أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض … » الحديث.
ورواه الحكم بن نافع مرة أخرى، عن شعيب, عن الزهري، عن أنس، عن أم حبيبة.
وكبار النقاد -كأحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن صالح المصري, وغيرهم- يرون أن الحكم بن نافع غلط فيه حين جعله عن الزهري، فليس له أصل من حديثه، في كلام طويل لهم في ذلك (١).
وقد مَرّ أحد الباحثين بهذا الحديث، فصححه، وذكر الاختلاف على الحكم بن نافع، وبعض كلام النقاد، ثم قال مبررا تصحيحه للحديث: «والخطب في ذلك يسير، فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة».
هكذا صنع الباحث، دفعه تصحيح الحديث من إسناديه إلى عدم التدقيق في أصل الاختلاف، فلم يحسم الرأي فيه، فوقع في إشكالين، ضعف النظر في الاختلاف، وتصحيح الحديث.
والإسناد الذي رجحه النقاد وهو: شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس، لم يستوف شروط الصحة، فابن أبي حسين -وهو عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي- لم يسمع من أنس، فيما يظهر من ترجمته، وهو قد روى عنه
стр. 912
حديثا بواسطة عطاء بن أبي رباح (١).
٤ - إذا لم يصل الباحث إلى رأي في وجهين محفوظين أو أكثر عن المدار، فلم يرجع بعضها إلى بعض، ولم يرجح حفظها كلها، بعد نظره في المدار وما فوقه من طرق، فإما أن يكون حكم على المدار بالاضطراب، أو توقف في الحكم، فلم يبن له شيء في الأوجه، فينتقل نظره حينئذ في الاختلاف إلى حال أخرى, وهي موضوع المبحث التالي.
وقبل الانتقال إلى المبحث التالي لا بد من الإشارة إلى وجود ارتباط في بعض الاختلافات, ونظر الباحث فيها, بين ما تقدم في المبحث الثاني وهو (الوجه الراجح والوجه المرجوح) , وبين ما تقدم في مبحثنا هذا وهو (الأوجه المحفوظة عن المدار) , من جهة وجودهما جميعا في اختلاف واحد, بسبب تعارض القرائن أمام الناظر في الاختلاف, فيتردد بين ترجيح أحد الأوجه عن المدار, وبين عدم وجود وجه راجح, فكلها محفوظة عنده, فيذكر الباحث الاحتمالين, ودلائل كل احتمال.
وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب, أمثلة على وقوع هذا للنقاد, بسبب تعارض القرائن, وسيأتي له قريبا أيضا زيادة بيان وأمثلة في المبحث الرابع من فصلنا هذا، فإذا وقع هذا للباحث بدأ بعرض الرأي
стр. 913
الأقوى عنده, فيذكره ويذكر دلائله, ثم ينتقل للاحتمال الآخر, فلو افترضنا أنه مال أولا إلى الترجيح بدأ به, وذكر قرائنه، وتعامل مع الوجه المرجوح والوجه الراجح كما تقدم في المبحث الثاني, ثم انتقل إلى احتمال حفظ الوجهين عن المدار, وتعامل معه كما تقدم في مبحثنا هنا.
* * *
стр. 914
المبحث الرابع
عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار
في بعض الأحاديث يصل الباحث في نهاية دراسته للاختلاف إلى أن يحكم بعدم حفظ شيء عن مدار الاختلاف، فقد تكون طرق الأوجه إليه كلها ضعيفه، بسبب رواتها، أو انقطاع في أسانيدها، أو وقوع خطأ على بعض الرواة ممن دونهم في الإسناد.
وقد تقدم في أول المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب بعض الأمثلة على هذا.
ومن ذلك أيضا أن حسين بن عطاء بن يسار روى عن زيد بن أسلم، عن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي ﷺ : «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين … » الحديث (١).
ورواه الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (٢).
وحسين بن عطاء، والصلت بن سالم، ضعيفان جدا، وقد سئل أبو حاتم عن اختلافهما، فقال: «جميعا مضطربان، ليس لهما في الرواية معنى» (٣).
стр. 915
وقد تكون الطرق إلى المدار في حيز القبول، غير أن الناظر في الاختلاف لم يتمكن من ترجيح شيء منها، فيتوقف، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث الحديث عن تعارض القرائن والمرجحات في الاختلاف الواحد، وأن ذلك يعرض للنقاد الكبار، فيترددون في الترجيح، وقد يرجح الناقد مرة وجها، ومرة وجها آخر، وهو بالنسبة للباحث أمر بالغ الصعوبة، كما شرحته هناك.
ف إذا وصل الحال بالناظر في الاختلاف إلى تكافؤ القرائن فلا بد أن يتوقف في الحكم ، فيقول مثلا: ولم يتبين لي أي الوجهين هو المحفوظ, أو عندي توقف في الراجح منهما، كما يقول الناقد إذا سئل عنهما: لا أدري، أو يحتمل هذا وهذا.
و إذا توقف الناظر في الاختلاف عن الترجيح صار الحديث مضطربا، وأعل الوجهان جميعا بهذا كما قال العلائي: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات … ، فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث
-بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقتين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث، وعللوه بذلك» (١).
стр. 916
ويلتحق بما تقدم في الحكم ما إذا وصل الناظر إلى حفظ وجهين أو أكثر عن المدار، وتبين له أن المدار هو سبب الاختلاف، وبعد أن نظر في المدار وما فوقه من طرق لم يستطع ترجيح شيء منها، ولا الحكم بحفظها كلها، فالحديث حينئذ مضطرب.
وتحميل المدار عهدة الاختلاف تقدمت أمثلة كثيرة له في المبحث الثالث من فصلنا هذا، وكذلك في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وفي كثير منها يتمكن الناظر في الاختلاف عن طريق التأمل في حال المدار، وصفة روايتيه، والطرق فوقه, من ترجيح شيء من الأوجه المحفوظة عنه, أو الحكم بحفظها جميعا، فهذا شأن آخر، مضى الكلام فيه في المبحث الذي قبل هذا، والكلام الآن فيما إذا لم يتمكن الناظر من الوصول إلى شيء من ذلك، فهو حكم منه بالاضطراب ولا بد.
فيضم الناظر ما كان حرره من كلام في الطرق إلى المدار، وفي المدار نفسه, إلى حكمه بالاضطراب، وكذلك ما يجده من كلام في رواة الإسناد بعد المدار، وينظر كذلك في أوجه الاختلاف فوق المدار إن كان هناك اختلاف فوقه، فإن وجد فيها شيئا ضمه كذلك إلى ما تقدم, ويلخص كل هذا بعبارة مناسبة، فليس هناك عبارة تضبط هذا يوصى بها الباحث، فالصور المتفرعة عنه كثيرة جدا، والمهم في هذا أن يراعي الباحث حين اختياره للعبارة، وفي تعاطيه مع الأوجه المضطربة، ما تقدم في المبحث الثاني من قواعد تتعلق بالوجه المرجوح, إذ الاضطراب علة, فكأن الأوجه كلها مرجوحة.
стр. 917
وفي قضية الاضطراب أمران مهمان:
الأمر الأول: نجد في تناول بعض الباحثين للاختلافات حالات من الحكم بالاضطراب يعود الباحث فينفي بعدها الاضطراب عن الحديث، وأشهرها في صنيعهم حالتان، الأولى: إذا كان الاضطراب في وجهين بإسنادين مختلفين، في راو أو أكثر، وكان الإسنادان بالنسبة للرواة وسماع بعضهم من بعض صحيحين، أو في حكم الصحيح, تجدهم يسعون إلى نفي تأثير الاضطراب عليهما، فيكثر منهم أن يقول أحدهم: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة فلا يضر، أو غاية ما في الأمر إبدال إسناد بآخر، وكلاهما صحيح، فلا تأثير, والحديث صحيح، ونحو ذلك.
ولا تردد في أن هذا المسلك مخالف لطريقة أئمة النقد، وهو في النهاية يؤدي إلى الخلط بين منهجين في التطبيق، وقد حذرت منه مرارا فيما سبق، إذ المفترض في الباحث أن يكون طويل النفس في تطبيق منهج النقاد، شديد الانتباه، لا يغفو فيدعه بقصد أو دون قصد.
ومنهج النقاد في هذه المسألة واضح لاخفاء فيه، فالاضطراب مشعر في الجملة بعدم الضبط، وكون الراوي تردد بين إسنادين لا يمنع الاحتمال أن يكون هناك إسناد ثالث هو الصواب, لكن الراوي لم يضبط.
ثم إن القول بأن التردد بين إسنادين متساويين لا يضر - يعود بالنقض على أحكام النقاد على الرواة, فإن الثبات أو التردد من أهم وسائل أحكامهم التي
стр. 918
يصدرونها على الرواة، كما تقدم في «الجرح والتعديل» (١)، ومن أمثلته أيضا، عاصم بن أبي النجود، فقد تكلم النقاد في حفظه، ومن الكلام فيه تردده في الحديث الواحد عن شيوخه, قال حماد بن سلمة: «كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي، عن أبي وائل» (٢)، وقال العجلي: «وكان ثقة في الحديث، ولكن يختلف عنه في حديث زر، وأبي وائل»، ثم ضرب أمثلة لذلك (٣).
الثانية: إذا كان الاختلاف على وجهين، وكان أحدهما تاما والآخر ناقصا، كالوصل والإرسال، والرفع والوقف، وزيادة راو وحذفه، ونحو ذلك، وكانت النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف هي الاضطراب, فبعض الباحثين يقرر أنه لا مانع في مثل هذه الحالة أن يوقف مع الناقص منهما، ففي الرفع والوقف يحكم للوقف، وفي الوصل والإرسال يحكم للإرسال، وفي زيادة راو وحذفه يحكم للناقص منهما، فإن كانت زيادته تؤدي إلى ضعف الإسناد لضعفه هو حكم بذلك، وإن كان ثقة وحذفه يؤدي إلى انقطاع الإسناد، حكم لهذا الوجه، وهكذا.
ومن حججهم في هذا المقام أن الأدنى هو المتيقن، والأعلى مشكوك فيه، فنلقي الشك، ونبقى مع الأدنى.
وكذلك ما يؤثر عن النقاد في التحذير من الزيادة في الحديث، والتسامح في
стр. 919
النقص منه، كقولهم: انقص من الحديث، ولا تزد فيه، ومرادهم أن الخطأ في النقص أهون من الخطأ في الزيادة.
وكذلك ما جاء عن بعض الرواة من تعمد وقف الحديث، أو إرساله، إذا توقف الراوي في شيء منه في متنه أو إسناده، أو كان شيخه ضعيفا، ونحو ذلك, كما تقدم هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.
وهذه الحجج ترجع إلى أصل عظيم من أصول النقد عليه أدلة كثيرة، وهو البراءة الأصلية، فالأصل أن الحديث لم يرد عمن نسب إليه، ورفع هذا الأصل يحتاج إلى دعامة قوية، هي شروط الحديث الصحيح عند النقاد، فإذا ترددنا في شيء، يبقى مع البراءة الأصلية، أو يرفعها، فالحكم لمن يبقيها.
غير أن هذه الحجج إنما تفيد منع ترجيح التام عند الاضطراب، وأما البقاء مع الأدنى فلا تفيده، وبين المسألتين فرق، فنحتاج للبقاء مع الأدنى إلى دليل آخر، يمنع من قيام احتمال أن يكون هناك وجه خارج أوجه الاضطراب، وهو أدنى مما ورد إلينا، إذ وقوع الاضطراب يفتح باب هذا الاحتمال ويقربه.
وهذا الدليل الآخر -فيما أرى- يتعلق بدرجة الراوي الذي وقع منه الاضطراب، فإن كان الراوي ثقة وقع منه الاضطراب في هذا الحديث المعين، قرب جدا أن يقال إن الظاهر عدم وجود وجه لم يرد في الرواية، وأن تردده كان بين هذين الوجهين: التام، والناقص، وأما إن كان الراوي ضعيفا، أو موصوفا بكثرة الاضطراب في حديثه، فاحتمال وجود وجه ثالث، قد يكون أدنى مما ورد في الوجهين هو احتمال قوي, والقضية تحتاج مزيد تأمل وبحث.
стр. 920
الأمر الثاني: يحكم الناقد على الحديث الذي وقع فيه اختلاف بعد نظره في أمور كثيرة، منها ما هو في الطرق إلى المدار، وصفة روايتهم، ومنها ما هو في المدار نفسه، وروايته، ومنها ما هو في الطرق فوقه، وكل ما يمر به هو محل اجتهاد ونظر للناقد، فهي أحكام مبنية على قرائن قد تتعاضد، فيصير الحكم على الناقد سهلا، وقد تتعارض إما تعارضا ضعيفا، أو قويا.
والحكم بالاضطراب لا يخرج عن هذا، فهو إحدى النتائج التي يصل إليها الناظر في الاختلاف بناء على ما أمامه من قرائن وأدلة.
وهذه مسألة مفروغ منها ليست خاصة بقضية الاضطراب، وتقريرها هنا من أجل بيان أن الحكم بالاضطراب قد يكون ظاهرا لا خفاء فيه، كأن تكون الطرق إلى المدار فيها ضعف ما، ولا مرجح بينها، والمدار فوق أن يوصف بالاضطراب، وكأن يكون المدار نفسه موصوفا بالاضطراب، بصفة عامة, أو عن بعض شيوخه، وهو يروي الحديث عن واحد منهم، والطرق مع ذلك إلى المدار قوية، فيحمل الاضطراب.
وقد يكون الحكم بالاضطراب فيه خفاء، فقرائنه ليست قوية، كأن يكون المدار ثقة لم يوصف بالاضطراب، ولكن الطرق إليه أيضا قوية، وما شابه ذلك, وبناء على هذا فلا يستغرب أن يكون للناقد الواحد في الحديث رأيان، رأي يصرح فيه بالتوقف، أو يحكم بالاضطراب، ورأي يرجح فيه وجها واحدا، أو وجهين، ولا يستغرب أن يحكم ناقد بالاضطراب، وناقد آخر يرجح أحد الأوجه، وقد تقدمت أمثلة هذا في مبحث تعارض القرائن وهو المبحث الرابع
стр. 921
من الفصل الثالث من هذا الباب.
وتقدم في المبحث الثاني من فصلنا هذا أن ترجيح وجه واحد قد يكون ظاهرا قويا، فيكتسب الوجه الراجح من هذا قوة، والوجه المرجوح ضعفا, وقد يكون الترجيح فيه ضعف، فمع جنوح الناقد إلى الترجيح إلا أن الاضطراب لم يزل تماما، فيؤثر هذا عليهما، وذكرت هناك بعض الأمثلة على هذه الصورة.
ويمكن تقرير هذا هنا بصورة مقلوبة، ف حكم الناقد بالاضطراب لا يزيله أن يشير إلى احتمال رجحان وجه واحد من أوجه الاختلاف، فالاضطراب باق، والحديث يضعف به, والحكم في هذه القضايا لغلبة الظن، فهناك رجح وجها واحدا بناء على غلبة ظنه، وإن كان الاضطراب لم يزل تماما، فالترجيح مع لينه لا يزال باقيا، وهنا حكم بالاضطراب بناء على غلبة ظنه, وأشار إلى احتمال ترجيح وجه واحد، فالحكم بالاضطراب لم يزل باقيا.
وسأضرب الآن مثالا واحدا للاضطراب يجتمع فيه ما تقدم, ثم أعقب عليه بما أريد.
روى صدقة بن يزيد المقدسي، عن العلاء بن عبدالرحمن, عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: إن عبدا أصححت جسمه، وأوسعت عليه في الرزق، يأتي عليه خمس سنين لا يفد إلي محروم».
وصدقه بن يزيد ضعيف الحديث، استنكر النقاد عليه هذا الحديث، وصرحوا بأن الصواب أنه من رواية العلاء بن المسيب، وليس العلاء بن
стр. 922
عبدالرحمن (١).
والعلاء بن المسيب قد اختلف عليه في هذا الحديث اختلافا واسعا، فقيل عنه، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، وقيل عنه، عن أبيه، أو عن رجل، عن أبي سعيد مرفوعا، وقيل عنه، عن يونس بن خباب، عن مجاهد، عن أبي سعيد مرفوعا، وقيل عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرة مرفوعا، ومرة موقوفا، وقيل عنه من قوله هو.
سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن حديث صدقة بن يزيد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فاستنكراه من حديث العلاء بن عبدالرحمن، فالصواب أنه من حديث العلاء بن المسيب، وقال أبو حاتم بعد ذلك: «والناس يضطربون في حديث العلاء بن المسيب»، ثم ذكر بعض أوجه الاختلاف.
قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي أيها الصحيح منها؟ قال: هو مضطرب، فأعدت عليه، فلم يزدني على قوله: هو مضطرب، ثم قال: العلاء بن المسيب، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد موقوف مرسل أشبه, قلت لأبي: لم يسمع يونس, من أبي سعيد؟ قال: لا … ، وقال أبو زرعة: والصحيح: عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ » (٢).
فترجيح أبي زرعة للوجه الذي ذكره لا يلغي ما ذهب إليه أبو حاتم من
стр. 923
الحكم بالاضطراب، فهذا اجتهاد ناقد، وهذا اجتهاد ناقد آخر، وأيضا ميل أبي حاتم إلى الوجه الذي ذكره بعد إلحاح ابنه لا يلغي حكمه بالاضطراب، فهو ترجيح فيه لين، لم يصل إلى درجة الظن الغالب، كما يظهر من السياق، ويؤكده أن ابنه سأله مرتين أخريين عن حديث صدقة بن يزيد، عن العلاء بن عبدالرحمن، فاستنكره، وذكر حديث العلاء بن المسيب، وأنه الصواب، وفي الأولى منها قال: «إنما هو: العلاء بن المسيب، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد، مرسلا مرفوعا» (١).
وقال في الثانية منهما: «إنما هو كما رواه خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، ومنهم من يقفه» (٢).
فهذه ثلاثة آراء لأبي حاتم في الوجه الذي يرجح أنه المحفوظ, مما يؤكد أن حكمه بالاضطراب لا يزال باقيا، وهو ما ذهب إليه الدارقطني، فإنه قال بعد أن ذكر عددا من أوجه الاختلاف: «ولا يصح منها شيء» (٣).
والغرض من تقرير ما تقدم يتعلق بـ (مصطلح الحديث)، في قضية هامة جدا، تحدثت عنها بشيء من الإيضاح في بحث خاص عن تدريس هذه المادة، وأكتفي هنا بالإشارة إليها، فخلاصتها أن التمثيل لمصطلح من المصطلحات لا يصح الاعتراض عليه إذا كان الاعتراض منصرفا إلى اجتهاد المعترض ،
стр. 924
مخالفا فيه اجتهاد من مَثَّل بالحديث، إذ المقصود بالمثال إيضاح المصطلح، وهو حاصل بالحديث الذي تم التمثيل به وفق اجتهاد من ذكره، فلا يصح النقض عليه باجتهاد غيره، وإلا لم يسلم مثال لأحد، لا في الاضطراب ولا في غيره، إذ يتطلب سلامة المثال أن لا يخالف فيه أحد، وهذا أمر متعذر (١).
وقد مثل ابن الصلاح -ووافقه العراقي، وغيره- للمضطرب بحديث أبي هريرة مرفوعا في سترة المصلي: «إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا» (٢).
واعترض على ابن الصلاح جماعة ممن جاء بعده -ومنهم ابن حجر- بأن الجمع ممكن، وقال ابن حجر في نهاية كلامه: «ومع ذلك كله فالطرق التي ذكرها ابن الصلاح، ثم شيخنا، قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكن التوفيق بينها، فينتفي الاضطراب أصلا ورأسا».
ثم استعاض ابن حجر عن هذا المثال بالحديث المشهور، حديث أبي بكر: «أراك شبت يا رسول الله … »، وساق عددا من أوجه الاختلاف فيه (٣).
فاجتهاد ابن حجر في ترجيح وجه من وجوه الاختلاف في حديث أبي هريرة, واعتراضه -بناء على ذلك- على التمثيل به لا يسلم له، لسببين:
стр. 925
الأول: أن الحديث عند من مَثَّل به هو مضطرب حسب اجتهاده, وهذا كاف لسلامة المثال, والحديث الذي مَثَّل به ابن حجر لغيره نظر آخر فيه، فالترجيح فيه ممكن (١)، فلا تنقطع السلسلة أبدا.
والسبب الثاني: أن وجود ترجيح لوجه أو أكثر لا يلغي الاضطراب, إذا لم يصل الناظر إلى ظن جازم أو غالب, فالاضطراب باق مع وجود الترجيح (٢).
والمخرج من كل هذا -في المضطرب وغيره- هو ما أشرت إليه، أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والمثال صحيح عند من يمثل به، وفيما يخص المضطرب يضاف أن الميل إلى وجه من وجوه الاختلاف أو أكثر لا ينفي الاضطراب، إذا لم يصل الترجيح إلى الظن الجازم أو الغالب، والله أعلم.
* * *
стр. 926
الفصل الخامس
النظر في الاختلاف وكلام النقاد
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: جهد الباحث وعلاقته بكلام النقاد.
المبحث الثاني: فوائد جمع كلام النقاد.
المبحث الثالث: كلام النقاد ومصطلحاتهم.
المبحث الرابع: عبارات الترجيح والتصحيح.
стр. 927
المبحث الأول
جهد الباحث وعلاقته بكلام النقاد
الناظر في الفصول السابقة المتعلقة بقضية اختلاف الرواة يدرك بسهولة سعة هذا العلم، وتشعبه، وحاجة الباحث إلى مزيد من الجهد والمثابرة، حين يواجه ذلك، وبالتجربة فكل حديث يتعرض له الباحث يظهر أمامه من مسائل هذا العلم ما لم يظهر في الحديث الآخر، فهذا حديث تبين أن الاختلاف فيه سببه المدار، لسعة روايته، أو لاضطرابه في هذا الحديث، أو لاضطرابه في عموم روايته، وهذا حديث تبين أن الاختلاف فيه سببه رواة أحد الأوجه، فبعضها خطأ، وهذا حديث ظهر فيه أن الأوجه كلها لا تصح، وهذا حديث يحتمل عدة آراء، ودلائل ذلك كله قد تكون ظاهرة متعاضدة، وقد تكون خفية، بل قد تكون متعارضة.
والذي يوصى به الباحث في كل الأحوال أن لا يحاول السير لوحده، فهو مرتبط -شاء أم أبى- بأئمة النقد، كما تقدم التنبيه عليه في أكثر من مناسبة، وهو هنا يبرز بقوة، إذ تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، ما توافر للنقاد من وسائل النظر والموازنة، مما لا يمكن للباحث المتأخر أن يستخدمه، يضاف إلى ذلك أن ما نشاركهم فيه من وسائل النظر والموازنة هم أقرب إلى تطبيقه على وجهه الصحيح.
وقد جرى التأكيد على هذه القضية في مناسبات عديدة, ويأتي الحديث
стр. 928
عنها أيضا في مناسبات أخرى, لكن المقصود هنا هو إيضاح العلاقة بين ما قام به الباحث من جهد, وبين ما يقف عليه من كلام النقاد في الحديث الذي ينظر فيه , ويمكن القول بأن هذه العلاقة ليست على درجة واحدة وصفة واحدة، سواء بالنسبة للباحثين, وتمكنهم, ودربتهم, أو بالنسبة لكل حديث بعينه, إذ الأحاديث تختلف من جهة ظهور الترجيح وخفائه.
وأمر آخر -لا يقل أهمية عن سابقه- وهو أن استخدام قرائن الترجيح والموازنة من قبل من جاء بعدهم لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص قد بلغ مبلغهم وساماهم في علمهم، فإن ذلك مما لا سبيل إليه، واشتراطه يعني إغلاق باب الاجتهاد في هذا الفن مطلقا كليا أو جزئيا، والذي أراه أنه يمكن للمتأخر أن يشارك أئمة النقد استخدام هذه القرائن، بالقدر الذي يستطيعه، ويرى أنه ممكن له، وهذا القدر يختلف من باحث لآخر، فهو على درجات، يضع الباحث نفسه في الدرجة اللائقة بها، وهو مسؤول عن ذلك، وهذه الدرجات هي:
١ - الخروج بمعرفتها عن دائرة التقليد المحض إلى معرفة الحق بدليله، وأعني بذلك أن الباحث إذا وقف على حديث رجح فيه الأئمة وجها من وجوه الاختلاف أدرك هو سبب الترجيح، واطمأنت نفسه، وفوق ذلك إذا رأى من يخالفهم ممن لم يسلك منهجهم ولم يتبع طريقتهم، لم تترك هذه المخالفة في نفسه أثرا.
ولو افترضنا أن الباحث واجه حديثا اختلف الأئمة في الترجيح فيه أمكنه أن يفهم وجه الترجيح في كل قول.
وتمكن الباحث من هذه الدرجة يساعده كثيرا على حسن عرضه لمادته
стр. 929
العلمية في تخريجاته وبحوثه، ويبعده عن الوقوع في خطأ فهم مصطلحات الأئمة العلمية.
وتحقق هذه الدرجة للباحث ليس بالأمر الهين، فهو يحتاج إلى صبر ومثابرة، وكثرة دربة ومران، ثم لا ينبغي الاستهانة بهذا القدر من الفائدة، فهو مكسب عظيم، أغفله كثير من الباحثين، وقنعوا بما دونه، واضطرهم الأمر أحيانا إلى التعرض له فما أحسنوا.
فهذه الدرجة إذن أدنى درجات الاستفادة من معرفة قرائن الترجيح، وكيفية استخدامها.
٢ - قد يقف الباحث على حديث رجح الأئمة أو بعضهم وجها من وجوه الاختلاف وذكرت أسباب الترجيح، ثم يرى الباحث أنهم اكتفوا بذكر بعض أسباب الترجيح، وتركوا بعضها، إما استغناء بما ذكر عما لم يذكر لوضوح الأمر، أو لكون الإمام لم يقف على المرجح الآخر، أو لغير ذلك، فبإمكان الباحث حينئذ أن يعضد هذا الترجيح بما يقف عليه من مرجحات لم تذكر، فيقول: ويترجح ما ذكروه أيضا بكذا وبكذا، ثم يذكر ما لديه.
٣ - يمر بالباحث أحاديث فيها اختلاف، ويرجح الأئمة وجها من الوجوه، فيقول الواحد منهم: الصواب وقفه، أو إرساله، أو رفعه، أو وصله، أو كونه عن فلان، دون أن يوضح سبب الترجيح، وهذا كثير جدا، ففي هذه الحالة يمكن للباحث أن يجتهد في تفسير أسباب الترجيح إذا كان قد عرف المرجحات التي يستخدمها الأئمة.
стр. 930
ومثله لو وقع اختلاف بين الأئمة في الترجيح ولم تتضح أسباب الترجيح لكل قول، فالباحث حينئذ يجتهد في تفسيرها.
وكل هذا يفعله الباحث مع التزام الحذر الشديد، لئلا يحمل كلام الأئمة ما لا يحتمله.
وهذه الدرجات -الأولى والثانية والثالثة- ليس للباحث فيها اجتهاد في الترجيح نفسه، فمهمته حسن العرض، وزيادة التوضيح والبيان.
٤ - إذا مر بالباحث حديث وقع في أسانيده أو متنه اختلاف، واختلف الأئمة في الترجيح، وكل ذكر ما يؤيد قوله، فبإمكان الباحث حينئذ أن ينظر في مرجحات كل قول، وله بعد تأن ونظر أن يميل إلى ما هو الأقوى في نظره، بحسب ما توافر لكل قول من مرجحات، وقد يزيد في الوجه الذي اختار ترجيحه مرجحات أخر لم يتعرض لها الأئمة الذين اختاروه، أو يزيد في الوجوه المرجوحة أسبابا أخرى لذلك لم يذكرها الأئمة أيضا.
ولا شك أن هذه خطوة فوق التي قبلها، إذ بدأ الباحث يقحم نفسه في الاجتهاد في الترجيح بين الأوجه، ويختار منها ما يراه الأقوى، ولا شك أيضا أنها تحتاج إلى مزيد وخبرة ومران، وكثرة ممارسة ونظر في كلام الأئمة وترجيحاتهم.
٥ - قد يخرج الباحث حديثا ويجمع طرقه ثم يجد في أسانيده أو متنه اختلافا يحتاج إلى موازنة ونظر، ثم يبحث عن رأي للأئمة أو لأحدهم فلا يجد من ذلك شيئا، ويرى في بعض أوجه الاختلاف ما يمكن ترجيحه، بناء على معرفته بالمرجحات التي استخدمها الأئمة.
стр. 931
وقضية الاجتهاد في التصحيح والتضعيف وإغلاق هذا الباب جرى بحثها كثيرا، ولا ريب أنه من الصعوبة بمكان القول بإغلاق باب الاجتهاد تماما، فالاجتهاد معناه بذل الجهد والوسع لمن له أهلية الاجتهاد وتمكن منه، وأعني بهذا أنه لا بأس باستخدام مرجحات الأئمة في حديث لم يتكلموا عليه، متى ظهر ذلك جليا للباحث، وكان قد تهيأ لذلك وجرب، ودرس أحاديث كثيرة للأئمة فيها ترجيح، فاكتسب من ذلك هيئة نفسية تساعده على تحمل مسؤولية مثل هذا، فإن الأمر دين، مع ملاحظة أن يبتعد ما استطاع عن عبارات الجزم والقطع، مثل عبارة: الصواب بلا ريب هو كذا، أو: وهذا هو المحفوظ قطعا، فيقول مثلا: والأظهر -والله أعلم- كذا وكذا، أو: ويظهر لي -والله أعلم- أن الصواب هو الوجه الفلاني، أو: ويمكن من خلال ما تقدم ترجيح الوجه الفلاني، وأن يتذكر الباحث المقولة المشهورة: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.
٦ - إذا مر بالباحث حديث تكلم فيه الأئمة أو بعضهم فرجحوا وجها أو أكثر، ثم ظهر للباحث من خلال نظره في المرجحات التي بنوا عليها ترجيحهم وما تجمع لديه من مرجحات أخرى أنه يمكن ترجيح خلاف ما رجحه الأئمة فهل له أن يقارعهم ويعترض عليهم ويرجح خلاف ما رجحوه؟ هذا سؤال مهم، والإجابة عليه ليست سهلة.
وبادئ ذي بدئ لا بد من إخراج بعض الصور من هذا السؤال، وذلك فيما إذا اتفقت كلمة الأئمة على ترجيح وجه من الوجوه فإنه لا يصح بحال من الأحوال معارضتهم وترجيح خلاف ما رجحوه، ومثل ذلك ما إذا توارد على
стр. 932
هذا الترجيح عدد منهم، فالذي أراه كذلك أنه ينبغي التسليم لهم والأخذ بقولهم، وإن بدا للباحث أن الراجح خلافه، فتوارد جماعة من الأئمة على شيء هو بالنسبة للمتأخر أمر ملزم.
يبقى مجال النظر فيما إذا حكم واحد منهم بترجيح وجه من الوجوه، فقد يقال: هذا حكم شخص واحد، والباحث قد وقف على مرجحات تدل على خلاف ما ذهب إليه هذا الإمام، فالمتجه حينئذ أن يبدي الباحث رأيه المخالف، فيقول مثلا: وقد ذهب فلان إلى ترجيح الوصل، لكذا وكذا، والذي يظهر لي أن الراجح إرسال الحديث لما يأتي، ويذكر ما اعتمد عليه، أو العكس.
وغير خاف أن القول بأن للباحث أن يخالف هذا الإمام، مبني على ظواهر الأمور، ففي كل اختلاف في أي علم من العلوم إذا بدا للباحث خلاف ما ذهب إليه أحد ممن سبقه، معتمدا على أدلة قوية فله أن يذكر رأيه، لكن هذا القول لم يلاحظ ما لهذا العلم من خاصية -أعني علم اختلاف الروايات والموازنة بينها- ينفرد بها عن غيره من العلوم، وهذه الخاصية هي أن أئمته الذي طبقوه في عصر الرواية كان فيهم من الدراية والعلم، ولديهم وسائل الترجيح والموازنة ما لا يمكن توافره لمن جاء بعدهم، وقد تقدم شيء من هذا في الفصل الرابع من الباب الأول، فأحكامهم على الاختلافات وعلى أخطاء الرواة يصدرونها من منطلق مجموعة من المعارف كونت لديهم قدرة علمية بها يميزون الخطأ من الصواب، والراجح من المرجوح، حتى أنه في أحيان كثيرة يحكم الواحد منهم بحكم ولا يستطيع أن يقيم الدليل عليه مع جزمه به.
стр. 933
ومن هذا الباب قول عبدالرحمن بن مهدي: «معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة» (١)، علق السخاوي على كلمة ابن مهدي هذه بقوله: «يعني يُعَبِّر بها غالبا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والدفع» (٢).
وقال عبدالرحمن أيضا: «إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة» (٣)، وروي عنه أنه قيل له: كيف تعرف صحيح الحديث من خطئه؟ فقال: «كما يعرف الطبيب المجنون» (٤).
وقال علي بن المديني: «أخذ عبدالرحمن بن مهدي على رجل من أهل البصرة -لا أسميه- حديثا، فغضب له جماعة، فأتوه، فقالوا: يا أبا سعيد من أين قلت هذا في صاحبنا؟ فغضب عبدالرحمن بن مهدي، وقال: أرأيت لو أن رجلا أتى بدينار إلى صيرفي، فقال: انتقد لي هذا، فقال: هو بهرج، يقول له: من أين قلت لي إنه بهرج؟ الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم» (٥).
وقال أحمد بن صالح المصري: «معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشبه، فإن الجوهر إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف
стр. 934
قلت: إن هذا بائن -يعني الجيد أو الرديء-؟ » (١).
وقال أبو حاتم: «مثل معرفة الحديث كمثل فَصٍّ ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم» (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: «جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه علي، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح. فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعي الغيب؟ قال قلت: ما هذا إدعاء الغيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن إتفقنا علمت أنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم. قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغذ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت:
стр. 935
إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت: إنه منكر قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح قال أبو زرعة: هو صحاح. فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: فقد ذلك أنا لم نجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا، والدليل على صحة ما نقوله بأن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك.
قلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر، إلا بما نعرفه» (١).
ونحو ذلك وقع لأبي زرعة، في هذه القصة: «قال له رجل: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن وارة- وتسأله عنه، ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك
стр. 936
الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام» (١).
وإبرازا لجلالة هؤلاء الأئمة النقاد في هذا العلم وتميزهم، وأنه لا يقاربهم ولا يدانيهم أحد ممن جاء بعدهم - فقد توارد الأئمة بعدهم على الثناء عليهم، وتأكيد اختصاصهم بهذا الفن، فمن ذلك قول ابن منده: «إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا ممن يدعي علم الحديث، فأما سائر الناس من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي، وأبي حنفية، أو متتبع لكلام الحارث المحاسبي، والجنيد، وذي النون، وأهل الخواطر، فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث، إلا من أخذه عن أهله، وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته» (٢).
وقال العلائي لما ذكر حديثا له علة خفية كشفها أحد أئمة الحديث: «وبهذا يتبين أن التعليل أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث، دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها» (٣).
وقال ابن كثير في حديثه عن علم (العلل): «هو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.
стр. 937
وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن: الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والزيوف، والدنانير والفلوس، فكما لا يتمارى هذا كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة رسول الله ﷺ التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس … » (١).
ومع أن هذا المكان ليس مناسبا للإطالة في شرح ما تميز به أئمة النقد عن غيرهم، إلا أنني رأيت أنه من اللازم التعرض لشيء منه لمعرفة الجواب المناسب على السؤال المطروح وهو: إذا حكم إمام متقدم بحكم في حديث وقع فيه اختلاف، ثم ظهر للباحث من خلال قرائن الترجيح خلاف ما رجحه هذا الإمام، فهل يصح للباحث أن يخالفه؟
وأظن الإجابة -من خلال العرض السابق- باتت ظاهرة، فالذي يظهر لي أن الباحث عليه متابعة ذلك الإمام، وعدم الالتفات إلى ما ترجح لديه، فهذا أسلم له من جهة، وأليق بأصول هذا العلم من جهة أخرى، وقد رأيت للحافظ ابن حجر كلاما مناسبا للمقام هنا، أذكره للاستئناس به، فقد قال بعد أن أطال في الكلام على حديث أعله أئمة النقد، وصححه جماعة: «وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم - بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من
стр. 938
حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد … » (١).
وقال أيضا في كلامه على (الحديث المعلل) ملخصا كلاما للعلائي: «وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غايصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك، لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.
وقد تقصر عبارة المعلل منهم فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء.
فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي -مع إمامته- يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث.
وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرح بإثبات العلة، فأما إن وجد غيره صححه، فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما، وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة، ولم يتبين منه ترجيح لإحدى الروايتين، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح» (٢).
стр. 939
وقد أشار السخاوي إلى أمر هام جدا في ضرورة متابعة أئمة النقد في أحكامهم عند اختلاف الرواة، كما تقدم نقل كلمته في التمهيد، وهو أننا نتابعهم في أحكامهم على الرواة في الجرح والتعديل، فإذا وثق الواحد منهم راو أخذنا بقوله، وإذا جرحه فكذلك، ما لم يكن له معارض فيلزم النظر، فالباب واحد حينئذ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن أئمة النقد إنما حكموا على الرواة في الغالب عن طريق مقارنة مروياتهم (١)، فبهذا يكتشفون قوة القوي وضعف الضعيف، فمن أخذ بقولهم في الرواة وترك قولهم في اختلاف الرواة فقد تناقض حينئذ ولا شك.
ويستوي في ذلك من ترك منهجهم في مقارنة المرويات والموازنة حين الاختلاف بالكلية، وسلك مسلك الفقهاء والأصوليين في النظر إلى الأسانيد مفردة، ومن يدعي أنه على منهج أئمة النقد في الموازنة والمقارنة لكنه عند التطبيق لا يبالي بأحكامهم، ويدعها لأدنى شبهة، ويضع نفسه في مصافهم، ويتكلم على الأحاديث بجرأة وإقدام كأنه واحد منهم، بل أكثر منهم جرأة وإقداما.
ولما كانت كلمة السخاوي من الأهمية بمكان فإني أعيد نقلها هنا، قال السخاوي في حديثه عن أحكام أئمة النقد: «هو أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث
-كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبدالبر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث
стр. 940
بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني.
فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع - يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله» (١).
وعلى هذا فما يذكره الأئمة المتأخرون من حث طلبة الحديث على إدامة النظر والقراءة في كتب أئمة النقد، وملاحظة كلامهم وأحكامهم ونقدهم، لمشاركتهم في هذا العلم، يتحدد المقصود به في حدود الدرجات الخمس الأولى التي يستفيدها المتأخر من معرفته للمرجحات بين الرواة حين الاختلاف، وهي المرجحات التي يمكنه تطبيقها والاستفادة منها، وأما الدرجة السادسة فيكون الباحث منها على حذر شديد وليعرف قدر نفسه، فرحم الله امرءا عرف ذلك.
ومن تلك الكلمات التي أعنيها كلمة ابن رجب الماضية في التمهيد أيضا، قال: «ولا بد في هذا العلم (يعني علم العلل) من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعه في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد، وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه،
стр. 941
وفقهت نفسه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة - صلح له أن يتكلم فيه» (١).
ولا بد -بعد ذلك وفي نهاية هذا المبحث- من الإشارة إلى الطريق الذي سلكه هؤلاء الأئمة حتى حلوا بهذه المنزلة التي هم فيها، والثمن الذي دفعوه لذلك، وإنما قلت: لا بد من الإشارة - لأن الحديث في هذا المقام يحتاج إلى توسع وبسط ليس هذا مكانه، يصح أن يقال إن الحديث فيه ذو شجون، يفرح ويبكي، يسر ويحزن، تأخذ القارئ فيه النشوة، ويعتريه الطرب إذا ألم بشيء من أخبارهم وقصصهم، ويحمد الله تعالى أن وجد هؤلاء في هذه الأمة، فهم قرة عينها، والغُرَّة في جبينها، ويحزن بل ويبكي حين يرانا ونحن بالنسبة إلى علمهم صبية أغرار - فنخوض فيما يخوضون فيه، ونتكلم فيما هو من اختصاصهم، ونقارعهم الحجة بالحجة، بل وصل الأمر ببعض المنتسبين لهذا العلم إلى درجة استهجان صنيعهم والحط عليهم.
وسأكتفي هنا بنقل ثلاثة نصوص ترشد إلى ما بذله الأئمة النقاد من جهد ووقت ومال ، اثنان منهما لواحد منهم وهو الإمام أبو حاتم، يحكي جانبا مما لقيه في سبيل تحصيل هذا العلم، قال أبو حاتم: «أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته (٢)، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من
стр. 942
البحر من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرطوس إلى حمص -وكان بقي على شيء من حديث أبي اليمان فسمعت-، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل (١)، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيا، كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين … » (٢).
وقال أيضا: «بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومائتين ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئا فشيئا، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيت خالٍ، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا علي رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني، وانصرفت جائعا، فلما كان من الغد غدا علي، فقال: مر بنا إلى المشايخ، قلت: أنا ضعيف لا يمكنني، قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا، فقال لي: قد بقي معي دينار، فأنا أواسيك بنصفه، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من
стр. 943
البصرة، وقبضت منه النصف دينار» (١).
وأما النص الثالث فهو لابن تيمية يصف فيه ما بذله هؤلاء الأئمة، وما قدموه من تضحيات، قال: «وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، يتوسد أحدهم التراب، وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال والصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه، ليحفظ بذلك دين الله … » (٢).
* * *
стр. 944
المبحث الثاني
فوائد جمع كلام النقاد
يفترض في الباحث لكي يتمكن من النظر في حديث وطرقه أن يكون بذل أقصى جهده في جمع طرق هذا الحديث، كما تقدم شرح ذلك في الفصل الأول من الباب الأول، ويكمل الباحث هذا ببذل جهد آخر لجمع كلام النقاد على حديثه الذين بين يديه، محاولا جهده استقصاء ذلك، والتنقير الشديد عن كلامهم في مظانه.
ولكي تتضح أهمية البحث عن كلام النقاد وجمعه أذكر بعض الفوائد لهذا، ثم أنبه على بعض الأمور المتعلقة بجمع كلام النقاد، والنظر فيه.
فمن هذه الفوائد أن كلام الناقد قد يكون متضمنا لذكر الاختلاف، ولولا كلامه هذا لما عرف الباحث أن هناك اختلافا، وربما ذهب يتكلم على بعض رجال الإسناد، أو على تفرد فيه، وقد يقع هذا للنقاد أنفسهم.
فمن ذلك الحديث الماضي في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثاني منه، وهو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في (قصة ذي اليدين)، فقد مَرَّ على هذا الحديث جماعة من النقاد، منهم أبو حاتم، وابن خزيمة، والدارقطني، وغيرهم، يذكرون تفرد أبي أسامة به عن عبيدالله، ومنهم من صرح بنكارة الحديث، قال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، أخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة» (١).
стр. 945
وليحيى بن سعيد القطان نقد لهذا الحديث لم يذكروه، وقد تضمن ذكر مخالفة أبي أسامة لما في كتاب عبيدالله بن عمر، فالحديث في الكتاب مرسل، ونقل أحمد كلام يحيى، وأقره عليه.
ومر أحد الباحثين بالحديث الذي تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه زهير بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس مرفوعا في التلبية، وقال عنه إن إسناده ضعيف، لاختلاط أبي إسحاق، ولأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، لكن الحديث صحيح لغيره.
كذا قال الباحث، ولأبي حاتم كلام على هذا الحديث لم يورده الباحث، وهو موضح لوجود اختلاف فيه على أبي إسحاق.
فقد سئل عن هذه الرواية، فذكر أن سفيان الثوري، وأبا الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق ولم يرفعوه، ثم سئل عن الأصح منهما، فقال: «سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن، غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق».
وروى محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبدالله الصنابحي، عن عبادة بن الصامت مرفوعا: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده … » الحديث (١).
стр. 946
تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد فقال في وصفه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين»، ثم ذهب يتكلم على (عبدالله الصنابحي) وأن الصواب: عن أبي عبدالله الصنابحي، وهو عبدالرحمن بن عسيلة.
ولأبي حاتم كلام في تعليل الحديث بهذا الإسناد من الأهمية بمكان، لم يورده الباحث، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن محيريز، عن عبادة، سمعت رسول الله ﷺ يقول … ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (١).
والحديث مشهور عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، رواه عنه جماعة (٢)، وأما جعله عن عطاء بن يسار بالإسناد المذكور فقد تفرد به محمد بن مطرف، فظهر صواب ما قال أبو حاتم.
وروى داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ قال:
стр. 947
«غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١).
صححه بهذا الإسناد أحد المشايخ، وقال فيه أحد الباحثين: «حديث صحيح بطرقه وشواهده، رجاله ثقات رجال الصحيح، وأبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس- لم يصرح بالتحديث، لكنه قد توبع».
ثم ذكر من تابعه، فذكر إسنادين آخرين إلى جابر، أحدهما من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن جابر بلفظ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (٢)، وضعف الإسناد بأبان، وأنه متروك.
وذكر بعده من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٣)، وقال: «وإسناده حسن».
وتقدم لنا هذه الطريقة في النقد صورة باهتة جدا لما آل إليه النقد لدى كثير من المشايخ والباحثين، فهذا الحديث عن جابر لا يصح، فإسناد أبي الزبير ترك فيه الباحث كلاما لأبي حاتم يقضي عليه، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا
стр. 948
خطأ، إنما هو على ما رواه الثقات، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة، موقوف» (١).
وممن رواه كذلك زهير بن معاوية، وهو أحد الأثبات في أبي الزبير (٢)، وقد ترك الجادة، فظهر جدا أن الصواب روايته (٣).
وأما طريق محمد بن المنكدر فهو في الغاية من الضعف، إذ هو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواية الشاميين -خاصة عمرو بن أبي سلمة- عن زهير بن محمد، واهية جدا، كما تقدم شرح ذلك (٤).
وهؤلاء الباحثون يوردون أحيانا كلام أئمة النقد، فترك النقل هنا -مع قربه- يوحي للقارئ أن الحديث غير معلل، وليس كذلك.
وقد يتجاوز الباحث ما تقدم بأن يقف على الإسناد الذي فيه مخالفة، ثم يذكره على أنه متابع أو شاهد لإسناده، ويكون النقاد قد نبهوا إلى أن هذا علة للإسناد، ولم يذكر الباحث كلامهم.
ومن أمثلة ذلك أن أحد الباحثين تعرض للحكم على ما يرويه حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان
стр. 949
الكلابي، أن رسول الله ﷺ قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟ … » الحديث (١)، فقال: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد، ولانقطاعه، فالحسن لم يسمع من الضحاك بن سفيان … ».
ولابن معين كلام لم يحضره الباحث، يبين فيه أن هذا الإسناد خطأ، وأن الصواب ما رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان مرسلا: «أن النبي ﷺ قال للضحاك … »، فقد سئل عن هاتين الروايتين، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد من حماد بن زيد» (٢).
وقد ترتب على إغفال كلام ابن معين عند الباحث أنه جعل حديث أبي عثمان هذا الذي هو عند ابن معين علة لحديث الضحاك، جعله شاهدا له، وعضده به، فذكره من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان، وذكر الاختلاف فيه على عاصم وعلى من دونه، فمنهم من يجعله عن أبي عثمان، عن سلمان، ومنهم من يجعله مرسلا ليس فيه سلمان، ومنهم من يشك (٣)، وقال عن المجزوم به دون أن يعالج الاختلاف في إسناده: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين، فالحديث يصح به»، يعني أن حديث الضحاك يصح بهذا الشاهد.
ومن الفوائد أيضا أن بعض الأحاديث لا يظهر للناظر فيها لأول وهلة وجود اختلاف على أحد رواتها، فالباحث أثناء جمعه للطرق، ونظره فيها لم يتبين
стр. 950
له ذلك، فيقف على كلام ناقد ينص أو يشير فيه إلى هذا الاختلاف، وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب الحديث عن التردد في عَدِّ تنوع الرواية عن راو من الرواة حديثا واحدا وقع فيه اختلاف، أو هما حديثان منفصلان، وذكرت هناك أن القارئ في «سنن النسائي»، يتعجب من سعة حفظ هذا الإمام، وقدرته على استحضار الارتباط بين الأسانيد.
وفي أقل الأحوال أن يكون الباحث قد دار في خلده أن تلك الرواية مرتبطة برواية أخرى عنده، فهو محتاج إلى النظر بينهما، يميل إلى عده اختلافا، غير أنه محتاج إلى من يدفعه قليلا إلى اعتماد هذا، فإذا ظفر بكلام ناقد وافق ما جال بخاطره، فقد ظفر بكنز ثمين، واطمأن إلى ما سيقوم به من عمل.
ومما يتصل بهذا أن الناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة من أوجه الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى، فهو بحاجة إلى من يرجح له دخولها في هذا الاختلاف، وقد يقف على هذا المرجح في كلام الناقد نفسه في مكان آخر، أو في كلام ناقد آخر، وهذا كثير جدا.
ومن الفوائد أيضا، أن كلام النقاد على الاختلافات هو في نفسه مورد معين للطرق نفسها، فالناقد ربما سرد طرقا للأوجه أو بعضها لم يقف عليها الباحث قبل ذلك، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، بل ربما لم يقف الباحث على طرق للاختلاف أو لبعض الأوجه إلا من كلام الناقد، وقد تقدم الحديث عن هذا في الفصل الثالث من الباب الأول، وكذلك في الفصل الثالث من الباب الثالث، في المبحث الثاني منه.