Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) ﴾ .
[٤٩] ثم يقولون للكفار، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو جهلِ بنُ هشامٍ ونحوُهما؛ تنبيهًا على الأبرارِ ممن دخلَ الجنةَ، وهم سَلْمانُ (١) ، وصُهَيْبٌ، وخَبَّابٌ، وبلالٌ وأشباهُهم الذين كانوا يحتقرونهم لفقرهم:
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتُم.
﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ أي: لا يدخلون الجنةَ؛ ثم يقالُ لأصحابِ الأعراف:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ لا تخافون على ما يأتي، ولا تحزنون على ما فات. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ بخلافٍ عن ابنِ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ: (بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا) (خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ) بضم التنوين في الوصل (٢) .
...
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) ﴾ .
[٥٠] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صُبُّوا.
﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾ وَسِّعوا علينا. الحواشي
(١) في "ن": "سليمان".(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٣، ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٥).стр. 1087
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من طعام الجنة، وفيه دليل على أنَّ الجنةَ فوقَ النار، وتقدَّم التنبيه على اختلافِ القراءِ في حكم الهمزتين من كلمتين عندَ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وكذلك اختلافهم في ﴿مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾.
﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ يعني: الماءَ والطعامَ.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ منعَهما عنهم.
...
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) ﴾ .
[٥١] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريمِ البَحيرةِ وأخواتِها، والمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ حولَ البيتِ، وغيرها مما كانوا يفعلونَ (١) في الجاهلية.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعلَ (٢) الناسين، فنتركُهم في النار ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فلم يُخْطِروه ببالِهم.
﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ يُنكرون أنها من عند الله.
...
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) ﴾. الحواشي
(١) في "ن": "يفعلونه".(٢) في "ن": "كما فعل".стр. 1088
[٥٢] ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أحكامًا وقصَصًا.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: عالِمينَ بتفصيلِه.
﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي: جعلناه هاديًا وذا رحمةٍ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعونَ به.
...
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) ﴾ .
[٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرونَ.
﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه من (١) أمرهم يومَ القيامةِ من الوعيد ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ جزاؤه.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ اعترافًا حينَ لا ينفعُ.
﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا﴾ حقيقةً.
﴿بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا﴾ اليومَ.
﴿مِنْ شُفَعَاءَ﴾ استفهامٌ فيهِ معنى التمنِّي.
﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا.
﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وجوابُ الاستفهامِ. الحواشي
(١) "من": زيادة من: "ت".стр. 1089
﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أهلَكوها.
﴿وَضَلَّ﴾ بطلَ.
﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فلمْ ينفعْهم.
...
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ﴾ .
[٥٤] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدارها؛ لأن اليومَ من لَدُنْ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها, ولم يكنْ يومئذٍ يومٌ ولا شمسٌ، وخلقَهُنَّ فيهنَّ تعليمًا لخلقه التثبُّتَ والتأنِّي؛ لأنه سبحانه كان قادرًا على خلقهنَّ في لمحةٍ (١) ، وقد جاءَ في الحديث: "التَّأنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢) .
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواءً يليقُ بعظمتِه بِلا كيفٍ، وهذا من المشكِلِ الذي يجبُ عندَ أهل السُّنَّةِ على الإنسانِ الإيمانُ به، ويَكِلُ العلمَ فيه إلى الله ، وسُئِلَ الإمامُ مالكٌ ﵁ عن الاستواءِ فقالَ: "الاستواءُ معلومٌ؛ يعني: في اللغة، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ الحواشي
(١) في "ن": "كلمحة".(٢) رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٩)، وأبو يعلى في "مسنده"(٤٢٥٦) ، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٠٤)، عن أنس بن مالك ﵁.стр. 1090
عنهُ بِدْعَةٌ" (١) ، وسُئِل الإمامُ أحمدُ ﵁ عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: "هُوَ كما أخبرَ، لا كما يخطرُ للبشَرِ" (٢) ، والعرشُ في اللغة: هو السريرُ، وخُصَّ العرشُ بالذكرِ تشريفًا له؛ إذ هو أعظمُ المخلوقات.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يُغَطِّي أحدهما بالآخرَ، وفيهِ حذفٌ؛ أي: ويُغْشي النهارَ الليلَ، ولم يُذْكَرْ؛ لدلالةِ الكلامِ عليه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصم، وخلفٌ، ويعقوبٌ: (يُغَشِّي) بالتشديد مع فتح الغين، وله قولٌ بإسكانِ الغين والتخفيفِ (٣) .
﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يَعْقُبُه سريعًا.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ بمشيئته. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) كلُّها بالرفع على الابتداء والخبرِ، فالشمسُ مبتدأ، والبقيةُ معطوفة عليه، وخبرُه (مُسَخَّراتٌ)، وقرأ الباقونَ: بالنصبِ وكسرِ التاء من (مُسَخَّرَاتٍ) تاء جمع المؤنث السالم عطفًا على قوله: (خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ)، فتنصب (مُسَخَّراتٍ) حالًا (٤) . الحواشي
(١) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٣٩٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦).(٢) انظر: "اعتقاد أهل السنة" للالكائي (٣/ ٤٠١).(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٨).(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، =стр. 1091
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ جميعًا ﴿وَالْأَمْرُ﴾ بأن يأمرَهم ويحكُمَ فيهم ما شاء.
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: دامَ ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وتعظَّمَ بالتفرد في الربوبية.
...
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) ﴾ .
[٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ تذلُلًا ﴿وَخُفْيَةً﴾ سِرًّا. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَخِفْيَةً) بكسر الخاء، والباقون: بالضم (١) ، وقد أثنى الله على زكرياء بقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، قال الحسنُ: "بينَ دعوةِ السرِّ ودعوةِ العلانيةِ سبعون ضِعْفًا" (٢) ، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوتٌ، إن كان إلا همسًا بينَهم وْبينَ ربِّهم.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزينَ برفعِ الصوتِ والتشدُّقِ في الدعاءِ.
...
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾ .
[٥٦] ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلمِ والشركِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٠).(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١١٠).стр. 1092
﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بالعدلِ ببعثِ الأنبياءِ وشرعِ الأحكامِ.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من الردِّ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الإجابة.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ذُكِّرَ (قريبٌ) على تأويلِ أنها الثوابُ ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ و (رَحْمَتَ) رُسمت بالتاء في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، والكسائيُّ، ويعقوبُ (١) .
...
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) ﴾ .
[٥٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرِّيحَ) بغيرِ ألف بعدَ الياء، والباقون: بالألف (٢) .
﴿بُشْرًا﴾ قرأ عاصمٌ (بُشْرًا) بالباء الموحدة وضمِّها وإسكانِ الشين؛ أي: تبشِّرُ بالمطر، وقرأ ابنُ عامرٍ: بالنونِ وضمِّها وإسكانِ الشين، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتحِ النونِ وإسكانِ الشين، وقرأ الباقون: الحواشي
(١) انظر: "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" للداني في باب: ذكر ما رسم في المصاحف من هاءات التأنيث (ص: ٢٤)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٢٤٢)، والمواضع السبعة هي: في هو و ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي﴾، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، ﴿رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وفي الروم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية.(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٠).стр. 1093
بضمِّ النونِ والشينِ، جمعُ نشُور (١) ، والقراءة بالنون معناها على القراءات كلِّها متفرقةً، وهي الرياحُ التي تهبُّ من كل ناحيةٍ.
﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قُدَّامَ ﴿رَحْمَتِهِ﴾ نعمتِه، وهو المطرُ.
﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ حملَتِ الرياحُ.
﴿سَحَابًا﴾ جمعُ سحابةٍ.
﴿ثِقَالًا﴾ بالماءِ.
﴿سُقْنَاهُ﴾ أي: السحابَ، وقيلَ: المطرُ.
﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ محتاجٍ إلى الماء. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصم: (مَيِّتٍ) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (٢) .
﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي: بالبلد، وقيل: بالسحاب ﴿الْمَاءَ﴾ يعني: المطرَ.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالبلدِ، وقيل: بالسحابِ.
﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ مثلَ إخراجِنا النباتَ.
﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ منَ الأجداثِ ونُحييها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتؤمنونَ بالبعثِ. وتقدَّمَ اختلاف القراءِ في تخفيفِ (تَذْكُرونَ) في أولِ السورةِ. الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١١)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٣)، ورويت بخلاف عن عاصم.стр. 1094
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨) ﴾ .
[٥٨] ثم ضربَ مثلًا لمن ينتفعُ بالوعظ، ولمن لا ينتفعُ به بعدَ ذكرِ المطرِ وإخراجِ النباتِ والثمراتِ تشبيهًا له بها فقال:
﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أي: الأرضُ الكريمةُ التربةِ.
﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ حسنًا.
﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ كالسَّبخةِ ونحوِها.
﴿لَا يَخْرُجُ﴾ نباتُه.
﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ عسرًا. قرأ أبو جعفرٍ: (نَكَدًا) بفتح الكاف مصدرًا؛ أي: ذو نكد، والباقون: بكسرها (١) ، وعن أبي جعفر وجهٌ: (لا يُخْرِجُ) بضمِّ الياء وكسر الراء، وعنه: وجهٌ آخرُ بضمِّ الياءِ وفتحِ الراء، فالأولُ مثَلُ المؤمنِ الذي يسمعُ القرآنَ فيعقلُه وينتفعُ به، والثاني مَثَلُ الكافرِ الذي لا يسمعُ القرآنَ، فلا يؤثِّر فيه كالبلدِ الخبيثِ.
﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نُردِّدها ونوضِّحُها.
﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله.
... الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ١١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٤).стр. 1095
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) ﴾
[٥٩] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ اللام في (لَقَدْ) للتأكيدِ المنبِّهِ على القسم، أقسمَ اللهُ تعالى أنّه أرسلَ نوحًا، وتقدَّمَ ذِكْرُ نوحٍ ﵇، ونسبُه، وقدرُ عمره، ومحلُّ قبرِه في سورةِ آلِ عمرانَ، بعثه اللهُ إلى قومِه وهو ابنُ خمسينَ سنةً، وقيل: ابنُ أربعينَ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وقيلَ: ابنُ مئتين وخمسين، وقيل: ابنُ ثلاثِ مئةٍ وخمسين، وقال مقاتل: ابنُ مئةِ سنةٍ، وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ: بُعث نوحٌ وهو ابنُ أربعِ مئةِ سنةٍ، وهو أولُ نبيٍّ بعثه اللهُ بعدَ إدريس، وكان نجارًا، ومن أولادِه سامٌ وحامٌ ويافثٌ، فسامٌ هو أبو العربِ وفارسَ والرومِ وأهلِ الشامِ وأهلِ اليمنِ، وكان هو القيِّم بعدَ نوحٍ في الأرض، ومن ولدِهِ الأنبياءُ كلُّهم، عربُهم وعجمُهم، وجعلَ اللهُ في ذريته النبوةَ والكتابَ، وهو الّذي اختطَّ مدينةَ القدسِ، وأَسَّس المسجدَ الأقصى، وكان مَلِكًا عليها، وحامٌ أبو السودانِ وأهلِ الهندِ والسندِ والزنْج والحبشةِ والنوبةِ وكلِّ جلدٍ أسودَ، ويافثٌ أبو التركِ ويأجوجَ ومأجوجَ والفرنجِ.
﴿فَقَالَ﴾ لقومِه، وكانوا أهلَ أوثانٍ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه﴾ وَحِّدُوهُ.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ قرأ أبو جعفرِ، والكسائيُّ: (غَيْرِهِ) بكسر الراء على نعتِ الإلهِ حيثُ وقعَ، والباقونَ: بالرفع، على التقديم؛ أي: ما لكم غيرهُ من إلهٍ (١) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، =стр. 1096
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنَّ لم تؤمنوا.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ، أو يومُ الطوفان. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١) .
* * *
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
[٦٠] ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الأشرافُ، فإنهم يملؤون العيونَ والنفوسَ.
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ خطأٍ ﴿مُبِينٍ﴾ واضحٍ.
** *
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
[٦١] ﴿قَالَ﴾ هو نوحٌ: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ أي: شيءٌ من الضلال، وهي أعمُّ، وفي نفيِها نفيُ جميعِ الضلالِ؛ نحو: ألكَ تمرٌ؟ ويقولُ: ولا تمرةٌ، ثمّ استدرَكَ مؤكِّدًا نفيَ الضلالةِ فقالَ:
﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المعنى: ولكني على هُدًى في الغاية؛ لأني رسولٌ من الله.
... الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٧).стр. 1097
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢) ﴾ .
[٦٢] ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ أُوصلُ إليكم.
﴿رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ بالأحكامِ، وجُمِعَ الرسالاتُ؛ لاختلاف أوقاتها؛ أو لتنوُّعِ معانيها. قرأ أبو عمرٍو: (أُبْلِغُكُمْ) بالتخفيفِ من الإبلاع، والباقون: بالتشديد من التبليغ.
﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وحقيقةُ النصحِ: إرادةُ الخيرِ لغيرِه كما يريدهُ لنفسه.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن عقابَه لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين.
* * *
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) ﴾ .
[٦٣] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ ألفُ استفهامٍ دخلتْ على واوِ العطف لمعنى التقرير والتوبيخِ، تقديره: أَكَذَّبْتُم وعَجِبتم.
﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظةٌ.
﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ على لسانِه.
﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ العذابَ إنَّ لم تؤمنوا.
﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ اللهَ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالتقوى.
***
стр. 1098
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) ﴾ .
[٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ من الطوفان.
﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ السفينةِ، وهم من آمن به، وكانوا أربعين رجلًا، وأربعين امرأة.
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالطوفانِ.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عُمْي القلوب.
* * *
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) ﴾ .
[٦٥] ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ أي: وأرسلْنا إلى عادٍ، وهم ولدُ عادِ بنِ عوصِ بنِ عبدِ الله بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وهي عادٌ الأولى.
﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في النَّسبِ لا في الدِّينِ، هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ رباحِ بنِ الخلودِ بنِ عادِ بنِ عوصِ بنِ إرَمِ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، بعثه الله إلى عادٍ نبيًّا، وكان من أوسطِهم نسبًا، وأفضلِهم حسبًا، وهودٌ اسمٌ (١) أعجميٌّ، وانصرَفَ لخفتِه؛ لأنّه على ثلاثةِ أحرفٍ، وبعثه اللهُ بعدَ نوحٍ وقبلَ إبراهيم، وكانت عادٌ ثلاثَ عشرةَ قبيلةً ينزلونَ الرمالَ رملَ عالجٍ، وكانوا أهلَ بساتينَ وزروعٍ وعمارةٍ، بنَواحي حضرموتَ باليمنِ، فسخطَ اللهُ عليهم، فجعلهم مفاوزَ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، وهم جَبَّارونَ، طِوالُ القاماتِ، فبُعثَ إليهم الحواشي
(١) "اسم" ساقطة من "ن".стр. 1099
بالتوحيدِ وتركِ الظُّلْمِ، ولم يأمْرهم بغيرِ ذلك.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تقدَّمَ اختلافُ (١) القراء في (إِلَهٍ غَيْرُهُ) في الحرفِ المتقدم ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ نقمته.
* * *
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) ﴾ .
[٦٦] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هودُ.
﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾ جهالةٍ وخِفَّةِ عقلٍ حيثُ تركتَ دينَ قومِك.
﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في رسالتِكَ.
* * *
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) ﴾ .
[٦٧] ﴿قَالَ﴾ هودٌ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) ﴾.
* * *
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) ﴾ .
[٦٨] ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ أدعوكم إلى التوبة.
﴿أَمِينٌ﴾ على الرسالة.
وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (أُبَلِّغُكُمْ) في الحرف المتقدِّم. الحواشي
(١) في "ش": "خلاف".стр. 1100
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) ﴾ .
[٦٩] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: نفسَه.
﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: سكانَ الأرضِ من بعدِ إهلاكِهم.
﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ قوةً وطولًا، وكانَ طولُ الطويلِ منهم مئةَ ذراع، والقصيرِ ستين ذراعًا. قرأ خلفٌ لنفسِه، وعن حمزةَ، والدوريُّ عن أبي عمرٍو، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (بَسْطَةً) بالسين؛ لأنّها الأصل، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصم، وروحٌ عن يعقوبَ: بالصاد بدلًا من السين، واختلف عن قنبلٍ والسوسيِّ وابنِ ذكوانَ وحفصٍ وخلادٍ، ورسمُها بالصادِ (١) .
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تدركونَ البغيةَ والآمال.
* * *
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) ﴾ .
[٧٠] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ أي: مفردًا موحَّدًا.
﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ؟ الحواشي
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٨)، وقد ذكرت القراءة بالصاد عن نافع والكسائي والبزي وابن ذكوان.стр. 1101
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قالوا ذلكَ له استهزاءً.
* * *
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) ﴾ .
[٧١] ﴿قَالَ﴾ هود ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وَجَبَ ﴿عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذابٌ ﴿وَغَضَبٌ﴾ سخطٌ.
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أو وضعتموها.
﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٌ وبرهان؛ أي في أشياء سميتموها آلهةً، وليس فيها معنى الإلهية، وكانت الأصنام يعبدونها ويسمونها بأسماء مختلفة، وهي: صُداءُ، وصَمُودُ، والهُبَاءُ، وكانوا قد فَشَوْا في الأرض، وقهروا أهلَها بقوَّتهم.
﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزولَ العذابِ.
﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ فأُرسلتِ الريحُ العقيمُ عليهم، فدخلوا بيوتَهم، فأخرجَتْهم الريحُ منها، وأَهالت عليهم الرمالَ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ، ثمّ رمتْ بهم في البحر.
* * *
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) ﴾.
стр. 1102
[٧٢] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني: هودًا ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنينَ.
﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ بأَنْ جُعلوا في حظيرة ما يصلُ إليهم من الريح إِلَّا ما يُلَيِّنُ عليهم جلودهم.
﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: استأصلناهم عن آخرِهم.
﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: هلكَ الكفارُ، ونجا المؤمنون.
ويُروى أنّه كان من عادٍ شخصٌ اسمهُ لُقمانُ، وهو غيرُ لقمانَ الحكيمِ الّذي كانَ على عهدِ داودَ النبيِّ ﵇، ولحقَ هودٌ حين أُهلك قومُه بمن آمنَ معه بمكَّة، فلم يزالوا فيها حتّى ماتوا فيها، وقيل إنَّ قبرَه بحضرموتَ، ورويَ (١) أن النبيَّ من الأنبياءِ كان إذا هلكَ قومُه، أقام بصالحيه بمكةَ يعبدونَ اللهَ حتّى يموتون (٢) .
* * *
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) ﴾ .
[٧٣] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ هو ثمودُ بنُ عابرِ بنِ إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، والمراد هنا: القبيلةُ، وقيلَ: سُميت ثمودَ؛ لقلةِ مائِها، والثَّمَدُ: الماءُ القليلُ، الحواشي
(١) في "ن": "ويروى".(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١١٦ - ١١٧).стр. 1103
وكانت مساكنُهم الحِجْرَ بينَ المدينةِ الشريفةِ والشامِ، وكانوا عربًا يعبدونَ الأصنامَ.
﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: أرسلْنا إلى ثمودَ أخاهم في النَّسبِ لا في الدِّينِ.
﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هو ابنُ عبيدِ بنِ أسفِ بنِ ماسحِ بنِ عبيدِ بن حاذرِ بنِ ثمودَ.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وبالغَ صالحٌ في الإنذارِ، وادَّعى (١) النبوةَ وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ حجةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، فقالَ سيدُهم جُندعُ بنُ عمرٍو: تُخرِجُ لنا من هذهِ الصخرةِ ناقةً مُخْتَرِجَةً وَبْراءَ عُشَراءَ، والمخترجةُ: ما شاكلَتِ البخت من الإبل، فقال: إنَّ فعلتُ تؤمنوا؟ قالوا: نعم، فأخذَ مواثيقَهم على ذلك، فتمخَّضَتِ الصخرةُ عن ناقةٍ كما أرادوا، ثمّ نُتِجَتْ مثلَها في العِظَم.
﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله على التفضيل؛ لأنّها جاءت من عندِه بلا وسائطَ (٢) وأسبابٍ معهودةٍ.
﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصبٌ على الحالِ.
﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ﴾ من المرعى ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، فالأرضُ له، والناقةُ ناقته، لا اعتراضَ لكم عليها.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ بِعَقْرٍ وَلا ضَرْبٍ.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فآمنَ جُندعُ ورهطُه. الحواشي
(١) في "ن": "وادعاء".(٢) في "ن": "بلا واسط".стр. 1104
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) ﴾ .
[٧٤] ولما هلكت عادٌ، خلفتها ثمودُ في الأرض، وعَمَّروا القصورَ، ونحتوا البيوتَ في الجبال، فقال:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ﴾ أَنْزَلَكُم.
﴿فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنونَ من سهولها بما تعملون من اللَّبِنِ والآجُرِّ.
﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ كانوا ينقبونَ في الجبال البيوتَ، ففي الصيفِ يسكنون بيوتَ الطين، وفي الشتاءِ بيوتَ الجبلِ.
﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نعمَه.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والعَيْثُ: أَشَدُّ الفسادِ.
* * *
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) ﴾ .
[٧٥] ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ (وَقَالَ الْمَلأُ) بواو، وقرأ الباقون: بغير واو (١) . الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٩).стр. 1105
﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني: الأشرافَ والعامةَ الذين تعظَّموا عن الإيمانِ بصالح.
﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يعني: الأتباعَ.
﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ يعني: قالَ الكفارُ للمؤمنين:
﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إليكم.
﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لا شكَّ عندَنا فيه.
* * *
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) ﴾ .
[٧٦] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) ﴾ جاحِدونَ.
* * *
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) ﴾ .
[٧٧] فلما أَضَرَّتِ النَّاقَةُ بمواشيهم، كَمَنَ لها قُدار بنُ سالفٍ بطريقِها بجماعةٍ تسعةٍ، وكمنَ لها مصدعُ بنُ مِهْرجٍ بطريقٍ آخرَ، فمرَّتْ بمصدعٍ فرماها بسهمٍ، فانتظمَ ساقَها، وشدَّ قُدارٌ عليها، فَعَرْقَبَها بالسيفِ، فخرَّتْ ورَغَتْ تحذِّرُ سَقَبَها، ثمّ طَعَنَ في لَبَّتِها فنحَرها هو ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ عَرْقَبوها فقتلوها، واقتسموا لحمَها، فجاءَ صالحٌ فرآهُ الفصيلُ فبكى، ثُمَّ رغَا ثلاثًا، فانفجرتِ الصخرةُ الّتي خرجتْ منها أمُّه فدخَلَها، وكانَ يومَ الأربعاء.
стр. 1106
﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ واستكبروا عن امتثالِهِ، فقال صالحٌ: انتهَكْتُمْ حرمةَ اللهِ، فأبْشِروا بعذابِه ونِقْمته، وقالوا وهم يستهزئون: ومتى ذلكَ يا صالح؟ قال: تعيشونَ بعدَه ثلاثةَ أيّام تصفرُّ وجوهُكم أولَ يومٍ، وتحمرُّ في الثّاني، وتسوَدُّ في الثّالث، ويُصَبِّحُكُم العذابُ في الرّابع، وكان كذلك، فاستهزَؤوا ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
* * *
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨) ﴾ .
[٧٨] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلةُ الشديدةُ، وجاءتهم صيحةٌ من السَّماء فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، فتقطَّعَتْ قلوبُهم فماتوا.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ بعضُهم على بعضٍ.
* * *
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) ﴾ .
[٧٩] ﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرضَ.
﴿عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: لم تقبلوا نُصْحي، ناداهُم بذلك توجُّعًا على ما فاتَهُ من إسلامهم، وتوبيخًا لهم، كما خاطبَ رسولُ الله ﷺ أهلَ قَليب بَدْرٍ وقال: "إِنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا" (١) ، وسارَ الحواشي
(١) رواه البخاريّ(٣٧٥٧) ، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم(٢٨٧٤) ، كتاب: الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميِّت من =стр. 1107
صالحٌ إلى فلسطين، ثمّ انتقل إلى الحجاز يعبدُ الله إلى أن ماتَ بمكةَ، وقيل: بحضرموتَ، وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً، وأقامَ في قومِه عشرين سنةَ، وقيل: إنّه أقامَ بعدَ مهلكِ قومِه بفلسطينَ، وأن قبرَه بالمغارةِ الّتي بالجامعِ الأبيضِ بالرَّمْلَةِ، وهودٌ وصالحٌ عَرَبيان، وكذلكَ شعيبٌ وإسماعيلُ.
* * *
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) ﴾ .
[٨٠] ﴿وَلُوطًا﴾ أي: وأرسلْنا لوطًا، وتقدَّمَ ذكرهُ في سورةِ الأنعامِ، ولوطٌ اسمٌ أعجميٌّ صُرِفَ لخفَّتِه، لأنّه على ثلاثةِ أحرفٍ وهو ساكنُ الوَسَط.
﴿إِذْ قَالَ﴾ أي: وقتَ قوله.
﴿لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهلُ سَدومَ وقُراها، وهي (١) : عَمُورا، وأَدْم، وأَصْبُوئِن، ولُوشَع، وكان لوطٌ قد هاجرَ مع عمِّهِ إبراهيمَ ﵇ إلى الشامِ، فنزل إبراهيمُ فلسطينَ، وأنزلَ لوطًا الأردنَّ، وهو نهرُ الشريعةِ شرقيَّ بيتِ المقدسِ، فأرسله الله إلى أهل سدومَ، فقالَ لهم مستفهمًا على جِهَةِ التوبيخ:
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: السيئة القبيحةَ، وهي إتيانُ الذكورِ (٢) . الحواشي
(١) في "ن": "وهم".(٢) في "ن": "الرجال".стр. 1108
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ رُوي أنّه لم تكن هذه المعصية في أمةٍ قبلَه، عَلَّمَهم إياها الخبيثُ إبليسُ.
* * *
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) ﴾ .
[٨١] ﴿إِنَّكُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (إِنكمْ) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ، والباقونَ: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم تسهيلًا وتحقيقًا وفصلًا (١) ، كما تقدَّمَ في سورة الأنعامِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩].
﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ في أدبارِهم.
﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ يعني: أدبارُ الرجالِ أشهى عندَكم من فروج (٢) النساءِ.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مجاوزونَ الحلالَ إلى الحرام؛ وتقدَّمَ حكمُ الزِّنا واللواطِ ومذاهب الأئمة فيه في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥].
* * * الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٣٢، ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٠).(٢) في باقي النسخ: "دون".стр. 1109
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) ﴾ .
[٨٢] ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بعدَ موعظتِه إياهم.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قالَ بعضُهم لبعضٍ:
﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطًا وأَتباعَهُ.
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ثمّ قالوا استهزاءً: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هو يَتَنَزَّهونَ عن أدبارِ الرجالِ.
* * *
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) ﴾ .
[٨٣] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ المؤمنينَ.
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الماضينَ؛ لأنّها كانتْ مواليةً لهم، فهلكَتْ معهم.
* * *
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) ﴾ .
[٨٤] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارةً، وقيلَ: الكبريت، قال أبو عبيدة: يقالُ في العذابِ: (أَمْطَرَ)، وفي الرّحمة (مَطَرَ) (١) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. الحواشي
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٢٨).стр. 1110
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
[٨٥] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ هو ابنُ إبراهيمَ الخليلِ ﵊، سميت المدينةُ باسمه، وهي (١) على بحر القُلْزُمِ تحاذي تبوكَ على نحوِ ستِّ مراحلَ، وهي البئرُ الّتي استقى منها (٢) موسى لسائمةِ شعيبٍ، وهي في عصرِنا منزلةٌ للحجاجِ المتوجِّهين من مصرَ وبيتِ المقدسِ إلى مكةَ المشرفةِ، وتسمَّى في هذهِ الأزمنةِ مغارةَ شُعيب، والمغارةُ في لحفِ الجبلِ، وفيها شجرٌ عظيمٌ من الجانبِ الغربيِّ، وقومُ شعيبٍ هم أصحابُ الأيكة، وكانت الأيكةُ من شجرٍ مُلْتَفٍّ.
﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: أرسلْنا إليهم أخاهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ.
﴿شُعَيْبًا﴾ واختُلِفَ في نسبه، فقيل: هو ابنُ ثوبهَ (٣) بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وقيل: ابنُ مَيْكيكَ بنِ يَشْجُرَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأُمُّ ميكيكَ بنتُ لوطٍ، وكان شعيبٌ أعمى، وكان يقال له: خَطيبُ الأنبياءِ، لحسنِ مراجعتِه قومَه، وكانوا أهلَ كفرٍ وبَخْسٍ للمكيالِ والميزانِ، وكانوا يظلمونَ الناسَ. الحواشي
(١) في "ن": "وهو".(٢) في "ن": "به"، وفي "ظ" و"ت" و"ش": "بها".(٣) في "ن": "ذوبة".стр. 1111
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، ولم تُذْكَرْ معجزاتُه في القرآنِ كما يذكَرُ جميعُ معجزاتِ محمدٍ ﷺ ، ومن معجزاتِهِ تَغَصُّنُ العَصا، وحملُها أيَّ ثمرةٍ شاءَ موسى، وحملُها متاعَ موسى في رعايةِ الغنمِ، ومحاربةُ عدوٍّ إن عرضَ لهُ، وأن تصيرَ كالدَّلْوِ يسقي بها غنمَهُ إنَّ احتاجَ، فإنَّ ذلكَ كانَ معجزةً لشُعيبٍ؛ لأنّ موسى لم يكنْ بعدُ نبيًّا.
وكان الغريبُ إذا دخلَ إلى قومِهِ، أخذوا دراهَمه، وقالوا: هي زُيوفٌ، فيقطِّعونَها ثمّ يشترونَها بنُقصانٍ، وربما أعطوهُ بدلَها زُيوفًا، فقال:
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أَتِمُّوهُ ﴿وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا﴾ تنقُصوا ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم.
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ببعثِ الرسلِ وتوضيحِ الشرائع.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العدلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدنيا والدين.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدِّقين قولي.
* * *
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) ﴾ .
[٨٦] ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ طريقٍ من طرقِ الحقِّ ﴿تُوعِدُونَ﴾ مَنْ آمنَ بشعيبٍ العقوبةَ.
стр. 1112
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينِهِ ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تطلبونَ اعْوِجاجَها بإلقاءِ الشُّبَهِ للناس نَهْيِهم عن الإسلام.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بَعْدَ قلَّةِ العَدَد والعُدَدِ بالبركةِ في النسلِ والمالِ (١) .
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: آخِرَ أمْرِ قوم لوطٍ.
* * *
﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧) ﴾ .
[٨٧] ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ فصِرْتُم فريقين: مُصدِّقين ومكذِّبين.
﴿فَاصْبِرُوا﴾ فانتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ بإنجاءِ المؤمنين، وإهلاكِ الكافرين.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنّ الحكَمُ العدل، وليس هذا أمرًا بالمقام على الكفر، ولكنه وَعيدٌ وتهديدٌ.
* * *
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) ﴾ .
[٨٨] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني: الرؤساءَ الذين تعظَّموا عن الإيمانِ لشعيبٍ وأتباعِهِ: الحواشي
(١) في "ن": "والولد".стр. 1113
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ لترجِعُن.
﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ ديننِا، ولم يكنْ شعيبٌ قطُّ على دينهم، وإنّما تناولَهَ الخطابُ تغليبًا للجَمْع على الواحد؛ لأنّ مَنْ تبعَه كانَ منهم.
﴿قَالَ﴾ شعيبٌ ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي: وإن كُنَّا كارهينَ فتجبرونا على الخروج عليه (١) ؟
* * *
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩) ﴾ .
[٨٩] ثمّ استأنفَ قائلًا: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: ما أكذَبَنا على الله.
﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ثمّ قال مشيرًا إلى أن لا حكمَ له:
﴿وَمَا يَكُونُ﴾ وما يَصِحُّ ﴿لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ خِذْلاننا فنعود، وفيه دليلٌ على أن (٢) الكفرَ بمشيئته.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أحاطَ علمهُ بكلِّ شيءٍ.
﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فيما تُوعِدوننا به، ثمّ دعا شعيبٌ بعدما ما أَيِسَ من صلاحِهم فقال: الحواشي
(١) "على الخروج عليه" زيادة من "ن".(٢) "أن" ساقطة من "ن".стр. 1114
﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ اقض ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ والفَتَّاحُ: القاضي ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ القاضِينَ.
* * *
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) ﴾ .
[٩٠] ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وتركتُمْ دينَكُم.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ مَغْبونونَ.
* * *
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) ﴾ .
[٩١] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلةُ، وأهلَكَهم اللهُ بسحابةٍ أمطرَتْ عليهم نارًا يومَ الظُّلَةِ، وذلك أنّهم رَأَوا حَرًّا شديدًا، فدخَلُوا الأسرابَ، فوجدُوها أشدَّ حَرًّا، فخرجوا منها، فرأَوا سحابةً، فاستظلُّوا بها، فأمطرَتْ عليهم نارًا، فاحترقوا، وصاروا رمادًا.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ سبقَ تفسيرُه في قصةِ صالحٍ. ولما نزلَ بهمُ العذابُ، نَجَّينا شعيبًا بمن آمنَ معه إلى الموضعِ المعروفِ بأيلةَ، ويأتي ذكرُه في السورةِ إن شاء الله تعالى. قال أبو عبد الله البجلي: كانَ أبو جادٍ، وهَوَّز، وحُطِّين، وكَلَمُنْ، وسَعْفص، وقُرِشَتْ، مُلوكَ مَدْيَنَ، وكان ملِكُهم في زمنِ شُعيبٍ يومَ الظُّلَّة كَلَمُن، فلما هلكَ قالتِ ابنتُه تبكيه:
كَلَمُنَ قد هَدَّ رُكْنِي هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحِلَّهْ
стр. 1115
سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْحَتْفُ نارًا تَحْتَ ظُلَّهْ
جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّهْ (١)
* * *
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢) ﴾ .
[٩٢] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ يُقيموا ﴿فِيهَا﴾ والمغاني: المنازلُ، واحدُها مَغْنَى.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ دينًا ودنيا، لا الذين اتَّبَعُوه كما زعمَ الكفارُ.
* * *
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣) ﴾ .
[٩٣] ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ أعرضَ شعيبٌ من بينِ أظهُرِهم حينَ أتاهُمُ العذابُ.
﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ قالَه تأسُّفًا لشدةِ حزبه عليهم، ثمّ أنكرَ على نفسِه فقال:
﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أَحْزَنُ ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ بعدَ إنذاري لهم، ومبالغتي في نُصْحِهم، وقبرُ شعيبٍ بقريةِ حِطِّينَ من أعمالِ مدينةِ صَفَد، مسافتُها عن بيتِ المقدسِ نحوُ ثمانيةِ أيّام.
* * * الحواشي
(١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (١٢/ ٥٦٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٠ - ١٣١).стр. 1116
فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
تَأليف
الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى
المُجَلَّد الثالث
اعتَنَى بِهِ
تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
نُوْرُ الدِّيْن طَالب
إصدَارات
وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
دولة قطر
стр. 1117
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1118
فتح الرحمن
стр. 1119
حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة
دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤
هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 1120
تَتِمَّة سُورَة الأعْرَاف
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ﴾ .
[٩٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ فيه إضمارٌ، يعني: فكذبوه.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾ الفقرِ ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرضِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ ليتذلَّلوا ويتوبوا.
* * *
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥) ﴾ .
[٩٥] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ الشدةِ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الرخاءَ.
﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ كَثُروا عددًا وأموالًا (١) ، فَطَغَوا.
﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: ليسَ ما أصابنا بالابتلاء، وإنّما هذا (٢) دأبُ الدهرِ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بنزولِ العذابِ. الحواشي
(١) في "ن": "أموالًا وعددًا".(٢) في "ش": "هو".стр. 1121
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) ﴾ .
[٩٦] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ المكذِّبينَ.
﴿وَاتَّقَوْا﴾ المعاصيَ.
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (لَفَتَّحْنَا) بتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف (١) .
﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لجاءَهم المطرُ والخصبُ، وعمَّهُم الخيرُ من كلِّ جهةٍ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
* * *
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) ﴾ .
[٩٧] ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبونَ، وهم أهلُ مكةَ ومَنْ حولَها، الاستفهامُ للإنكارِ، والفاءُ للعطفِ نظيرُه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا ﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.
* * * الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢، ١١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٢).стр. 1122
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) ﴾ .
[٩٨] ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَوْ أَمِنَ) بسكون الواو، جعلوها (أو) العاطفةَ تكونُ لأحدٍ الشيئين؛ كقولك: ضربتُ زيدًا أو عَمْرًا؛ وورشٌ يحذفُ الهمزةَ، ويلقي فتحتَها على الواو الساكنة، فتتصل فتحةُ الواو بكسرةِ الميم في اللّفظ، والباقون: بفتح الواو، وجعلوها واوَ العطف دخلَتْ عليها ألفُ الاستفهام (١) ، نظيره: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ [البقرة: ١٠٠].
﴿أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ أي: نهارًا، والضحى: صَدْرُ النهار وقتَ انبساطِ الشّمسِ.
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لاهُونَ من فرطِ الغفلةِ.
* * *
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩) ﴾ .
[٩٩] ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجَه إياهم بما أنعمَ عليهم في دنياهم.
﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين خَسِروا بالكفرِ.
* * * الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٢)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٢/ ٣٨٣).стр. 1123
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) ﴾ .
[١٠٠] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أي: يُبَيَّنْ. قرأ العامة: (يَهْدِ) بالياء، وقرأ زيدٌ عن يعقوبَ: بالنون على التعظيم.
﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ أي: يسكنونها.
﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ الهالكينَ.
﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ أهلَكْناهم كما أَصَبْنا مَنْ قبلَهم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ) كاختلافِهم فيها من (السُّفَهَاءُ أَلَا) في سورةِ البقرةِ.
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كمَنْ تقدَّمَهم ﴿وَنَطْبَعُ﴾ نختمُ.
﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّمٍ واعتبار.
* * *
﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) ﴾ .
[١٠١] ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ المذكورةُ وأهلُها؛ يعني: قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومَ لوطٍ وشعيبٍ.
﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أخبارِها؛ لما فيها من الاعتبارِ.
стр. 1124
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزاتِ.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عندَ مجيءِ الرُّسلِ بالبيناتِ.
﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ قيامِ المعجزاتِ، المعنى: لم تؤثرْ فيهم الموعظةُ، واستمروا على الكفرِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ختمِنا على قلوبِ الكافرينَ قبلَكَ.
﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ من قومِك فلا يؤمنونَ.
* * *
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢) ﴾ .
[١٠٢] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: الناسِ.
﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاءِ عهدٍ.
﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: عَلِمْناهم.
﴿لَفَاسِقِينَ﴾ خارجينَ عن الطاعةِ، و (إنْ) للنفي، و (اللام) بمعنى إِلَّا، التقدير: وما وجَدْنا أكثرَهم إِلَّا فاسقينَ.
* * *
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) ﴾ .
[١٠٣] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعدِ الأنبياءِ المتقدِّمِ ذكرُهم، وأممهم.
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يعني: المعجزاتِ.
стр. 1125
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا﴾ أي: كفروا ﴿بِهَا﴾ والظلمُ: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، فظلمُهم وضعُ الكفرِ موضعَ الإيمان.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وكيفَ فعلنا بهم.
* * *
﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) ﴾ .
[١٠٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما دخلَ على فرعونَ:
﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال فرعونُ، كذبتَ.
* * *
﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) ﴾ .
[١٠٥] فقال موسى ﴿حَقِيقٌ﴾ من الحقّ.
﴿عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قرأ نافعٌ: (عَلَيَّ) بتشديد الياءِ وفتحِها على أنّها ياءُ الإضافة، معناه: حقٌّ واجبٌ عليَّ، وقرأ الباقونَ: (عَلَى) على أنّها جرٌّ (١) ، معناهُ: جديرٌ بألَّا أقولَ إِلَّا الحقَّ.
﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ اليدِ والعصا.
﴿فَأَرْسِلْ﴾ أطلِقْ.
﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخَلِّهِمْ حتّى يرجِعوا إلى الأرضِ المقدسةِ الّتي هي الحواشي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٥).следующие страницы →