← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ . [١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون بعدَ تكذيبِهم الرسلَ، وإنكارِهم القرآنَ. ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبضِ أرواحِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَأْتِيَهُمُ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هذا من المتشابِه الذي لا يعلمُ تأويلَه إلا اللهُ. ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ طلوعُ الشمسِ من مَغْرِبِها. ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: لا ينفُعُهم الإيمانُ عندَ ظهورِ الآيةِ التي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ. ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا﴾ السابقِ لظهورِ الآياتِ. ﴿خَيْرًا﴾ توبةً. ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ يا أهلَ مكةَ. ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ وعيدٌ لهم، قال ﷺ : "ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ: الدَّجَّالُ، والدَّابّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ" (٢).

стр. 1052

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ . [١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ أي: جعلوا دينَ إبراهيمَ أديانًا مختلفة، فتهوَّدَ قومٌ، وتنَصَّرَ قومٌ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، (فَارَقُوا) بالألف؛ أي: خرجوا من دينهم وتركوه، وقرأ الباقون: بغير ألف مشدَّدًا على المعنى الأول (١). ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ صاروا فِرَقًا مختلفةً. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾ أي: لستَ منَ السؤالِ عنهم. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ والآيةُ منسوخةٌ بآيةِ القتالِ. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ يتولَّى جزاءهم. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ إذا وَرَدوا القيامةَ. ... ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ . [١٦٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أي: عشرُ حسناتٍ فَضْلًا من الله. قرأ يعقوبُ: (عَشْر) منونٌ (أَمْثَالُهَا) رفع على الوصفِ؛ أي: فله

стр. 1053

حسناتٌ عشرٌ أمثالُها، وقرأ الباقون: بغير تنوين، وخفضِ (أَمْثَالِهَا) على الإضافة، وحذفتِ الهاءُ من (عَشْر) لتأنيثِ الأمثالِ في المعنى؛ لأن مثلَ الحسنةِ حسنةٌ (١). ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ الثوابِ، وزيادةِ العقابِ. ... ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ . [١٦١] ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بالوحْيِ والإرشادِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (هَدَانِي) بالإمالة (٢)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ منصوبًا بِمُضْمَرٍ؛ أي: عَرَّفَني دينًا. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: بكسر القافِ وفتحِ الياء خفيفة، والباقون: بفتح القافِ وكسر الياءِ مشددةً، ومعناهما: المستقيم (٤).

стр. 1054

﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدلٌ من دينًا. قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (أَبْرَاهَامَ) بألف (١). ﴿حَنِيفًا﴾ حال من إبراهيمَ. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ نفيٌ للنقيصةِ عنه ﷺ . ... ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ . [١٦٢] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ يعني: الذبيحةَ في الحجَ والعمرةِ. ﴿وَمَحْيَايَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وورش بخلافٍ عن الثاني: (مَحْيَايْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ: (مَحْيَايَ) بالإمالةِ (٣). ﴿وَمَمَاتِي﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ: بفتح الياء، والباقون بإسكانها (٤). ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: هو يُحييني ويُميتني. ...

стр. 1055

﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ . [١٦٣] ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ هو خالصةً له، لا أشركُ فيها غيرَه. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ بالإخلاصِ. ﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة؛ لأن كلَّ نبيٍّ إِسلامُه يتقدَّمُ على إسلامِ أمته. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وَأَنا أَوَّلُ) بالمدِّ (١). ... ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ . [١٦٤] ولما قالَ المشركونَ للنبيِّ ﷺ : ارجعْ إلى ديننا، فنزل: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وما سواهُ مربوبٌ مثلي لا يصلُحُ للربوبية. ولما قالَ الوليدُ بنُ المغيرةِ: اتّبعوني أحملْ أوزارَكُم، نزلَ: ﴿وَلَا تَكْسِبُ﴾ لا تجني. ﴿كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ إلا كانَ الإثمُ على الجاني. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لا تحملُ حاملةٌ حملَ غيرِها، وأصلُ الوزرِ: الثِّقلُ. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ يومَ القيامةِ.

стр. 1056

﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ فيعلِمُكم. ﴿بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ المحقِّ من المبطلِ. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ . [١٦٥] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ جمعُ خليفةٍ، وهي النيابةُ عن الغيرِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ خاتمُ الأنبياء، فخلفتْ أمتهُ سائرَ الأممِ بأنْ سكنوا الأرضَ بعدهم. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في الخلقِ والرزقِ والعلمِ والدينِ. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبرَكُم. ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من المالِ وغيرِه؛ ليظهر لكم منكم المطيعُ من العاصي. ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه، ووصفَ العقابَ بالسرعةِ؛ لأن ما هو آتٍ قريبٌ. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ وأطاعَهُ، والله أعلمُ. ***

стр. 1057

سورة الأعراف مكيةٌ غيرَ ثمانِ آياتٍ من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾، آيُها سِتٌّ ومِئَتا آيةٍ، وحروفُها أربعةَ عشرَ ألفًا وثلاثُ مئةٍ وعشرةُ أحْرُفٍ، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ وثلاث مئة وخمسٌ وعشرونَ كلمةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١)﴾ . [١] ﴿المص﴾ قيل: معناه: أنا اللهُ الملك الصادق. قرأ أبو جعفر: بتقطيعِ الحروفِ يسكُتُ على كلِّ حرفٍ سكتة يسيرة، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في سورةِ البقرةِ (١)، وموضِعُه رفيع بالابتداءِ. ... ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.

стр. 1058

[٢] ﴿كِتَابٌ﴾ خبرُ مبتدأ (١) محذوفٍ؛ أي: هذا كتابٌ. ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآنُ. ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: صيقٌ. المعنى: لا يضيقُ صدرُك بالإبلاغِ مخافةَ أن تُكَذَّبَ فيه، فإنما عليك البلاغ. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: بالكتابِ المنزلِ، فالكلامُ فيه تقديم وتأخيرٌ؛ أي: أُنزلَ عليك الكتابُ لتنذرَ به، فلا يكنْ في صدرِكَ حرجٌ منه. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عِظَة لهم. ... ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ . [٣] وقيل لهم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعمُّ القرآنَ والسنَّةَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ تطيعونهم في معصيةِ اللهِ. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتَّعِظون قليلًا، حيثُ تتركونَ (٢) دينَ الله، و (ما) مزيدةٌ لتأكيدِ القِلَّة. قرأ ابنُ عامرٍ: (يَتَذَكَّرُونَ) بياء قبلَ التاء على أن الخطابَ بعدُ مع النبيِّ ﷺ ، وكذا هو في مصاحفِ أهلِ الشام، والباقون: بتاء واحدة

стр. 1059

من غير ياءٍ قبلَها كما هي في مصاحِفِهم، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ (١): على أصلِهم في تحفيفِ الذال (٢). ... ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [٤] ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكثيرًا من القرى. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: أردْنا إهلاكَ أهلِها. ﴿فَجَاءَهَا﴾ أي: فجاء أهلَها. ﴿بَأْسُنَا﴾ عذابُنا. ﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا. ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ نائِمون نصفَ النهارِ، والقيلولةُ: استراحةُ نصفِ النهارِ وإنْ لم يكنْ (٣) نومٌ. ... ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾ . [٥] ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: تضرُّعُهم وقولهم. ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بفعلِنا، اعترفوا حيثُ لم ينفعِ

стр. 1060

الاعتراف. وقرأ أبو عمرو، وهشام: (إذ جاءَهُمْ) وشبهَه بإدغامِ الذالِ في الجيم، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ... ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ . [٦] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: الأممَ عمَّا بلغوا؛ توبيخًا. ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عَمَّا أُجيبوا؛ تقريرًا لذلكَ. ... ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ . [٧] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على المسؤولين ما عَمِلوا. ﴿بِعِلْمٍ﴾ عالمينَ بجميعِ ما صدرَ منهم. ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عنهُم فيخفى علينا شيء من أحوالِهم. ... ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: القضاءُ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومَ السؤال. ﴿الْحَقُّ﴾ العدلُ، وقيل: المرادُ: حقيقةُ الوزنِ، وقد وردَ في الحديث:

стр. 1061

"أَنَّهُ يُنْصَبُ مِيزَانٌ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ، كُل كِفَّةٍ بِقَدْرِ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتُوزَنُ فِيهِ صحُف الأَعْمَالِ" (١). ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ رَجَحَتْ. ﴿مَوَازِينُهُ﴾ جمعُ ميزانٍ؛ لأنَّ لكلِّ عبدٍ ميزانًا، وقيلَ: جمعُ موزونٍ، وهو الحسناتُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزونَ بالنجاةِ والثواب. ... ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ يجحدون. ... ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ﴾ ملَّكْناكم.

стр. 1062

﴿فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أسبابًا تعيشون بها، جمعُ مَعِيشَةٍ، ولا تُهمزُ ياؤها؛ لأنها مَفاعِلُ من العَيْش. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فيما صنعتُ لكم. ... ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: آدمَ. ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهرِه، وذُكر آدمُ بلفظِ الجمع لأنه أبو البشرِ، ففي خَلقِه خلقُ مَنْ يخرجُ من صُلْبِهِ. ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدمَ، وتقدَّمَ مذهبُ أبي جعفرٍ في ضمِّ التاءِ من قوله: (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا)، والكلامُ عليه، وعلى تفسيرِ السجودِ مستوفىً في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الآية: ٣٤]. ... ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿قَالَ﴾ اللهُ: يا إبليسُ. ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (لا) زائدة؛ أي: أيُّ شيءٍ منعَكَ من السجودِ وقتَ أمري؟ فيه دليل على أن مطلقَ الأمرِ للوجوبِ، وأنه على الفَوْرِ. ﴿قَالَ﴾ إبليسُ مجيبًا له:

стр. 1063

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لأنَّكَ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ والنارُ خير وأنورُ من الطينِ، وقد أخطأ الخبيثُ بتفضيلِ النارِ على الطينِ، وليس كذلك، وإنما الفضلُ لما فضَّلَه اللهُ، وقد فَضَّلَ الطينَ على النارِ، ولأن الترابَ سببُ الحياةِ للنباتِ والأشجارِ، والنار سببُ الهلاكِ. ... ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنةِ؛ لأنها مكانُ المطيعين. ﴿فَمَا يَكُونُ﴾ فما ينبغي. ﴿لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ بمخالفةِ الأمرِ. ﴿فِيهَا﴾ وفيه تنبيهٌ على أن التكبُّرَ لا يليقُ بأهل الجنة. ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الذَّليلينَ. ... ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ [١٤] ﴿قَالَ﴾ إبليسُ عندَ ذلك: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ أَخِّرْني فلا تُمِتْني. ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورِهم وَقْتَ النفخةِ الآخرةِ عندَ قيامِ الساعة، قال ابنُ عباسٍ: أرادَ الخبيثُ أَلَّا يذوقَ الموتَ (١)؛ لأنه لا موتَ بعدَها، فلم يُجَبْ، وإنما أُنْظِرَ إلى الوقتِ المعلومِ، وهي النفخةُ الأولى، فيموتُ مَعَ مَنْ يموتُ.

стр. 1064

﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ إلى وقتِ النفخةِ الأولى، وانظر فتنةً للعبادِ، ولبيانِ الطائعِ والعاصي، ولِيَعْظُمَ الأجرُ والوِزْرُ. ... ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ والغيُّ: الضلالُ والخَيْبةُ، ومعنى الكلام القَسَمُ؛ أي: فبإغوائِك إيايَ بواسطتِهم. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ أي: على صراطِكَ. ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: لأجلسنَ لهم على طرقِ الإِسلامِ والخيراتِ، وأحولُ بينَهم وبينَها. ... ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ بِوَسْوَسَتي. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من جهةِ الآخرةِ، فَأُشَكِّكُهم فيها. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من جهةِ الدنيا، فأُرغِّبُهم فيها. ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ طرقِ الحسناتِ. ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ جمع شِمال: طرقِ السيئاتِ، رُوي أنه يأتي ابنَ آدمَ من جميعِ الجهاتِ إلَّا من فَوْق؛ لئلَّا يحولَ بينَ العبدِ والرحمةِ. تلخيصُه: أَسْعى في إغوائهم بكلِّ طريقٍ.

стр. 1065

﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ مؤمنين، قالَ الخبيثُ ذلكَ ظنًّا، فأصابَ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. ... ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ بالهمز، أي: مَعيبًا. ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا. ﴿لَمَنْ﴾ بفتح اللام؛ لأنها مُوَطِّئَةٌ لقسمٍ محذوفٍ تقديره: والله لَمَنْ. ﴿تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني آدمَ، وجوابُ القَسَم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾ أي: منكَ ومن أتباعِك من الجنِّ والإِنْسِ. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تلخيصُه: هذا الوعيدُ لمن تبعَكَ. ... ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿وَيَاآدَمُ﴾ أي: قلنا: يا آدَمُ. ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فتصيرا (١) من الذين ظلموا أنفسَهم، تقدَّم اختلافُ القراءِ في قولهِ (حَيْثُ شِئْتُما) و (حَيْثُ شِئْتُمْ) في سورة البقرة.

стр. 1066

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ ألقى في أنفسِهما سِرًّا. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ بواوين، الأولى مضمومة، المعنى: زَيَّنَ لهما ما نُهِيا عنه ليكشفَ لهما ما سُتِرَ. ﴿عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ عَوْراتِهما؛ أي: فعلَ ذلكَ بهما ليريَهما ما يَسوءُهما, ولذلك سُميت سوءَة، وفي هذا دليل على (١) أن كشفَ العورةِ في غايةِ القُبْحِ في كلِّ زمانٍ، ثم بين الوسوسة فقال: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبليسُ لآدمَ وحواءَ. ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ أي: إلا كراهةَ أن تكونا. ﴿مَلَكَيْنِ﴾ روحانِيَّيْنِ. ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ الباقينَ في الجنةِ لا تموتان، واستدلَّ بعضُ الناسِ بهذه الآية على فضلِ الملائكةِ على الأنبياءِ، قالَ ابنُ فُوْرَك: لا حجَّة في هذهِ الآيةِ؛ لأنه يُحتمل أن يريدَ مَلَكَين في ألَّا تكونَ لهما شهوةٌ في طعامٍ (٢)، وتقدَّمَ ذكرُ مذهبِ (٣) أهلِ السنَّةِ في تفضيلِ الأنبياءِ على الملائكةِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١].

стр. 1067

﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ حلفَ لهما يمينًا مَوَثّقةً. ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ بحلفي، وإبليسُ أولُ مَنْ حلفَ كاذِبًا. ... ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ حَطَّهما عن منزلتهِما. ﴿بِغُرُورٍ﴾ بباطلٍ؛ أي: خَدَعَهما بحلفِه، والغرورُ: إظهارُ النصحِ مع إبطانِ الغِشِّ. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ ليتَعرَّفاها. ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ظهرتْ لهما عوراتُهما، وتهافتَ عنهما لباسُهما حتى أبصرَ كلٌّ منهما ما تَوارى عنهُ من عورةِ صاحبِه، وكانا لا يريان ذلك من أَنفسِهما, ولا أحدٌ منهما من صاحِبه، وكانَ لباسُهما نورًا يسترُهما، فاستحييا. ﴿وَطَفِقَا﴾ أَخَذا ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يُلْصِقان ورقةً بعدَ ورقةٍ. ﴿عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وهو ورقُ التينِ حتى صارَ كالثوبِ؛ ليستَتِرا به، وهو يتهافتُ عنهما، وأصلُ الخَصْفِ: وَصْلُ الشيءِ بالشيء يسيرٍ أو غيرِه. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ عتابًا وتوبيخًا.

стр. 1068

﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ بينُها، فيه دلالةٌ أنهما كانا قد عَرَفا عداوةَ إبليسَ لهما، وحُذِّرا منه. ... ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿قَالَا﴾ معتذرين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ ضَرَرْناها بالمعصيةِ. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الهالكين. ... ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾ . [٢٤] ﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾ يا آدمُ وحواءُ وإبليسُ. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ متعادينَ، فَيُعادِيانِ إبليسَ ويُعاديهما. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إلى تَقَضِّي (١) آجالِكم، وتقدَّمَ ذكرُ هبوطِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةِ في سورةِ البقرةِ. ... ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ يعني: فيها تعيشون. ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا﴾ أي: من الأرض.

стр. 1069

﴿تُخْرَجُونَ﴾ للبعثِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلف، ويعقوبُ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء وضم الراء، والباقون: بضم التاء وفتح الراء (١). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلقنا لكم. ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ التي قصدَ الشيطانُ إبداءها، ونُغنيكم عن خصفِ الورقِ، رُوي أن العربَ كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً، ويقولون: لا نطوفُ في ثيابٍ عَصَيْنا الله فيها، فكان الرجالُ يطوفونَ بالنهارِ، والنساءُ بالليل عراةً، فنزلَتْ (٢)؛ أمرًا بالستر. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ بخلافٍ عنه: (يُوَارِي) بالإمالة (٣)، وهذه الآيةُ دليل على وجوبِ سترِ العورةِ، ولا خلافَ بينَ الأئمةِ في وجوبِ سترِها عن أعينِ الناسِ. واختلفوا في العورةِ ما هي؟ فقال أبو حنيفةَ: عورةُ الرجلِ ما تحتَ سُرَّتِهِ إلى تحتِ ركبتِه، والركبةُ عورة، ومثلُه الأَمَةُ، وبالأولى بطنُها وظهرُها؛ لأنه موضع مشتهىً، والمكاتَبَةُ وأمُّ الولدِ والمُدَبَّرَةُ كالأمَةِ،

стр. 1070

وجميعُ الحرةِ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها، والصحيحُ عنهُ أن قَدَميها عورةٌ خارجَ الصلاةِ لا في الصلاةِ، وقالَ مالكٌ: عورةُ الرجلِ فَرْجاه وفَخِذاهُ، والأَمَةُ مثلُه، وكذا المدبَّرَةُ والمعتقَةُ إلى أَجَلٍ، والحرَّةُ كلُّها عورةٌ إلا وجهَها ويديها، ويُستحبُّ عندَه لأمِّ الولدِ أن تَستر من جسدِها ما يجبُ على الحرةِ سترُه، والمكاتَبَةُ مثلُها. وقال الشافعيُّ وأحمدُ: عورةُ الرجلِ ما بينَ السُّرةِ والركبةِ، وليستِ الركبةُ من العورةِ، وكذا الأمَةُ، والمكاتبةُ وأمُّ الولدِ والمدبَّرَةُ والمعتَقُ بعضُها، والحرَّةُ كلُّها عورة سوى الوجهِ والكفَّين عندَ الشافعيِّ، وعندَ أحمدَ سوى الوجهِ فقط على الصحيح، وأما سُرَّةُ الرجلِ، فليستْ من العورةِ بالاتفاق. ﴿وَرِيشًا﴾ لباسَ زينةٍ تتجمَّلُون بها، فهي للأناسي كالريشِ للطائرِ، المعنى: أنزلَ لكم لباسينَ: أحدُهما لسترِ عوراتِكم، والآخرُ لجمالكم. ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو خشيةُ الله والتورُّعُ، وقيلَ: هو ما يُلْبَس من الدروع ويُتقى به. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابن عامرٍ، والكسائيُّ: (وَلبَاسَ) بنصبِ السين عطفًا على قوله: ﴿لِبَاسًا﴾، وقرأ الباقونَ: بالرفع على الابتداء، وخبرُه (خير)، وجعلوا (ذَلِكَ) صِلَةً في الكلام (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إنزالُ اللباسِ. ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على فضلِه ورحمتِه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرفونَ نعمتَه.

стр. 1071

﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ لا يُضِلَّنَكُم. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ بأنْ يمنعَكُم دخولَ الجنةِ. ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ آدمَ وحَوَّاءَ. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ بفتنتِه، النهيُ في اللفظِ للشيطان، والمعنى: نهيُهم عن اتّبَاعه. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ ليريَ كلَّ واحدٍ سوءةَ الآخَر؛ أي: أخرجهما نازعًا ثيابَهما؛ لكونه سببَ النزعِ، ثم حذَّر منه مُعَلِّلًا فقالَ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جموعُه وأعوانُه ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ لأن الله سبحانه خلقَهم خَلْقًا لا يُرَوْنَ فيه، وإنما يُرَوْنَ إذا نُقِلُوا عن صورتهم. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ أعوانًا ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يزيدون في غَيِّهم. ... ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ كعبادةِ الصنمِ، وكشفِ العورةِ في الطوافِ. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ولم يَكْفِهِمْ تقليدُهم حتى قالوا مفترين: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ لاستحالتِها في حقِّه؛ لأن عادتَهُ جرتْ على الأمرِ بمحاسنِ الأفعال.

стр. 1072

﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار يتضمَّنُ النهيَ عن الافتراءِ على الله، وتقدَّم اختلاف القراء في الهمزتين من كلمتين في سورةِ البقرة (١) عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وكذلكَ اختلافُهم في قوله: (بِالْفَحْشَاءِ أَتقولُونَ). ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ والتوحيدِ. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: صَلُّوا. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ متوجِّهينَ للكعبةِ حيثُما صَلَّيتم، ولا تُؤَخِّروها حتى تعودوا إلى مساجِدِكم. ﴿وَادْعُوهُ﴾ اعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ العبادةَ، ولما أنكروا البعثَ، قالَ محتجًا عليهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ أنشأَكُمْ حُفاةً عُراةً. ﴿تَعُودُونَ﴾ بإعادتِه، فيجازيكم على أعمالِكم. ... ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.

стр. 1073

[٣٠] ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ أي: هداهم اللهُ بأنْ وَفَّقهم للإيمانِ ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ﴾ أي: وجبَ ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ بمقتضَى القضاءِ السابقِ؛ أي: وخذلَ فريقًا. ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعليل لخذلانِهم. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يدلُّ على أن الكافرَ المخطئ والمعاندَ سواءٌ في استحقاقِ الذنبِ. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وأبو جعفرٍ: (وَيَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ . [٣١] قالَ أهلُ التفسير: كان بنو عامرٍ يطوفونَ بالبيتِ عُراة، فأنزلَ اللهُ : ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (٢) لباسَكُم. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كُلَّما صلَّيتم أو طُفْتم، وفيه دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ في الصلاةِ، والحكمُ كذلكَ بالاتفاق. ﴿وَكُلُوا﴾ اللحمَ والدسمَ. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ اللبنَ؛ لأن طائفةً كانوا في حَجِّهم لا يأكلونَ إلا قوتًا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في شيءٍ ما. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: لا يرضَى فعلَهم، وفي معنى قوله

стр. 1074

تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناسِ: الحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ. ... ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ هي ما سترَ العورةَ، وكلُّ ما يُتَجَمَّلُ به الإنسان (١) من الثيابِ وغيرِها حلالًا. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ من المآكلِ والمشاربِ. ﴿قُلْ هِيَ﴾ أي: الزينةُ والطيباتُ. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيه حذفٌ تقديره: هي للمؤمنين والمشركين في الدنيا, وللمؤمنين. ﴿خَالِصَةً﴾ أي: مختصَّة بهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يُشاركهم فيها غيرُهم. قرأ نافع: (خَالِصةٌ) بالرفع على أنها خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو خبرُ ابتداءٍ تقديرُه: وهي خالصة يومَ القيامة، وقرأ الباقون: بالنصب على الحال و (٢) القطع؛ لأن الكلام قد تمَّ دونه (٣).

стр. 1075

﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: كتفصيلنا هذا الحكمَ نفصلُ سائرَ الأحكامِ لهم. ... ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ما قَبُحَ فحشُه، ويعمُّ كلَّ فاحشةٍ، قرأ حمزة: (ربِّي الْفَوَاحِشَ) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١). ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ جهرَها وسرَّها. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ الذنبَ ﴿وَالْبَغْيَ﴾ الظلمَ والكِبْرَ. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وبرهانًا. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من التحريمِ والتحليلِ. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مُدَّة، وهو وعيدٌ لأهلِ مكةَ. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ انقضَتْ مُدَّتُهم. ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يتأخَّرونَ، ولا يتقدمونَ، وقُيِّدَ

стр. 1076

بساعةٍ؛ لأنها أقلُّ ما يُستعملُ في الإمهال، وذلكَ حينَ سألوا العذابَ، فأنزلَ اللهُ هذهِ الآيةَ، ويُستدَلَّ بهذا على أن المقتولَ إنما يُقْتَلُ بأَجَلِهِ، وأجلُ الإنسانِ هو الوقتُ الذي يعلمُ الله أنه يموتُ الحيُّ فيه لا محالةَ، كما أن أَجَلَ الدَّيْنِ هو وقتُ حُلوله، وتقدَّم اختلافُ القراء في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ في سورةِ النساء عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافُهم في قولِه: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الخطابُ في هذه الآيةِ لجميعِ الأممِ، و (إن) الشرطيةُ دخلَتْ عليها (ما) لتأكيدِ معنى الشرط، لذلكَ جازَ دخولُ (النون الثقيلة) على الفعلِ، وإذا لم تكنْ (ما)، لم يجزْ دخولُ (النون الثقيلة)؛ أي: إنْ يَأْتِكُم، أخبرَ أنه أرسلَ إليهم الرسلَ منهم؛ لتكونَ إجابتُهم أقربَ، وتَحَصَّلَ من هذا الخطابِ لحاضري محمدٍ ﷺ أنَّ هذا حكمُ اللهِ في العالَم منذُ أنشأه، وَ (يَأْتِيَنَّكمْ) مستقبلٌ وُضعَ موضعَ ماضٍ؛ ليفهمَ أن الإتيانَ باقٍ وقتَ الخطابِ، لتقوى الإشارةُ بصحةِ النبوةِ إلى محمدٍ ﷺ . ﴿يَقُصُّونَ﴾ والقصصُ: إتباعُ الحديثِ بعضِه بعضًا. ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ أحكامي، وجوابُ الشرطِ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشركَ. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العملَ.

стр. 1077

﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ إذا خافَ الناسُ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا حَزِنوا. ... ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تَكَبَّروا عن الإيمانِ بها. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وإدخالُ الفاءِ في الخبرِ الأولِ دون الثاني للمبالغةِ في الوعدِ، والمسامحةِ في الوعيد. ... ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ جعلَ له شريكًا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بالقرآن. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: ما قُدِّرَ لهم من خيرٍ وشَرٍّ في اللوح المحفوظِ. ﴿حَتَّى﴾ غاية لما يصلُ إلى الكفار. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ عندَ انقضاءِ ذلك. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحَهم؛ يعني: ملكَ الموتِ وأعوانَه.

стр. 1078

﴿قَالُوا﴾ يعني: الرسلَ للكفارِ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ تعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: أين آلهتكم فيذبُّونَ عنكم؟ سؤالُ تبكيتٍ وتقريع. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ غابوا فلم نَرَهُمْ. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عندَ معاينةِ الموتِ. ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ اعترفوا بالضلالِ فيما كانوا عليه. ... ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿قَالَ﴾ يعني: يقولُ اللهُ لهم يومَ القيامةِ: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: معَ جماعاتٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضتْ. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يعني: كفارَ الأممِ الخاليةِ. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ أي: المماثلةَ لها؛ لضلالِها بها (١). ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ تَلاحَقوا ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ واجتمعوا في النارِ. ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ السفلةُ والأتباعُ.

стр. 1079

﴿لِأُولَاهُمْ﴾ القادةِ والرؤساءِ، ومعنى لأُولاهم؛ أي: لأجلِ أولاهم؛ لأنَّ خطابَهم مع اللهِ لا مَعهم. ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ عن الهدى، وتقدَّم التنبيهُ على اختلافِ القراءِ في الهمزتينِ عند قولِه: (لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتقولُونَ) [الأعراف: ٢٨]، وكذلك اختلافُهم (هَؤُلاَءِ أَضَلُّونا). ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مُضاعَفًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ لأنهم ضلُّوا، وأَضَلُّوا. ﴿قَالَ﴾ اللهُ: ﴿لِكُلٍّ﴾ من القادةِ والأتباعِ. ﴿ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ما لكلِّ واحدٍ من العذابِ. قراءة (١) الجمهورِ: (تَعْلَمُونَ) بالخطاب، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ بالغيب (٢)؛ أي: لا يعلمُ الأتباعُ ما للقادةِ، ولا القادةُ ما للأتباعِ. ... ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ﴾ القادةُ ﴿لِأُخْرَاهُمْ﴾ للأتباع: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: نحن وأنتم في الكفرِ سواءٌ، فَثَمَّ تعالى يقولُ لهم جميعًا: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ...

стр. 1080

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ أي: لا يصعَدُ لهم عملٌ صالح. قرأ أبو عمرو (تُفْتَحُ) بالتأنيثِ والتخفيف، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالتذكير والتخفيف، والباقون: بالتأنيثِ والتشديدِ (١). ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ﴾ يدخل. ﴿الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ثُقْبِ الإبرةِ، المعنى: هؤلاء لا تُجاب أدعيتُهم، ولا يدخلون الجنةَ أبدًا. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثلَ ذلكَ الجزاءِ. ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركينَ. ... ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فِراشٌ. قرأ أبو عمرو، ورويسٌ عن يعقوبَ: (جَهَنَّم مهَادٌ) بإدغام الميم في الأولى في الثانية (٢).

стр. 1081

﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ جمعُ غاشيةٍ؛ وما يُغَطِّيهم من أنواع العذابِ. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الكفارَ، رُوي عن يعقوبَ الوقفُ بالياء على (غَوَاشِي). ... ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتَها من الخيرِ والعملِ الصالحِ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ... ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] عن عليٍّ ﵁ قال: فينا واللهِ أهلَ بَدْرٍ نزلَتْ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ حقدٍ كانَ بينَهم في الدنيا، وإن كانتْ نازلةً في الصحابة ﵃، فهي عامةٌ في جميعِ أهلِ الجنة؛ لأنهم لا يتحاسدون ولا يتباغضون، وقال علي أيضًا: "إِنِّي لأرجو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ مِنَ الذينَ قالَ لهم اللهُ : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ " (١).

стр. 1082

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ زيادة في لَذَّتِهم وسرورِهم. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ وَفَّقَنا. ﴿لِهَذَا﴾ لما جزاؤه هذا ﴿وَمَا كُنَّا﴾ قرأ ابن عامرٍ: (مَا كُنَّا) بغير واو (١). ﴿لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وجوابُ (لولا) محذوفٌ؛ أي: فلولا هدايةُ الله، ما كنا نهتدي، فعندَ معاينةِ أهلِ الجنةِ صدقَ إخبارِ الرسلِ ﷺ ، قالوا: سرورًا. ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فَثَمَّ أُكرِموا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أُعطيتُموها. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بسببِ أعمالِكم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامرٍ: (أُورِثْتُمُوهَا) بإظهارِ الثاءِ، والباقون: بالإدغام (٢). ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ من الثوابِ ﴿حَقًّا﴾ صِدْقًا.

стр. 1083

﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من العقابِ. ﴿حَقًّا﴾ تقديرُه: وعد ربُّكم، فحذفَ (كُمْ) لدلالة (نا) الأول عليه؛ لأن وعدَ يُستعملُ في الخيرِ والشرِّ. ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ وأجاب الكفار بنعم دون بلى؛ لأنَّ (نعم) جوابُ استفهامٍ دخلَ على إيجاب، وهو (وَجَدْتُم)، و (بلى) جوابُ استفهامٍ دخلَ على نفي؛ نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قرأ الكسائيُّ: (نَعِم) بكسر العين حيثُ وقعَ، والباقون: بفتحها، وهما لغتان (١). ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: نادى منادٍ أسمعَ الفريقين. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ: (مُوَذِّن) بفتح الواو بغيرِ همز (٢)، وقرأ نافع، وأبو عمرو، ويعقوبُ، وعاصمٌ: (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) بإسكانِ النونِ مخففةً، ورفعِ (لَعْنَةٌ)، واختلفَ عن قنبلٍ راوي ابنِ كثير، وقرأ الباقون: بتشديد النون، ونصبِ (لَعْنَةً) (٣). ... ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يَصْرِفون الناسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾ طاعةِ.

стр. 1084

﴿اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون اعوجاجَها، ويذُّمونها، فلا يؤمنون بها ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. ... ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي: بينَ الجنةِ والنارِ. ﴿حِجَابٌ﴾ مانعٌ ليمنعَ وصولَ أثرِ إحداهما إلى الأُخرى، وهو السورُ المعروفُ بالأعراف، جمعُ عُرْفٍ؛ سُمِّي بذلكَ؛ لارتفاعه، ومنهُ عُرفُ الديكِ؛ لارتفاعِه على ما سواهُ من جسدِه. ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾ أي: أعالي الحجاب، وهو السورُ الذي ذكره اللهُ في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣]. ﴿رِجَالٌ﴾ هم قومٌ استوَتْ حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصرتْ بهم سيئاتُهم عنِ الجنة، وتجاوزت بهم حسناتُهم عن النار، فوقفوا هناكَ حتى يقضيَ الله فيهم ما شاءَ، ثم يُدخلُهم الجنةَ بفضلِ رحمتِه، وهم آخرُ من يدخلُ الجنةَ. ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهلِ الجنةِ والنارِ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامَتِهم، وهي بياضُ الوجهِ للمؤمنين، وسوادُه للكافرين. ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إذا نظروا إليهم، سَلَّموا عليهم، وقيل: المعنى: سَلِمْتُم من العقوبة. ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ أي: أصحابُ الأعرافِ لم يدخلوا الجنةَ. ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها، فيدخلونها بعد، قالَ الحسنُ: "واللهِ

стр. 1085

ما جعلَ اللهُ ذلكَ الطمعَ في قلوبهم إلا لخيرٍ أرادَهُ بهم" (١). ... ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أبصارُ أهلِ الأعرافِ. ﴿تِلْقَاءَ﴾ ظَرْفٌ؛ أي: تُجاهَ. ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فعرفوهم، ﴿قَالُوا﴾ مستعيذينَ داعينَ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الكافرين في النار، وتقدَّم اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتين في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافهم في ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ﴾. ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ من رؤساءِ الكفرةِ. ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ المالُ والولدُ في الدنيا. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان. ...

стр. 1086

﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ثم يقولون للكفار، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو جهلِ بنُ هشامٍ ونحوُهما؛ تنبيهًا على الأبرارِ ممن دخلَ الجنةَ، وهم سَلْمانُ (١)، وصُهَيْبٌ، وخَبَّابٌ، وبلالٌ وأشباهُهم الذين كانوا يحتقرونهم لفقرهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتُم. ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ أي: لا يدخلون الجنةَ؛ ثم يقالُ لأصحابِ الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ لا تخافون على ما يأتي، ولا تحزنون على ما فات. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ بخلافٍ عن ابنِ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ: (بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا) (خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ) بضم التنوين في الوصل (٢). ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صُبُّوا. ﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾ وَسِّعوا علينا.

стр. 1087

﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من طعام الجنة، وفيه دليل على أنَّ الجنةَ فوقَ النار، وتقدَّم التنبيه على اختلافِ القراءِ في حكم الهمزتين من كلمتين عندَ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وكذلك اختلافهم في ﴿مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ يعني: الماءَ والطعامَ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ منعَهما عنهم. ... ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريمِ البَحيرةِ وأخواتِها، والمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ حولَ البيتِ، وغيرها مما كانوا يفعلونَ (١) في الجاهلية. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعلَ (٢) الناسين، فنتركُهم في النار ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فلم يُخْطِروه ببالِهم. ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ يُنكرون أنها من عند الله. ... ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.

стр. 1088

[٥٢] ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أحكامًا وقصَصًا. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: عالِمينَ بتفصيلِه. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي: جعلناه هاديًا وذا رحمةٍ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعونَ به. ... ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرونَ. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه من (١) أمرهم يومَ القيامةِ من الوعيد ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ جزاؤه. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ اعترافًا حينَ لا ينفعُ. ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا﴾ حقيقةً. ﴿بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا﴾ اليومَ. ﴿مِنْ شُفَعَاءَ﴾ استفهامٌ فيهِ معنى التمنِّي. ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا. ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وجوابُ الاستفهامِ.

стр. 1089

﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أهلَكوها. ﴿وَضَلَّ﴾ بطلَ. ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فلمْ ينفعْهم. ... ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدارها؛ لأن اليومَ من لَدُنْ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها, ولم يكنْ يومئذٍ يومٌ ولا شمسٌ، وخلقَهُنَّ فيهنَّ تعليمًا لخلقه التثبُّتَ والتأنِّي؛ لأنه سبحانه كان قادرًا على خلقهنَّ في لمحةٍ (١)، وقد جاءَ في الحديث: "التَّأنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢). ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواءً يليقُ بعظمتِه بِلا كيفٍ، وهذا من المشكِلِ الذي يجبُ عندَ أهل السُّنَّةِ على الإنسانِ الإيمانُ به، ويَكِلُ العلمَ فيه إلى الله ، وسُئِلَ الإمامُ مالكٌ ﵁ عن الاستواءِ فقالَ: "الاستواءُ معلومٌ؛ يعني: في اللغة، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ

стр. 1090

عنهُ بِدْعَةٌ" (١)، وسُئِل الإمامُ أحمدُ ﵁ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: "هُوَ كما أخبرَ، لا كما يخطرُ للبشَرِ" (٢)، والعرشُ في اللغة: هو السريرُ، وخُصَّ العرشُ بالذكرِ تشريفًا له؛ إذ هو أعظمُ المخلوقات. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يُغَطِّي أحدهما بالآخرَ، وفيهِ حذفٌ؛ أي: ويُغْشي النهارَ الليلَ، ولم يُذْكَرْ؛ لدلالةِ الكلامِ عليه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصم، وخلفٌ، ويعقوبٌ: (يُغَشِّي) بالتشديد مع فتح الغين، وله قولٌ بإسكانِ الغين والتخفيفِ (٣). ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يَعْقُبُه سريعًا. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بمشيئته. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) كلُّها بالرفع على الابتداء والخبرِ، فالشمسُ مبتدأ، والبقيةُ معطوفة عليه، وخبرُه (مُسَخَّراتٌ)، وقرأ الباقونَ: بالنصبِ وكسرِ التاء من (مُسَخَّرَاتٍ) تاء جمع المؤنث السالم عطفًا على قوله: (خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ)، فتنصب (مُسَخَّراتٍ) حالًا (٤).
следующие страницы →