﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ .
[١١٩] ثم وَبَّخَهم على تركِ الأكلِ منه فقالَ:
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ وأيُّ مانعٍ لكم من.
﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ شيئًا.
﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الذبائحِ.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرو: بضم الفاءِ والحاءِ وكسرِ الصادِ والراءِ على غير تسمية الفاعل؛ لقوله: (ذُكِرَ)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصم: (فَصَّلَ) و (حَرَّمَ) بالفتح فيهما؛ أي: فَصَّلَ اللهُ ما حرَّمَه عليكم؛ لقوله (اسمُ الله)، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ: (فَصَّلَ) بالفتح، و (حُرَّمَ) بالضم (١)، وأرادَ بتفصيل المحرمات ما ذُكر في قولهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣].
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ من هذه الأشياءِ؛ فإنه حلال لكم عندَ الاضطرار.
قرأ أبو جعفرٍ بخلافٍ عنهُ: (اضْطِرِرْتُمْ) بكسرِ الطاء (٢).
стр. 1017
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون: بضم الياء؛ أي: يُضِلُّون غيرَهم، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: يَضِلُّون هم (١).
﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قوله بِتَشَهِّيهم من غيرِ تعلُّقٍ بدليلٍ يفيدُ العلمَ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يجاوزونَ الحلالَ إلى الحرام.
...
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ .
[١٢٠] ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ سِرَّهُ وعلانيتهُ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرةِ.
﴿بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يكتسبون (٢) في الدنيا.
...
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ .
[١٢١] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الميتاتَ وما في معناها من المنخنقةِ وغيرِها، وما ذُبح على اسمِ غيرِ الله.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الأكلُ منه.
﴿لَفِسْقٌ﴾ لمعصيةٌ.
стр. 1018
واختلف الأئمةُ في ذبيحةِ المسلمِ إذا لم يذكرِ اسمَ اللهِ عليها، فقال الشافعيُّ: تحلُّ، سواءٌ تركَ التسميةَ عامدًا أو ناسيًا؛ لأن التسميةَ عنده سنة، وقال الثلاثة: إنْ تركَها عمدًا، لم تحلَّ، وإن تركها ناسيًا، حلَّتْ، وتقدم اختلافُهم في التسميةِ على الصيدِ والذبيحةِ أيضًا في سورةِ المائدةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيوسْوِسونَ.
﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ المشركين.
﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم: تأكلونَ ما قتلتُم أنتم وجوارُحُكم، وتدعونَ ما قتلَه الله؟! يعنونَ الميتة.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في أكلِ الميتةِ.
﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فيه دليلٌ على أن من أحلَّ شيئًا مما حرَّمَ الله، وحرَّم شيئًا مما أحلَّ الله، فهو مشركٌ.
...
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ .
[١٢٢] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ بالكفرِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مَيِّتًا) بالتشديدِ، والباقون: بالتخفيف (١).
стр. 1019
﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هَدَيناهُ.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ أي: الإيمانَ.
﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ بينَهم متبصِّرًا به (١)، فيعرف الحقَّ من الباطلِ.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن هو في الظلماتِ.
﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ يعني: في ظلمةِ الكفرِ.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفرِ والمعصيةِ.
قال ابنُ عباسٍ: " ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يريدُ: حمزةَ بنَ عبدِ المطلبِ ﵁، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يريدُ: أبا جهلِ بنَ هشامٍ، وذلك أن أبا جهلٍ رَمَى رسولَ اللهِ ﷺ بِفَرْثٍ، فأُخبرَ حمزةُ بما فعل أبو جهلٍ وهو راجعٌ من قَنْصِهِ، وبيدِه قوسٌ، وحمزةُ لم يؤمنْ بعدُ، فأقبلَ غضبانَ حتى علا أبا جهلٍ بالقوسِ وهو يتضرَّعُ إليه ويقولُ: يا أبا يَعْلَى! أَما تَرى ما جاءَ به؟ سَفَّهَ عقولَنا، وسبَّ آلهتَنا، وخالفَ آباءنا! فقال حمزةُ: ومَنْ أسفهُ منكم؟! تعبدونَ الحجارةَ من دونِ اللهِ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فأنزلَ الله هذه الآيةَ" (٢).
...
стр. 1020
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ .
[١٢٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ أي: كما أن فُسَّاقَ مكةَ أكابرُها، كذلك جعلْنا فساقَ كلِّ قريةٍ أكابرَها؛ أي: عظماءها، جمع أكبر، وخَصَّ الأكابرَ بالذِّكر؛ لأنهم الصادُّونَ عن الدين، ثم قالَ معللًا:
﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ بالصدِّ عن الإيمان, ورميِ النبيِّ ﷺ بالكذبِ والسحرِ.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وبالَ كفرِهم راجعٌ عليهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.
...
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ .
[١٢٤] ولما قالَ الوليدُ بنُ المغيرةِ: لو كانتِ النبوةُ حقًّا، لكنتُ أَولى بها منك؛ لأني أكبرُ منكَ سنًّا، وأكثرُ منكَ مالًا، فقال أبو جهل: واللهِ لن نرضى به، ولن نَتَّبِعه أبدًا إلَّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزل:
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ (١) حجةٌ على صدقِ محمدٍ ﷺ .
стр. 1021
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ من النبوةِ، وتقدَّم الكلامُ على تغليظِ اللامِ من اسمِ الله في قوله (رُسُلُ اللهِ) وشبهِه في أولِ سورةِ الفاتحةِ، ثم استأنفَ منكِرًا أنهم لا يصلُحون للرسالة فقالَ:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ: (رِسَالَتَهُ) بحذفِ الألفِ بعد اللام ونصبِ التاءِ على التوحيد، وقرأ الباقون: بالألف وكسر التاء على الجمع (١)؛ يعني: اللهُ أعلمُ بمن هو أحقُّ بالرسالةِ، ثم قال متهدِّدًا:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ من الكفار.
﴿صَغَارٌ﴾ أشدُّ الذلِّ.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في الآخرة.
﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الأسرُ والقتلُ ثم النار.
﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ .
[١٢٥] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ ينوِّرْ قلبَهُ ويفتحْهُ.
﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ فيتَّسعُ به، ويفسح فيه مجاله.
стр. 1022
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (ضَيْقًا) بالتخفيف، والباقونَ: بالتشديد.
﴿حَرَجًا﴾ وهما لغتان؛ مثل: هَيْن، وهَيِّن، حَرَجًا: أشدَّ الضيقِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ: بكسرِ الراء، والباقون: بفتحِها، وهما لغتانِ أيضًا؛ مثل: الدَّنَف، والدَّنِف؛ يعني: لا ينورُ قلبَه، ولا يفتحُه لقبولِ الإِسلام.
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ (يَصْعَدُ) بإسكانِ الصادِ وتخفيفِ العينِ من غيرِ ألفٍ، من الصعودِ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَصَّاعَدُ) بفتحِ الياءِ والصادِ مشدَّدةً وألفٍ بعدَها وتخفيفِ العين؛ أي: يتصاعَدُ، وقرأ الباقون: بتشديدِ الصادِ والعينِ من غيرِ ألفٍ؛ أي: يَتَصَعَّدُ (١)؛ يعني: يَشُقُّ عليه الإيمانُ كما يشقُّ عليه صعودُ السماء، وأصلُ الصُّعودِ: المشقةُ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا الجعلِ.
﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ أي: العذابَ.
﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأصلُ الرِّجْسِ في اللغة: النتنُ.
...
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾ .
[١٢٦] ﴿وَهَذَا﴾ أي: الذي أنتَ عليهِ يا محمدُ.
стр. 1023
﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ الطريقُ الذي ارتضاه.
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا اعوجاجَ فيه.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعلمونَ أن القادرَ هو اللهُ.
...
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ .
[١٢٧] ﴿لَهُمْ﴾ أي: المتذكِّرينَ.
﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ الجنةُ؛ لأن كلَّ من دخلَها سَلِمَ من البلاء والرزايا.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مضمونة لهم عندَه أن يوصِلَهم إليها بفضله.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ ناصرُهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يتولَّاهم في الدنيا بالتوفيق، وفي الآخرةِ بالجزاء.
...
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ .
[١٢٨] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: واذكرْ يومَ نحشرُهم جميعًا. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، وروح عن يعقوبَ: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١).
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ أي: ثم يقالُ: يا معشرَ الجنِّ، أي: الشياطينِ.
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾ .
[١٣٤] ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ من مجيءِ الساعةِ.
﴿لَآتٍ﴾ كائنٌ، رُوي عن قنبل، ويعقوب: بالوقف بالياء على (لآتِي).
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بغائبينَ.
...
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾ .
[١٣٥] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ:
﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ تمكُّنكم. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مَكَانَاتِكُمْ) بالجمع؛ أي: حالاتكم، وقرأ الباقون: بالأول (١)، وهذا أمرُ وعيدٍ على المبالغةِ.
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ ما أمرَني به ربي.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: الجنة. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالياءِ على التذكير؛ لأن تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقي، والباقون: بالتاء لتأنيث العاقبة (٢).
стр. 1028
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا ينجحُ سعيُهم.
...
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ .
[١٣٦] ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: مشركو العرب.
﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾ خلقَ.
﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وذلك أنهم كانوا يجعلونَ نصيبًا من زُروعهم وأنعامِهم لله، ونصيب منها لأصنامِهم، فنصيبُ اللهِ للضيفانِ والمساكينِ، ونصيبُ آلهتهم لخدمِها، فما سقطَ بهبوبِ الريحِ ونحوِه من نصيبِ الله في نصيبِ آلهتهم تُرِكَ، وقالوا: إنَّ الله غنيٌّ عن هذا، وما سقطَ من نصيبِ آلهتِهم في نصيبِ الله رُدَّ، ويقولون: هي محتاجة. قرأ الكسائئ: (بِزُعْمِهِمْ) بضم الزاي، والباقون: بفتحها، وهما لغتان (١)، وقولُه: (بزعمهم) تنبيه على أنَّ ذلك مما اخترعوه، لم يأمرهم به اللهُ.
﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى الجهاتِ
стр. 1029
التي كانوا يَصْرِفون نصيبَ اللهِ إليها.
﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ إلى ما كانوا يصرفون نصيبَهم إليهم.
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضونَ.
...
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ .
[١٣٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلكَ التزيينِ في قسمةِ القُرُبات.
﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾. قراءة العامَّة: (زَيَّنَ) بفتحِ الزاء والياء ونصبِ (قَتْلَ) مفعولًا صريحًا، وجرِّ (أَوْلادِهِمْ) إضافة، ورفعِ (شُرَكَاؤُهُمْ) فاعل (زَيَّنَ)؛ أي: شياطينُهم حَسَّنوا لهم وَأْدَ البناتِ، وهو دَفْنُهُنَّ في حياتهن خيفةَ العيلةِ، وقرأ ابنُ عامرٍ: بضمِّ الزايِ وكسرِ الياء مجهولًا، ورفعِ (قَتْلُ) ونصبِ دالِ (أَوْلادَهُمْ)، وخفضِ همزةِ (شُرَكَائِهِمْ) بإضافةِ (قتل) إليه (١)، كأنه قال: زُيِّنَ لكثيرٍ من المشركين قَتْلُ شركائِهم أولادهم، فُصِلَ بمنَ الفعلِ وفاعلِه بالمفعول به، وهم الأولادُ، وأُضيفت الفعلُ وهو القتلُ إلى الشركاء، وإن لم
стр. 1030
يتولَّوا ذلك؛ لأنهم الذين زينوا ذلكَ، ودَعَوا إليه، فكأنهم فعلوهُ، وقد اعترضَ الزمخشريُّ في "كَشَافه" على ابنِ عامرٍ في قراءته (١)، فردَّ ابنُ الجزريِّ اعتراضَه في كتابِه "النَّشْر"، وصَوَّبَ قراءةَ ابنِ عامرٍ، وكذلكَ الكواشي في "تفسيرِه"، وكلٌّ منهما أشبعَ (٢) الكلامَ في ذلك.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ لِيُهلكوهم.
﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ لِيَخْلِطوا.
﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ويُدْخِلوا عليهم الشكَّ فيه.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ بَيَّنَ أن كفرَهم بمشيئة الله تعالى، وهو ردٌّ على القدريةِ.
﴿فَذَرْهُمْ﴾ يا محمدُ.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ من الكذبِ؛ فإن الله لهم بالمرصادِ.
...
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ .
[١٣٨] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين.
﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي: حَرامٌ، المعنى: إنهم كانوا يُعَيِّنون أشياءَ لآلِهتهم، ويُحَرِّمونها، ويقولونَ:
стр. 1031
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ من النساءِ والرجالِ.
﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ قرأ الكسائيُّ: بضمِّ الزايِ كما تقدم.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ وهي البحائِرُ والسوائبُ والحوامي، وتقدَّمَ تفسيرُها في سورة المائدة.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ وهي قربانُ آلِهتهم.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾ لأن ما قالوه تَقَوُّلٌ عليه.
﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: بسببه.
...
﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾ .
[١٣٩] ﴿وَقَالُوا مَا﴾ أي: الذي.
﴿فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ كانوا يقولون في أَجِنَّةِ البحائرِ والسوائبِ: ما وُلد حيًّا، هو خالصٌ للذكور، وأَنَّثَ (خَالِصَةٌ) للتأكيد كالخاصَّةِ والعامَّةِ.
﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ أي: نسائِنا.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ أي: مما وُلد مَيْتًا، اشتركَ فيه الرجال والنساء (١) الإناثُ والذكور. قرأ ابنُ كثيرٍ: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير (مَيْتَةٌ) بالرفع؛
стр. 1032
لأن المرادَ بالميتةِ الميتُ؛ أي: وإن وقعَ في البطونِ ميتٌ. وقرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (تَكُنْ) بالتاءِ على التأنيثِ (مَيْتَةٌ) بالرفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث؛ لأن الميتةَ في اللفظِ مؤنثةٌ، وأبو جعفر: على أصلِه في تشديد الياء، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصم: (تَكُنْ) بالتأنيثِ (مَيْتة) نصبٌ؛ أي: وإن تكنِ الأجنةُ ميتةً، وقرأ الباقون: (وإنْ يَكُنْ) بالياء على التذكير (مَيْتةً) نصبٌ، ردَّه إلى (ما) (١)، أي: وإنْ يكنْ ما في البطونِ ميتةً، يدلُّ عليه أنه قال:
﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ ولم يقل: فيها، وأرادَ: أن الرجالَ والنساءَ فيهِ شركاءُ.
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: جزاءَ وصفِهم للكذبِ على الله.
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في عذابِهم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بأقوالهم.
...
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ .
[١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ:
كثيرٍ: (أُكْلُهُ) (١) بإسكانِ الكاف، والباقون: بتحريكها.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا﴾ في المنظرِ (٢).
﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطعمِ؛ مثل الرمانينِ، ولونهما واحدٌ، وطعمُهما مختلفٌ.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ أمرُ إباحة. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (ثُمُرِهِ) بضمِّ الثاء والميم، والباقون: بفتحهما (٣)، وتقدَّمَ تفسيرُ القراءتين في السورة.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ هي الزكاةُ المفروضةُ إن جعلت (٤) الآيةَ مدنيةً، وإن جعلتها مكية، فالمرادُ بحقِّه ما يُتَصَدَّقُ به على المساكين وقتَ الحصاد، والقولانِ منقولان، وكان ذلك واجبًا، فنسخ بالزكاة. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ: (حَصادِهِ) بفتح الحاء، والباقون: بكسرها، ومعناهما واحد (٥).
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في التصدُّقِ بإخراج جميعِ المال؛ كقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
стр. 1035
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ولا يرتضي فعلَهم في وجوب الزكاة.
واتفقَ الأئمةُ على وجوبِ الزكاةِ في الحبوب كلِّها مما يُقتات به من القمحِ والشعيرِ والأرزِ ونحوِه، وعند مالكٍ والشافعيِّ تجبُ من الثمارِ في التمرِ والزبيبِ، وعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ تجبُ فيهما وفي كلِّ مَكيلٍ يُدَّخَرُ؛ كاللوزِ والفستقِ والبندقِ ونحوِها.
واتفقَ مالك والشافعيُّ وأحمدُ على عدمِ وجوبِها في الفواكهِ والبقولِ والخضراواتِ، وقال أبو حنيفةَ بوجوبها فيها، وافقه (١) صاحباه في الثمار، وخالفاه في الخضراوات.
واختلفوا في وجوبها في الزيتونِ، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: تجبُ فيه، وقال الشافعيُّ في الجديدِ وأحمدُ: لا تجب.
واختلفوا في قدرِ النصابِ فيها، فقال أبو حنيفةَ: لا يُعتبر النصاب، وقال (٢): بل يجبُ العشرُ فيما قَلَّ أو كثرَ مما سَقَتْه السماءُ، أو سُقي بها، وما سُقِي بكُلْفةٍ؛ كالدواليبِ والدِّلاءِ وغيرِهما نصفُ العشر، وما سُقِيَ منهما يعتبرُ فيه أكثرُ السنة، فإن استويا، يجبُ نصف العشر، وقالَ الثلاثةُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: يعتبر النصابُ وقدرُه بعدَ التصفية في الحبوبِ، والجفافِ في الثمارِ خمسةُ أَوْسُق، والوسقُ ستون صاعًا، والصاعُ: خمسةُ أرطالٍ وثلث بالعراقيِّ، فيكونُ ذلك ألفًا وستَّ مئةِ رطلٍ عراقيٍّ، وألفًا وأربعَ مئةٍ وثمانيةً وعشرين رطلًا وأربعةَ أسباعِ رطلٍ مصريٍّ، وثلاثَ مئةٍ واثنينِ وأربعينَ رِطْلًا وستةَ أسباعِ رطلٍ دمشقيٍّ، ومئتين وخمسةً وثمانينَ
стр. 1036
رِطلا وخمسةَ أسباعِ رطل حلبي، ومئتين وسبعةً وخمسينَ رطلا وسُبع رطلٍ قدسي، إلا الأرزَ والعلسَ؛ نوع من الحنطةِ يُدَّخر في قشره، فنصابُ كلِّ واحد منهما عندَ الشافعيِّ وأحمدَ عشرةُ أوسُقٍ، ومالكٌ لم يستثنِ شيئًا، بل جعل النصابَ في الكلِّ خمسةَ أوسُقٍ.
واتفق القائلونَ باعتبارِ النصاب على أن الواجبَ فيما (١) سُقي بغير مؤنةٍ العشرُ، وفيما سُقي بكلفةٍ نصف العُشْرِ؛ يقول أبي حنيفةَ في القليلِ والكثيرِ، وفيما سُقي بهما، بحسابه، فإن سُقِيَ بأحدِهما أكثرَ من الآخر، اعتبر أكثرُهما نفعًا ونموًا للزرع (٢).
واختلفوا في وقتِ وجوبِ الزكاةِ، فقال أبو حنيفةَ: عندَ ظهورِ الثمرةِ، وقال أبو يوسفَ: عندَ الإدراكِ، وقال الثلاثةُ: عندَ اشتدادِ الحبّ وبُدُوِّ الصَّلاحِ في الثمر، ويستقر الوجوبُ بجعلِها في الجرينِ والبيدَرِ والمِسْطاحِ ونحوِها.
واختلفوا في وجوبِ الزكاةِ في العسل، فقال أبو حنيفة: فيه العشرُ، قَلَّ أو كثرَ إذا أُخِذَ من أرض العشرِ، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا زكاة فيه، وقال أحمدُ: فيه العشرُ إذا بلغ نصابًا، ونصابُه عندَهُ عشرة أفراقٍ، كل فرق ستة عشرَ رطلًا عَراقيةً، سواءٌ أخذه من أرضِ العشرِ أو غيرِها. والعشريةُ: ما أسلمَ أهلُها عليها؛ كالمدينةِ ونحوهِا، وما اختطَّه المسلمون كالبصرة ونحوِها، وما صولح أهلُه على أنه لهم بخراج يُضْرَبُ عليهم؛ كأرضِ
стр. 1037
اليمنِ، وما فُتح عَنْوَةً وقُسم، كنصفِ خيبر، وما قطعه الخلفاءُ الراشدون من السوادِ إقطاعَ تمليكٍ.
واختلفوا هل تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشعيرِ، والقطنياتُ بعضُها إلى بعضٍ في تكميل النصابِ؟ فأبو حنيفة على أصلِه في عدمِ اعتبارِ النصابِ، فيوجبُ الزكاةَ في قليلِه وكثيرِه، وقال مالكٌ: تُضَمُّ الحنطةُ إلى الشعير، والقطاني نوعٌ واحد يضمُّ بعضها إلى بعض، ويُخرج من كلِّ واحدٍ منها بحسابه, [وقال الشافعيُّ وأحمدٌ: لا يُضَمُّ جنس إلى آخرَ في تكميلِ النصاب] (١).
واختلفوا في الأرضِ الخراجيّة، وهي التي فُتحت عَنْوَةً، ولم تُقسمْ، وما جلا عنها أهلُها خوفًا منا، وما صُولِحوا على أنها لنا، ونقرُّها معهم بالخرَاج، هل يجتمعُ فيها العشرُ والخراجُ؟ فقال أبو حنيفةَ: لا يجتمعُ, وقالَ الثلاثةُ: يجتمع؛ لأنَّ الخراجَ في رقبتِها، والعشرَ في غَلَّتِها.
...
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾ .
[١٤٢] ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ أي: وأَنْشَأَ من الأنعام.
﴿حَمُولَةً﴾ وهي ما يُحمَلُ عليه من الإبلِ الكبارِ.
﴿وَفَرْشًا﴾ وهي الصغارُ من الإبلِ التي لا تحملُ, سميت بذلك للطافةِ أجسامِها، وقربِها من الفرشِ، وهي الأرضُ المستويةُ التي يطؤها الناس.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مما أحلَّ لكم منه.
стр. 1038
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: لا تسلُكوا طريقَه في تحريمِ الحرثِ والأنعام. قرأ ابنُ عامر، والكسائيُّ، وقنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ، وحفصٌ عن وعاصمٍ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (خُطُوَاتِ) بضمِّ الطاء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ.
...
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣)﴾ .
[١٤٣] ثم بَيَّنَ الحَمولةَ والفرشَ فقال:
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وأنشأَ من الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، أي: أعدادٍ، يريدُ: الذكرَ والأنثى، والعربُ تسمي الواحدَ: زوجًا، إذا كانَ لا ينفكُّ عن الآخرِ، أجملَها أولًا، ثم فَصلَها ثانيًا، فقال:
﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ الكبشَ والنعجةَ، وهي ذواتُ الصوفِ من الغنم.
﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ التيسُ والعنزُ، وهي ذواتُ الشعرِ من الغنم. قرأ أبو عمرو، ويعقوبُ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ (الْمَعَز) بفتح العين، والباقون: بإسكانها (٢).
стр. 1039
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ عليكم، يعني: ذكرَ الضأنِ والمعزِ.
﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: أنثى الضأن والمعز.
﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وما حملَتْ إناثُ الجنسين، ذكرًا كان أو أنثى.
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ فَسِّروا لي ما حَرَّمتم بتحقيق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنَّ الله حَرَّمَ ذلك.
...
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ .
[١٤٤] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ والكلامُ في الإبلِ والبقرِ كما سبقَ في الضأنِ والمعز. وأجمعَ القراءُ على مدِّ (آلذَّكَرَيْنِ)؛ لأنها همزةُ استفهامٍ دخلَتْ على همزةِ الوصلِ؛ لتفرقَ بينَ الاستفهامِ والخبرِ، وأجمعوا على عدمِ تحقيقِها؛ لكونها همزةَ وصل، وهمزةُ الوصلِ لا تثبت إلا ابتداءً، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثيرٌ منهم: تُبدلُ ألفًا خالصة، وقال آخرون: تسُهَّلُ بينَ بينَ. معنى الآية: إنكارُ أن الله حَرَّمَ شيئًا
стр. 1040
من جنسَي الغنمِ والإبلِ والبقرِ، وذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكورَ الأنعامِ تارةً، وإناثَها تارةً، وأولادَها تارة، ويقولون: قد حَرَّمَها الله، فأنكرَ ذلك عليهم.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ الهمزةُ للإنكار، و (أم) بمعنى (بل)، المعنى: بل أكنتم حُضورًا.
﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ التحريمِ، وهذا تجهيلٌ لهم، وتقدَّم اختلاف القراءِ في الهمزتين من (شُهَدَاءَ إِذْ) في سورة البقرة.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فنسبَ إليه تحريمَ ما لم يحرِّمْ.
﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والمرادُ: عَمْرُو بنُ لُحَيٍّ ومَنْ تبعَه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
...
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾ .
[١٤٥] ثم بَيَّنَ أنَّ التحريم إنما يثبتُ بوحيِ اللهِ وشرعِه، فقال:
﴿قُلْ﴾ يا محمد:
﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ شيئًا.
﴿مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ آكلٍ.
﴿يَطْعَمُهُ﴾ يأكلُه.
﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الحرامُ والمحرَّمُ: هو الممنوعُ عنهُ، وحكمُه
стр. 1041
ما يأثم بفعله، ويثاب على تركه بنيةِ التقربِ إلى الله تعالى، قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر (تكون) بالتاء على التأنيث (ميتةٌ) رفع، أي: إلا أن تقع ميتة، وأبو جعفر على أصله في تشديد الياء. وقرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ: (تَكُونَ) بالتأنيث (مَيْتةً) نصبٌ على تقديرِ اسم مؤنثٍ؛ أي: إلا أن تكونَ النفسُ أو الجثةُ ميتةً، وقرأ الباقونَ: بالياء على التذكير (ميتةً) نصبٌ؛ يعني: إلا أن يكونَ المطعومُ ميتةً (١).
﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ مصبوبًا.
﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ حرامٌ.
﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وما بينهما اعتراض للتعليل.
﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ذُبح على غيرُ اسمِ الله، وسُمي ما ذُبح على غير اسم الله فسقًا؛ لتوغُّله في الفسقِ.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ إلى أكلِ شيءٍ من هذه المحرماتِ، فأكلَ.
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍ مثلِه.
﴿وَلَا عَادٍ﴾ قدرَ الضرورةِ.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخذه. وتقدَّم اختلاف القراء في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ ومذاهبُ الأئمةِ في حكمِ أكلِ الميتةِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣].
стр. 1042
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ .
[١٤٦] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهودَ.
﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو ما ليسَ بمفرقِ الأصابعِ؛ كالبطِّ، والإبلِ، والنعامِ، وقيلَ: كلُّ ذي مخلبٍ من الطيرِ، وحافرٍ من الدواب، لما ذكرَ الله ما حرَّمَ على أمةِ محمدٍ ﷺ ، عَقَّبَهُ بذكرِ ما حَرَّمَ على اليهودِ تكذيبًا لهم في قولهم: إنَّ الله لم يحرمْ علينا شيئًا، وإنما نحنُ حَرَّمنا على أنفسِنا ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسِه، وهذا التحريمُ تكليفُ بلوى وعقوبةٍ، فأولُ ما ذكرَ من المحرماتِ عليهم: كلُّ ذي ظفرٍ.
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ وهي الثروبُ، وشحمُ الكليتين.
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ أي: ما علقَ بالظهرِ والجنبِ من داخلِ بطونهما. قرأ أبو عمرو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وورشٌ، وابنُ عامرٍ، وخلفٌ: (حَمَلَت ظُّهُورُهُمَا) وشبهَه بإدغامِ التاء في الظاء، والباقون: بالإظهار (١).
﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المصارينُ.
﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو شحمُ الألية؛ لما فيها من العظم، هذا كله