← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أو وقف الحديث وقد عرف عنه التوقي في الرفع، والوجه الآخر بضد ذلك كله. وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، أن حال الراوي يستعان بها في ترجيح كون الوجهين محفوظين عنه، فيعود الباحث الآن إلى حال الراوي مرة ثانية لتحديد ما هو المحفوظ في النهاية من هاتين الروايتين. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، تقدم شيء منها في المبحث المشار إليه. ومن ذلك أيضا أن إسرائيل بن يونس، ووالده يونس، وزهير بن معاوية -في رواية عنه- رووا عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ : «أنه كان يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل … » الحديث (١). ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود (٢). ورواه زهير بن معاوية -في رواية عنه- عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن أصحاب النبي ﷺ (٣). ورواه الثوري، وشعبة، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن

стр. 877

ميمون مرسلا (١). قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه زكريا بن أبي زائدة، وزهير، فقال أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله، عن النبي ﷺ ، وقال الآخر: عن عمرو بن ميمون، عن عمر، عن النبي ﷺ . فقالا: لا هذا، ولا هذا، روى هذا الحديث الثوري، فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: «كان النبي ﷺ يتعوذ … » مرسلا، والثوري أحفظهم. وقال أبي: أبو إسحاق كبر، وساء حفظه بأخرة، فسماع الثوري منه قديم. وقال أبو زرعة: تأخر سماع زهير، وزكريا، من أبي إسحاق» (٢). ونحو ذلك للدارمي، قال الترمذي: «قال عبدالله بن عبدالرحمن: أبو إسحاق الهمداني مضطرب في هذا الحديث, يقول: عمرو بن ميمون، عن عمر, ويقول عن غيره, ويضطرب فيه» (٣). وروى سعدان بن يحيى، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح» (٤).

стр. 878

ورواه ابن وهب، والقاسم بن مبرور، عن يونس, عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا، زاد القاسم في روايته عن يونس: قال الزهري: حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة، موقوفا (١). قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سعدان، عن يونس … ، قال أبي: ورواه الزهري، عن سالم، سمع أبا هريرة، موقوفا، قال أبي: الموقوف أشبه. قلت: وما تنكر أن يكون سمع منهما؟ قال: أنكر، فإنه لا يحتمل أن يكون هذا من حديث قبيصة، وسعدان أرى أنه سمع من يونس بمكة, أو المدينة، ويونس لم تكن معه كتبه، قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد بمكة، فجهدت أن يقيم لي إسناد حديث فلم يقمه، فنرى أن سعدان سمع منه بمكة، لأن حديثه، وحديث أبي ضمرة، وسليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى, متقارب» (٢). والأمر كما قال أبو حاتم في غلط يونس حين روى الحديث لسعدان، لكن دلت رواية القاسم بن مبرور أن أصل رواية قبيصة كانت عند يونس، عن الزهري، إلا أنه حين رواه لسعدان زاد في الإسناد، ونقص. وقال ابن أبي حاتم أيضا: «حدثنا أبو زرعة، عن محمد بن بكار، عن أبي معشر، عن عبدالله بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا

стр. 879

دخل الخلاء يقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». فسمعت أبا زرعة يقول: هكذا أملاه علينا من حفظه، وقيل لي: في كتابه: عن أبي معشر، عن حفص بن عمر بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، وهو الصحيح. وحدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا أبو معشر، عن حفص بن عمر بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ » (١). ويمكن أيضا ترجيح أحد الوجهين اللذين ثبتا عن المدار بالنظر في صفة روايتيه، كأن يكون سلك الجادة في أحدهما، أو حمل رواية على أخرى، وقد يكون هذا مضموما إلى حال الراوي. فمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما روى معمر, عن الزهري، عن أنس في قصة كيه ﷺ لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات، هكذا حدث به معمر بالبصرة، وقد حدث به باليمن، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، مرسلا. والمعتمد من روايتيه ما رواه باليمن -كما تقدم شرح هذا-، وتأيد ذلك بأن معمرا في روايته بالبصرة سلك جادة سهلة، وهي الزهري، عن أنس. فهذا الأمثلة السابقة هي لصور أمكن فيها ترجيح وجه واحد بعد المدار،

стр. 880

بالنظر في حال المدار، وما جاء في روايتيه أو إحداهما. ومثل هذا يقال في الدلالة على حفظ الوجهين بعد المدار، قد يوجد في روايتيه أو إحداهما ما يدل على حفظه للوجهين، وأمثلته كثيرة جدا، امتلأت بها كتب السنة، كأن يروي الراوي عن شيخ له إسنادا، ثم يقول بعده: فلقيت فلانا -الذي هو شيخ شيخه أو من فوقه- فحدثني به, فهذا النص يدل على أنه يرويه بنزول, ويرويه بعلو, وقد يذكر أنه لقي راويا آخر ليس في الإسناد، فيحدثه بالحديث بإسناد آخر، ونحو ذلك، وقد تقدم شرحه بأمثلته في المبحث الأول من الفصل الرابع من الباب الأول. ومن أمثلة الركون إلى هذا في معالجة الاختلاف، أن أصحاب أبي إسحاق السبيعي اختلفوا عليه في حديث أُبي بن كعب في صلاة الجماعة، فقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب (١). فذهب جمع من النقاد إلى ترجيح حفظها كلها, ومما اعتمدوا عليه في ذلك بالنسبة للأوجه الثلاثة الأول ما رواه شعبة، عن أبي إسحاق, ومفاده أنه سمعه من أبي بصير، عن أبي بن كعب، ومن ابن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي، ومن

стр. 881

ابن أبي بصير، عن أبي، وذلك أن أبا بصير، وابنه، سمعا الحديث جميعا من أبي بن كعب (١). وروى الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت, عن أبي المطوس -أو ابن المطوس- عن أبيه, عن أبي هريرة مرفوعا: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقض عنه صوم الدهر» (٢). ورواه شعبة -في رواية الجماعة عنه- عن حبيب, فأدخل عمارة بن عمير، بين حبيب، وأبي المطوس (٣). سئل أبو حاتم عن الاختلاف بين الثوري وشعبة, فقال: «جميعا صحيحان, أحدهما قصَّر, والآخر جَوَّد» (٤). هكذا أجاب أبو حاتم, جعل إسقاط عمارة بن عمير تقصيرا, وقال ابنه

стр. 882

عبدالرحمن بعد أن ذكر هذا الاختلاف مرة أخرى: «وجدت حديثا بين علة هذه الأحاديث، حدثنا أحمد بن سنان, قال: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان, عن حبيب, عن عمارة بن عمير, عن أبي المطوس، قال حبيب: فلقيت أبا المطوس فحدثني عن أبيه, عن أبي هريرة, عن النبي ﷺ , فقد بان أن جميع الحديثين صحيحان، قد سمع حبيب من عمارة, ومن أبي المطوس» (١). وقد لا يوجد النص في الحديث المعين، ولكن يوجد في عموم حديث الراوي عن شيخه, مثاله أن قتيبة بن سعيد روى عن الليث بن سعد، قال: حدثني سعيد بن أبي هلال: «أن نفرا أتوا عائشة فقالوا: إنا نريد سفرا، فمن يؤمنا؟ … » الحديث. ورواه أبو الوليد الطيالسي، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال, هكذا بزيادة خالد بن يزيد, بين الليث, وسعيد بن أبي هلال.

стр. 883

قال أبو حاتم عن هذا الاختلاف: «سمعت أبا صالح كاتب الليث، قال: قال الليث بن سعد: كان قرأ سعيد علي هذه الأحاديث، فشككت في بعضها، فأعدتها عن خالد بن يزيد (يعني عن سعيد)» (١). ومما يدل على حفظه للوجهين أن يكون ثقة ثبتا لم يوصف بالاضطراب، ويبعد أن يقع منه هذا، ويكون مع هذا واسع الرواية، لا يستغرب منه تعدد الشيوخ والأسانيد للحديث الواحد، مثل الزهري، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، فإن النقاد كثيرا ما يستدلون بهذا على قرب احتمال أن يكون المدار حفظ الوجهين، وقد تقدم لهذا أمثلة في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، حيث ذكرته هناك من الأدلة على أن الاختلاف هو من المدار، وليس من الرواة عنه، فلسنا بحاجة إلى الترجيح والموازنة بينهم، فيستخدم هذا الدليل هنا حين النظر في الوجهين من المدار فمن فوقه، لبيان قرب حفظ المدار للوجهين. ومن أمثلة ذلك أيضا أن الزهري يروي حديث النهي عن لبستين، وعن بيعتين، وقد اختلف عليه فيه على أوجه، أشهرها ثلاثة: الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي سعيد الخدري، والزهري, عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، والزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي سعيد، إلا أن رواية عبيدالله بن عبدالله اقتصر فيها على اللبستين، وقد صححه النقاد من هذه الأوجه الثلاثة، وما ذاك إلا لشأن الزهري، وجلالته، وأنه يرويه عن الثلاثة

стр. 884

هؤلاء، وحدث به عن كل واحد منهم (١). وهؤلاء الثقات الحفاظ وأمثالهم هم الذين يحمل ما ورد عنهم من اختلاف في رفع الحديث ووقفه, أو في وصله وإرساله، إذا صحت الطرق إليهم، على أن ذلك منهم بحسب النشاط والكسل. وعكس هؤلاء من وصفوا بالاضطراب في حديثهم، إما في عموم حالهم، أو في شيوخ معينين، أو عن أهل بلد معين، ونحو ذلك، ويدخل فيهم المتروكون، والضعفاء، ومن يوصف بأنه صدوق, والثقة إذا كان في أدنى مراتب الثقة، وكذلك من يوصف باختلاف حاله بين حفظه وكتابه ونحو ذلك، ولم يتميز ما حدث به من كتابه، وكذلك المدلسون إذا جاء عن الواحد منهم ذكر شيخه وحذفه، فكل هؤلاء حالهم تدل على أن الاختلاف منهم، وليس من الرواة عنهم, كما سبق ذلك بأمثلته في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، ويستدل بذلك هنا على عدم حفظه للوجهين عن شيخيه إن كان الاختلاف في إبدال إسناد بآخر، وكذلك اضطرابه وتردده فيما يرويه بإسناد واحد، ويختلف عليه فيه في هذا الإسناد، وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو زيادة في الإسناد،

стр. 885

أو اختلافا في المتن (١). وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أن من أهم وسائل الأئمة في الحكم على الراوي النظر في ثباته أو اضطرابه فيما يرويه (٢)، فهؤلاء قد يكون نزول رتبتهم -على تفاوتهم- عن الثقة الثبت بسبب الاضطراب الحاصل في رواياتهم. ويلتحق بهؤلاء في الحكم الثقة الثبت إذا تبين أن الاختلاف منه، ولم يمكن حمله على تعدد الشيوخ، أو النشاط والفتور، وذلك كأن يأتي عنه أنه لم يتمكن من الحديث جيدا، فيقول مثلا: أراه عن فلان، أو أراه مرفوعا، أو لا أدري هو كذا أو كذا, أو يتردد في لفظ الحديث ولم يمكن الجمع بين روايتيه، ونحو ذلك. والنقاد يلجؤون أحيانا إلى تحميل المدار عهدة الاختلاف مع كون الراوي بهذه الدرجة، غير أنه ليس بالكثير، ومنه قول أحمد: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام، في حديث أنس: «كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون» في اللفظ، وكلهم ثقات» (٣). ومن ذلك أيضا رواية الزهري لقصة سهوه ﷺ في صلاته، وهو الحديث

стр. 886

المعروف بقصة ذي اليدين, قال ابن عبدالبر: «قد اضطرب على الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته … ، لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عَوَّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، لاضطرابه فيه, وأنه لم يقم له إسناد ولا متنا, وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن, فالغلط لا يسلم منه أحد» (١). ويشار هنا إلى ضرورة تأني الباحث في تصحيحه وجهين رجح حفظهما عن المدار، فيصححهما بعده أيضا، فإن هذا مزلة قدم، قد يزل فيه من ينظر في الاختلاف، ويجتهد في تطبيق قواعده، فيسلك منهج المتأخرين في تصويب كل ما يرويه ثقة، ويتكلف لذلك كما يفعلون. روى الحميدي، وإبراهيم بن بشار، وعبدالرحمن بن يونس، ومحمد بن الصباح، ومحمد بن ميمون الخياط، وأحمد بن عبدة، ومحمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أمه أم كلثوم، قالت: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح»، وفي رواية الحميدي وإبراهيم بن بشار، قول سفيان: أخبروني عن الزهري، زاد الحميدي بعد سياق الحديث: ولم أسمعه من الزهري، وفي رواية عبدالرحمن بن يونس: ولم يسمعه سفيان من الزهري.

стр. 887

تعرض أحد الباحثين لهذين الوجهين عن سفيان بن عيينة، وذكر أنهما محفوظان عن ابن عيينة، لثقة رواتهما. ولا إشكال في ذلك، وهو كاف في ترجيح حفظهما عن ابن عيينة، لكن الباحث قال بعد ذلك: «ولا يعكر على ما ذكرت قول سفيان في رواية الحميدي: ولم أسمعه من الزهري، إذ يمكن حمل ذلك على تعدد السماع، وأنه سمع الحديث في أول الأمر عن الزهري بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة … ». كذا قال الباحث، انتقل من الحديث عن المحفوظ عن ابن عيينة، إلى المحفوظ بعده، وليس هذا موضع الشاهد هنا، فإن الاستعانة بصفة الأوجه بعد المدار في النظر في الاختلاف عليه أمر متقرر، وإنما الشاهد هنا أن الباحث لم يتمعن جيدا فيما قال عن سماع ابن عيينة لهذا الحديث من الزهري، فأبعد النجعة جدا، فسفيان حين قال للحميدي ومن معه إنه لم يسمعه من الزهري كان ذلك بعد وفاة الزهري بدهر طويل، فلا يمكن أن يكون سمعه منه مباشرة مرة أخرى، فالمحفوظ من روايتيه إذن ذكر واسطة بينه وبين الزهري، والأخرى مدلسة، ارتكب فيها سفيان التدليس بلا شك. وإذا فرغ الباحث من النظر في المدار وما ورد عنه، وصفه روايتيه، انتقل إلى جانب آخر يساعد في معرفة الراجح من روايتي المدار، فينتقل إلى الطرق الأخرى خارج المدار، فينظر إن كان هناك من شارك المدار في الرواية عن شيخه لهذا الحديث، فإن وجد أحدا شارك المدار تأمل في روايته هل رواه على الوجهين؟ أو على أحد الوجهين؟ أو أتى بوجه جديد؟ وهكذا في الطبقة التي تليها، حتى

стр. 888

نهاية الإسناد، وذلك في حال كون الوجهين إسنادهما بعد المدار واحدا، والاختلاف فيه وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو بزيادة راو، أو بالاختلاف في متن الحديث، فإن كان الوجهان بإسنادين مختلفين نظر الباحث في متابعات المدار ومن فوقه لكل إسناد منهما، ونظر إن كان بين هذه المتابعات ورواية المدار اختلاف. وكما تقدم في المبحث الذي قبل هذا حين يكون مع الباحث وجه واحد راجح، فقد طولب الباحث في حكمه على الوجه الراجح أن ينظر في الطرق الأخرى خارج المدار، وقيل هناك إن الطرق الأخرى قد تبقي الراجح راجحا، وقد تحوله إلى مرجوح، وقد يكون الراجح خارج الاختلاف على المدار الأساس، إلى غير ذلك من الصور. والأمر كذلك هنا، نتيجة النظر هذه قد تقود إلى تأكيد ما وصل إليه الباحث حين نظر في المدار نفسه، وفي صفة روايتيه، كأن يترجح من النظر فيه أحد الوجهين اللذين حفظا عنه، فيزداد هذا الترجيح قوة برواية من شارك المدار، أو من فوقه، وكأن يترجح من النظر في المدار حفظ الوجهين، فيتأكد هذا بالطرق العليا، وقد تتغير نتيجة النظر في المدار، كأن يتبين من النظر فيه حفظ أحد الوجهين، ومن النظر في الطرق الأخرى أنه قد غلط فيه والصواب الوجه الآخر، أو يتبين من النظر في المدار حفظه للوجهين، ثم يتبين غلطه في أحدهما، وقد يكون الراجح خارج روايتيه تماما. وفوق ذلك أن الباحث ربما وجد طرقا أخرى إلى شيخ المدار يترجح بها خلاف ما ترجح عن المدار، ثم يجد طرقا أخرى فوق شيخ المدار تخالف هذا

стр. 889

الترجيح، فقد يترجح الوجه الذي كان مرجوحا، وقد يترجح حفظ الوجهين جميعا. وفي أحيان كثيرة لا يجد الباحث طرقا أخرى خارج المدار يستعين بها في النظر والموازنة، فتبقى النتيجة على حالها. ويتركب مما تقدم صور كثيرة لا حصر لها، في حاصل نتيجة النظر في المدار، وفي الطرق خارج المدار، وسأذكر الآن أمثلة لما تقدم، غير أني سأقتصر على بعض هذه الصور خشية الإطالة. فمن ذلك حديث سعد بن إبراهيم الماضي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سعد, عن الزهري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، ورواه مرة أخرى عن الزهري مرسلا، وكلتا الروايتين ثابتة عنه، والرواية بذكر أبي الطفيل حدث بها من حفظه فهي غلط إذن, والراجح الإرسال. وقد تأيد هذا بأن أصحاب الزهري الآخرين رووه عنه بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني أن معمرا وغيره رووه عن الزهري مرسلا (١). وكذلك الحديث الماضي في المبحث المشار إليه، وهو حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا … » الحديث، فقد تقدم هناك أن سفيان يتردد فيه، فيرويه هكذا في أكثر أحيانه، وربما رواه بلفظ: «من قام رمضان … ». ولم يترجح بالنظر لحال سفيان شيء منهما، اللهم إلا أن يقال إن سفيان مع تردده يميل إلى أنه حفظه عن الزهري باللفظ الأول، ولهذا فهو يذكره في الغالب.

стр. 890

وبالنظر في الطرق الأخرى إلى الزهري نجد أن المحفوظ هو اللفظ الثاني: «من قام رمضان … »، هكذا رواه مالك، ومعمر، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد، وغيرهم، عن الزهري، وفي بعض رواياتهم ما يدل يؤكد أنه المحفوظ ففيها: «كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم بعزيمة … » (١). وقد رواه مع الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن ثلاثة: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة. فأما يحيى بن سعيد فمدار روايته على محمد بن فضيل، وقد رواه بلفظ: «من صام رمضان … » (٢). وأما يحيى بن أبي كثير فرواه عنه أبان بن يزيد، وشيبان بن عبدالرحمن، وهمام، ومعاوية بن سلام، بلفظ القيام، واختلف على هشام الدستوائي، والأوزاعي، فجاء عنهم على الوجهين (٣).

стр. 891

وأما محمد بن عمرو بن علقمة فجمع بين اللفظين في أكثر الروايات عنه: «من صام رمضان، وقامه … »، وجاء عنه بلفظ الصيام وحده (١). وقد وقع في بعض الأسانيد إلى هؤلاء أخطاء في الإسناد والمتن، تركتها هنا اختصارا (٢). فتلخص مما تقدم أن أبا سلمة بن عبدالرحمن يروي عن أبي هريرة حديثين، أحدهما بلفظ: «من قام رمضان … »، وهذا يرويه عنه الزهري، ويحيى بن أبي كثير. والثاني بلفظ: «من صام رمضان … »، وهذا يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، وكذا يرويه -فيما يظهر- يحيى بن أبي كثير، فإن ممن رواه عنه بهذا اللفظ هشام الدستوائي، وهو المقدم في أصحاب يحيى بن أبي كثير، وقد جاء عن هشام من رواية جماعة من أصحابه. وأما جمع محمد بن عمرو بن علقمة بين اللفظين فيحتمل أن الحديثين كانا عنده عن أبي سلمة، فجمع بينهما، وهو متكلم فيه من قبل حفظه (٣).

стр. 892

وقد شارك أبا سلمة بن عبدالرحمن بن عوف في رواية حديث القيام أخوه حميد بن عبدالرحمن (١)، وأما حديث الصيام فلم يصح إلا عن أبي سلمة وحده. وأخرج الترمذي, عن الدارمي, عن زكريا بن عدي, عن عبيدالله بن عمرو الرقي, عن عبدالملك بن عمير, عن مصعب بن سعد, وعمرو بن ميمون, قالا: «كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات, كما يعلم المكتب الغلمان, ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الخبث … » الحديث. ثم قال الترمذي: «قال عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي): أبو إسحاق الهمداني مضطرب في هذا الحديث, يقول: عن عمرو بن ميمون, عن عمر, ويقول عن غيره, ويضطرب فيه» (٢). ومراد الدارمي, والترمذي, أن أبا إسحاق يضطرب في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن ميمون, فالمصير إلى رواية غيره ممن لم يضطرب, وهو عبدالملك بن عمير, وروايته خارج الأوجه التي جاءت عن أبي إسحاق, وقد تقدمت الأوجه التي يروي أبو إسحاق الحديث عليها قريبا في هذا المبحث, وتقدم هناك أن الرازيين -أبا حاتم وأبا زرعة- يحملانه الاضطراب كذلك, لكنهما رجحا ما رواه قديما, وهو ما رواه عنه الثوري.

стр. 893

ومن ذلك أيضا أن جماعة من الرواة -منهم أحمد، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي، ومحمد بن الصباح، وغيرهم- رووا عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، قال: «قلت: يا رسول الله، أرأيت دواء نتداوى به، ورقى نسترقي بها … » الحديث (١). ورواه آخرون -منهم محمد بن أبي عمر العدني، وحسين بن محمد، ويحيى بن أبي بكير، وغيرهم- عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه (٢). ورواه جماعة من أصحاب الزهري -منهم الزبيدي، ويونس، وصالح بن كيسان، وغيرهم- عن الزهري، كالرواية الثانية عن ابن عيينة، قالوا: عن أبي خزامة، عن أبيه (٣). وبرواية الجماعة هذه خطأ النقاد الوجه الأول عن سفيان، فكان سفيان يخطئ فيه، وبدون رواية الجماعة عن الزهري الترجيح غير ممكن، فقد رواه أحمد، عن سفيان بن عيينة، على الوجه الأول الذي انفرد به، ثم رواه أحمد بواسطة حسين بن محمد، ويحيى بن أبي بكير، عن سفيان، على الوجه الذي وافق فيه

стр. 894

أصحاب الزهري، وقال أحمد: «وهو الصواب، كذا قال الزبيدي» (١)، وقال مرة: «والحديث إنما يروى عن أبي خزامة, عن أبيه, رواه يونس, والزبيدي -يعني محمد بن الوليد-, وهو أصحهما» (٢). وقال الترمذي بعد أن أخرج رواية سفيان على الوجه الأول: «وقد روى غير واحد هذا عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، هكذا قال غير واحد عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه» (٣). وكذا خطأ سفيان في قوله: عن ابن أبي خزامة غير واحد من النقاد (٤). وروى آدم بن أبي إياس، والخصيب بن ناصح، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٥). ورواه موسى بن إسماعيل التبوذكي، عن حماد بن سلمة به موقوفا. قال البخاري بعد أن ذكر الاختلاف على عمرو بن دينار، ورجح وقفه على جابر من طريقه: «وقال لنا آدم: حدثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ ، ولم يصح، لأن موسى حدثنا عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «ليس فيما دون خمس أوساق صدقة»، وقال لنا إسماعيل: حدثني ابن أبي الزناد،

стр. 895

عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قوله» (١). فضعف البخاري رواية حماد بن سلمة المرفوعة باضطراب حماد، وأنه قد رواه مرة موقوفا، والراويان عنه عند البخاري للرفع والوقف، وهما آدم بن أبي إياس، وموسى بن إسماعيل، ثقتان جليلان، ثم فزع البخاري إلى طبقة المدار، فرواه من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير موقوفا، فترجح إذن من روايتي حماد بن سلمة الوقف. وللحديث طرق أخرى إلى أبي الزبير مرفوعة وموقوفة، ويتحصل في النهاية أن الراجح وقف الحديث على جابر، كما ذهب إليه البخاري (٢). وروى عبيدالله بن معاذ، ومحمد بن عبدالأعلى، وسويد بن سعيد، وغيرهم، عن المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (٣).

стр. 896

ورواه سعيد بن منصور، عن المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد وحده (١). وهكذا رواه الجماعة من أصحاب سليمان التيمي، منهم شعبة، وسفيان بن عيينة، وهشيم، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، وإسماعيل بن علية، وغيرهم (٢). وقد أخرج مسلم روايتي المعتمر بذكر سعيد بن زيد وحذفه, لكن سياقه يشعر بتخطئته في الزيادة، فإنه افتتح الحديث برواية المعتمر التي ليس فيها ذكر سعيد بن زيد، ثم أعقبها برواية المعتمر التي فيها ذكره، ثم ساق الطرق الأخرى إلى سليمان اليتمي بحذف الزيادة, ليبين أن المعتمر أخطأ حين ذكر الزيادة. وقد خطأ المعتمر بذكر الزيادة غير واحد من النقاد (٣). وروى أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «رخص رسول الله ﷺ في قتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» (٤).

стр. 897

قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه أيوب بن عتبة … ، فقالا: هذا خطأ، إنما هو يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، قلت لهما: الخطأ ممن هو؟ قالا: من أيوب، حدث به مرة على الصحة عن ضمضم، ومرة على الخطأ» (١). ورواية أيوب على الخطأ سلك فيها الجادة فأخطأ, وقد تأكد خطؤه برواية الحفاظ من أصحاب يحيى بن أبي كثير للحديث عن يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، ومنهم علي بن المبارك، ومعمر، وهشام الدستوائي (٢). قال البزار: «هذا الحديث أخشى أن يكون أخطأ فيه أيوب بن عتبة في إسناده، إذ رواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإنما يرويه الحفاظ عن يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة» (٣). وقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «كان النبي ﷺ يباشر أم سلمة … » الحديث. قال أبي: حدثنا صفوان، قال: حدثني الوليد مرة فوصله، ومرة حدثنا به

стр. 898

فأرسله، قال أبي: الناس يروونه عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلا» (١). وروى حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، وقد قيل عن حاتم أيضا, عن أبي سعيد, مكان أبي هريرة (٢). هكذا تردد فيه حاتم بن إسماعيل، وقد تبين من الطرق الأخرى أن الراجح خارج روايتيه، فقد سئل أبو حاتم, وأبو زرعة, عن روايتي حاتم فقالا: «الصحيح عندنا -والله أعلم-: عن أبي سلمة، أن النبي ﷺ … مرسل». قال أبو حاتم: «ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، أن النبي ﷺ … ، وهذا الصحيح، ومما يقوي قولنا أن معاوية بن صالح، وثور بن يزيد، وفرج بن فضالة، حدثوا عن المصاهر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ ، هذا الكلام». وقال أبو زرعة: «وروى أصحاب ابن عجلان هذا الحديث عن أبي سلمة مرسلا»، قيل له: من؟ قال: «الليث، أو غيره» (٣). وروى الجماعة من أصحاب محمد بن أبي ليلى عنه، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي، قال: «سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾

стр. 899

قال: (آمين)» (١). وقيل عن ابن أبي ليلى, عن عدي بن ثابت, عن زر بن حبيش, عن علي (٢)، وقيل عن ابن أبي ليلى، عن عبدالكريم بن أبي المخارق، عن عبدالله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي. قال الدارقطني: «الاضطراب في هذا من ابن أبي ليلى، لأنه كان سيئ الحفظ، والمشهور عنه حديث حجية بن عدي» (٣). ونحوه لأبي حاتم وقد ذكر له ابنه الوجهين الأولين، وذكر أبو حاتم أن الصواب خارج هذه الأوجه كلها، وهو: سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن وائل بن حجر (٤). وحديث سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، أو أبي العنبس، يرويه عن سلمة حافظان جليلان، وهما سفيان الثوري، وشعبة، وقد اختلفا في غير موضع في الإسناد والمتن، فلا بد من النظر في هذا الاختلاف، وتحرير المحفوظ منه، وقد تقدم هذا في المبحث من الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. وروى عبدالأعلى بن عبدالأعلى، وحماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «يتقارب الزمان،

стр. 900

وينقص العمل … » الحديث (١). وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، وحماد بن زيد، بصريان، ورواية معمر بالبصرة فيها ضعف، كما تقدم غير مرة، وقد رواه معمر باليمن فلم يذكر أبا هريرة، هكذا رواه عنه عبدالرزاق (٢). قال الدارقطني في تعليل رواية معمر الموصولة: «يقال إن معمرا حدث بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها» (٣). فإذا انتقلنا إلى طبقة الزهري فما رواه الجماعة شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، وغيرهم - يخالف روايتي معمر، فقد رووه عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، فهي علة للموصول عن سعيد بذكر أبي هريرة، وقد أشار البخاري إلى هذه العلة بعد أن أخرج طريق سعيد الموصول، وكذا أعله البزار, والدارقطني بها (٤).

стр. 901

وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر سعيد بالوصل والإرسال وهما من معمر، فإنه لم يتابع على ذكره، ويحتمل أن يكون وهمه في ذكر أبي هريرة في طريق سعيد, ويكون الزهري له إسنادان في هذا الحديث: حميد، عن أبي هريرة، وسعيد مرسلا، لكن إنما يقوى حفظه لهذا الأخير لو كان معمر قد شارك الجماعة في رواية حديث حميد، وروى الإسناد الآخر. ومن ذلك أيضا في معمر، أن عبدالرزاق، وعبدالله بن المبارك، رويا عنه، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من الشعر حكمة» (١). ورواه رباح بن زيد، وهشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن مروان بن الحكم (٢). والمعتمد من روايتي معمر الثانية، فقد قال رباح بن زيد: «أخرج معمر كتابه فإذا فيه: عن أبي بكر بن عبدالرحمن»، قال ابن حجر بعد أن ذكر هذا: «كأن معمرا حدث به من حفظه فأبدل، وكتابه أتقن» (٣). وقد تأيد هذا بأن الجلة من أصحاب الزهري، ومنهم شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وزياد بن سعد، وإبراهيم بن سعد، وغيرهم - رووه عن الزهري

стр. 902

كرواية رباح، وهشام، عن معمر، إلا أن إبراهيم بن سعد -في قول الجماعة عنه- كان يقول: عن عبدالله بن الأسود، مكان: عبدالرحمن بن الأسود، وخطأه النقاد في ذلك (١). وقد وقع لابن عيينة نحو ما وقع لمعمر في ذكر عروة، وإن كان ابن عيينة يرسله (٢). والخلاصة أن المتابعات للمدار ومن فوقه هامة جدا في حال وجود وجهين أو أكثر توصل الباحث إلى أنها كلها محفوظة عن المدار، وذلك لمعرفة الراجح من هذه الأوجه, أو من خارجها. فإذا فرغ الباحث من النظر في المدار، وفي صفة روايتيه، وفي الطرق فوق المدار، فما يصل إليه في النهاية من نتيجة سواء ترجح وجه واحد أو أكثر - هو الذي يعتمده ويحكم على إسناده حكمه النهائي، ويتعامل الباحث معه -من حيث الجملة- كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا، حين يكون عند الباحث وجه واحد راجح عن المدار، فيطبق ما تقدم هناك في الفقرة الخامسة، في الحديث عن الوجه الراجح، وكيفية تعامل الباحث معه، بعد فراغه من النظر في المدار، وما فوقه من طرق, فالحكم في الحالين واحد، وهو النظر في إسناد لوجه محفوظ, أو في أسانيد

стр. 903

لأوجه محفوظة، فلا أعيد ما ذكرته هناك. وكذلك الحال في الوجه المرجوح هنا، إن كان يوجد وجه مرجوح، أحكامه تقدمت في المبحث السابق بتفاصيلها. وأستثني من ذلك ثلاث قضايا، أتحدث عنها هنا: ١ - إذا وقف الباحث على طرق أخرى خارج المدار للوجهين اللذين حفظا عن المدار, أو لأحدهما, وأراد أن يستعين بها في ترجيح حفظ الوجهين بعد المدار, أو حفظ أحدهما, فالباحث حينئذ ملزم قبل أن يستفيد من هذه الطرق أن يطبق عليها قواعد الاستعانة بطرق أخرى للترجيح. ومن القواعد أن هذه الطرق لا يصح أن تغير من النتيجة السابقة في نظر الباحث في المحفوظ قبل المدار, فهو هنا ينظر في المحفوظ بعد المدار، والأصل أنه قد فرغ من المرحلة الأولى، فإن تغيرت النتيجة, وعاد الباحث فقرر أن المحفوظ عن المدار أحد الوجهين, فمعناه أنه قد اضطرب في معالجته للاختلاف قبل المدار, فقرر مسبقا حفظ وجهين, وذلك قبل أن يستكمل النظر في دلائل هذا الرأي, ثم عاد بعد أن استكملها فنقض هذه النتيجة, وهذا لا يصح أبدا. ومنها أن هذه الطرق التي يريد أن يستعين بها عليه أن يفحصها جيدا، من جهة رواتها, وسماع بعضهم من بعض, ويطبق عليها قواعد التفرد, ويفعل بها كما فعل في الإسناد الأصل الذي ابتدأ به. ثم عليه أن يفحصها جيدا من جهة وجود اختلاف على بعض رواتها, فإن

стр. 904

وجد شيئا من ذلك فعليه أن ينشئ نظرا جديدا في هذا الاختلاف, ويطبق عليه قواعد النظر في الاختلاف بصفة عامة, ويتوصل إلى نتيجة فيه هي التي ينقلها ليستفيد منها في نظره في المحفوظ بعد مداره الأساس. ومنها كذلك أن الباحث بعد فحص هذه الطرق وظهور صلاحيتها للترجيح، عليه أن يتمعنها جيدا، فقد يكون في أسانيدها أو متونها دلائل يستعين بها في معرفة المحفوظ بعد المدار, من وجود قصة مثلا, أو وجود راو في المتن نقل إلى الإسناد, ونحو ذلك من الدلائل التي تدخل في صفة الرواية, وهي التي تقدمت في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. ومنها -وهو أمر بالغ الأهمية- أن يلاحظ الباحث قرب المتابعة من المدار وبعدها، وإمكانية الترجيح بما لا يستبعد عقلا. وكل هذه القواعد وغيرها تقدم شرحها في المبحث الخاص بالاستعانة بطرق أخرى خارج المدار للترجيح بها في المحفوظ عن المدار, وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب, فالحكم في الحالين واحد, فهناك كان الحديث عن الاستعانة بهذه الطرق للترجيح قبل المدار في أوجه وردت عنه, وهنا يستعان بها في الترجيح في أوجه حفظت عنه. ٢ - إذا تحرر عند الناظر في الاختلاف في نهاية الأمر وجهان أو أكثر، وكان أحد الوجهين متضمنا للآخر، متمما له، فالحكم حينئذ يكون للوجه التام، ويندرج تحته الوجه الناقص، فلا حكم له.

стр. 905

ولهذا صور كثيرة، منها أن يحفظ عن المدار أو عمن بعده وجهان، أحدهما موصول، والآخر مرسل بإسقاط الصحابي، فالحكم للموصول، والمرسل انضوى تحته، فلا حكم له، وهكذا في الرفع والوقف. ومنها أن يسقط الراوي شيخه أو من فوقه مرة، ويذكره أخرى، تدليسا، أو إرسالا، فالحكم للإسناد الذي أتى فيه بزيادة الراوي، والإسناد الآخر الناقص لا حكم له. ومن هذا الباب قول ابن حجر في توجيه إخراج البخاري لحديث اختلف فيه على الزهري وصلا وإرسالا، في قصة إتيان صفية إليه ﷺ وهو معتكف، فقيل عنه, عن علي بن الحسين, عن صفية أم المؤمنين, وقيل عنه, عن علي بن الحسين مرسلا، وأكثر الطرق إلى الزهري على وصله، ومنهم من رواه على الوجهين، قال ابن حجر: «واعتمد المصنف الطريق الموصولة، وحمل الطريق المرسلة على أنها عند علي، عن صفية، فلم يجعلها علة للموصول، والله أعلم» (١). وقد تقدم في المبحث السابق أن النقاد في حال ترجيح وجه واحد عن المدار, وتخطئة الآخر، قد يصححون الوجه الخطأ إذا كان الوجه الآخر متمما له،

стр. 906

فصارا وجها واحدا، فكذلك هنا من باب أولى، فمعنى حفظ وجهين عن المدار هنا وأحدهما ناقص هو بمعنى الترجيح، وإن لم يعبر عنه بالخطأ، فالراوي الذي عليه الاختلاف حين حدث بالناقص لم يأت بالرواية كما سمعها فهو بمعنى المرجوح إذن. وأحكام الوجه المرجوح بابها واحد، لكنني اضطررت إلى إعادة بيان هذه القضية هنا لما فيها من الخفاء، فحفظ وجهين عن المدار، أحدهما تام، والآخر ناقص، قد لا يتفطن الباحث لقضية أن الوجه الناقص هو بمعنى المرجوح، فيذهب يحكم عليه لوحده. وهذا رأيته في عمل كثير من الباحثين، إذا وصل إلى نتيجة حفظ الوجهين بعد المدار موصول ومرسل -مثلا- حكم على الموصول بحكم، ثم عاد فحكم على المرسل, فيقول مثلا: وقد تبين من الدراسة أن الوجهين محفوظان عن الأعمش، أو عن قتادة، أو عن الزهري، وهذا منه، تارة ينشط فيصل الحديث، وتارة يفتر فيرسله، والحديث من وجهه الموصول صحيح، وأما من وجهه المرسل، فهو ضعيف، وربما زاد الباحث على ذلك فيقول: ولكن هذا المرسل له متابعات، أو شواهد تقويه، فيرتقي إلى الصحيح لغيره. هكذا رأيت بعض الباحثين يحرر نتيجته، وفي تحريرها بهذه العبارة وأمثالها خلل ينبغي على الباحث أن يتجنب الوقوع فيه. ومن الإيغال في التفرقة بين الإسنادين على هذه الصورة أن أحد الإخوة

стр. 907

الباحثين تعرض لاختلاف على راو، وصلا وإرسالا، وقد أخرج البخاري الوجهين الموصول والمرسل، واكتفى مسلم بتخريج الموصول، وتوصل الباحث إلى أن الوجهين محفوظان عن المدار، ثم قال في النتيجة النهائية: «الحديث من وجهيه صحيح، حيث أخرجهما البخاري في «صحيحه»، وانفرد مسلم بإخراج الوجه الأول فقط، ولكن البخاري مقدم، والجمع أولى من الترجيح». كذا قال الباحث، والصواب أنه لا فرق بين عمل الإمامين، ومسلم لا يلزم من عمله الترجيح، فالحديث عاد إلى وجه واحد هو الوصل، وكون البخاري أخرج المرسل الأقرب أنه أراد بيان أن هذا ليس علة للموصول، بعد أن ثبت الوصل، أو أراد تكثير الطرق على عادته، فالمرسل موصول في الحقيقة. ٣ - تقدم في المبحث السابق ضرورة اعتناء الباحث بإسناد الوجه الراجح، والتأمل فيه جيدا قبل إصدار الحكم عليه، وأن الخلل قد يتطرق إلى عمل الباحث بعد الجهد الكبير الذي بذله في النظر في الاختلافات، والترقي فيها إن وجد الاختلاف في طبقات متعددة، يتطرق إليه الخلل في حكمه على الإسناد، من جهة رواته ودرجاتهم، وسماع بعضهم من بعض، وضربت هناك بعض الأمثلة. وما قيل هناك يعاد ذكره هنا من باب أولى، وذلك في حال حفظ المدار لإسنادين للحديث الواحد, فيعتني الباحث بكل إسناد، ويصدر عليه حكمه اللائق به، ولا يفتر عن التدقيق فيهما أو في أحدهما، فيذهب عمله سدى. ومما يؤخذ على بعض الناظرين في الاختلاف تسامحهم في الحكم على إسنادين

стр. 908

محفوظين للحديث مدارهما على شخص واحد، فيقول الناظر مثلا: والحديث صحيح من وجهيه، أو كلا الإسنادين صحيح، ونحو ذلك وعند التأمل لا يكون الأمر كذلك، ففي الإسنادين أو في أحدهما ضعف في جهة ما يمنع من التصحيح. وقد يتسبب هذا القصور في التأمل في الإسنادين إلى خطأ مضاعف، فهناك خلل في طريقة كثير من المتأخرين في النظر في الاختلافات، وذلك من جهة تأثير تصحيح الإسنادين على الاختلاف نفسه، والنظر في المحفوظ من الأوجه، وإعمال قرائن الموازنة والنظر, فإذا رأى أن الإسنادين كلاهما صحيح بادر إلى الحكم بصحة الوجهين إلى المدار، وأن المدار قد حفظهما, ولا يدقق في قرائن الترجيح، فيمر سريعا على الاختلاف، ويصدر حكمه بحفظ الوجهين بحجة أنه ليس هناك تأثير كبير على صحة الحديث، فسواء حفظ الوجهان، أو أحدهما، فالحديث صحيح، فتكثر عندهم هذه العبارات ونحوها: وسواء كان هذا، أو هذا، فالحديث صحيح، أو: غاية ما في الأمر أنه انتقال من إسناد إلى آخر, وكلاهما صحيح, أو: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة، وهذا لا يضر. وغير خاف أن هذه الأسس التي ينطلق منها بعض المتكلمين على الاختلافات لها تأثير كبير في ضعف نظرهم في الاختلاف، وبعدهم عن منهج النقاد الأوائل، فلا تأثير مطلقا لحال الإسنادين -كما تقدم شرحه مرارا- على نظر الناقد، والجهد الذي يبذله في معرفة الراجح من المرجوح, ولهم من النظر في الاختلافات اعتبارات وأغراض غير مجرد معرفة الصواب في الاختلاف المعين.

стр. 909

فإذا وقع الناظر في الخلل في تحرير حال الإسنادين، وصححهما، ثم قاده ذلك إلى التأثير على نظره في أصل الاختلاف - صار خطؤه مضاعفا، فإن صحة الإسنادين لا تأثير لها في النظر في الاختلاف عن المدار, مع التسليم بصحتهما، فكيف إذا كانت صحتهما أو صحة أحدهما -وقد يكون هو الراجح عند النقاد- محل نظر؟ مثال ذلك الحديث الماضي في المبحث الذي قبل هذا، وهو حديث عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، أنه قال لمروان بن الحكم: «ألم أرك قصرت سجدتي المغرب؟ … » الحديث، وقيل: عن عروة، عن زيد بن ثابت وحده، وقيل: عن عروة، عن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت قال له ذلك, وقيل عن عروة على وجهين آخرين. والراجح أن الحديث لزيد بن ثابت وحده، لكن هل يرويه عنه عروة مباشرة, أو بواسطة مروان بن الحكم؟ تقدم أن النقاد يصححون أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت. وقد تعرض ابن حجر لهذا الاختلاف، ورجح أن الاختلاف فيهما من عروة بن الزبير، فكلا الوجهين عنه صحيح، وزيادة على ذلك فإسناد كل من الوجهين صحيح، فعروة سمعه من مروان، عن زيد بن ثابت، ثم لقي زيد بن ثابت فأخبره، واعتمد ابن حجر في ذلك على رواية عند الطحاوي، من طريق أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، يصرح فيها عروة بالإخبار عن زيد بن ثابت، وهي أيضا عند الطبراني, ونقل رأي ابن حجر بعض الباحثين

стр. 910

وأقره على ذلك. وبغض النظر عن النتيجة التي وصل إليها ابن حجر بالنسبة للاختلاف عن المدار وهو عروة، وأن الاختلاف من عروة، تارة يذكر مروان، وتارة يسقطه، فإن الحكم على رواية عروة، عن زيد بن ثابت بالصحة، وأنه سمعه من مروان عنه، ثم سمعه منه مباشرة، هذا الحكم هو محل النظر. فرواية التصريح بالإخبار معلولة، كما يظهر من النظر في طرق الحديث إلى أبي الأسود، وقد رجح النقاد -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أن عروة يرويه بواسطة مروان، عن زيد بن ثابت، وعليه فكان يرسله عن زيد في بعض أحيانه. وسماع عروة، من زيد بن ثابت، في أصله محل نظر، ولم أقف على قول لأحد يثبت سماعه منه سوى أن علي بن المديني ذكره مرة فيمن لقي زيد بن ثابت، ثم ذكره مرتين فيمن لم يلقه، وأطال في بيان ذلك، والمرة الأخيرة منهما يحتمل أن يكون ابن المديني ينقله عن يحيى القطان (١). وخلاصة ما تقدم أن طريق عروة، عن زيد، لهذا الحديث منقطع، وأن مرجعه إلى الطريق الآخر، والله أعلم. ومن ذلك أيضا أن أبا اليمان الحكم بن نافع روى عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي حسين، عن أنس، عن أم حبيبة، أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت ما تلقى

стр. 911

أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض … » الحديث. ورواه الحكم بن نافع مرة أخرى، عن شعيب, عن الزهري، عن أنس، عن أم حبيبة. وكبار النقاد -كأحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن صالح المصري, وغيرهم- يرون أن الحكم بن نافع غلط فيه حين جعله عن الزهري، فليس له أصل من حديثه، في كلام طويل لهم في ذلك (١). وقد مَرّ أحد الباحثين بهذا الحديث، فصححه، وذكر الاختلاف على الحكم بن نافع، وبعض كلام النقاد، ثم قال مبررا تصحيحه للحديث: «والخطب في ذلك يسير، فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة». هكذا صنع الباحث، دفعه تصحيح الحديث من إسناديه إلى عدم التدقيق في أصل الاختلاف، فلم يحسم الرأي فيه، فوقع في إشكالين، ضعف النظر في الاختلاف، وتصحيح الحديث. والإسناد الذي رجحه النقاد وهو: شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس، لم يستوف شروط الصحة، فابن أبي حسين -وهو عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي- لم يسمع من أنس، فيما يظهر من ترجمته، وهو قد روى عنه

стр. 912

حديثا بواسطة عطاء بن أبي رباح (١). ٤ - إذا لم يصل الباحث إلى رأي في وجهين محفوظين أو أكثر عن المدار، فلم يرجع بعضها إلى بعض، ولم يرجح حفظها كلها، بعد نظره في المدار وما فوقه من طرق، فإما أن يكون حكم على المدار بالاضطراب، أو توقف في الحكم، فلم يبن له شيء في الأوجه، فينتقل نظره حينئذ في الاختلاف إلى حال أخرى, وهي موضوع المبحث التالي. وقبل الانتقال إلى المبحث التالي لا بد من الإشارة إلى وجود ارتباط في بعض الاختلافات, ونظر الباحث فيها, بين ما تقدم في المبحث الثاني وهو (الوجه الراجح والوجه المرجوح) , وبين ما تقدم في مبحثنا هذا وهو (الأوجه المحفوظة عن المدار) , من جهة وجودهما جميعا في اختلاف واحد, بسبب تعارض القرائن أمام الناظر في الاختلاف, فيتردد بين ترجيح أحد الأوجه عن المدار, وبين عدم وجود وجه راجح, فكلها محفوظة عنده, فيذكر الباحث الاحتمالين, ودلائل كل احتمال. وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب, أمثلة على وقوع هذا للنقاد, بسبب تعارض القرائن, وسيأتي له قريبا أيضا زيادة بيان وأمثلة في المبحث الرابع من فصلنا هذا، فإذا وقع هذا للباحث بدأ بعرض الرأي

стр. 913

الأقوى عنده, فيذكره ويذكر دلائله, ثم ينتقل للاحتمال الآخر, فلو افترضنا أنه مال أولا إلى الترجيح بدأ به, وذكر قرائنه، وتعامل مع الوجه المرجوح والوجه الراجح كما تقدم في المبحث الثاني, ثم انتقل إلى احتمال حفظ الوجهين عن المدار, وتعامل معه كما تقدم في مبحثنا هنا. * * *

стр. 914

المبحث الرابع عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار في بعض الأحاديث يصل الباحث في نهاية دراسته للاختلاف إلى أن يحكم بعدم حفظ شيء عن مدار الاختلاف، فقد تكون طرق الأوجه إليه كلها ضعيفه، بسبب رواتها، أو انقطاع في أسانيدها، أو وقوع خطأ على بعض الرواة ممن دونهم في الإسناد. وقد تقدم في أول المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب بعض الأمثلة على هذا. ومن ذلك أيضا أن حسين بن عطاء بن يسار روى عن زيد بن أسلم، عن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي ﷺ : «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين … » الحديث (١). ورواه الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (٢). وحسين بن عطاء، والصلت بن سالم، ضعيفان جدا، وقد سئل أبو حاتم عن اختلافهما، فقال: «جميعا مضطربان، ليس لهما في الرواية معنى» (٣).

стр. 915

وقد تكون الطرق إلى المدار في حيز القبول، غير أن الناظر في الاختلاف لم يتمكن من ترجيح شيء منها، فيتوقف، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث الحديث عن تعارض القرائن والمرجحات في الاختلاف الواحد، وأن ذلك يعرض للنقاد الكبار، فيترددون في الترجيح، وقد يرجح الناقد مرة وجها، ومرة وجها آخر، وهو بالنسبة للباحث أمر بالغ الصعوبة، كما شرحته هناك. ف إذا وصل الحال بالناظر في الاختلاف إلى تكافؤ القرائن فلا بد أن يتوقف في الحكم ، فيقول مثلا: ولم يتبين لي أي الوجهين هو المحفوظ, أو عندي توقف في الراجح منهما، كما يقول الناقد إذا سئل عنهما: لا أدري، أو يحتمل هذا وهذا. و إذا توقف الناظر في الاختلاف عن الترجيح صار الحديث مضطربا، وأعل الوجهان جميعا بهذا كما قال العلائي: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات … ، فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث -بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقتين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث، وعللوه بذلك» (١).
следующие страницы →