← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

على أرجحِ الأقوال، في ليلةِ الجمعةِ ليلة عاشوراءَ لمضيِّ ألفٍ وإحدى وثمانين سنةً من الطوفانِ، وكان الطوفانُ بعدَ هبوط آدمِ بألفين ومئتين واثنتين وأربعين سنة، وبين مولد إبراهيم ﵇ والهجرةِ النبويةِ المحمدية على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلامِ ألفانٌ وثمانُ مئةٍ وثلاثٌ وتسعون سنةً على اختيار المؤرخين، والاختلافُ في ذلك كثير، وتقدَّمَ ذكرُ وفاتِه وقدرُ عمرِه ومحلُّ قبرِه في سورة البقرة عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [الآية: ١٢٤]، وكانت تفتقدُه في الغارِ، فتجده يغتذي بأن يمصَّ أصابعَه فيخرجُ منها عسلٌ وسمنٌ ونحوُ هذا، وكان يشبُّ شبابًا لا تشبُّهُ الغلمانُ، يومُه كالشهر، وشهرُه كالسنة، ولم يمكثْ في الغار إلَّا خمسةَ عشرَ شهرًا، وتكلَّم فقالَ لأمِّهِ يومًا: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربُّ أبي؟ قالت: نمرود قال: فمن ربُّ نمرود؟ قالت له: اسكتْ، فسكتَ فرجعَتْ إلى زوجِها، فقالت له: أرأيتَ الغلامَ الذي كنا نتحدَّثُ به أنه يغيرُ دينَ أهلِ الأرض؟ فإنه ابنُك، ثم أخبرتْه بأمره ومكانِه، فأتاه ونظرَهُ وفرَح به، فقال له إبراهيم: يا أبتاهُ! من ربي؟ فقالَ: أمك، قال: من ربُّ أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربُّكَ؟ قال: النمرود، قال: فمن ربُّ النمرود؟ فلطمَه لطمةً، وقال له: اسكتْ، فذلكَ قولُه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١]، ثم إن إبراهيمَ قال لأمه يومًا: أخرجيني من الغارِ، فأخرجَتْه عشيًّا، فلما خرجَ نظرَ وتفكَّر في خلقِ السمواتِ والأرض، ثم قال: إن الذي خلقني ورزقَني ويطعمُني ويسقيني لَرَبِّي، ما لي إلهٌ غيرهُ، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبًا، قيل: إنه الزُّهرة، وقيلَ: المشتري (١).

стр. 982

﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ثم أتبعَهُ بصرَهُ ينظرُ إليه. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب سَئِمَه. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي: لا أحبُّ ربًّا لا يدوم، وهذا يدلُّ على إعمالِ عقلِه وعلمِه؛ إذِ الآفلُ لا يجوز أن يكون إلهًا. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ طالِعًا أولَ طلوعِه. ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فأَتبعَهُ بصرَهُ. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ سئمَه ورجعَ بفكره متوجِّهًا إلى ربه، و ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أي: يثبتْني على الهدى. ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ استعجز نفسَه، واستعاذ بربه في دركِ الحقِّ؛ لأن الهدايةَ والتوفيقَ بيده سبحانه. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا﴾ أي: الطالعُ. ﴿رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ من الكواكبِ والقمر. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ سَئِمَها وتوجَّه إلى ربِّه بقلبٍ سليم، ووَجَّهَ وجهَه للحقِّ

стр. 983

بالصدقِ واليقين، و ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدثَةِ. ... ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ (وَجْهِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ مائِلًا إلى الحقِّ. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فنقلَه اللهُ من علمِ اليقين إلى عينِ اليقين. ... ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ثم إن أباه ضمَّه إليه، فشبَّ شبابًا حسنًا، وروي أن القصةَ التي وقعتْ له في حال مراهقته، وأن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ والكواكبَ، فأراد أن يُنبههم على الخطأ في دينهم، ويرشدَهم إلى الحقِّ من طريقِ النظرِ والاستدلال، فقاله على وجه الاستفهام والتوبيخِ لهم، وإقامةِ الحجةِ عليهم في عبادةِ الأصنامِ والكواكبِ؛ كأنه قالَ لهم: أهذا ربي بزعمكم؟! أو مثلُ هذا يكون ربًّا؟! ثم عرضَ إبراهيمُ ﵇

стр. 984

عليهم في حركتهِ وأفولهِ أمارة الحدوثِ، وأنه لا يصلحُ أن يكونَ ربًّا، ثم في أخرى أعظم منه، ثم في الشمسِ كذلك، فكأنه يقول: فإذا بان في هذه المنيرات أنها لا تصلُحُ للربوبيةِ، فأصنامُكم التي هي خشبٌ وحجارةٌ أحرى أن يبينَ ذلكَ فيها، ولا زال ﷺ في جميعِ أحوالِه مجمِلًا مكمِّلًا حتى أكرمَه اللهُ تعالى بما أكرمَهُ من الآيات البيناتِ، والكراماتِ الباهرات، ثم ألبسَهُ خلعةَ الخلَّة، وجعلَهُ من أولي العزم من الرسل، وجعلَه أبا الأنبياء، وتاجَ الأصفياء، ونورَ أهلِ الأرضِ، وشرفَ أهل السماء، وكان أبوه آزرُ يصنعُ الأصنامَ ويعطيها له ليبيعَها، فكانَ إبراهيمُ يقول: مَنْ يشتري مَنْ يَضُرُّهُ ولا ينفعُه؟! فلا يشتريها أحدٌ، فإذا بارتْ عليه، ذهبَ بها إلى نهرٍ، فصوَّبَ فيه رؤوسَها، وقال لها (١): اشربي؛ استهزاءً بقومِه وما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومِهِ وأهلِ قريتِهِ. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ خاصَمُوه في دينه. ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ أتجادِلُونني في توحيدِ اللهِ. ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ للتوحيدِ والحقِّ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَتُحَاجُّونِي) بتخفيف النون، بخلافٍ عن هشامٍ، والباقون: بتشديدِها إدغامًا لإحدى النونين في الأخرى، ومن خَفَّفَ حذفَ إحدى النونين تخفيفًا (٢)، وأثبت أبو عمروٍ، وأبو جعفرٍ الياءَ في: (هَدَانِي) وصلًا،

стр. 985

وأثبتها يعقوبُ في الحالين، وقرأ الكسائيُّ: (هَدَانِ) بالإمالة (١). ﴿وَلَا أَخَافُ مَا﴾ أي: الذي. ﴿تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ أي: لا أخافُ معبوداتِكم؛ لأنها لا تضرُّ ولا تنفعُ، وذلك أنهم قالوا له: احذرِ الأصنامَ؛ فإنا نخافُ أن تمسَّكَ بسوءٍ من خَبَلٍ أو جنونٍ؛ لعيبِكَ إياها، فأجابهم بذلكَ. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: إلا أن يشاء أن يُلْحِقَني بشيء من المكروهِ بذنبٍ عملتُه، فتتمُّ مشيئتُه. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاطَ علمُه بكلِّ شيء. ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفونَ الحقَّ من الباطلِ. ... ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ . [٨١] ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا يتعلقُ به ضررٌ. ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ حجةً. المعنى: لمَ تنُكرون عليَّ الأَمْنَ في محلِّه، ولا تنكرونَ على أنفسِكم الأمنَ في محلِّ العَطَبِ لأنكم تشركون باللهِ.

стр. 986

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الموحِّدون أم المشركون؟ وإنما لم يقلْ: أيُّنا أنا أم أنتم؛ احترازًا من تزكيةِ نفسِه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدقَ القول. ... ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] فقال الله تعالى قاضِيًا بينَهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ يَخْلِطوا. ﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشركٍ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فلما نزلتِ الآيةُ، شقَّ ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسولَ الله! فأيُّنا لم يظلمْ نفسَهُ؟ فقال: "ذَلِكَ إِنَّما هُوَ (١) الشِّرْكُ، ألمْ تسمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهْ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) [لقمان: ١٣]. ... ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿وَتِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما احتجَّ به إبراهيمُ على قومِه من قوله:

стр. 987

﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُم مُّهتَدُونَ﴾. ﴿حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ حجةً. ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ حتى خصَمَهم. ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلمِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ يضعُ كلَّ شيء في موضعِهِ. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (دَرَجَاتٍ) بالتنوين، والباقون: بغير تنوين (١)، وتقدم اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ في سورةِ البقرةِ من تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وكذلك اختلافُهم في (نشاءُ إِنَّ رَبَّكَ). ... ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ تقدَّم ذكرُهما في سورة البقرة. ﴿كُلًّا﴾ منهما. ﴿هَدَيْنَا﴾ ووفَّقْنا وأرشدْنا. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إبراهيمَ، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ آل عمرانَ.

стр. 988

﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعني: نوحًا؛ لأنه ذكرَ في جملتِهم يونسَ ولوطًا، ولم يكونا من ذريةِ إبراهيمَ و ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ تقدم ذكرُ سليمانَ في سورةِ البقرةِ، وداودَ وأيوبَ في سورةِ النساءِ. ﴿وَيُوسُفَ﴾ هو ابنُ يعقوبَ بنِ إسحقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ ﵈، ولد لما كان لأبيه من العمر إحدى وتسعون سنةً، ووقعَ له مع إخوته وفي ملكِ مصرَ ما سنذكرُه في سورةِ يوسفَ إن شاء الله تعالى، وعاش مئةً وعشرينَ سنةً، وبينَه وبينَ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ، وتوفِّيَ بمصرَ، ودُفِنَ بها في وسطِ بحرِ النيلِ في صندوقٍ من الرخامِ، وذلك أنه لما ماتَ، تشاحنَ عليه الناسٌ حتى هموا أن يقتتلوا، كلٌّ يحبُّ أن يُدفنَ في محلَّتِهِ رجاءَ بركتِه، ثم رأوا أن يُدفنَ في النيل، فيمرَّ عليه الماءُ، ثم يصلُ إلى جميع مصرَ، فتعمُّهم بركتُه، ففعلوا ذلكَ، ولم يزلْ مدفونًا ثَمَّ حتى كانَ زمنُ موسى وفرعونَ، فلما سارَ موسى ببني إسرائيلَ، نبشَهُ كما تقدَّمَ ذكرُه ملخَّصًا في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، وحَمَلَهُ على عجلٍ من حديدٍ، ودفنَه بحبرونَ (١) في البقيعِ خلفَ المغارةِ التي بُني عليها الحيزُ السليمانيُّ حذاءَ قبرِ يعقوبَ وجوارَ جَدَّيه إبراهيمَ وإسحاقَ ﵈، وقيل: دُفن بقرب نابلسَ، والأولُ هو المشهورُ عندَ الناس، وقد استفاض فلم ينكرْ. ﴿وَمُوسَى﴾ تقدَّمَ ذكرُه في سورةِ البقرةِ.

стр. 989

﴿وَهَارُونَ﴾ في سورةِ النساءِ، تلخيصُه: ومن ذريةِ نوحٍ هَدَينا جميعَ المذكورينَ بعدُ. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ونجزي المحسنين جزاءً مثلَ جزاءِ إبراهيمَ برفعِ درجاتِه وكثرةِ أولادِهِ والنبوةِ فيهم. ... ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ تقدَّم ذكرُهم في آلِ عمرانَ، والمائدةِ، وفي ذكرِ عيسى دليل على أنَّ أولادَ البناتِ من الذريَّةِ، فإذا وقفَ على ذريتِهِ، دخلَ أولادُ البناتِ، وهو مذهبُ مالكٍ، وبه قالَ أبو يوسفَ، وعن أبي حنيفةَ روايتان، والراجحُ المقدَّم من مذهبِ أحمدَ المنصوصُ عنه أنهم لا يدخلونَ إلا بقرينة؛ كقوله: من ماتَ فنصيبُه لولده ونحوه، وعنه روايةٌ ثانيةٌ أنهم يدخلون، اختاره جماعةٌ من أصحابِه، وعليه العملُ. ﴿وَإِلْيَاسَ﴾ هو ابنُ بشرِ بنِ فنحاضِ بنِ العيزارِ بنِ هارونَ بنِ عمرانَ، أُرسل إلى أهلِ بعلبكَّ، وسيأتي ذكرُه في سورةِ الصافات إن شاء الله تعالى. ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الكاملينَ في الصلاحِ. ... ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابنُ إبراهيمَ، تقدَّمَ ذكرُه في سورة البقرة. ﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو ابن أخطوبَ بن العجوزِ، استحفظَه إلياسُ على بني

стр. 990

إسرائيلَ، ثم استُنبئ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (واللَّيْسَعَ) بتشديد اللام وسكون الياء، وقرأ الباقون: مخففًا بفتح الياءِ وسكون اللامِ (١)، وهما لغتانِ، فمن قرأ بلامينِ، فأصلُ الاسم: لَيْسَعُ، ثم دخلتِ الألفُ واللامُ للتعريف، ومن قرأ بلامٍ واحدةٍ، فالاسمُ يَسَعُ، ودخلت الألفُ واللام زائدتين، كزيادتهما في نحو الخمسةَ عشرَ، قال وهبٌ: اليسعُ صاحبُ إلياسَ، وكانا قبل زكريا ﵇. ﴿وَيُونُسَ﴾ هو ابنُ مَتَّى، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ النساءِ. ﴿وَلُوطًا﴾ هو ابنُ هارانَ بنِ آزرَ، سمي لوطًا؛ لأنَّ حبَّه ليطَ بقلبِ عمِّه إبراهيمَ؛ أي: تعلَّق ولَصِقَ، وكانَ إبراهيمُ يحبُّه حبًّا شديدًا، وكان ممن آمنَ به، وهاجرَ معه إلى مصرَ، وعادَ إلى الشام، وأرسلهَ اللهُ إلى أهل سَدُوم، وكانوا أهلَ كفرٍ وفاحشةٍ، وسنذكر ملخَّصَ أخبارِهم في محلِّه إن شاء الله تعالى، وقبرُه في قريةِ كَفْرِ بَرِيك، [تبعدُ] (٢) عن حبرونَ نحوًا من فرسخٍ من جهةِ الشرق. ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوَّةِ. ... ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ عطفٌ على (كلًّا)؛ أي: وفضَّلْنا

стр. 991

بعضَ آبائهم وذرياتِهم وإخوانِهم؛ فإنَّ منهم من لم يكنْ نبيًّا ولا مَهْدِيًّا. ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ واخْتَرْناهم. ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أرشَدْناهم. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تكريرٌ لبيانِ ما هُدوا إليه. ... ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما دانو به. ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ دينُ الله. ﴿يَهْدِي﴾ يرشدُ. ﴿بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ لأنه المتفضلُ بالهداية. ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ أي: المذكورونَ مع جلالةِ قدرِهم. ﴿لَحَبِطَ﴾ لبطلَ. ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وكانوا كغيرِهم في سقوطِ ثوابِ أعمالهم. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: الكتبَ المنزلةَ عليهم.

стр. 992

﴿وَالْحُكْمَ﴾ العلمَ. ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ الرسالةَ. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بهذهِ الثلاثةِ. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفارَ مكةَ. ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾ أي: بمراعاتها. ﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني: الأنصارَ، وأهلَ المدينة، وقيلَ: الأنبياءُ الثمانيةَ عشرَ الذين ذكرَهم هاهنا، والباء في ﴿بكافرين﴾ زائدةٌ لتأكيدِ النفي، والمعنى: جميعُ مَنْ ذُكر وَفَّقْنا للإيمانِ بهذهِ الأشياءِ، وليسوا كافرينَ بها، بل يحفظونها. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يعني: الأنبياءَ المتقدِّمَ ذكرُهم. ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ فَبِسُنَّتِهم. ﴿اقْتَدِهْ﴾ اتبعْ طريقَتَهم في التوحيدِ والصبرِ على الميثاقِ دونَ الشرائعِ؛ لأنها مختلفةٌ، والهاءُ فيه هاء الوقف. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (اقْتَدِ قُلْ) بحذفِ الهاءِ في الوصل استغناءً به عنها، وقرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بإشباعِ كسرةِ الهاءِ وصلتِها بياءٍ في الوصلِ، وهشامٌ: باختلاسِ كسرتها في الوصلِ بغيرِ صلةٍ تشبيهًا لها بما هو أصلٌ،

стр. 993

وقرأ الباقون: بإثباتها في الحالين؛ لثبوتها في المصاحف، وسَكَّنوها وَصْلًا؛ لأنها للسَّكْتِ (١). ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاءِ الكفرةِ المعاندينَ: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: القرآنِ. ﴿أَجْرًا﴾ جُعْلًا من جهتِكم كما لم يسألْ مَنْ قبلي من النبيينَ. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ. ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: تذكيرٌ وعِظَةٌ لهم. ... ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ . [٩١] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عظَّموه حقَّ عَظَمته فيما وجبَ لهُ، واستحالَ عليه. ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ رُوي أن مالكَ بنَ الصيفِ من أحبارِ اليهود ورؤسائهم جاء يخاصمُ النبيَّ ﷺ بزعمِه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى! هَلْ تَجِدُ فِيهَا أَنَّ اللهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ

стр. 994

السَّمِينَ؟! فَأَنْتَ الْحَبْرُ السَّمِينُ، قَدْ سَمِنْتَ مِنْ مَالِكَ الَّذِي يُطْعِمُكَ الْيَهُودُ"، فضحكَ القومُ، فغضبَ، ثم التفتَ إلى عمرَ فقالَ: ما أنزلَ اللهُ على بشرٍ من شيء، فقالَ له قومُه: وَيْلَكَ! ما هذا الذي بلغَنا عنكَ؟! فقالَ: إنه أغضبني، فقلتُ ذلك، فقالوا له: وأنتَ إذا غضبتَ تقولُ على الله غيرَ الحق؟! فَنَزعوهُ من الحبرية، وجعلوا مكانه كعبَ بنَ الأشرفِ، فنزلت الآيةُ (١)، ثم قالَ نَقْضًا لقولهم، ورَدًّا عليهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني: التوراة. ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ نَيِّرًا وهادِيًا. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ دفاترَ مبدَّدة. ﴿تُبْدُونَهَا﴾ تُظهرون ما تحبون. ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ من نعتِ محمدٍ ﷺ ، وآيةِ الرجم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ: (يَجْعَلُونَهُ) (يُبْدُونَهَا) (وَيُخْفُونَ) بالغيبِ في الثلاثة؛ لقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقرأ الباقون: بالخطاب فيهن (٢)؛ لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، وقولُه: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ بالخطابِ لليهودِ؛ أي: علمتم على لسانِ محمدٍ ﷺ ما لم تعلموا.

стр. 995

﴿أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ زيادةً على ما في التوراة، وبيانًا لما التبسَ عليكم وعلى آبائِكم الذين كانوا أعلمَ منكم. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هذا راجع إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، فإنْ أجابوكَ، وإلا أنتَ: فـ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أنزلَهُ. ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ باطِلِهم وجهلِهم. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أي: لاعبينَ، ومعنىَ الكلامِ التهديدُ. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ . [٩٢] س ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ الفائدةِ والنفعِ. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتبِ المنزلةِ قبلَه. ﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ يا محمدُ. قراءة الجمهورِ: بالخطابِ للنبيِّ ﷺ ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بالغيبِ إخبارًا عنه ﷺ (١). ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ أصلَ البلادِ مكةَ. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هم أهلُ شرقِ الأرضِ وغربِها. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالكتابِ.

стр. 996

﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ الخمسِ. ﴿يُحَافِظُونَ﴾ يداوِمون. ... ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ . [٩٣] ونزل في مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة حين زعم أنه نبيٌّ يوحى إليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾ اختلق. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعم أن الله بعثه نبيًّا. ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ وهو عبد الله بن سعد بن سرح, كان يكتب لرسول الله ﷺ , فلما نزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ فلما بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال عبد الله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] تعجبًا من تفصيل خلق الإنسان, فقال ﵊: "اكتبها, فكذلك أنزلت", فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقًا, لقد أوحي إلي كما أوحي إليه, ولئن كان كاذبًا, لقد قلت كما قال, ولحق بالمشركين مرتدًا, ثم أسلم قبل الفتح والنبي ﷺ بمرِّ الظهران (١).

стр. 997

﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يريدُ المستهزئينَ الذين قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد. ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ شدائده، وأصلُه من: غمرَ الشيءُ. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ لقبضِ أرواحِهم، ويقولون إزعاجًا لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أرواحَكم؛ لنقبضَها، والجوابُ محذوفٌ، أي: ولو تراهم في هذه الحالة لرأيت عجبًا. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: الهوانِ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ من ادِّعاء الولدِ والشريكِ له، ودعوى النبوة والوحي. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تتعَظَّمونَ فلا تؤمنون. ... ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ . [٩٤] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ وُحدانًا بلا مالٍ ولا شافعٍ، جَمعَ وحدان كسَكران، هذا خبرٌ من الله أنه يقولُ للكفارِ يومَ القيامة. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الهيئة التي ولِدتم عليها.

стр. 998

﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أعطيناكُم. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ في الدنيا بغيرِ اختياركم. ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ أي: الأصنامَ. ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ للهِ. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (بَيْنَكُمْ) بنصبِ النونِ؛ أي: تقطَّعَ ما بينَكم من الوصلِ، وقرأ نافع والباقون: بضم النون؛ أي: تقطع (١). ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ ضاعَ وبطلَ. ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنها شفعاؤكم. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: شاقُّهما بالنباتِ بينَ الزرعِ والنخلِ. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: البشرَ الحيَّ منَ النطفةِ الميتةِ. ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: النطفةَ الميتةَ من البشرِ الحيِّ، وكذلكَ الطيرُ منَ البيضِ، والحوتُ، وسائرُ الحيوان. قرأ نافع، وأبو جعفرٍ،

стр. 999

وحمزةُ، والكسائيُّ، وحفص، وخلفٌ: (الْمَيِّتِ) بتشديدِ الياء في الحرفين، والباقون: بالتخفيفِ (١). ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: المحيي المميتُ. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيفَ تُصرَفون عن الحقِّ إلى ضِدِّه؟ ... ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ أي: شاقُّه حينَ يتبيَّنُ الصبحُ. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يسكنُ فيه خلقُه. قرأ الكوفيون: (وَجَعَلَ) على الماضي (اللَّيْلَ) نصبًا اتِّباعًا للمُصحفِ، وقرأ الباقون: بالألف وكسر العين ورفع اللام وخفض (اللَّيْلِ) إضافةً (٢). ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: عَلَمي حُسبانٍ يُعْلَم بدورِهما حسابُ الأوقات. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي سَيَّرَهما. ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرِهما. ...

стр. 1000

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أي: خلقَها لكم. ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ﴾ الليلِ في. ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ لأن راكبَ البحرِ والسائرَ في القفارِ يهتدي بها في الليلِ إلى مقاصدِه. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ بيناها فَصْلًا فَصلًا. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فإنَّهم المنتفعونَ به. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ خلقَكُم، والإنشاءُ: إثباتُ شيءٍ لم يكنْ قبلَه. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ ﵇. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، وروحٌ عن يعقوبَ: (فَمُسْتَقِرٌّ) بكسر القاف؛ أي: فمنكم مستقرٌ، ومنكم مستودعٌ، وقرأ الباقون: بفتحهما؛ أي: فمنكم مستقَرٌّ ومستودَع، والمستقَرُّ: أرحامُ الأمهاتِ، والمستودعُ: أصلابُ الآباء، وقيلَ غيرُ ذلك، واتفقوا على فتح الدال من مستودَع (١)؛ لأن المعنى أن الله استودَعه، فهو مفعولٌ.

стр. 1001

﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾ أي: بَيَّنَّا. ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ والفقهُ لغةً: الفهمُ. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [٩٩] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحابِ. ﴿مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بالماءِ. ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ من النباتِ. ﴿خَضِرًا﴾ أي: زرعا رَطْبًا. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضُه فوقَ بعضٍ مثلَ سنابلِ البُرِّ والشعيرِ وسائرِ الحبوب. ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ والطَّلْعُ: أولُ ما يخرجُ من ثمر النخلِ. ﴿قِنْوَانٌ﴾ جمعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ. ﴿دَانِيَةٌ﴾ قريبةُ المتناوَلِ. ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ قرأ العامةُ: (جَنَّاتٍ) نصبًا عطفًا على (نَبَات)، وقرأ الأعشى عن عاصمٍ: (وَجَنَّاتٌ) بالرفعِ نَسَقًا على قوله: (قِنْوَانٌ) (١).

стр. 1002

﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ أي: وأخرَجْنا شجرَتَهما. ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ المعنى: مشتبهًا ورقُهما، مختلفًا ثمرُهما؛ لأنَّ ورقَ الزيتونِ يشبهُ ورقَ الرمان. ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (ثُمُرِهِ) بضمِّ الثاء والميم على جمع الثمار، والباقون: بفتحهما على جمع الثمرة (١). ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ إذا خرجَ ثمرُه لا يكادُ ينتفعُ به. ﴿وَيَنْعِهِ﴾ نضجِه كيفَ يعودُ فخمًا ذا نفعٍ ولذةٍ. وأما الحكمُ في بيعِ الثمرةِ منفردةً عن الشجرِ، فإذا بدا صلاحُها، جازَ بيعُها مطلَقًا، وبشرطِ التبقيةِ، وبشرطِ القطعِ عندَ الثلاثةِ، وعندَ أبي حنيفةَ يجبُ القطعُ في الحالِ، فإذا شرطَ التبقيةَ، بطلَ البيعُ، وإذا لم يبدُ صلاحُها، يجوزُ بيعُها إذا كانت منتفعًا بها بشرطِ القطعِ في الحال، فإن باعَ بشرطِ التبقية بطلَ البيعُ بالاتفاق، وإِن لم يشترط القطعَ، بطلَ عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: البيعُ صحيحٌ، ويؤمرُ بالقطعِ. وأما الزرعُ إذا اشتدَّ حَبُّهُ، صحَّ بيعُه عند الثلاثةِ، وعندَ الشافعيِّ لا يصحُّ بيعُه دونَ سنبُلِهِ، ولامعَهُ في الجديدِ. إذا أصابتِ الثمارَ جائحةٌ بأمرٍ سماويِّ، وهي التي لا صنعَ لآدميّ فيها، فهي من ضمانِ المشتري عندَ أبي حنيفةَ، والشافعيُّ لا يجبُ له وضعَ شيءٍ

стр. 1003

من الثمن، وعند مالكٍ إن أتلفتِ الجائحةُ ثلثَ الثمرةِ فصاعدًا، سقطَ عن المشتري بقدرِ ما تَلِفَ، وإن كان دونَ الثلث، لم يرجعْ على البائع بشيء، وعند أحمدَ إن تلفتْ أو بعضُها ولو بعدَ قبضِها وتسلُّمِها رجعَ على البائع ما لم يشترِها مع أصلها، ويؤخِّرْها عن وقتِ أخذِها المعتاد، ولكن يسامحُ في الشيء اليسير الذي لا ينضبطُ، ولو تَعَيَّنَتْ به، خُيِّرَ بينَ الإمضاءِ مع الأَرْشِ، وبين الردِّ وأخذِ الثمنِ كاملًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تنبيهٌ وتذكيرٌ، ونزلَ توبيخًا لمن أشركَ باللهِ، وردًّا عليه. ... ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾ . [١٠٠] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ يعني: الكافرينَ صَيَّروا الجنَّ شركاءَ لله. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ يعني: وهو خلقَ الجنَّ. ﴿وَخَرَقُوا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ: (وَخَرَّقُوا) بتشديدِ الراءِ على التكثير، وقرأ الباقون: بالتخفيف، أي: اختلفوا (١). ﴿لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل تخرُّصًا؛ كقولِ اليهود: عُزيرٌ ابنُ اللهِ، وقولِ النصارى: المسيحُ ابنُ اللهِ، وقولِ كفارِ العربِ: الملائكةُ بناتُ الله، ثم نَزَّهَ نفسَهُ.

стр. 1004

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من وصَفْهِم الفاسدِ المستحيلِ عليه ﵎. ... ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدِعُهما لا على مثالٍ سبقَ. ﴿أَنَّى﴾ أي: كيف. ﴿يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ زوجةٌ. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقاتِ مع عدمِ حاجتِه إليها. قرأ أبو عمرو: (وَخَلَقَ كلَ شَيْءٍ) (وَخَلَقَ كلَّ دَابة) وشبهَه بإدغامِ القافِ في الكاف حيثُ تحرَّكَ ما قبلَها، فإن سكن ما قبلَها, لم يدغمها، نحو قوله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وشبهِه. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافية. ... ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الموصوفِ بما سبقَ من الصفاتِ، وهو مبتدأ.

стр. 1005

﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخبارٌ مترادفة، تلخيصه: ذلكُمُ اللهُ المنعوتُ بهذهِ النعوتِ لا يجوزُ أن يُعْبَدَ غيرُه. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ فأطيعوهُ. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ رقيب على أعمالِكم، فيجازيكم عليها. ... ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا تحيطُ به. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يفوتُه منها شيء، فيبصرُ ما لا يبصرُ خلقُه، وخلقُهُ لا يُبصرون ما يُبصرُ، والمعتزلةُ يتمسَّكون بظاهرِ هذهِ الآية في نفي رؤيةِ الله ، ومذهبُ أهلِ السُّنةِ إثباتُ رؤيتِه سبحانه في الآخرةِ، جاء به القرآنُ والسنةُ، وعليه اتفاقُ الأئمة، قال الله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] وقال في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال ﷺ : "إِنَكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عَيانًا" (١)، وقالَ مالكٌ: لو لم يرَ المؤمنونَ ربَّهم يومَ القيامةِ، لَمْ يُعَيِّروا الكفارَ بالحِجابِ، وقال أبو حنيفةَ: واللهُ تعالى يُرَى في الآخرةِ، يراهُ المؤمنونَ في الجنة بأعينِ رؤوسِهم بلا شُبهةٍ ولا كيفيةٍ، ولا يكونُ بينَه وبينَ خلقه مسافةٌ، وقال الشافعيُّ: لما حُجِبَ قومٌ بالسخطِ، دلَّ على أن قومًا يرونه بالرِّضا، وقال أحمدُ: إنَّ الله تعالى يتجلَّى

стр. 1006

في القيامةِ لعبادِه الأبرارِ، فيرونَهُ بالعيونِ والأبصار. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ الرفيقُ بعبادهِ. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم. ... ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ﴾ حُجَج. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تبُصرون بها الهدى من الضلالة. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: عرفَها، وآمنَ بها. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عملَ. ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عنها، فلم يصدِّقْها. ﴿فَعَلَيْهَا﴾ فعلى نفسِه، ولها خسرَ. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظُ عليكم أعمالَكم، إنْ عليَّ إلا البلاغ. ... ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ . [١٠٥] ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نُبيِّنُها. ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ أي: لئلا يقولوا. ﴿دَرَسْتَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو: بألفٍ بعدَ الدالِ وإسكانِ السينِ

стр. 1007

وفتحِ التاء؛ يعني: قرأتَ، وقرئَ عليكَ؛ أي: قارأتَ أهلَ الكتاب بأن أعنتَهم وأعانوك، نحو: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، وقرأ الكوفيون، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ: (دَرَسْتَ) بغير ألف وإسكانِ السين وفتح التاء؛ أي: قرأتَ كتبَ الأولين وجئتَ بالقرآنِ منها، وقرأ ابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (دَرَسَتْ) بغير ألفٍ وفتحِ السينِ وإسكانِ التاءِ؛ أي: انمحَتِ الأخبارُ التي تأتينا بها (١). ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ أي: القرآنَ. ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحقَّ من الباطلِ، فيسعدُ قوم، ويشقى آخرون. ... ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالتديُّن به. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: منفردًا. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تجادِلْهُمْ. ... ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدَهُمْ.

стр. 1008

﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ وهو دليلٌ على أنه تعالى لا يريدُ إيمانَ الكافرِ. ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ مُراعِيًا أعمالَهم. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مسلَّطٍ على إكراهِهم على الإِسلامِ. ... ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ . [١٠٨] قال قتادة: كانَ المسلمون يَسُبُّونَ أوثانَ الكفار، فنهاهم الله عن ذلك؛ لئلا يسبوا الله؛ لأنهم قومٌ جَهَلَةٌ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: المدعُوِّينَ آلهةً. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ اعتداءً وظلمًا. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بجهلٍ. قرأ يعقوبُ: (عُدُوًّا) بضمِّ العين والدال وتشديد الواو (١)، فلما نزلتْ قالَ ﷺ : "لا تَسُبُّوا رَبَّكُمْ"، ونهُوا عن سبِّ الآلِهة (٢)، وإن كانَ طاعة؛ لإفضائِه إلى مفسدةٍ أعظمَ منه، قال القرطبيُّ في "تفسيره": إنَّ الحكمَ بالنهيِ باقٍ في هذهِ الأمةِ، فمتى خِيفَ أنَّ الكافرَ يسبُّ الإِسلامَ والنبيَّ ﷺ واللهَ ﷻ ، فلا يحلُّ لمسلم أن يسبَّ دينَهم،

стр. 1009

ولا صُلْبانَهم، ولا كنائِسَهُم، ولا يتعرَّضَ إلى ما يؤدِّي إلى ذلك (١). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما. ﴿زَيَّنَّا﴾ لهؤلاء المشركين عبادةَ الأوثانِ وطاعةَ الشيطانِ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الكفارِ. ﴿عَمَلَهُمْ﴾ وفيه ردٌّ على القدرية. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبةِ والمجازاةِ عليه. ... ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ . [١٠٩] ولما طلبتْ قريشٌ منه ﷺ نزولَ الملائكةِ، وإحياءَ الموتى، وجَعْلَ الصَّفا ذهبًا، وحلفوا أنهم يؤمنونَ عند ذلك، وكان المؤمنون يحبون ذلك ليؤمنَ المشركون، نزل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مجتهدينَ في الحلفِ. ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ يا محمدُ. ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي، وهو القادرُ على المجيء بها، لا أنا. ﴿وَمَا﴾ استفهامٌ مبتدأ، خبرُه:

стр. 1010

﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ أي: يدريكم أيها المؤمنون. رُوي عن أبي عمرو: (يُشْعِرْكُمْ) بإسكانِ الراء، وروي عنهُ باختلاسها، وقرأ الباقون: بإشباع الحركة، وتقدم في سورة البقرة (١). ﴿أَنَّهَا﴾ أي: الآيةَ المقترحةَ. ﴿إِذَا جَاءَتْ﴾ الكفارَ (٢). ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بها؛ لسبق علمِه بعدمِ إيمانهم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، ويعقوبُ، وخلفٌ، وعاصمٌ بخلافٍ عن راويه أبي بكرٍ (إِنَّهَا) بكسرِ الألف على الابتداء، وقالوا: تمَّ الكلامُ عندَ قوله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ)، وقرأ الباقونَ: بفتح الألف بمعنى لعلَّ، وقرأ ابنُ عامرٍ: (لا تُؤْمِنُونَ) بالتاءِ على خطاب الكفار، والباقون: بالياء على الخبر (٣). ... ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ . [١١٠] ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ أي: نحولُ بينهم وبينَ الإيمان, فلا يؤمنونَ عندَ نزول الآيات. ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أي: بما جاءهم.

стр. 1011

﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من الآياتِ؛ كانشقاقِ القمرِ وغيرِه. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ نَدَعُهم. ﴿في طُغْيَانِهِمْ﴾ ضَلالَتِهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يتمادَوْنَ عَمَهَةً لا يبصرون. ... ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ . [١١١] ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ فرأَوهم عيانًا. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما طَلَبوا. ﴿وَحَشَرْنَا﴾ جميعًا. ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ طلبوهُ. ﴿قُبُلًا﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: معاينةً، وقرأ الباقونَ: بضمهما؛ أي: أولًا (١). ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ذلكَ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنهم لو أوتوا بكلِّ آيةٍ، لم يؤمنوا، فيحلفون أنهم يؤمنونَ عندَ نزولِ الآياتِ، أو المؤمنون يجهلونَ أن الكافرينَ لا يؤمنون، فيطلبون نزولَ الآياتِ طمعًا في إيمانهم. ...

стр. 1012

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ . [١١٢] ثم سُلِّيَ رسول الله (١) ﷺ فقيلَ له: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [أي: كما جَعْلنا لك أعداءً، فكذلكَ جعلْنا لمن تقدَّمَكَ من الأنبياء، ثم فَسَّرَهُمْ فقال:] (٢) ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وللإنس شياطينُ كما أن للجنِّ شياطينَ، وكلُّ عاتٍ شيطانٌ، قال ﷺ لأبي ذَرٍّ: "هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ؟ "، قال: وهل للإنسِ من شياطين؟! قال: "نَعَمْ، هُمْ شَرٌّ مِنْ شَياطينِ الْجِنِّ" (٣). ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: يوسوس ويلقي شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنسِ، وبالعكسِ. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ مموَّه لا معنى تحتَه. ﴿غُرُورًا﴾ خدعا. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: الإيحاءَ من الزخرفةِ والغرورِ وعداوةِ الأنبياءِ.

стр. 1013

﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أمر فيه معنى التهديد. ... ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ . [١١٣] ﴿وَلِتَصْغَى﴾ لتميل. ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: إلى زخرفِ القولِ. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لأنفسِهم. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يكتسِبوا. ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ من الذنبِ. ... ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾ . [١١٤] ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: قل لهم يا محمَّد: أفغيرَ الله. ﴿أَبْتَغِي﴾ أطلبُ. ﴿حَكَمًا﴾ قاضيًا بيني وبينكم؛ لأنهم قد طلبوا منه قاضيًا يقضي بينهم وبينَه، فأجابهم به. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ. ﴿مُفَصَّلًا﴾ أي: مُبَيَّنًا فيه الحقُّ من الباطلِ.

стр. 1014

﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: علماءَ اليهودِ والنصارى الذين آتيناهم التوراةَ والإنجيلَ. ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ يعني: القرآن. ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصم: (مُنَزَّلٌ) بالتشديد مبالغة؛ لأنه نزلَ نجومًا متفرقةً، وقرأ الباقون: بالتخفيف، من الإنزال؛ لأنه نزلَ مرة واحدة إلى بيتِ العزة (١)، والمعنى: العالمون يعلمون أن القرآن منزلٌ من ربِّكَ. ﴿بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّينَ في أنهم يعلمون ذلك. ... ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ . [١١٥] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالوعدِ والوعيدِ. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (كَلِمَةُ) على التوحيد، والباقون: (كَلِمَاتُ) بالجمع (٢). ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ فيما وعدَ، وعدلًا فيما حكمَ. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا رادَّ لقضائِه، ولا مُغَيِّرَ لحكمِه. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يُضمرون.

стр. 1015

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الكفارَ. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَصرِفوكَ عن دينهِ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ وهو ظنُّهم أن آباءهم كانوا على الحقِّ. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يَحْزِرون. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ . [١١٧] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ و (من) في محل نصب بنزع حرف الصفة؛ أي: بـ (مَنْ يَضِلُّ)، أو في محلٍّ رفعٍ بالابتداء، ولفظُه لفظُ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلمُ أَيّ الناسِ يَضِلُّ عن سبيلِهِ. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي: أعلمُ بالفريقين، فيجازي كلًّا بما يستحقُّه. ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ . [١١٨] ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: كلوا مما ذُبح على اسمِ الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وذلك أنهم كانوا يُحَرِّمون أصنافًا من النَّعَمِ، ويُحِلُّون الأموات. ***

стр. 1016

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ . [١١٩] ثم وَبَّخَهم على تركِ الأكلِ منه فقالَ: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ وأيُّ مانعٍ لكم من. ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾ شيئًا. ﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الذبائحِ. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرو: بضم الفاءِ والحاءِ وكسرِ الصادِ والراءِ على غير تسمية الفاعل؛ لقوله: (ذُكِرَ)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصم: (فَصَّلَ) و (حَرَّمَ) بالفتح فيهما؛ أي: فَصَّلَ اللهُ ما حرَّمَه عليكم؛ لقوله (اسمُ الله)، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ: (فَصَّلَ) بالفتح، و (حُرَّمَ) بالضم (١)، وأرادَ بتفصيل المحرمات ما ذُكر في قولهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ من هذه الأشياءِ؛ فإنه حلال لكم عندَ الاضطرار. قرأ أبو جعفرٍ بخلافٍ عنهُ: (اضْطِرِرْتُمْ) بكسرِ الطاء (٢).

стр. 1017

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ قرأ الكوفيون: بضم الياء؛ أي: يُضِلُّون غيرَهم، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: يَضِلُّون هم (١). ﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قوله بِتَشَهِّيهم من غيرِ تعلُّقٍ بدليلٍ يفيدُ العلمَ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يجاوزونَ الحلالَ إلى الحرام. ... ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ سِرَّهُ وعلانيتهُ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرةِ. ﴿بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ يكتسبون (٢) في الدنيا. ... ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ . [١٢١] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ من الميتاتَ وما في معناها من المنخنقةِ وغيرِها، وما ذُبح على اسمِ غيرِ الله. ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: الأكلُ منه. ﴿لَفِسْقٌ﴾ لمعصيةٌ.

стр. 1018

واختلف الأئمةُ في ذبيحةِ المسلمِ إذا لم يذكرِ اسمَ اللهِ عليها، فقال الشافعيُّ: تحلُّ، سواءٌ تركَ التسميةَ عامدًا أو ناسيًا؛ لأن التسميةَ عنده سنة، وقال الثلاثة: إنْ تركَها عمدًا، لم تحلَّ، وإن تركها ناسيًا، حلَّتْ، وتقدم اختلافُهم في التسميةِ على الصيدِ والذبيحةِ أيضًا في سورةِ المائدةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالي: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]. ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾ لَيوسْوِسونَ. ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ المشركين. ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم: تأكلونَ ما قتلتُم أنتم وجوارُحُكم، وتدعونَ ما قتلَه الله؟! يعنونَ الميتة. ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في أكلِ الميتةِ. ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فيه دليلٌ على أن من أحلَّ شيئًا مما حرَّمَ الله، وحرَّم شيئًا مما أحلَّ الله، فهو مشركٌ. ... ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ بالكفرِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مَيِّتًا) بالتشديدِ، والباقون: بالتخفيف (١).

стр. 1019

﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هَدَيناهُ. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ أي: الإيمانَ. ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ بينَهم متبصِّرًا به (١)، فيعرف الحقَّ من الباطلِ. ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن هو في الظلماتِ. ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ يعني: في ظلمةِ الكفرِ. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفرِ والمعصيةِ. قال ابنُ عباسٍ: " ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يريدُ: حمزةَ بنَ عبدِ المطلبِ ﵁، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يريدُ: أبا جهلِ بنَ هشامٍ، وذلك أن أبا جهلٍ رَمَى رسولَ اللهِ ﷺ بِفَرْثٍ، فأُخبرَ حمزةُ بما فعل أبو جهلٍ وهو راجعٌ من قَنْصِهِ، وبيدِه قوسٌ، وحمزةُ لم يؤمنْ بعدُ، فأقبلَ غضبانَ حتى علا أبا جهلٍ بالقوسِ وهو يتضرَّعُ إليه ويقولُ: يا أبا يَعْلَى! أَما تَرى ما جاءَ به؟ سَفَّهَ عقولَنا، وسبَّ آلهتَنا، وخالفَ آباءنا! فقال حمزةُ: ومَنْ أسفهُ منكم؟! تعبدونَ الحجارةَ من دونِ اللهِ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله، فأنزلَ الله هذه الآيةَ" (٢). ...

стр. 1020

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ أي: كما أن فُسَّاقَ مكةَ أكابرُها، كذلك جعلْنا فساقَ كلِّ قريةٍ أكابرَها؛ أي: عظماءها، جمع أكبر، وخَصَّ الأكابرَ بالذِّكر؛ لأنهم الصادُّونَ عن الدين، ثم قالَ معللًا: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ بالصدِّ عن الإيمان, ورميِ النبيِّ ﷺ بالكذبِ والسحرِ. ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وبالَ كفرِهم راجعٌ عليهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك. ... ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ولما قالَ الوليدُ بنُ المغيرةِ: لو كانتِ النبوةُ حقًّا، لكنتُ أَولى بها منك؛ لأني أكبرُ منكَ سنًّا، وأكثرُ منكَ مالًا، فقال أبو جهل: واللهِ لن نرضى به، ولن نَتَّبِعه أبدًا إلَّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزل: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ (١) حجةٌ على صدقِ محمدٍ ﷺ .
следующие страницы →