.
ومن أمثلة ذلك أيضا حديث جابر مرفوعا: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة … »، الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو هناك مثال لاستخدام البخاري للترجيح بالقدر المشترك, في نظره في الاختلاف على عمرو بن دينار في رفع الحديث ووقفه.
ولما فرغ البخاري من النظر في رواية عمرو بن دينار ورجح وقف الحديث مع الانقطاع في إسناده, انتقل إلى الرويات عن جابر, فذكر رواية حماد بن سلمة, عن أبي الزبير, عن جابر, وقد وقع فيها اختلاف على حماد بن سلمة, فاحتاج إلى معالجته, ورجح فيها أيضا وقف الحديث على جابر, وسيأتي قريبا في المبحث الثالث سبب ترجيح البخاري لرواية الوقف.
وروى المسعودي -وهو صدوق اختلط- عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله … » الحديث.
فرواه الجماعة من أصحاب المسعودي -ومنهم ابن المبارك، ويزيد بن هارون،
стр. 848
وأبو داود الطيالسي، وعبدالله بن يزيد المقرئ، وغيرهم- عن المسعودي مرفوعا (١).
ورواه وكيع، ويونس بن بكير، عن المسعودي موقوفا على أبي هريرة (٢).
وقد تابع المسعودي ثلاثة رووه عن محمد بن عبدالرحمن: مسعر بن كدام، وسفيان بن عيينة, وعمر بن علي المقدمي، إلا أن مسعرا اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فرفعه عنه سفيان بن عيينة، ووقفه عنه وكيع، ومحمد بن بشر العبدي، وجعفر بن عون.
وابن عيينة اختلف عليه أيضا، فمرة يرويه عن محمد بن عبدالرحمن مباشرة، وهذه رواية يعقوب بن حميد، ومرة يروي عنه بواسطة مسعر، وهذه رواية الحميدي (٣).
فالباحث إذا فرغ من مداره الأساس -وهو المسعودي- وخلص إلى أن الراجح عنه رفع الحديث -مثلا- ينتقل إلى رواية المتابعين له، وسيجد أن مسعرا قد خالفه في بعض الروايات عنه وهي المشهورة عن مسعر فوقف الحديث، فارتفع
стр. 849
المدار الآن إلى شيخ المسعودي، وهو محمد بن عبدالرحمن، فينشئ الباحث الآن نظرا جديدا، فيقوم بدراسة هؤلاء الثلاثة الجدد، مسعر، وسفيان بن عيينة، وعمر بن علي، يحرر درجتهم في أنفسهم، ويدرس الطرق إليهم، ومن كان عليه اختلاف منهم -وهما مسعر، وسفيان بن عيينة- يقوم بدراسة هذا الاختلاف، ويصل فيه إلى نتيجة، ثم يخلص إلى نتيجة نهائية في الاختلاف على محمد بن عبدالرحمن.
وعمر بن علي المقدمي شديد التدليس، مشهور به، وأما سفيان بن عيينة فالراجح عنه أنه يرويه عن محمد بن عبدالرحمن بواسطة مسعر، وذلك لجلالة راويه عنه وهو الحميدي، فهو من أخص أصحاب ابن عيينة، وأما راوي الوجه الآخر، وهو يعقوب بن حميد, فضعيف.
وإذ رجع الأمر إلى رواية مسعر فالأكثرون وقفوه عنه، وهم وكيع، ومحمد بن بشر، وجعفر بن عون، في مقابل رواية سفيان بن عيينة المرفوعة، فالراجح عن مسعر وقف الحديث.
وحينئذ فتكون المقارنة بين المسعودي الذي ترجح عنه الرفع, ومسعر الذي ترجح عنه الوقف، ولا شك في تقديم مسعر، وذلك لجلالته وإتقانه، فكان يسمى لشدة إتقانه بالمصحف.
والأمثلة السابقة توضح أن نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى قد تكون متوافقة مع الترجيح في الاختلاف الأساس، فالراجح هنا هو الراجح هناك، فيكون الترجيح في الاختلاف الأساس قد ازداد قوة بما ترجح عن الراوي
стр. 850
الأعلى الذي وقع عليه اختلاف، وقد تقدم في مبحث مستقل وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، أن الباحث يستعين بالمتابعات لمداره ومن فوقه لتأكيد ترجيحه في الاختلاف الذي ينظر فيه.
فإذا نظر في المتابعات لمداره أو من فوقه ووجد فيها اختلافا، ونظر فيه، وانتهى إلى ترجيح متوافق مع ترجيحه في الاختلاف على مداره، صارت هذه متابعات للوجه الراجح، وكأن الخلاف فيها لم يوجد.
و قد يكون المرجوح في الاختلاف الأساس هو الراجح في الاختلاف الأعلى ، أو يترجح وجه جديد لم يكن أصلا في الاختلاف الأساس.
والعبرة في كل هذا بالراجح في الاختلاف الأعلى فهو الذي يستمر الباحث في النظر فيه، ويدرس باقي إسناده، كما سيأتي في الفقرة الخامسة، وأما الوجه المرجوح فيتعامل معه على ما مضى في الحديث عن الوجه المرجوح في الاختلاف الأساس.
ويوصى الباحث هنا بالتأكد من تطابق نوع الاختلاف على مداره الأساس, مع الاختلاف في الطبقة العليا، إذا أراد أن يرجح به, فإنه إذا لم يكن متطابقا في النوع، فلا يستعان به في الترجيح بإطلاق، وهذا أمر قد يفوت على الباحث، خاصة في حال وجود نوعين من الاختلافات على المدار الأساس، والترجيح في الطبقة العليا موافق لأحد النوعين، لكن ليس هو الذي ينظر فيه الباحث, وهذا من المواضع الدقيقة في معالجة الاختلافات.
стр. 851
مثال ذلك أن محمد بن عوف الحمصي روى عن الهيثم بن جميل, عن عثمان بن واقد، عن فرقد السبخي, عن مرة الطيب, عن أبي بكر الصديق, عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملكة … » الحديث.
ورواه سعدان بن يزيد البزاز, عن الهيثم بن جميل, عن عثمان بن مقسم, عن فرقد السبخي, عن مرة الطيب مرسلا (١).
ذكر لأحد النقاد رواية محمد بن عوف, فقال: «أخطأ من قال في هذا الحديث: عثمان بن واقد, إنما هو عثمان بن مقسم البُريّ … ».
فالمدار في هذا الاختلاف على الهيثم بن جميل, في تسمية شيخه, هل هو عثمان بن واقد, أو هو عثمان بن مقسم؟ .
تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف, وكلام الناقد عليه, ووجد له طرقا أخرى إلى فرقد السبخي, فرواه عنه جماعة -منهم همام بن يحيى- عن مرة الطيب, عن أبي بكر (٢) , ورواه معمر عنه, عن مرة الطيب مرسلا (٣).
ورجح الباحث في الاختلاف على الهيثم بن جميل ما رجحه الناقد, وهو أن شيخه عثمان بن مقسم, ولما كانت الرواية التي وقف عليها الباحث مرسلة، قال في إحدى قرائن الترجيح: «روى الحديث عن فرقد: عثمان بن مقسم, وهو وإن
стр. 852
كان ضعيفا إلا أنه قد تابعه معمر، عن فرقد, عن مرة, عن النبي ﷺ مرسلا, ومعمر مقدم على من رواه عن فرقد موصولا, فإنهم وإن كانوا أربعة فإن معمرا يفوقهم في المرتبة».
كذا صنع الباحث, لم يحكم النظر في الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا, ففرقد السبخي ضعيف جدا, والاضطراب منه, والذين رووه عنه موصولا لم يخطئوا عليه, ولو افترضنا أن الراجح عن فرقد هو المرسل لم يصح الترجيح به في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه.
فصنيعه فيه خلط شديد بين النظر في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه، وبين الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا.
وفي بعض الأحاديث تكون نتيجة النظر في الاختلاف الأساس رجحان وجه واحد عن المدار، فإذا انتقل الباحث إلى الاختلاف الأعلى ترجح عنده حفظ وجهين, وكثيرا ما يكون أحد الوجهين لم يمر أصلا على المدار الأساس، فهو وجه جديد.
فإذا وقع هذا له لم يعد ينظر في راجح ومرجوح بالنسبة لهذين الوجهين، فكلاهما محفوظ، وليس عنده وجه راجح، وعليه فطريقة النظر في هذين الوجهين لا تدخل معنا في هذا المبحث، إذ هي حالة ليس فيها وجه واحد راجح، وسيأتي كيفية النظر في حال وجود وجهين راجحين أو أكثر في المبحث التالي.
ومن أمثلة وجود وجهين راجحين عن مدار أعلى ما رواه المعتمر بن
стр. 853
سليمان، عن أبيه سليمان بن طرخان، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة»، وقال قيس بن عباد: «وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة -أو أبوعبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة» (١).
ورواه يزيد بن هارون، وهشيم بن بشير، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة, عن سليمان التيمي به، فذكروا قول قيس بن عباد في نزول الآية، دون قول علي (٢).
ورواه عبدالوهاب بن عطاء، ومروان بن معاوية، وعبثر بن القاسم، وغيرهم, عن سليمان التيمي، فذكروا قول علي، دون قول قيس بن عباد.
وهذه الأوجه ليس بينها اختلاف حقيقي، فمنهم من جمع بين النصين، ومنهم من اقتصر على أحدهما.
وقد رواه يوسف بن يعقوب الضبعي، وعون بن كهمس، وأبو جعفر الرازي، عن سليمان التيمي، وجعلوا قصة نزول الآية من قول علي، قال: «فينا نزلت هذه الآية … » (٣).
стр. 854
والراجح قول من جعلها من قول قيس بن عباد مرسلة، فإن المعتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون، وهشيم، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة، كل واحد منهم فوق الثلاثة الذي وصلوا الحديث، فجعلوه من قول علي، يضاف إلى ذلك أن المعتمر بن سليمان ضبطه عن والده، ففصل قول علي من قول قيس بن عباد.
فهذا هو النظر في الاختلاف على المدار الأساس, وهو سليمان التيمي.
وقد تابع سليمان التيمي في رواية قصة الآية أبو هاشم الرماني الواسطي، فرواه عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، لكن اختلف عليه أيضا في قائل هذه الجملة في نزول الآية، فقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد مرسلا، وقيل عنه، عن أبي مجلز مرسلا (١).
والراجح في الاختلاف على أبي هاشم هو جعله عن أبي ذر، فهذا هو الذي رواه عنه الجماعة، ومنهم سفيان الثوري، وشعبة، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وفي روايتهم ما يدل على حفظ ذكر أبي ذر، ففيها قول قيس بن عباد: «سمعت
стр. 855
أبا ذر ﵁ يقسم: نزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الستة … ».
وهذه النتيجة في تحرير الاختلاف على سليمان التيمي، ثم على أبي مجلز، طريقة البخاري، والبزار، فيما يظهر من عرضهما للاختلاف حين أخرجا الحديث، وكذلك نص عليها الدارقطني في «العلل».
وذهب الدارقطني في «التتبع» إلى القول باضطراب الحديث، بعد أن ساق بعض أوجه الاختلاف فيه، وقوله الذي وافق فيه البخاري, والبزار أولى، فالقول بحفظ وجهين عن قيس بن عباد ممكن جدا بلا تكلف، فسليمان التيمي، وأبي هاشم الرماني، ترجح عن كل واحد منهما بقوة وجه واحد، والذي يظهر أن الوجهين محفوظان عن أبي مجلز، بالنظر إلى ثقة رواييهما، وجلالتهما، وبالنظر كذلك إلى صفة روايتهما، ففي رواية أبي هاشم، عن أبي مجلز قول قيس بن عباد: سمعت أبا ذر يقسم أن هذه الآية نزلت فيهم، فهذا يدل على أن ذكر أبي ذر محفوظ، وأما رواية سليمان فإن قيس بن عباد يذكر لأبي مجلز قول علي: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة»، ثم ذكر قيس قصة نزول الآية مرسلة، لأنه لم يسمع ذلك من علي، وإنما سمعها من أبي ذر (١).
والشاهد هنا أن الذي ترجح في الاختلاف الأساس -وهو الاختلاف على سليمان التيمي- وجه واحد وهو الإرسال، ثم ترجح في الاختلاف الأعلى -وهو
стр. 856
على أبي مجلز- وجهان, الإرسال، وجعله عن أبي ذر, وإذا ترجح عند الباحث في النهاية حفظ وجهين أو أكثر فهذا له نظر خاص, سيأتي -كما أسلفت- في المبحث التالي.
وأعود الآن مرة أخرى إلى التأكيد على الباحث إذا فرغ من النظر في اختلافه الأساس وترجح لديه وجه واحد أن يقوم بالنظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار، ومن فوقه، قبل أن يصدر حكمه على إسناد الوجه الراجح, وذلك خشية أن يكون المدار أو من فوقه قد خولف، فيلزمه حينئذ النظر في الاختلاف الجديد، فإذا لم يفعل ذلك خرج إلى المنهج الآخر الذي لا ينظر في الاختلاف، واعتماده على الأسانيد مفردة، وصار نظره في الاختلاف الأول كأنه لا وجود له، بل صنيعه هذا أشد خطورة من صنيع من لا ينظر أساسا في الاختلافات، لأن القارئ له إذا رآه قد عالج الاختلاف، ووصل فيه إلى نتيجة، ثم حكم على الإسناد للوجه الراجح، اطمأن إليه، وإلى حكمه، استرواحا منه إلى أنه وقد نظر في الاختلاف قد استوعبه، والحال أنه لم يفعل ذلك.
٥ - بعد إكمال الباحث النظر في آخر اختلاف وجده على أحد رواة الإسناد، وترجح لديه وجه من وجوه الاختلاف, وكان قد بقي بعد هذا المدار من رواة إسناد الوجه الراجح أحد دون الصحابي، ينصب نظره حينئذ على من فوق المدار من جهة درجة كل راو، وسماع بعضهم من بعض، ثم يصدر حكمه النهائي على إسناد الوجه الراجح.
стр. 857
وقد كان النقاد يفعلون هذا أحيانا, يحكمون في الاختلاف، ويرجحون، ثم يتكلمون على إسناد الوجه الراجح بعد مداره، من جهة رواته واتصاله.
فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب , وهو ما رواه همام بن يحيى، وحجاج الأحول، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار … » الحديث.
ورواه أيوب أبو العلاء، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، قال: قال رسول الله ﷺ …
ورواه خالد بن قيس الحداني، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب.
والراجح عند كافة النقاد الوجه الأول، وهو جعله عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة، منهم أحمد، والبخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، وغيرهم، وذلك حين تعرضوا للموازنة بين الأوجه الثلاثة كلها، أو بين الوجه الأول، وأحد الوجهين الآخرين (١).
ثم عاد النقاد إلى نقد الوجه الراجح، فأشار أبو حاتم إلى ضعف فيه، ولم
стр. 858
يبينه، فقال عنه: «له إسناد صالح … ، هو حديث صالح الإسناد» (١).
وأما أحمد فضعفه بقدامة بن وبرة، قال عبدالله: «سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة، عن النبي ﷺ … ؟ فقال: قدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف» (٢).
وضعفه البخاري بعدم سماع قدامة، من سمرة، فقال: «ولا يصح حديث قدامة في الجمعة» (٣)، وقال مرة: «قدامة بن وبرة … ، ولم يصح سماعه من سمرة» (٤).
وكذلك الحديث الماضي في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي رواه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي ﷺ قال: «الصلاة مثنى، مثنى, وتشهد في كل ركعتين … » الحديث.
ورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس.
وقد توارد النقاد على تخطئه شعبة في سياقه للإسناد، وتصويب رواية الليث بن سعد، كما تقدم بيانه هناك، ثم عاد بعضهم إلى الوجه الراجح فحكموا عليه، فذكر البخاري الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع
стр. 859
عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض» (١).
وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: حسن، قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: هو ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، قلت: سمع من الفضل؟ قال: أدركه، قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: حسن، فكررت عليه مرارا فلم يزدني على قوله: حسن، ثم قال: الحجة سفيان، وشعبة … » (٢).
وروى جماعة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر … » (٣).
ورواه عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن مشيخه لهم من أهل الصلاح، ممن حدثوه عن النبي ﷺ (٤).
والصواب رواية عبدالرحمن، وقد ذكر البخاري رواية عبدالرحمن، وذكر معها أحد طرق الوجه الأول، وهو طريق محمد بن عبدالرحمن بن عمرو بن عثمان بن عفان، المعروف بالدبياج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،
стр. 860
ثم قال عن الوجه الثاني: «وهذا أصح، مرسل» (١)، وقال مرة: «وهذا بانقطاعه أصح» (٢).
فالوجه الراجح عن أبي الزناد بعد أن رجحه البخاري عاد فضعفه بالإرسال، فإن شيوخ أبي الزناد من التابعين، فقد جاء في بعض طرقه: حدثني رجال أهل رضا وقناعة من أبناء الصحابة.
وترجم البخاري لمحمد بن عبدالله بن علاثة، وقال في ترجمته: «في حفظه نظر … ، قال الأويسي: حدثنا ابن علاثة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وقال عبدالقاهر: عن هشام، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح، وهو مرسل.
وقال بكر بن بكار: حدثنا محمد بن ثابت البناني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله، عن النبي ﷺ ، ولا يصح فيه جابر، ولا ابن سيرين … » (٣).
فذكر البخاري أولا الاختلاف على هشام بن حسان, فمحمد بن عبدالله بن علاثة يرويه عنه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (٤).
وعبدالقاهر بن شعيب يرويه عنه، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،
стр. 861
عن أبي هريرة، ورجح البخاري الوجه الذي يرويه عبدالقاهر، وأنه لا يصح فيه ابن سيرين.
وقد رواه مع عبدالقاهر: محمد بن بكر البرساني (١).
ثم ذكر البخاري اختلافا أعلى من هذا، وهو على محمد بن المنكدر، فولده عمر يرويه عنه، عن أبي هريرة، ومحمد بن ثابت البناني يرويه عنه، عن جابر (٢).
ورجح البخاري رواية عمر بن محمد، وأنه لا يصح فيه جابر.
فالراجح النهائي في الاختلافين -النازل والعالي- هو: محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة.
وقام البخاري ببيان حال هذا الوجه الراجح، فذكر أنه مرسل.
وكذا قال العقيلي، وقد ذكر الاختلاف على هشام بن حسان فقط: «وهذا أولى، مرسل، فيه نظر» (٣).
ومرادهما بالإرسال أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، وقد توارد
стр. 862
النقاد على أنه لم يسمع منه (١).
وروى أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن أبي السائب -أو عن أبي السائب- عن عائشة أنها قالت للسائب: «ثلاث خصال فيك لتدعهن أو لأناجزنك: إياك والسجع في الدعاء … » الحديث (٢).
ورواه حماد بن سلمة, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة.
ورواه إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ووهيب، عن داود، عن الشعبي، أن عائشة قالت لابن أبي السائب قاص
أهل المدينة (٣).
سأل ابن أبي حاتم أباه عن رواية أبي معاوية، ورواية وهيب أيهما أصح، فقال: «حديث وهيب أشبه، ووهيب أتقن وأوثق من أبي معاوية» (٤).
وسأله مرة أخرى عن رواية حماد بن سلمة، ورواية أبي معاوية، فقال: «إنما هو: الشعبي، عن عائشة مرسلا» (٥).
فالراجح من الأوجه الثلاثة عن الشعبي، عن عائشة، ليس بينهما واسطة، وقد
стр. 863
بين أبو حاتم في جوابه الثاني أنه مرسل، وذلك لأن الشعبي لم يسمع من عائشة (١).
والباحث قبل نظره في الاختلافات قد منع من إصدار الحكم على الإسناد المفرد الذي أمامه قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، ويعالج الاختلافات إن وجدت، كما تقدم شرح هذا في «الاتصال والانقطاع» (٢)، أما الآن فهو ملزم بذلك، لأنه فرغ من النظر في الطرق الأخرى، ووازن بين الطرق إن كان بينها اختلاف، وترقى في الاختلافات درجة درجة، إن كانت الاختلافات في الحديث الذي يبحث فيه لها مدارات متعددة، وقد بقي عليه من رواة الإسناد من يحتاج إلى بيان حاله، وسماعه ممن فوقه، وقد يكون هذا الباقي جزءا من إسناده الأصل الذي ابتدأ النظر فيه مبدئيا قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، فهو الراجح عنده، وقد يكون غيره، فالإسناد الأصل مرجوح.
والذي ينبه عليه الباحث هنا أن يفحص الإسناد للوجه الراجح جيدا قبل أن يصدر حكمه عليه، ويتأنى في ذلك، وينظر في كل ما هو مجال للنظر في هذا الإسناد، ليكون حكمه صوابا، أو قريبا من الصواب، ومن غير اللائق أن يتعب الباحث في جمع الطرق، وتلخيص الأوجه، والموازنة بينها، ثم يفتر في الخطوة النهائية للحكم على الإسناد.
وقد أشرت في مناسبة سابقة إلى أن الخلل في نقد الأسانيد لا يأتي فقط من
стр. 864
إغفال النظر في الاختلافات، وعلل الأحاديث، بل يأتي أيضا من نقد الإسناد المفرد، والاستعجال في ذلك.
ومن أمثلة الخلل في الحكم على إسناد الوجه الراجح أنه قد وقع اختلاف على الزهري في روايته لقصة زواج النبي ﷺ بأم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك على أربعة أوجه: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة، والزهري، عن عروة، عن عائشة، والزهري، عن عروة مرسلا، والزهري مرسلا (١).
وذكر أحد النقاد وجهين من الاختلاف على الزهري وهما: عن عروة، عن أم حبيبة، وعن عروة مرسلا، ورجح الوجه المرسل.
ثم زاد عليه أحد الإخوة الفضلاء وجها ثالثا، وهو: عن عروة، عن عائشة، عن أم حبيبة، ولم يذكر الوجه الرابع، وهو: عن الزهري مرسلا، ولعل ذلك لكون الرواية فيه جاءت مختصرة جدا ببعض الحديث, ثم نظر الباحث في الأوجه الثلاثة التي ذكرها, ورجح كونه عن عروة, عن أم حبيبة.
ولست الآن بصدد مناقشة هذا الترجيح، فهو اجتهاد للباحث، وإنما الغرض هنا أن الباحث قال في حكمه على إسناد الوجه الراجح، وهو: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة: «الحديث من وجهه الراجح صحيح الإسناد … »، ثم شرح ذلك من جهة الرواة.
стр. 865
وهذا التصحيح لم يتمعن فيه الباحث، فعروة بن الزبير لم يسمع من أم حبيبة كما يظهر من ترجمتيهما، وليس له في الكتب عنها سوى هذا الحديث، وقد جاءت صيغة روايته في الوجه الموصول هكذا: عن أم حبيبة: «أنها كانت تحت عبيدالله بن جحش، وكان أتى النجاشي، فمات, وأن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة، وأنها بأرض الحبشة … » الحديث، فهذا السياق يدل على أن قوله في الإسناد: عن أم حبيبة، لا يقصد به الرواية عنها، وإنما يقصد به حكاية قصتها، وهذا يفعله بعض الرواة تجوزا، كما تقدم شرحه في «الاتصال والانقطاع» (١).
فإذا اجتمعت صيغة الرواية، وكون عروة لم يسمع منها، ومجيء الحديث من طرق أخرى عن الزهري مرسلا, صار الوجهان -المرسل، والموصول في الظاهر- بمعنى واحد، ووقع الباحث بسبب عدم تدقيقه في الإسناد في إشكالين، مخالفة الإمام الذي رجح المرسل، مع أن الموصول بمعناه، فهو راجع إلى الإرسال، وتصحيح إسناد غير متصل.
٦ - إذا فرغ الباحث من النظر في إسناد الوجه الراجح, من جهة رواته, وسماع بعضهم من بعض, عليه أن يعود مرة أخرى إلى نتيجة النظر التي وصل إليها, في الاختلاف, ورجحان هذا الوجه عنده.
وأعني بذلك أن الترجيح في الاختلاف ليس على درجة واحدة، فهو يخضع للقرائن التي تم الترجيح بها كثرة وقلة, ووجود ما يعارضها, وما يتبع ذلك من من جزم الباحث بالترجيح, أو تردده, كما تقدم شرحه في المبحث
стр. 866
الثالث والرابع من الفصل الثالث من هذا الباب, وتقدم التنبيه عليه أيضا قريبا في موقف الباحث من الوجه المرجوح.
وبناء على ذلك لو كان الباحث وصل إلى رجحان وجه, ونظر في إسناده فوجد أن رواته ثقات، وهو متصل، فالحكم على هذا الإسناد بالصحة, والجزم بذلك يتوقف أيضا على درجة الترجيح, فلو كان الوجه المرجوح مرسلا مثلا, أو موقوفا، وقرائنه أيضا قوية, أو كان هناك أوجه أخرى قوية يحتمل معها أن الاضطراب من المدار، أثر هذا كله في صحة الإسناد, ونزل عن الدرجة العليا من الصحيح, كما قال ابن حجر بعد أن ذكر شروط الحديث الخمسة: «وتتفاوت رتبه -أي الصحيح- بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة, فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها بعضها فوق بعض, بحسب الأمور المقوية» (١).
ساق البخاري حديث ابن عباس في قصة ثابت بن قيس, ومخالعته لامرأته، وفي أسانيده اختلاف على عكرمة وعلى من دونه, في وصل الحديث وإرساله (٢) , فقال ابن حجر وهو يسرد الفوائد الحديثية من صنيع البخاري: «ومنها أن أحاديث الصحيح متفاوتة المرتبة إلى صحيح وأصح» (٣).
وأخرج الترمذي حديث ابن مسعود في الاستنجاء بحجرين, من طريق
стр. 867
إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود, عن أبيه، وذكر أوجها أخرى عن أبي إسحاق, ثم قال: «وهذا حديث فيه اضطراب … , وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل، وقيس, عن أبي إسحاق, عن أبي عبيدة, عن عبدالله, لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء, وتابعه على ذلك قيس بن الربيع» (١).
وكذا صنع الدارقطني, فقد ساق الاختلاف فيه على أبي إسحاق, ثم قال: «عشرة أقاويل عن أبي إسحاق, أحسنها إسنادا الأول الذي أخرجه البخاري, وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف فيه عن أبي إسحاق» (٢).
والذي أخرجه البخاري هو رواية زهير بن معاوية وجماعة عن أبي إسحاق, عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه, عن ابن مسعود, وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب أن البخاري كان متوقفا في الاختلاف على أبي إسحاق, ثم رجح هذا الوجه.
وأما نزول الحديث عن درجة الصحيح فإن الشائع عند الباحثين أن شرط ضبط الراوي هو الذي ينظر فيه لنزول الحديث عن درجة الصحيح إلى درجة
стр. 868
الحسن, بحكم أن كتب المصطلح تفرق بين الصحيح، والحسن بهذا الشرط، فإذا خف ضبط الراوي نزل الإسناد عن درجة الصحيح.
وقد نبهت في الكلام على قضايا الاتصال أن نزول الإسناد عن درجة الصحيح لا يتعلق -فيما أرى- بدرجة الراوي فقط, فقد يكون الرواة في الدرجة العليا من الثقة والضبط, وفي الإسناد كلام من جهة سماع بعض رواته من بعض, أو فيه احتمال وجود تدليس, فهذا يؤثر أيضا في درجة الإسناد، وإن رجح الناظر فيه اتصاله (١).
ومثل هذا -سواء بسواء- يقال هنا في شرط عدم العلة، قد ينزل الحديث عن درجة الصحيح, بسبب وجود علة في الإسناد, وإن ترجح للناظر أنها منتفية.
وتأثير الاحتمالات الأخرى مع وجود الترجيح يخضع لاجتهاد الناظر فيه, وما توافر له من قرائن النظر في هذا الاختلاف, فقد يكون التأثير ضعيفا, فغاية ما فيه أن ينزل الوجه الراجح من الدرجة العليا من الصحة, وقد يكون قويا, فينزل إلى ما دون الصحيح, والله أعلم.
وهذا الكلام تقدم مثله في شرح موقف الباحث من الوجه المرجوح بصورة مقلوبة, أي أثر قوة الترجيح وضعفه على الوجه المرجوح, ويأتي كذلك نحوه في نهاية المبحث الرابع, في الحديث عن حكم الناقد على الحديث بالاضطراب, مع ميله إلى ترجيح وجه, والله أعلم.
стр. 869
المبحث الثالث
الأوجه المحفوظة عن المدار
في كثير من الأحاديث ينتهي الباحث إلى حفظ وجهين أو أكثر من أوجه الاختلاف على مداره الأساس، وقد يوجد مع هذا وجه مرجوح أو أكثر، وقد لا يوجد شيء من ذلك.
وهكذا في حال ما إذا كان قد وصل إلى وجه واحد راجح عن المدار الأساس, ولكنه بعد أن نظر في الطرق فوقه وجد فيها اختلافا على شيخ المدار أو من فوقه، وبعد أن نظر فيه توصل إلى أن المحفوظ وجهان أو أكثر، إما مع وجود وجه راجح، أو بدونه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند شرح هذه القضية بأمثلتها في المبحث الثاني، وأن الأمر انتقل إلى الحال الثانية، وأخذ أحكامها.
فبالنسبة للوجه المرجوح لا يختلف التعامل معه عن كونه موجودا مع وجه واحد راجح، وقد مضى الكلام على أحكام الوجه المرجوح في المبحث الثاني فلا أعيده هنا.
وأما الوجهان المحفوظان عن المدار فتعامله معهما شبيه بتعامله مع الوجه الراجح، في حال وجود راجح ومرجوح، على ما تقدم شرحه في المبحث الثاني، وذلك من جهة نظره في هذين الوجهين جميعا، ابتداء من المدار نفسه، وصعودا إلى نهاية إسناديهما، للوصول إلى نتيجة فيهما، هل يبقيان محفوظين بعد المدار, أو
стр. 870
يسقطان جميعا، أو يبقى واحد منهما؟ .
وأول ما يبتدئ به الباحث النظر في المدار نفسه، فقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، أن النظر في المدار مهم جدا للوصول إلى نتيجة في المحفوظ عن المدار, فهذا يتعلق بالجزء الأدنى من حلقة الإسناد الوسطى التي هي المدار, والنظر فيه مهم جدا كذلك للوصول إلى نتيجة في المحفوظ بعده، وهذا يتعلق بالجزء الأعلى من هذه الحلقة وهي موضوعنا هنا.
وطريقة النظر فيه أن يقوم الناظر في الاختلاف بتجزئة المدار جزئين، فيفرضه راويين، ويفرض فوقه مدارا وهميا، قد اختلف عليه هذان الراويان، ثم يتأمل حال هذين الراويين، وما ورد في روايتهما، فقد يجد ما يعينه على ترجيح أن أحدهما هو الذي حفظ، والآخر قد غلط على المدار الوهمي، أو ترجيح حفظهما جميعا، أو غلطهما جميعا.
ومن أبرز ما يعتني به الناظر هنا البحث عن نص عن المدار يفيد أنه قد رجع عن أحد الوجهين، فهذا وقع في أحاديث كثيرة، يختلف الرواة على شيخ لهم، ويوقف على رواية له ينص فيها على رجوعه عن أحد الوجهين، وثباته على الآخر، وقد تقدم شيء منها في الفصل الرابع من الباب الأول في حوار النقاد مع الرواة، وتراجعهم أحيانا عما حدثوا به قديما.
ومن ذلك أيضا أن جماعة من أصحاب شعبة -منهم يحيى القطان، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- رووا عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ -
стр. 871
في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» (١).
ورواه جماعة آخرون -منهم عبدالرحمن بن مهدي، وبهز بن أسد، وأبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وغيرهم- عن شعبة، موقوفا على ابن عباس (٢).
وروى عبدالرحمن بن مهدي أن شعبة حين حدث به موقوفا قال له رجل: «إنك كنت ترفعه»، قال: «كنت مجنونا فصححت» (٣).
وروى عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، قال: حدثني ابن عمر، عن النبي ﷺ : «أنه كان يقول إذا دخل مضجعه: الحمد لله الذي كفاني وآواني … » الحديث (٤).
ورواه أبو معمر المنقري، عن عبدالوارث، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، قال: حدثني ابن عمران … الحديث
قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر الوجهين: «قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال:
стр. 872
حديث أبي معمر أشبه، قلت لأبي: ابن عمران من هو؟ قال: لا أدري، قلت: فابن بريدة أدرك ابن عمر؟ قال: أدركه، ولم يَبِنْ سماعه منه» (١).
وقد أمكن الوقوف على رواية عن أبي معمر المنقري بين فيها أن عبدالوارث رجع عن روايته الأولى، قال ابن حجر: «وقد أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق»، من رواية أبي معمر المنقري، عن عبدالوارث بهذا السند، فقال: عن ابن عمران، وقال بعده: فقال له أبو علي المعري (كذا): كنت حدثت به مرة فقلت: عن ابن عمر، قال: لا، ذاك خطأ، إنما هو ابن عمران» (٢).
وقد يكون النص من بعض تلامذة المختلف عليه، فيذكر أن شيخه يرسل الحديث ثم وصله، أو كان يرفعه ثم ترك رفعه.
ومثاله أن جماعة من الرواة -منهم أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وغيرهم- رووا عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الماء لا ينجسه شيء»، ومنهم من ذكر في الحديث قصة، ومنهم من اكتفى بالقصة، ورواية إسحاق بن راهويه مرسلة، ليس فيها ابن عباس، ثم قال إسحاق: «وزاد وكيع فيه بعد:
стр. 873
عن ابن عباس».
وكذا قال أحمد: «حدثنا به وكيع في «المصنف» عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، ثم جعله بعد عن ابن عباس» (١).
ومثل ذلك ما إذا نص الراوي على أن سماعه من شيخه هو على صفة معينة، ولكنه تعمد تركها إلى صفة أخرى ، لأمر عارض، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، أن جماعة من الرواة يتصرفون في إسناد الحديث أو متنه على خلاف ما سمعوه من شيوخهم، لسبب من الأسباب, كإشكال يرونه في الإسناد أو المتن، وربما نصوا على ذلك في الحديث المعين، فمتى جاء عن الراوي اختلاف، ونص هو على أنه تعمد التغيير لأمر لا يرجع إلى الشك في الرواية، فالمعتمد هو ما رواه عن شيخه، وليس ما غيره.
مثال ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيدالله العمري، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : «تابع ما بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما يزيدان في الأجل، وينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير الخبث» (٢).
ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وغيرهم، عن سفيان،
стр. 874
وليس فيه: «يزيدان في الأجل»، وليس في رواية أحمد: «عن أبيه» (١).
قال الحميدي بعد أن ذكر عن سفيان اضطراب عاصم بن عبيدالله في إسناد الحديث: «قال سفيان: وربما سكتنا عن هذه الكلمة: «يزيدان في الأجل»، فلا نحدث بها، مخافة أن يحتج بها هؤلاء -يعني القدرية- وليس لهم فيها حجة» (٢).
وروى سفيان بن عيينة أيضا، عن عبيدالله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ قال: «الربا في النسيئة» (٣).
قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان بن عيينة مرفوعا: «كان سفيان ربما لم يرفعه، فقيل له في ذلك، فقال: أتقيه أحيانا، لكراهية الصرف، فأما مرفوع فهو مرفوع» (٤).
وقد يكون التغيير من الشيخ، وتلميذه هو المختلف عليه.
مثاله أن جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة -منهم أحمد، والشافعي، وإسحاق بن راهويه- رووا عنه، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبدالرحمن
стр. 875
الأسدي، قال: «صحبت ابن عمر إلى الحمى، فلما غربت الشمس هبت أن أقول له: الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق، وفحمة العشاء، ثم نزل فصلى المغرب ثلاث ركعات … » الحديث (١).
ورواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة، وفيه: «فلما غاب الشفق نزل فصلى المغرب … »، وقال الحميدي بعده: «قال سفيان: وكان ابن أبي نجيح كثيرا إذا حدث بهذا الحديث لا يقول فيه: «فلما غاب الشفق»، يقول: «فلما ذهب بياض الأفق، وفحمة العشاء، نزل فصلي»، فقلت له، فقال: إنما قال إسماعيل: «غاب الشفق»، ولكني أكرهه، فإذا أقول هكذا، لأن مجاهدا حدثنا أن الشفق النهار، قال سفيان: فأنا أحدث به هكذا مرة، وهكذا مرة» (٢).
وإذا لم يوقف على نص يفيد الباحث في رجوع الوجهين إلى وجه واحد فقد يمكنه ذلك بمعرفة حال الراوي حين تحديثه بالوجهين، إما نصا في الحديث الذي ينظر فيه الباحث، كأن يقول أحد تلامذته إنه حدث بهذا الوجه من حفظه، أو حال تغيره، وإما بالاستنباط، كأن يعرف أن أحد الراويين عنه أخذ عنه في حال تحديثه من حفظه, أو في حال تغيره، أو في بلد عرف أن أخطاءه كثرت فيه، أو لم يصرح بهذا الوجه بالتحديث، وقد عرف عنه التدليس، أو الإرسال،
стр. 876
أو وقف الحديث وقد عرف عنه التوقي في الرفع، والوجه الآخر بضد ذلك كله.
وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، أن حال الراوي يستعان بها في ترجيح كون الوجهين محفوظين عنه، فيعود الباحث الآن إلى حال الراوي مرة ثانية لتحديد ما هو المحفوظ في النهاية من هاتين الروايتين.
والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، تقدم شيء منها في المبحث المشار إليه.
ومن ذلك أيضا أن إسرائيل بن يونس، ووالده يونس، وزهير بن معاوية -في رواية عنه- رووا عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ : «أنه كان يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل … » الحديث (١).
ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود (٢).
ورواه زهير بن معاوية -في رواية عنه- عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن أصحاب النبي ﷺ (٣).
ورواه الثوري، وشعبة، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن
стр. 877
ميمون مرسلا (١).
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه زكريا بن أبي زائدة، وزهير، فقال أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله، عن النبي ﷺ ، وقال الآخر: عن عمرو بن ميمون، عن عمر، عن النبي ﷺ .
فقالا: لا هذا، ولا هذا، روى هذا الحديث الثوري، فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: «كان النبي ﷺ يتعوذ … » مرسلا، والثوري أحفظهم.
وقال أبي: أبو إسحاق كبر، وساء حفظه بأخرة، فسماع الثوري منه قديم.
وقال أبو زرعة: تأخر سماع زهير، وزكريا، من أبي إسحاق» (٢).
ونحو ذلك للدارمي، قال الترمذي: «قال عبدالله بن عبدالرحمن: أبو إسحاق الهمداني مضطرب في هذا الحديث, يقول: عمرو بن ميمون، عن عمر, ويقول عن غيره, ويضطرب فيه» (٣).
وروى سعدان بن يحيى، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح» (٤).
стр. 878
ورواه ابن وهب، والقاسم بن مبرور، عن يونس, عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا، زاد القاسم في روايته عن يونس: قال الزهري: حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة، موقوفا (١).
قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سعدان، عن يونس … ، قال أبي: ورواه الزهري، عن سالم، سمع أبا هريرة، موقوفا، قال أبي: الموقوف أشبه.
قلت: وما تنكر أن يكون سمع منهما؟ قال: أنكر، فإنه لا يحتمل أن يكون هذا من حديث قبيصة، وسعدان أرى أنه سمع من يونس بمكة, أو المدينة، ويونس لم تكن معه كتبه، قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد بمكة، فجهدت أن يقيم لي إسناد حديث فلم يقمه، فنرى أن سعدان سمع منه بمكة، لأن حديثه، وحديث أبي ضمرة، وسليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى, متقارب» (٢).
والأمر كما قال أبو حاتم في غلط يونس حين روى الحديث لسعدان، لكن دلت رواية القاسم بن مبرور أن أصل رواية قبيصة كانت عند يونس، عن الزهري، إلا أنه حين رواه لسعدان زاد في الإسناد، ونقص.
وقال ابن أبي حاتم أيضا: «حدثنا أبو زرعة، عن محمد بن بكار، عن أبي معشر، عن عبدالله بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا
стр. 879
دخل الخلاء يقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».
فسمعت أبا زرعة يقول: هكذا أملاه علينا من حفظه، وقيل لي: في كتابه: عن أبي معشر، عن حفص بن عمر بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وهو الصحيح.
وحدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا أبو معشر، عن حفص بن عمر بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ » (١).
ويمكن أيضا ترجيح أحد الوجهين اللذين ثبتا عن المدار بالنظر في صفة روايتيه، كأن يكون سلك الجادة في أحدهما، أو حمل رواية على أخرى، وقد يكون هذا مضموما إلى حال الراوي.
فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما روى معمر, عن الزهري، عن أنس في قصة كيه ﷺ لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات، هكذا حدث به معمر بالبصرة، وقد حدث به باليمن، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، مرسلا.
والمعتمد من روايتيه ما رواه باليمن -كما تقدم شرح هذا-، وتأيد ذلك بأن معمرا في روايته بالبصرة سلك جادة سهلة، وهي الزهري، عن أنس.
فهذا الأمثلة السابقة هي لصور أمكن فيها ترجيح وجه واحد بعد المدار،
стр. 880
بالنظر في حال المدار، وما جاء في روايتيه أو إحداهما.
ومثل هذا يقال في الدلالة على حفظ الوجهين بعد المدار، قد يوجد في روايتيه أو إحداهما ما يدل على حفظه للوجهين، وأمثلته كثيرة جدا، امتلأت بها كتب السنة، كأن يروي الراوي عن شيخ له إسنادا، ثم يقول بعده: فلقيت فلانا -الذي هو شيخ شيخه أو من فوقه- فحدثني به, فهذا النص يدل على أنه يرويه بنزول, ويرويه بعلو, وقد يذكر أنه لقي راويا آخر ليس في الإسناد، فيحدثه بالحديث بإسناد آخر، ونحو ذلك، وقد تقدم شرحه بأمثلته في المبحث الأول من الفصل الرابع من الباب الأول.
ومن أمثلة الركون إلى هذا في معالجة الاختلاف، أن أصحاب أبي إسحاق السبيعي اختلفوا عليه في حديث أُبي بن كعب في صلاة الجماعة، فقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب (١).
فذهب جمع من النقاد إلى ترجيح حفظها كلها, ومما اعتمدوا عليه في ذلك بالنسبة للأوجه الثلاثة الأول ما رواه شعبة، عن أبي إسحاق, ومفاده أنه سمعه من أبي بصير، عن أبي بن كعب، ومن ابن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي، ومن