← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 143

مقارنة المرويات

إبراهيم اللاحم

Полный текст (1 091 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد فقال في وصفه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين»، ثم ذهب يتكلم على (عبدالله الصنابحي) وأن الصواب: عن أبي عبدالله الصنابحي، وهو عبدالرحمن بن عسيلة. ولأبي حاتم كلام في تعليل الحديث بهذا الإسناد من الأهمية بمكان، لم يورده الباحث، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن محيريز، عن عبادة، سمعت رسول الله ﷺ يقول … ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (١). والحديث مشهور عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، رواه عنه جماعة (٢)، وأما جعله عن عطاء بن يسار بالإسناد المذكور فقد تفرد به محمد بن مطرف، فظهر صواب ما قال أبو حاتم. وروى داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي ﷺ قال:

стр. 947

«غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١). صححه بهذا الإسناد أحد المشايخ، وقال فيه أحد الباحثين: «حديث صحيح بطرقه وشواهده، رجاله ثقات رجال الصحيح، وأبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس- لم يصرح بالتحديث، لكنه قد توبع». ثم ذكر من تابعه، فذكر إسنادين آخرين إلى جابر، أحدهما من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن جابر بلفظ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (٢)، وضعف الإسناد بأبان، وأنه متروك. وذكر بعده من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٣)، وقال: «وإسناده حسن». وتقدم لنا هذه الطريقة في النقد صورة باهتة جدا لما آل إليه النقد لدى كثير من المشايخ والباحثين، فهذا الحديث عن جابر لا يصح، فإسناد أبي الزبير ترك فيه الباحث كلاما لأبي حاتم يقضي عليه، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا

стр. 948

خطأ، إنما هو على ما رواه الثقات، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة، موقوف» (١). وممن رواه كذلك زهير بن معاوية، وهو أحد الأثبات في أبي الزبير (٢)، وقد ترك الجادة، فظهر جدا أن الصواب روايته (٣). وأما طريق محمد بن المنكدر فهو في الغاية من الضعف، إذ هو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواية الشاميين -خاصة عمرو بن أبي سلمة- عن زهير بن محمد، واهية جدا، كما تقدم شرح ذلك (٤). وهؤلاء الباحثون يوردون أحيانا كلام أئمة النقد، فترك النقل هنا -مع قربه- يوحي للقارئ أن الحديث غير معلل، وليس كذلك. وقد يتجاوز الباحث ما تقدم بأن يقف على الإسناد الذي فيه مخالفة، ثم يذكره على أنه متابع أو شاهد لإسناده، ويكون النقاد قد نبهوا إلى أن هذا علة للإسناد، ولم يذكر الباحث كلامهم. ومن أمثلة ذلك أن أحد الباحثين تعرض للحكم على ما يرويه حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان

стр. 949

الكلابي، أن رسول الله ﷺ قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟ … » الحديث (١)، فقال: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد، ولانقطاعه، فالحسن لم يسمع من الضحاك بن سفيان … ». ولابن معين كلام لم يحضره الباحث، يبين فيه أن هذا الإسناد خطأ، وأن الصواب ما رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان مرسلا: «أن النبي ﷺ قال للضحاك … »، فقد سئل عن هاتين الروايتين، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد من حماد بن زيد» (٢). وقد ترتب على إغفال كلام ابن معين عند الباحث أنه جعل حديث أبي عثمان هذا الذي هو عند ابن معين علة لحديث الضحاك، جعله شاهدا له، وعضده به، فذكره من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان، وذكر الاختلاف فيه على عاصم وعلى من دونه، فمنهم من يجعله عن أبي عثمان، عن سلمان، ومنهم من يجعله مرسلا ليس فيه سلمان، ومنهم من يشك (٣)، وقال عن المجزوم به دون أن يعالج الاختلاف في إسناده: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين، فالحديث يصح به»، يعني أن حديث الضحاك يصح بهذا الشاهد. ومن الفوائد أيضا أن بعض الأحاديث لا يظهر للناظر فيها لأول وهلة وجود اختلاف على أحد رواتها، فالباحث أثناء جمعه للطرق، ونظره فيها لم يتبين

стр. 950

له ذلك، فيقف على كلام ناقد ينص أو يشير فيه إلى هذا الاختلاف، وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب الحديث عن التردد في عَدِّ تنوع الرواية عن راو من الرواة حديثا واحدا وقع فيه اختلاف، أو هما حديثان منفصلان، وذكرت هناك أن القارئ في «سنن النسائي»، يتعجب من سعة حفظ هذا الإمام، وقدرته على استحضار الارتباط بين الأسانيد. وفي أقل الأحوال أن يكون الباحث قد دار في خلده أن تلك الرواية مرتبطة برواية أخرى عنده، فهو محتاج إلى النظر بينهما، يميل إلى عده اختلافا، غير أنه محتاج إلى من يدفعه قليلا إلى اعتماد هذا، فإذا ظفر بكلام ناقد وافق ما جال بخاطره، فقد ظفر بكنز ثمين، واطمأن إلى ما سيقوم به من عمل. ومما يتصل بهذا أن الناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة من أوجه الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى، فهو بحاجة إلى من يرجح له دخولها في هذا الاختلاف، وقد يقف على هذا المرجح في كلام الناقد نفسه في مكان آخر، أو في كلام ناقد آخر، وهذا كثير جدا. ومن الفوائد أيضا، أن كلام النقاد على الاختلافات هو في نفسه مورد معين للطرق نفسها، فالناقد ربما سرد طرقا للأوجه أو بعضها لم يقف عليها الباحث قبل ذلك، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، بل ربما لم يقف الباحث على طرق للاختلاف أو لبعض الأوجه إلا من كلام الناقد، وقد تقدم الحديث عن هذا في الفصل الثالث من الباب الأول، وكذلك في الفصل الثالث من الباب الثالث، في المبحث الثاني منه.

стр. 951

ومن الفوائد أيضا أن الناظر في الاختلاف -بعد أن يستقر رأيه على أنه اختلاف- قد يبعد النجعة في معالجته، وربما أكثر من فرض الاحتمالات، أو وقع في نزاع مع غيره حول نتيجة النظر فيه، وكان يغنيه عن ذلك كله أن يقف على قول ناقد متقدم يحسم الأمر، ويظهر ما قد خفي مما يتكأ عليه في الترجيح والموازنة. ومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب ابن جريج رووا عنه، عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: «أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة»، ورواه جماعة آخرون عن ابن جريج بإسقاط عبدالحميد، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وفي روايته تصريح ابن جريج بالإخبار عن محمد بن عباد (١). وقد تكلم جماعة من الأئمة على هذا الحديث، فأشار الإسماعيلي إلى أن الصواب رواية من أسقطه، ففيهم يحيى بن سعيد القطان، وذهب البيهقي إلى أن يحيى بن سعيد قَصَّر في روايته بإسقاطه لعبدالحميد بن جبير، والصواب ذكره في الإسناد، ونقل هذا عن الإمامين ابن حجر، ثم قال: «يحمل على أنه سمعه من عبدالحميد، عن محمد، ثم لقي محمدا فسمعه منه، أو سمعه من محمد، واستثبت من عبدالحميد، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا … » (٢).

стр. 952

واستروح لكلام ابن حجر جمع من الباحثين، فصاروا ينصون على أن ابن جريج سمعه من عبدالحميد بن جبير، ثم سمعه من محمد بن عباد، فكان يحدث به على الوجهين، غير أن هؤلاء الباحثين زادوا الطين بلة، فوصفوا الإسناد الذي فيه عبدالحميد، ومحمد بن عباد، بأنه من المزيد في متصل الأسانيد، وهذا خطأ وتناقض، لأن من شرط المزيد في متصل الأسانيد أن تكون الزيادة خطأ، والإسناد متصل بدونها، وعليه فهذا الإسناد إن كان كلا الوجهين صوابا لم يكن من المزيد في متصل الأسانيد، وإن كان الإسناد من المزيد في متصل الأسانيد فالزيادة ليست صوابا، وهو متصل بدونها، فهذا تناقض. فهذه ثلاثة آراء في الاختلاف على ابن جريج، تصويب من أسقط عبدالحميد، وتصويب من ذكره، وتصويب الطرفين. وبالوقوف على نص إمام متقدم قطعت جهيزة قول كل خطيب، فأمكن معرفة الصواب، وأنه خارج هذه الآراء كلها، ففيه تصويب الطرفين، فابن جريج حدث به هكذا، وهكذا، غير أنه لم يسمعه من الاثنين، وإنما سمعه من عبدالحميد بن جبير فقط، وأسقطه خطأ، وصرح بالتحديث من شيخ شيخه، وذلك حين حدث به من حفظه. روى عبدالله بن أحمد، عن أبي بكر بن خلاد، قال: «سمعت يحيى يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله … ، قال يحيى: رفعه، قال فيه: حدثنا -يعني محمد بن عباد-، وهذا في الكتب: عن

стр. 953

عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به» (١). وذكر الحاكم ما رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة»، ثم قال: «وهذا لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا»، ثم ذكر أن المحفوظ جعله عن أبي بردة، عن الأغر المزني. تعرض لرواية موسى بن عقبة باحثان ينظران في الاختلافات الواقعة على أبي بردة في هذا الحديث، فأما أحدهما فلم يزد على أن نقل قول أبي حاتم في تعليلها برواية إسرائيل المرسلة، وأنه أحفظ. وأما الآخر فقال في تعليلها: «لا تصح لأمرين: أن موسى مدني، وأبو إسحاق كوفي، وهذه الرواية ونظائرها لا تخلو من ضعف، قال الحاكم … ، والثاني: مخالفة إسرائيل، وهو كوفي مثل جده أبي إسحاق … ». ولأبي حاتم كلمة في رواية موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، تقضي على هذه الرواية تماما، بين فيها أبو حاتم أن موسى بن عقبة يروي هذه الأحاديث عن أبي إسحاق بواسطة رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، يعني ويسقطه (٢).

стр. 954

وروى عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي ﷺ أرسل أم سليم تنظر إلى جارية، فقال: شمي عوارضها، وانظري إلى عرقوبيها» (١). تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد، ووصفه بأنه حسن، مع أنه قد ذكر رواية حماد بن سلمة، عن ثابت لهذا الحديث، والاختلاف على حماد، وعلى من دونه وصلا وإرسالا (٢)، والراجح عن حماد إرسال الحديث، ولهذا فإن إسناد عمارة لا يستقيم وصفه بالحسن، لمخالفته أثبت الناس في ثابت، وهو حماد بن سلمة. ولأحمد كلمة في إسناد عمارة تقضي عليه، ولم يقف عليها الباحث، ولهذا لم يوردها، قال مهنا: «سألت أحمد عن عمارة بن زاذان، فقال: صالح، إلا أنه يروي حديثا منكرا، يحدث به عن ثابت، عن أنس: «أن النبي ﷺ أرسل أم سليم … »، قلت له: هذا غريب، قال: فلذلك صار منكرا» (٣). ونقل الأثرم، عن أحمد قوله فيه: «روى (يعني عن ثابت)، عن أنس، أحاديث مناكير» (٤). وقد يكون الناقد الذي وقفنا على كلامه هو أحد المختلفين، تراجع عن روايته، فيحسم الاختلاف، وقد تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول التنبيه على أهمية الوقوف على ما يجري بين الرواة في عصر النقد عصر الرواية، وثباتهم

стр. 955

أو تراجعهم. ومن أمثلة ذلك هنا أن جماعة من أصحاب شعبة -منهم محمد بن جعفر، وهاشم بن القاسم، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم- رووا عن شعبة، عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «من أحب أن يجد طعم الإيمان، فليحب المرء لا يحبه إلا لله » (١). ورواه يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أشعث بن سليم المعروف بأشعث بن أبي الشعثاء، قال البزار بعد أن أخرجه: «لا نعلم أحدا رواه عن شعبة، عن أشعث، هكذا إلا يزيد، ولم يتابع عليه، والصواب عندي حديث أبي بلج، عن عمرو، عن أبي هريرة» (٢). وكذا قال الدارقطني: «وهم يزيد بن هارون، وإنما سمعه (يعني شعبة) من يحيى بن أبي سليم -وهو أبو بلج-، كذلك رواه غندر وأصحاب شعبة، عن شعبة، عن أبي بلج» (٣). وقد روى أحمد، عن يزيد بن هارون، أنه رجع عن روايته بعد أن حاوره

стр. 956

أحمد، قال أحمد بعدما رواه عن يزيد على الخطأ: «فقلت ليزيد: أي شيء اسم أبي بلج؟ قال: يحيى بن أبي سليم، فقال يزيد: لقد سمعته من شعبة ببغداد، وكنت في آخر الناس، وأنا أشك فيه مذ سمعته، فرجع يزيد عنه، وقال: اكتبوه: عن رجل» (١). ومن الفوائد كذلك -وهي في غاية الأهمية- أن الباحث قد يعتمد على أقوال النقاد في الترجيح، وذلك في حال إجماعهم على رأي في الاختلاف، فإجماعهم حجة، كما في كلمة أبي حاتم، وهو يتكلم على سماع الزهري، من أبان بن عثمان بن عفان، وقد نفى أهل الحديث سماعه منه، مع أنه يمكنه ذلك، قال أبو حاتم: «أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (٢). وليس المقصود بالإجماع أن ينقل الحكم عن جميع أئمة النقد، فهذا غير ممكن، بل يكفي أن يحكي الاتفاق أحد النقاد، كما يفعل الترمذي أحيانا، أو يتوارد عدد منهم على ترجيح في حديث، ولا يوجد من يخالفهم، ويحصل بعددهم طمأنينة القلب إلى أن هذا الحكم إجماع منهم، خاصة مع ظهور قرائن الترجيح. وقد تقدم لهذا كله أمثلة في مبحث تعاضد القرائن، وهو المبحث الثالث من الفصل الثالث من هذا الباب.

стр. 957

ويلتحق بهذا ما يوجد في كلام النقاد من حكاية نقد لم ينسب لأحد، ويفهم منه أنه قول مشهور في النقد، قد قال به جماعة، كأن يقول الناقد: يرون أن الصواب كذا، أو أن فلانا أخطأ فيه، أو لم أزل أسمع أن الصواب كذا، ونحو ذلك، فهذه العبارات تفيد نوع إجماع على حكم في الاختلاف. ومثال ذلك أن أبا نعيم روى عن الثوري، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، عن السائب بن عبدالله، قال: «رأيت النبي ﷺ بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (١). ورواه محمد بن كثير وغيره، عن الثوري، فسموا صحابيه: عبدالله بن السائب (٢)، وكذا رواه أصحاب ابن جريج، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وعبدالرزاق، ومحمد بن بكر، وغيرهم (٣). قال البخاري بعد أن رواه عن أبي نعيم: «وهو وهم» (٤).

стр. 958

وقال أبو حاتم وقد سئل عن رواية أبي نعيم: «هذا خطأ، أخطأ فيه أبو نعيم … ، منذ حين أسمع الناس يقولون: هذا مما أخطأ فيه أبو نعيم» (١). و يقرب من الإجماع دلالة أن يكون الجمهور على قول، ويخالفهم ناقد واحد، فإن الأقرب إلى الصواب في الغالب مع الجمهور . فمن ذلك حديث حذيفة الماضي في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، فقد رواه الأعمش -في الراجح عنه- ومنصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن حذيفة: «أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائما»، وذكر فيه الأعمش وحده أنه توضأ ومسح على الخفين. ورواه عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة. فأخرج البخاري ومسلم رواية الأعمش، ومنصور، إلا أن البخاري لم يذكر قصة المسح في رواية الأعمش، وكذا رجح أحمد، وأبو حاتم، والترمذي، والدارقطني روايتهما، وأن الحديث عن حذيفة، وأما أبو زرعة فقال: «الصحيح: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة، عن النبي ﷺ » (٢). وروى شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ

стр. 959

قال: «يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب» (١). ورواه هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وسلم بن أبي الذيال، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس موقوفا، إلا أن هماما، وهشاما في بعض الطرق إليه، أدخلا بين قتادة، وجابر بن زيد: صالحا أبا الخليل، وسلم بن أبي الذيال لم يذكر جابر بن زيد، وقد قيل أيضا إن شعبة جاء عنه الوقف (٢). فرجح الجمهور -ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، وأبو داود- وقف الحديث، وخالفهم أبو حاتم فقال عن حديث شعبة المرفوع: «هو صحيح عندي» (٣). ومن الفوائد أيضا أن الاجتهاد في جمع كلام النقاد يُقِّرب الباحث من الإنصاف، ويبعده عن التعجل في رد كلام النقاد، والاستهانة به، خاصة إذا كان

стр. 960

يذهب إلى ترجيح الوجه التام، وتصحيح الإسناد. روى وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن أبي أنس، عن عثمان مرفوعا حديث الوضوء ثلاثا، ورواه جماعة عن الثوري، عن سالم، عن بسر بن سعيد، عن عثمان، وقد أخرج مسلم رواية وكيع، وانتقده الدارقطني، ورجح رواية الجماعة، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب. فتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف بين مسلم، والدارقطني، وصوب رأي مسلم، وقسى على الدارقطني في العبارة، وذكر أن أبا حاتم، وأبا زرعة، قد رجحا كذلك رواية وكيع. وأبو حاتم، وأبو زرعة، إنما رجحا رواية وكيع، لأنهما ذكراها في مقابل رواية واحد من الجماعة الذين رووه عن الثوري، ووكيع أحفظ منه، وليس هذا موضع الشاهد هنا، فالشاهد من صنيع الباحث أن أحمد قد سبق الدارقطني إلى توهيم وكيع، وتصويب رواية من جعله عن بسر بن سعيد، ولم يذكر الباحث قول أحمد، وهو مهم جدا في مثل هذا الموضع. ومَرَّ باحث آخر برواية وكيع، فصححها على شرط الشيخين، ثم مَرَّ برواية بعض أصحاب الثوري الذين خالفوا وكيعا، فقال مرة: إسناده قوي، وقال مرة: إسناده حسن، وذكر الاختلاف بين رواية وكيع، ورواية الآخرين، ثم نقل رأي أبي حاتم، وأبي زرعة، في ترجيح رواية وكيع، ولم يذكر رأي أحمد، والدارقطني مطلقا.

стр. 961

وروى عبدالله بن عون الخراز، والحسين بن علي بن الأسود، عن محمد بن بشر، عن مسعر بن كدام، عن قتادة، عن أنس، قال: «قام رسول ﷺ حتى تورمت قدماه … » الحديث (١). تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد، وقال فيه: «رجاله رجال الصحيح»، ثم نقل عن ابن حجر أنه أعله بأن المشهور: عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، واعتمد ابن حجر على قول البزار في ذلك، وأن هذا الوجه هو الصواب (٢)، ثم قال الباحث: «هذا ليس بعلة يعل بها هذا الطريق، محمد بن بشر العبدي ثقة حافظ … ». وقد أعل حديث أنس جمع غفير من النقاد -غير البزار- وأن الصواب حديث المغيرة، فأعله بذلك ابن معين، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وابن عدي، والطبراني، والدارقطني، وفي كلامهم أن الخطأ ممن رواه عن محمد بن بشر، فقد رواه الثقات عن محمد بن بشر على الصواب، بل هذا في كلام البزار أيضا، غير أن ابن حجر اختصره (٣).

стр. 962

وعبدالله بن عون الخراز ثقة، لكنه أخطأ في هذا الحديث، وأما الحسين بن علي فهو ضعيف، ونص ابن عدي على أنه سرقه من عبدالله بن عون، وقال: «على أن غير الحسين من الضعفاء، قد سرقه منه أيضا». ولعل الباحث لو أحضر هذه الأقوال للنقاد لما تجرأ على تصحيح حديث أنس، ولتبين له أنه دفاعه عن الإسناد بذكر منزلة محمد بن بشر لا يفيد شيئا. ولو قال قائل: إذا وجدت أقوالا للنقاد في اختلاف على راو، ولم أجد بينهم اختلافا في الترجيح، فلم لا أكتفي بقول بعضهم؟ يجيب عن هذا التساؤل ما تقدم، وهو أننا محتاجون إلى جمع ما أمكن من أقوالهم، لا سيما أن ذكرها لا يكلف شيئا، فتكفي الإشارة إليها، كأن يقول الباحث: ورجح الوقف فلان، وفلان … ، ويمكن أن يختصر فيقول: وغيرهم، ويحيل إلى المراجع. والباحث إذا ذكر قولا لناقد، وأغفل قول ناقد آخر، عُدَّ صنيعه هذا تقصيرا، كما لو اقتصر على بعض الطرق، وترك منها ما هو مهم في دراسة الاختلاف. فمن ذلك أنني ذكرت في «الاتصال والانقطاع» (١) في مكانين حديث أنس في قصة صلاته ﷺ في مرض موته، والاختلاف فيه على حميد الطويل بذكر ثابت

стр. 963

البناني، وحذفه، وذكرت فيهما ترجيح الترمذي للزيادة، وأغفلت قول أبي حاتم، وكلامه أظهر من كلام الترمذي لمناسبة الحديث في الموضعين، فقد ذكرته في الموضع الأول مثالا على وقوع خطأ في تصريح مدلس بالتحديث، وفي الموضع الثاني لقرينة ارتكاب المدلس للتدليس بذكر واسطة بينه وبين شيخه في بعض الطرق. وهذا كلام أبي حاتم بعد أن ذكر له ابنه رواية الجماعة بإسقاط ثابت، ورواية يحيى بن أيوب بذكره: «يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، وقد زاد رجلا» (١). ولأبي زرعة أيضا قول لم أذكره، وهو ترجيح إسقاط ثابت، وعلل ذلك بأن فيمن أسقطه الثوري وهو حافظ، والذي زاده وهو يحيى بن أيوب ليس بذاك الحافظ (٢)، غير أن كلام أبي زرعة لا يعكر على التمثيل بالحديث في الموضعين، وظهر من السؤال والجواب أن أبا زرعة -مثل أبي حاتم- عنده من طرق الحديث عن حميد ممن زاد ثابتا طريق يحيى بن أيوب، فرآه أبو حاتم كافيا للحكم بتدليس حميد، وعلل ذلك بما ذكره، وجنح أبو زرعة إلى الترجيح بين أصحاب حميد، وقد تقدم هناك أن جماعة غير يحيى بن أيوب قد ذكروا ثابتا في الإسناد، فترجح قول الترمذي، وأبي حاتم.

стр. 964

وروى إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ووهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: «قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاث لتتابعني عليهن أو لأناجزنك … » الحديث، وهو منقطع، فإن الشعبي لم يسمع من عائشة، كما تقدمت الإشارة إليه في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، حيث تقدم الحديث هناك. وقد رواه أبو معاوية، عن داود، عن الشعبي، عن ابن أبي السائب -أو عن أبي السائب-، عن عائشة (١). ورواه حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة (٢). تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، ونقل عن الدارقطني ترجيحه للوجه الذي رواه الجماعة عن داود، قال الدارقطني: «والصحيح: عن الشعبي، عن عائشة» (٣). وقد رجح المرسل أيضا أبو حاتم، ولم يذكر الباحث قوله، ولهذا فات الباحث أيضا من طرق الوجه المرسل طريق وهيب، فإنه عند أبي حاتم (٤). وروى يحيى بن أبي بكير، عن زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر،

стр. 965

عن عبدالله بن مسعود، قال: «أول من أظهر إسلامه سبعة … » (١). نقل أحد الباحثين في كلامه عليه قوله البزار: «هذا الحديث لا نعلم رواه عن زائدة موصولا إلا يحيى بن أبي بكير» (٢). ونقل أيضا قول الدارقطني: «تفرد به يحيى بن أبي بكير، وهو وهم، وإنما رواه زائدة، عن منصور، عن مجاهد قوله» (٣). وترك الباحث من أقوال النقاد قول ابن معين: «هذا عن منصور، عن مجاهد، هكذا حدث به الناس»، وقال مرة: «إنما يرويه سفيان، عن منصور، عن مجاهد فقط». وكذا قول عباس الدوري: «هذا باطل، إنما هو من رأي مجاهد» (٤). ومن الفوائد كذلك لجمع أقوال النقاد والفحص الشديد عنها أن أئمة النقد يذكرون في كلامهم ما استندوا إليه في الترجيح، فيستفيد الباحث تحرير قرائن الترجيح في حديثه الذي ينظر فيه، وهذا كثير جدا، تقدم له أمثلة في الفصول السابقة. وفي أحاديث كثيرة تتعارض القرائن أمام الباحث، وربما توقف عن اختيار

стр. 966

رأي له، فهو محتاج إلى من يساعده ويعينه على ذلك، وسيجد ضالته في كلام النقاد، ويتأكد هذا إذا استحضرنا ما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، وهي الوسائل الخاصة بالنقاد، وليس بمقدورنا نحن تطبيقها والاستفادة منها. ومن الفوائد كذلك أن الباحث حين نظره في الطرق، ورواة الأوجه، وصفة رواية كل منهم، يظهر لديه رأي في هذا الاختلاف، لكنه محتاج إلى رأي ناقد يتكئ عليه، ويطمئن إلى سلامة نظره واجتهاده هو، فإذا وقف عليه فرح بذلك واستبشر. ومن فوائد جمع كلام النقاد والنظر فيه أن الباحث يتعود على تحليل النصوص، والتمعن فيها، وفحصها، ويتربى كذلك على تقبل الرأي المخالف، ويدرك أن ما فيه مجال للاجتهاد من مسائل العلم الأمر فيه واسع، ووجود عدة آراء فيه قريب جدا، لا إشكال فيه. ومما يتعلق بهذا أن الباحث يبتعد في هذا العلم -وفي كافة العلوم- عن القطع في كل مسألة يبحثها، كما هو ديدن بعض الباحثين، فإذا تعرض لقضية تراه يبدئ ويعيد ويكرر أن لا مجال لاحتمال الصواب والخطأ فيما ذهب إليه، إنما هو الصواب فقط. ويتأكد هذا إذا تمعن الباحث في كثرة وجود رأيين للناقد الواحد، يتغير اجتهاده، فتراه في موضع أو كتاب يرجح رأيا، وفي موضع أو كتاب يرجح آخر، كما تقدم هذا بأمثلته في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب،

стр. 967

وما ذاك إلا لأن الاحتكام إنما هو إلى قرائن وقواعد في هذا العلم، وهي مجال واسع للاجتهاد والنظر. وكنت دائما أنبه إلى أن الدخول في علم العلل ومقارنة المرويات هو في الحقيقة دخول لمدرسة شاملة للتدرب والتمكن من قواعد البحث العلمي بصفة عامة، أساتذتها هؤلاء النقاد الأجلاء. وفي مسألة (كلام النقاد في الاختلاف) عدد من الأمور يحسن التنبيه عليها: الأمر الأول: كلام النقاد قد يكون صريحا في الاختلاف الذي ينظر فيه الباحث ، بأن يذكر الناقد الاختلاف، وينص على الراجح أو يشير إليه، وهذا لا إشكال فيه. وقد يكون كلام الناقد بمعزل عن سوق الاختلاف، والترجيح فيه، غير أن كلامه له صلة بأحد الأوجه، أو بأحد رواته، وذلك كأن يقول الناقد إن هذا الحديث لا يعرف من حديث فلان، أو يقول إن فلانا أخطأ في حديث يرويه عن شيخه، ونحو ذلك، فهذا كله يحسن بالباحث أن يتتبعه، وأن ينظمه في سلك أقوال النقاد في الحديث الذي ينظر فيه، وقد يكون الباحث أصلا لم يقف على كلام صريح في الاختلاف، فهذا يعينه في الترجيح إذن. مثال ذلك أن وهب بن جرير روى عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قصة صلاته ﷺ على قبر (١).

стр. 968

ورواه وهب بن جرير أيضا عن شعبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس (١). وكذلك رواه جماعة من كبار أصحاب شعبة، منهم محمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، وأبو داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم، وحجاج بن منهال، وغيرهم، عن شعبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس (٢). وهو مشهور عن أبي إسحاق الشيباني، فرواه مع شعبة جماعة من أصحابه أيضا، منهم سفيان الثوري، وأبو معاوية، وزائدة بن قدامة، وعبدالواحد بن زياد، وجرير بن عبدالحميد، وعبدالله بن إدريس، وغيرهم (٣). وقد سئل أحمد عن رواية وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره، وقال: «ليس هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد» (٤).

стр. 969

فكلام أحمد هذا يجعله الباحث رأيا لأحمد في هذا الاختلاف، وأن الصواب ما رواه الجماعة عن شعبة. وكذلك كلام النقاد في عموم رواية وهب بن جرير، عن شعبة، فقد تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن بن زياد الرصاصي (١). وعند التأمل فإن من تكلم في راو في عموم روايته، وإن لم ينص على شيخه المعين، ثم وجدنا لهذا الراوي شيئا يخالف فيه غيره، أمكن أن يقال إن هذا الناقد يرجح خطأه في روايته هذه، وإن لم يأت عن هذا الناقد شيء بخصوصها. وهذا راجع إلى قضية نبهت عليها كثيرا، وهي أن أحكام النقاد على الرواة إنما جاءت من أحكامهم على رواياتهم، وليس العكس، ووعدت بالتنبيه عليها في مناسباتها، لإيضاح كيفية استفادة الباحث من إدراكها، وعدم الغفلة عنها. الأمر الثاني: يصح للباحث أن يذكر إجماعا للنقاد، أو قولا للجمهور، أو لاثنين منهم، وإن لم يكن بين من نسب إليهم القول اتفاق في جميع التفاصيل، إذا كان بينهم قدر مشترك هو الذي يريده الباحث. ولهذا صور عديدة، تقدم بعضها في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو المبحث المتعلق بتعارض القرائن، فقد تقدم هناك أن النقاد قد يتفقون على أن هذا الوجه خطأ، ثم يختلفون في تحميل عهدة الخطأ، فمنهم من

стр. 970

يجعله محفوظا عن المدار، والخطأ منه، ومنهم من يجعل الخطأ ممن دون المدار، وقد يتفقون على أن الخطأ ممن دون المدار، ثم يختلفون هل المخطئ راوي الوجه المباشر عن المدار، أو أحد رواة الإسناد دونه؟ بل قد يقع هذا التردد من الناقد الواحد، فهذا الاختلاف لا يضر في أصل القضية، وهو اتفاقهم على أن هذا الوجه خطأ. ومن صوره أيضا أن يتفق النقاد على تخطئه وجه ما، ثم يختلفون في الوجه الصواب ما هو؟ كأن يتفقوا على تخطئة الوجه المرفوع، ثم يقع بينهم اختلاف في الوجه الصواب، فيقول بعضهم: الحديث موقوف على صحابيه، ويقول بعضهم: الحديث موقوف على التابعي، وكأن يتفقوا على تخطئة الوجه الموصول، ثم يختلفون في صفة الوجه الصواب الذي هو المرسل، فبعضهم يذكره بإسقاط الصحابي، وبعضهم يذكره بإسقاط التابعي، وهكذا. وكذا لو اتفقوا على تخطئة وجه، ثم اختلفوا في ذكر الوجه الذي هو علة للوجه الخطأ. ومن ذلك ما رواه أبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج، عن سعيد بن عبدالعزيز التنوخي، عن سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم مرفوعا: «كل أيام التشريق ذبح» (١). ورواه سويد بن عبدالعزيز، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن سليمان بن

стр. 971

موسى، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقيل إن إسماعيل بن عياش قد رواه كذلك عن سعيد (١). ورواه أبو نصر التمار، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن سليمان بن موسى، عن عبدالرحمن بن أبي حسين، عن جبير بن مطعم (٢). وقد اتفق النقاد -أحمد، والبزار، وابن عبدالبر، والبيهقي- على تخطئة الوجه الثاني، وهو جعله عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وذكر أحمد، وابن عبدالبر، والبيهقي، أن الصواب إرساله، يعني بإسقاط نافع بن جبير، وهو الوجه الأول، وأما البزار فذهب إلى أن الصواب هو الوجه الثالث، فقال: «حديث ابن أبي حسين هذا هو الصواب، وابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم»، إلا أن البزار لم يذكر الوجه الأول (٣). فهذا الاختلاف في الوجه الصواب لا يمنع من الاعتماد على اتفاقهم على أن الوجه الثاني الموصول خطأ. وروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب قال: «جاءت فاطمة ﵂ إلى رسول الله ﷺ تشكو مجل يدها من أثر الرحى … » الحديث (٤).

стр. 972

وقد توارد جماعة من النقاد -ابن المديني، والبخاري، والبزار، والعقيلي- على تعليل هذا الإسناد، وأن الصواب إرسال الحديث، واعتمدوا على أن هذا هو الموجود في كتاب أزهر، فما حدث به من حفظه أخطأ فيه، ومنهم من ناقشه في ذلك، غير أنهم اختلفوا في صفة الإرسال، فمنهم من يذكره بإسقاط علي بن أبي طالب، ومنهم من يذكره بإسقاط عبيدة السلماني (١). وليس هذا الاختلاف بمؤثر على اتفاقهم على ضعف الموصول. والباحث بعد فراغه من النظر بين الوجه الخطأ، وبين ما هو صواب -بغض النظر عن صفته- يعود إلى النظر في الاختلاف الواقع بين النقاد في الصواب ما هو؟ فهذه قضية أخرى، ولا يصح أن يجعل اختلافهم في جهة ما دليلا على ضعف ما اتفقوا عليه. روى أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبدالرحمن الجمحي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: «إذا نسي أحدكم صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل مع الإمام … » الحديث (٢). ورواه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، عن سعيد بن عبدالرحمن موقوفا

стр. 973

على ابن عمر (١). وكذا رواه مالك، عن نافع موقوفا أيضا على ابن عمر (٢). وقد أطبق النقاد: ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وموسى بن هارون، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي، على أن المرفوع خطأ، والصواب وقفه على ابن عمر، قال أبو زرعة بعد أن خطأ المرفوع: «وأخبرت أن يحيى بن معين انتخب على إسماعيل بن إبراهيم، فلما بلغ هذا الحديث جاوزه، فقيل له: كيف لا تكتب هذا الحديث؟ فقال يحيى: فعل الله بي إن كتبت هذا الحديث». وتعرض بعضهم للمخطئ فيه، وأكثر من تعرض لذلك يجعل الخطأ من أبي إبراهيم الترجماني، ومنهم من يجعله من سعيد بن عبدالرحمن (٣). قال الزيلعي بعد أن ذكر كلام النقاد: «فقد اضطرب كلامهم، فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني الراوي عن سعيد» (٤). واختلاف النقاد هذا ليس باضطراب في أصل المسألة، وهو كون المرفوع وهما، وإنما اختلف اجتهادهم في تحديد المخطئ، إذ يحتمل أن يكون من الترجماني، بدلالة رواية الليث، ويحيى بن أيوب، عن سعيد موقوفا، ويحتمل أن يكون من سعيد، وهم في رفعه حين حدث به الترجماني، فهذا نظر آخر.

стр. 974

و الاستفادة من القدر المشترك في كلام النقاد لا تنحصر في كلامهم على الاختلاف، وما يتعلق به، فتوجد أيضا في الجرح والتعديل، إذ قد يتفق النقاد على ضعف راو، ولكن يختلفون في سبب ضعفه، فمنهم من يعزو ذلك إلى أحاديث منكرة تفرد بها، ومنهم من يعزوه إلى قبوله التلقين، ومنهم من يعزوه إلى كثرة مخالفته للثقات، وقد ينفي بعض النقاد عن الراوي ما ذكره ناقد آخر، لكن ضعف الراوي متفق عليه بينهم. وكذلك في التضعيف المقيد، يتفق النقاد على ضعف ونكارة رواية أهل بلد عن راو، أو رواية راو عن أهل بلد، ثم يختلفون في تحميل العهدة، كما وقع في زهير بن محمد الخراساني، ورواية الشاميين عنه، فمن النقاد من حمل العهدة زهيرا، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من قال إن أهل الشام أخطؤوا عليه، ومنهم من أبدى احتمالا أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، وقد تقدم هذا في موضعه (١). ومن ذلك أيضا ما تقدم في الباب الثاني، وهو المتعلق بالتفرد، فالنقاد قد يستنكرون أحاديث تفرد بها راو عن شيخه، ثم يختلفون في تحميل عهدة النكارة، كما في رواية عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، أو يتفقون على تحميل راو عهدة الخطأ في التفرد، ولكن يختلفون في مصدر الخطأ، أي: ما هو أصل الحديث الذي أخطأ فيه الراوي، أو يختلفون في سبب وقوع الراوي في الخطأ.

стр. 975

فكل هذه الاختلافات غير مؤثرة إطلاقا على أصل ما اتفقوا عليه. ويجدر التنبيه إلى أن القدر المشترك والاستفادة منه لا يختص بكلام النقاد، بل يوجد فيما هو أهم منه، وهم الرواة أنفسهم، فيستفاد من القدر المشترك بين رواياتهم، وقد تقدم هذا في مناسبتين، إحداهما في مبحث خاص بالقدر المشترك، والاستفادة منه في الترجيح بين الأوجه، وهو المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، والثانية في الاستفادة من القدر المشترك بين الوجه الصواب، والوجه الخطأ، وهذا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب. وقد ظهر لي أن قضية القدر المشترك موجودة بقوة في مجال نقد المرويات، وهي بحاجة إلى من يخصها بدراسة مستقلة، يوضحها ويتتبع تطبيقاتها. الأمر الثالث: يتأنى الباحث كثيرا حين يريد نقل نص ناقد في الاختلاف، ويحذر من أن ينسب قولا لغير قائله، ويوصى الباحث بالتدقيق والنظر في سياق النص، خشية أن يقع في الخطأ، فيجمع بين تقويل أحد قولا لم يصدر عنه، وتفويت نسبة قول لصاحبه بنسبته لغيره، وقد يكون أمكن في هذا العلم، أو أقدم طبقة. ولا سبيل إلى تفادي الوقوع في الخطأ إلا بالتدقيق والتأني، والبعد عن الاستعجال، وأيضا التعرف على طبيعة المصادر، وخصائص كل منها. فهناك بعض المصادر يروي التلميذ جل مادته عن شيخ له، لكنه يورد فيه أيضا عن شيوخ آخرين كلاما، أو يروي عمن تقدمه من غير طريق شيخه، كما في «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، فعبدالله يروي جله عن والده،

стр. 976

ومن شيوخ والده يحيى القطان، وربما روى عبدالله عن يحيى بن معين، وربما روى عن يحيى القطان بواسطة بعض شيوخه غير أبيه، كأبي بكر بن خلاد، فيقع الاشتباه على الباحث. وبعض المصادر جرى فيه مؤلفه على سرد النصوص، فيختلط ما يرويه بإسناده عن شيوخه أو من فوقهم، بما يقوله هو، فيشق أحيانا تمييز صاحب القول، ويحتاج إلى التمعن في السياق، وقد يحتاج الباحث إلى الاستعانة بأمر خارجي، كما في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان. وجرى بعض المؤلفين على أن يذكر قبل كلامه اسمه، أو كنيته، وقد يكون هذا من الراوي للكتاب عنه، وذلك عوضا عن قوله: (قلت)، أو (قال المؤلف)، وربما راوح بين الاسم والكنية، كما يفعل ابن حزم في «المحلى»، تارة يقول: قال علي، وتارة يقول: قال أبو محمد، فيشتبه على الباحث، ويظن أن المؤلف ينقل عن غيره، خاصة إذا وافق الاسم أو الكنية اسم أو كنية ناقد آخر. ومن هؤلاء ابن خزيمة يسبق كلامه عبارة: قال أبو بكر، فربما قال الباحث: ونقل ابن خزيمة عن شيخه أبي بكر كذا، وابن خزيمة هو أبو بكر، فهو صاحب القول. ومن هؤلاء أيضا: ابن حبان، يسبق كلامه بقوله: قال أبو حاتم، وهي كنيته، فيظن الباحث أنه ينقل عن أبي حاتم الرازي. وكذلك البيهقي، كثيرا ما يرد عنده: قال أحمد، أو: قال الشيخ أحمد، فيظن أنه ينقل عن أحمد بن حنبل، والكلام للبيهقي، فاسمه أحمد بن الحسين.

стр. 977

والباحث ينبه على هذا في النقل عن النقاد في جميع مسائل هذا العلم، وذكرته هنا لمناسبة الحديث عن ضرورة الاهتمام بكلام النقاد في الاختلاف، ومن الاهتمام به: التدقيق في صاحب القول من هو؟ ونبهت عليه أيضا لما رأيت من خطأ بعض الباحثين في نسبة الأقوال إلى أصحابها. فمن ذلك أن أبا نعيم الفضل بن دكين روى عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن موهب، قال: سمعت تميما الداري يقول: «سألت رسول الله ﷺ : ما السنة في الرجل من أهل الكفر يسلم على يدي الرجل من المسلمين … » (١). قال أحد الباحثين في دراسة هذا الإسناد: «قول عبدالله بن موهب هنا: سمعت تميما الداري، خطأ، خطأه فيه أبو نعيم نفسه راوي الحديث، فقال -فيما نقله عنه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٤٣٩ - : وهذا خطأ، ابن موهب لم يسمع تميما، ولا لحقه». كذا نقل الباحث، ولم يحكم هذا النقل، فصاحب القول هو يعقوب بن سفيان، يوازن بين ما رواه أبو نعيم، عن عبدالعزيز بن عمر، بذكر تصريح عبدالله بن موهب بالسماع من تميم، وبين ما رواه يحيى بن حمزة الدمشقي، عن عبدالعزيز بن عمر، بإدخال واسطة بين عبدالله بن موهب، وتميم، وهو قبيصة

стр. 978

بن ذؤيب، وقد قال يعقوب بعد أن ذكر رواية يحيى بن حمزة: «الحديث حديث يحيى بن حمزة». وقد كان أبو نعيم إذا ذكر له تخطئة بعض النقاد للتصريح بالتحديث يغضب ويقول: أنا سمعت عبدالعزيز بن عمر يذكر هذا، ويقول: من يحيى بن حمزة حتى يحتج علي بروايته؟ . وقد روى الحديث مع أبي نعيم جماعة كثيرون، وافقوه على إسقاط قبيصة بن ذؤيب، ووافقه وكيع على التصريح بالتحديث، غير أن جمهور النقاد على أن عبدالله بن موهب لم يسمع من تميم، وإن لم يعتمدوا رواية يحيى بن حمزة في تسمية الواسطة، وكأن غضب أبي نعيم لظنه أن من يخطئ التصريح بالتحديث يحمله هو الخطأ (١). وقصة الاختلاف في هذا الحديث، وكلام النقاد في معالجته طويلة، والشاهد هنا خطأ الباحث فيما نقله عن أبي نعيم، فصار أبو نعيم عنده يخطئ روايته، وذلك لأن الباحث هجم على النص، ولم يتمعن في سياقه، وأيضا لم يقف على

стр. 979

المصدر الذي ذكر رأي أبي نعيم صراحة. ونقل أحد الباحثين عن أبي حاتم رأيه في الحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (١)، وهو حديث: «الإمام ضامن … »، وقد رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، وترجيح أبي حاتم لرواية الأعمش، ثم ذكر الباحث نقلا عن «إتحاف المهرة» ١٦/ ١٠٧٠، ١٧/ ٦٥١، أن أبا حاتم قال: «سمعه أبو صالح من عائشة، وأبي هريرة»، وذكر الباحث أن رأي أبي حاتم هذا يخالف رأيه الأول. كذا صنع الباحث، لم يتمعن في سياق النص الموجود في «الإتحاف»، فابن حجر ذكره بعد عزو الحديث إلى «صحيح ابن حبان»، فأبو حاتم عنده إذن هو أبو حاتم بن حبان، وليس أبا حاتم الرازي، والنص موجود في «صحيح ابن حبان». وتعرض أحد الباحثين لما رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «قيل لعائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ … » (٢)، ورواه آخرون عن هشام، عن رجل، عن عائشة (٣). قال الباحث: «ورجح يحيى القطان هذه الرواية، فيما نقله عنه ابن معين في «تاريخه» ١/ ٢٨٧ (١٢٢٠)، فقال: هو مرسل، هشام، عن رجل … ».

стр. 980

والمرجح هو يحيى بن معين نفسه، وليس القطان، ففي «التاريخ»: «سألت يحيى عن حديث هشام بن عروة … »، فالسائل هو الدوري، والمسؤول هو ابن معين. وتعرض باحث آخر لحديث عائشة في قصة زيارته ﷺ لأهل البقيع، وقد اختلف فيه على ابن جريج، وعلى بعض من دونه، في تسمية شيخه، وفي إسقاطه (١)، وقال: «وقد رجح المزي في «تحفة الأشراف» ١٢/ ٣٠٠، رواية حجاج، على رواية ابن وهب، فقال: حجاج في ابن جريج أثبت عندنا من ابن وهب». وهذا الكلام إنما هو للنسائي، ينقله عنه المزي، قاله النسائي بعد أن أخرج الحديث (٢). ومما له صلة بهذا أن يتقن الباحث الإسناد إلى صاحب النص، إن أراد ذكره، أو ذكر جزء منه، والخطأ في هذا وإن لم يكن بقدر الخطأ في نسبة القول إلى غير صاحبه، غير أنه مؤشر -إذا كثر من الباحث، أو انضم إلى غيره من الأخطاء- على عجلة الباحث، وعدم إنعامه النظر فيما يثبته من معلومات.

стр. 981

ذكر أحد الباحثين في كلامه على حديث الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله ﷺ قال له: يا ضحاك ما طعامك؟ … » الحديث (١)، ما لفظه: «نقل ابن المبارك، عن يحيى بن صاعد قوله: وقد روي هذا الحديث عن أبي بن كعب، ووقفه بعض، ورفعه بعض»، نقل هذا من «الزهد» لابن المبارك (٢). وابن المبارك مات قبل أن يولد يحيى بن صاعد بزمن طويل، وإنما اشتبه على الباحث، لكون يحيى بن صاعد يروي كتاب «الزهد» لابن المبارك، عن الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن المبارك، وللحسين بن الحسن في أثناء الأحاديث زوائد كثيرة يرويها من غير طريق ابن المبارك، ولابن صاعد زوائد كذلك، يرويها من غير طريقهما، وله أيضا كلام على بعض الأحاديث، فالذي نقل كلام ابن صاعد هما راويا الكتاب عن ابن صاعد: أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق. وذكر أحد الباحثين ما رواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: «جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (٣).

стр. 982

ثم ذكر الباحث كلام أبي حاتم على هذا الحديث، وأنه يرى إدراج آخر الحديث: «فإذا وقعت الحدود … »، ثم قال الباحث: «روى ابن عبدالبر في «التمهيد» (٧/ ٤٥) بإسناده إلى أبي زرعة، قال: قال لي أحمد بن حنبل: رواية معمر، عن الزهري، في حديث الشفعة، حسنة، قال: وقال لي يحيى بن معين: رواية مالك أحب إلي وأصح في نفسي مرسلا: عن سعيد، وأبي سلمة». وظاهر من سياق كلام الباحث ومناسبته أنه يرى أن أبا زرعة هذا هو الرازي، وإنما هو أبو زرعة الدمشقي، والنص موجود في «تاريخه» أتم منه (١). الأمر الرابع: كلام النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة مصدره الأساس كتب العلل، سواء منها الكتب الشاملة، مثل «العلل الكبير» للترمذي، و «علل ابن أبي حاتم»، و «علل الدارقطني»، أو الكتب التي قصد بها أصحابها نقد كتاب معين، أو مرويات راو معين، مثل «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى الذهلي، و «علل الأحاديث في صحيح مسلم» لأبي الفضل بن عمار الشهيد، و «التتبع» للدارقطني، و «الأحاديث التي خولف فيها مالك» للدارقطني أيضا. ويوجد كذلك في كتب السؤالات الموسعة، مثل «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، و «مسائل أحمد» لأبي داود، و «تاريخ الدوري عن ابن معين».

стр. 983

وكذلك كتب الرجال التي تذكر في ترجمة الراوي شيئا مما تفرد به، أو خولف فيه، أو اختلف فيه عليه، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي. كما يوجد في كتب التواريخ، مثل «تاريخ أبي زرعة الدمشقي»، و «المعرفة والتاريخ» للفسوي، و «التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة. ومن مصادر كلامهم المهمة كذلك كتب الرواية التي يتعرض المؤلف فيها لشيء من نقد ما يرويه، مثل «سنن أبي داود»، و «سنن الترمذي»، و «سنن النسائي»، و «مسند أحمد»، و «مسند يعقوب بن شيبة»، و «مسند البزار»، و «سنن الدارقطني» و «سنن البيهقي». وفي الجملة فليس من الممكن أن يحدد للباحث مصادر معينة في عصر الرواية أو يذكر له نوع من المصادر، تحوي أقوال النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة، فما من كتاب مؤلف في ذلك العصر إلا وهو مظنة وجود شيء من كلامهم، سواء ما ألف لنقد الراوي أو المروي، أو ما ألف لجمع المرويات، وسواء كان كتابا كبيرا، أو جزءا صغيرا. ثم بعد ذلك ما ألف بعد عصر الرواية، مثل مؤلفات ابن رجب، وابن القيم، والمزي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن الملقن، والزيلعي، وابن حجر، وغيرهم، ففي هذه الكتب من النقول عن النقاد شيء كثير جدا، وجملة منه لا يوقف عليه فيما هو موجود من كتب الصنف الأول، فغدا الكتاب المتأخر مصدرا رئيسا من هذه الجهة.

стр. 984

وقد تقدم في الفصل الأول من الباب الأول، الكلام عن مصادر طرق الأحاديث التي ينبغي للباحث أن يجمع منها طرق الأحاديث، وهي أيضا مصادر لكلام النقاد. والباحث وهو بصدد جمع كلام النقاد في حديثه لن يجد الأمر دائما ميسرا، فهناك إشكالات تواجه الباحثين أثناء جمعهم لكلام النقاد للنظر فيه، وتوظيفه في دراسة الاختلاف، وسأعرج الآن على بعض هذه الإشكالات على عجل. فمنها احتمال أن يفوت الباحث كلام بعض النقاد، لسبب أو لآخر، فقد يكون الناقد سرد عددا من الأحاديث، وأخر نقدها أو نقد بعضها بعد فراغه منها، فيفوت الباحث الوقوف على كلام الناقد في حديثه المعين. ثم كلام الناقد قد يوجد في بعض روايات كتابه، ولا يوجد في أخرى، كما هو الحال في «سنن أبي داود»، و «سنن النسائي» الصغرى والكبرى، يدرك ذلك بمقارنة ما فيها بما ينقله المتأخرون عنهم، كالمزي في «تحفة الأشراف»، وغيره. ومن ذلك أن البيهقي قال في حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في كتاب النبي ﷺ في الصدقات (١): «قال أبو عيسى الترمذي في كتاب «العلل»: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظا، وسفيان بن حسين صدوق» (٢).

стр. 985

وذكر أبو علي الجياني، وابن القطان، أن الترمذي في «العلل» نقل عن البخاري كلاما في حديث عقبة بن عامر الجهني مرفوعا: «ما من أحد يتوضأ … » الحديث (١). ولا يوجد هذان النصان في المطبوع من «ترتيب العلل الكبير» للقاضي أبي طالب (٢). بل قد يوجد في بعض الروايات أو النسخ جزء من النص المطبوع والنص بتمامه في رواية أو نسخة أخرى، كما في كلام النسائي على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة التي جاءت وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب. ومن الإشكالات الكبيرة في نصوص النقاد ما يواجه الباحث من اضطراب في النص، كأن يجد الباحث الترجيح مقلوبا، ففي مصدر ينسب إلى الناقد ترجيح وجه، وفي مصدر ينسب إليه ترجيح مقابله، ولا يمكن حمله على تغير الاجتهاد، أو يجد السؤال موجها إلى ناقد، والجواب لناقد آخر، أو يقع النص خطأ، إما بسبب سهو المؤلف، أو بسبب وقوع السقط والتحريف في النسخ. فمن ذلك أن زيد بن أبي أنيسة، روى عن أبي إسحاق، عن جرير بن
следующие страницы →