← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ المكذِّبينَ. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ المعاصيَ. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (لَفَتَّحْنَا) بتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف (١). ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لجاءَهم المطرُ والخصبُ، وعمَّهُم الخيرُ من كلِّ جهةٍ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعاصي. * * * ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبونَ، وهم أهلُ مكةَ ومَنْ حولَها، الاستفهامُ للإنكارِ، والفاءُ للعطفِ نظيرُه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا ﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. * * *

стр. 1122

﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَوْ أَمِنَ) بسكون الواو، جعلوها (أو) العاطفةَ تكونُ لأحدٍ الشيئين؛ كقولك: ضربتُ زيدًا أو عَمْرًا؛ وورشٌ يحذفُ الهمزةَ، ويلقي فتحتَها على الواو الساكنة، فتتصل فتحةُ الواو بكسرةِ الميم في اللّفظ، والباقون: بفتح الواو، وجعلوها واوَ العطف دخلَتْ عليها ألفُ الاستفهام (١)، نظيره: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ [البقرة: ١٠٠]. ﴿أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ أي: نهارًا، والضحى: صَدْرُ النهار وقتَ انبساطِ الشّمسِ. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لاهُونَ من فرطِ الغفلةِ. * * * ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجَه إياهم بما أنعمَ عليهم في دنياهم. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين خَسِروا بالكفرِ. * * *

стр. 1123

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾ . [١٠٠] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أي: يُبَيَّنْ. قرأ العامة: (يَهْدِ) بالياء، وقرأ زيدٌ عن يعقوبَ: بالنون على التعظيم. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ أي: يسكنونها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ الهالكينَ. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ أهلَكْناهم كما أَصَبْنا مَنْ قبلَهم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ) كاختلافِهم فيها من (السُّفَهَاءُ أَلَا) في سورةِ البقرةِ. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كمَنْ تقدَّمَهم ﴿وَنَطْبَعُ﴾ نختمُ. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّمٍ واعتبار. * * * ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ المذكورةُ وأهلُها؛ يعني: قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومَ لوطٍ وشعيبٍ. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أخبارِها؛ لما فيها من الاعتبارِ.

стр. 1124

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزاتِ. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عندَ مجيءِ الرُّسلِ بالبيناتِ. ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ قيامِ المعجزاتِ، المعنى: لم تؤثرْ فيهم الموعظةُ، واستمروا على الكفرِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ختمِنا على قلوبِ الكافرينَ قبلَكَ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ من قومِك فلا يؤمنونَ. * * * ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: الناسِ. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاءِ عهدٍ. ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: عَلِمْناهم. ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ خارجينَ عن الطاعةِ، و (إنْ) للنفي، و (اللام) بمعنى إِلَّا، التقدير: وما وجَدْنا أكثرَهم إِلَّا فاسقينَ. * * * ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعدِ الأنبياءِ المتقدِّمِ ذكرُهم، وأممهم. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يعني: المعجزاتِ.

стр. 1125

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا﴾ أي: كفروا ﴿بِهَا﴾ والظلمُ: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، فظلمُهم وضعُ الكفرِ موضعَ الإيمان. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وكيفَ فعلنا بهم. * * * ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما دخلَ على فرعونَ: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال فرعونُ، كذبتَ. * * * ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾ . [١٠٥] فقال موسى ﴿حَقِيقٌ﴾ من الحقّ. ﴿عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قرأ نافعٌ: (عَلَيَّ) بتشديد الياءِ وفتحِها على أنّها ياءُ الإضافة، معناه: حقٌّ واجبٌ عليَّ، وقرأ الباقونَ: (عَلَى) على أنّها جرٌّ (١)، معناهُ: جديرٌ بألَّا أقولَ إِلَّا الحقَّ. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ اليدِ والعصا. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ أطلِقْ. ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخَلِّهِمْ حتّى يرجِعوا إلى الأرضِ المقدسةِ الّتي هي

стр. 1126

وطنُ آبائِهم، وكانَ فرعونُ قد استعبدَهُم بعدَ موتِ يوسفَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). * * * ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿قَالَ﴾ فرعونُ ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ على دعواكَ. ﴿فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدعوى، وكان بينَ دخولِ يوسفَ مصرَ ودخولِ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ. * * * ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ من يدِهِ. ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ هو ذَكَرُ الحياتِ، عظيمُ الجسمِ ﴿مبِينٌ﴾ ظاهرٌ أمرُهُ. قال ابنُ عباسٍ: "لما أَلْقَى العَصا، صارتْ حَيّةً عظيمةً صفراءَ شعراءَ فاغرةً فاها، ما بين لَحْيَيْها ثمانون ذراعًا، واضعةً لَحْيَها الأسفلَ في الأرضِ، والأعلى على سورِ القصر، ثمّ تنفَّسَتْ في البيوتِ والخزائنِ، فاشتعلتْ نارًا، وجعلتْ تهيجُ كالجملِ، ولها صوتٌ كالرَّعد، وحملتْ على الناسِ، فانهزموا وصاحوا، وماتَ منهم خمسةٌ وعشرونَ ألفًا، قتلَ بعضُهم بعضًا، وتوجَّهَت نحوَ فرعونَ لتأخذَهُ، فوثبَ من (٢) سريرِه هاربًا، وأحدَثَ

стр. 1127

في ثيابِه، وأخذتِ الحيةُ أذياله (١) حتّى رمى نفسَه خلفَ السريرِ وصاحَ: يا موسى! أَنْشُدُكَ بالذي أرسلَكَ! خُذْها وأنا أؤمن بكَ، وأُرسلُ معكَ بني إسرائيل، فأخذها موسى، فعادت عصًا كما كانت" (٢). * * * ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ . [١٠٨] فلما نظرَ فرعونُ إلى ذلك، قال: يا موسى! لقد تعلمتَ سحرًا عظيمًا، هل عندَكَ غيرُ هذا؟ قالَ: نعم ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أدخلَها جيبَهُ ثمّ نزعَها. ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ لها شعاعٌ يغلبُ نورَ الشّمس، ثمّ أَدخلها جيبَهُ فصارَتْ كما كانت. * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾ . [١٠٩] فّثّمَّ ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بالسحر. * * * ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾ . [١١٠] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ معشرَ القبطِ. ﴿أَرْضِكُمْ﴾ مصرَ. ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ تشيرون؟ هذا من قولِ فرعونَ، وما قبلَه من قولِ الملأ.

стр. 1128

﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾ . [١١١] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملأُ. ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ المعنى: اتركِ التعرُّضَ له بالقتلِ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ: (أَرْجِئهُو) بالهمزِ وضمِّ الهاء ووصلِها بواو، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بالهمزِ وبكسرِ الهاءِ، ولا يصلُها بياء، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بالهمزِ والضمِّ من غيرِ صلة، والباقون: بغير همزٍ، ثمّ نافعٌ بروايةِ ورشٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ يُشبعونَ الهاءَ كَسْرًا، ويُسكنها عاصمٌ، وحمزةُ، ويختلِسُها أبو جعفرٍ، وقالونُ (١)، وكذلك اختلافُهم في حرفِ الشعراءِ. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ﴾ هي مدائنُ بالصعيدِ من نواحي مصرَ. ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعينَ. ... ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾ . [١١٢] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (سَحَّارٍ) على وزنِ فَعّال مبالغةً، وأمال فتحةَ الحاءِ الدوريُّ عن الكسائيِّ، والسحارُ: هو العالِمُ المعلمُ السحر. وقرأ الباقون: (سَاحِر) على وزنِ فاعِل (٢)، والساحرُ: من يعلمُ ولا يعلِّمُهُ.

стр. 1129

﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾ . [١١٣] ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بعدما أرسلَ الشُّرَطَ في طلبِهم، قيلَ: كانوا ثمانينَ ألفًا، متقدَّمُهم شمعونُ، وقيلَ غيرُ ذلك، فلما اجتمعوا. ﴿قَالُوا﴾ لفرعونَ ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: جُعْلًا. ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ وحفصٌ: (إِنَّ لَنَا) بهمزة واحدة على الخبر، أخبروا أَنهم يستحقُّون على غَلَبِهم موسى جُعْلًا، والباقون: بهمزتين على الاستفهام (١)؛ أي: أَتجعلُ لنا جُعلًا؟ وهم على أُصولهم تسهيلًا وتحقيقًا وفصلًا كما تقدَّمَ في سورةِ الأنعامِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]. * * * ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ . [١١٤] ﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿نَعَمْ﴾ لكم عليَّ جعلٌ. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ في المنزلةِ عندي. * * *

стр. 1130

﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾ . [١١٥] فعندَ اجتماعِهم بالإسكندريةِ ﴿قَالُوا﴾ تأدُّبًا. ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاكَ ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ آلاتِنا. * * * ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿قَالَ﴾ موسى: بل ﴿أَلْقَوْا﴾ أنتم. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ آلاتِهم. ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ صَرَفوها عن إدراكِ حقيقةِ سحرِهم بما فعلوهُ من التَّمْويهِ والتَّخْييلِ. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أخافوهم لما رَأَوا منَ الحيَّاتِ أمثال الجبالِ يركبُ بعضُها بعضًا، وكانتِ الأرضُ الملقى فيها مِيلًا في مِيل. ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في فَنِّه. * * * ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ . [١١٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، فصارت حيةً سدَّتِ الأفقَ، وفتحتْ فمهَا ثمانينَ ذراعًا. ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلعُ.

стр. 1131

﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يَكْذِبون، فابتلعَتْ جميعَ ما أَلْقَوا، وقصدتِ القومَ، فهلكَ في الزحام منهم خمسةٌ وعشرونَ ألفًا، فأخذها موسى، فعادت عصًى. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (تَلْقَفُ) بإسكانِ اللام وتخفيفِ القاف، والباقون: بفتح اللام وتشديد القاف، والبزيُّ يشدِّدُ التاءَ وصلًا على إدغامٍ في التاء من تتلقف (١). * * * ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾ . [١١٨] ﴿فَوَقَعَ﴾ أي: ظهرَ ﴿الْحَقُّ﴾ أنّه مع موسى. ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر، وقالوا: لو كان موسى ساحرًا، لبقيتْ عِصيُّنا. * * * ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ . [١١٩] فعلموا أن ذلكَ من أمرِ الله ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ذليلين. * * *

стр. 1132

﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ خَرُّوا سُجَّدًا لله تعالى متطارحين. قرأ أبو عمرٍو: (السَّحَرةَ ساجِدِينَ) بإدغام التاء في السين. * * * ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾ . [١٢١] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * * * ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] فقال فرعون: إياي تعنون؟ فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. * * * ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالله. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (آمنتم) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبر، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ بِهِ) يُبدل في حال الوصلِ من همزةِ الاستفهامِ واوًا مفتوحةً، ويمدُّ بعدَها مدة في تقديرِ أَلِفين، والباقون: بهمزتين على الاستفهامِ، فحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ، وروحٌ عن يعقوبَ: يقرؤون بتحقيقِ الهمزتينِ على الأصلِ، والباقونَ بتحقيقِ الأولى وتسهيلِ الثّانية (١)، ولم يُدْخِلْ أحدٌ ألفًا بينَ الهمزةِ المحقَّقةِ والمسهَّلة في

стр. 1133

هذا المحلِّ كما أدخلَها مَنْ أدخلَها منهم في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وبابِهِ؛ لكراهيةِ اجتماعِ ثلاثِ أَلِفاتٍ بعدَ الهمزةِ، ومعنىَ الكُلِّ إنكارٌ؛ أي: أَصَدَّقْتُم بموسى، وآمنتم بربِّهِ. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: من غيرِ أَمْري إياكم. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الّذي صنعتُم أنتمْ وموسى. ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ لَحِيَلةٌ احْتَلْتُموها. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصرَ قبل أن تخرُجوا إلى هذا الموضعِ. ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ القبطَ، وتخلصُ لكم ولبني إسرائيلَ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ما فعلتم. * * * ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] وهو تهديدٌ مجملٌ تفصيلُه: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ من كلِّ شِقٍّ طَرَفًا، وهو أولُ مَنْ قطعَ من خلافٍ وصَلَبَ. ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على شاطئ نهرِ مصرِ؛ تفضيحًا لكم، وتنكيلًا لأمثالِكم. * * * ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ . [١٢٥] وكان موسى قد قالَ للسحرةِ لكبيرهم: أتؤمنُ بي إِنْ غلبتُك؟

стр. 1134

فقال: لآتينَّ بسحرٍ لا يغلبُه سحرٌ، وإن غَلَبتني لأومننَّ بكَ، وفرعونُ يسمعُ، فلذلك قالَ ما قال. ﴿قَالُوا﴾ يعني: السحرةُ لفرعونَ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعونَ إلى الآخرة، فيرحَمُنا ويُثيبنا، فلا نُبالي بعذابِك. * * * ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ثمّ قالوا توبيخًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: تكرَهُ مِنَّا. ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ وهو خيرُ الأعمالِ، ثمّ فزعوا إلى اللهِ فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ارزقْنا صبرًا كثيرًا يفيضُ علينا عندَ القطعِ والصَّلْبِ. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ثابِتينَ على الإسلامِ، فقطعَ أيديَهم وأرجُلَهم، وصَلَبهم، وقيل: إنّه لم يقدرْ عليهم، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، ورُوي أنّه آمنَ بموسى عندَ إيمانِ السحرةِ سِتُّ مئةِ ألفٍ. * * *

стр. 1135

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾ . [١٢٧] و ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لهُ: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتغييرِ الناسِ عليكَ، ودعوتِهم إلى مخالفتِكَ. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ مَعْبوداتِك، فلا يعبدُكَ ولا يعبدُكَ، لأنّه كانَ قد أمرَ قومَه بعبادةِ الأصنامِ، فقالَ؛ هذه آلهتُكم، وأنا رَبُّها وربُّكم، ولذلكَ قالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقيل: كان له بقرةٌ يعبدُها، فلذلك أخرجَ لهم السامريُّ عِجْلًا، وقيل: كانَ يعبدُ الكواكبَ، وقيل: الشمسَ. المعنى: أيكونُ منكَ تركُ موسى، ويكونُ تركُهُ إياكَ فلا يلتفِتُ إليكَ؟! ﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (سَنَقْتُلُ) بفتحِ النونِ وإسكانِ القافِ وضمِّ التاءِ من غيرِ تشديدٍ، من القتلِ، وقرأ الباقون: بضمِّ النونِ وفتحِ القافِ وكسرِ التاءِ وتشديدِها، من التقتيلِ، على التكثيرِ (١). ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ نتركُهم أحياءً كفعلِنا بهم قبلُ، وتقدَّمَ ذكرُ قِصتهم في القتلِ في سورةِ البقرةِ. ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ غالِبونَ، وهم مقهورونَ تحتَ أيدينا. * * *

стр. 1136

﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ . [١٢٨] فأعادَ فرعونُ عليهمُ القتلَ، فشكَتْ بنو إسرائيل ذلكَ، فَثَمَّ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ أرضَ مصرَ. ﴿يُورِثُهَا﴾ يُعطيها ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وعدٌ لهم بالنصرِ. * * * ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ . [١٢٩] ﴿قَالُوا﴾ يعني: قومَ موسى. ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالةِ بقتلِ الأبناءِ. ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادةِ القتلِ علينا. ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعونَ. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يُسْكِنَكم أرضَ مصرَ. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ من طاعةٍ وعصيانٍ، فيجازيكم، فحقَّقَ اللهُ ذلكَ، وأغرقَ فرعونَ، واستخلَفَهم فيها، فعبدوا العجلَ. * * *

стр. 1137

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ . [١٣٠] ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: سِني القحطِ لأهلِ البوادي. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهلِ الأمصارِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون فيؤمنون؛ لأنّ البلاءَ يرقِّقُ القلوبَ، ويرغِّبُ في الآخرَة، رُوي أن فرعونَ عاشَ أكثرَ من ستِّ مئةِ سنةٍ، وملكَ أربعَ مئةِ سنةٍ لا يَرى مكروهًا فيها، ولو رآه، لما ادَّعى الربوبيةَ. * * * ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾ . [١٣١] ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الخصبُ والسَّعَةُ. ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحنُ مستحقُّوها، ولم يشكروا اللهَ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحطٌ وغلاءٌ. ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ يتشاءموا. ﴿بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين. ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ أي: ما يصيبُهم من خيرٍ وشرٍّ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من قِبَلِ اللهِ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ ذلكَ. * * *

стр. 1138

﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ . [١٣٢] ﴿وَقَالُوا﴾ هو يعني: القبطَ لموسى ﴿مَهْمَا﴾ أصلهُ: (ما) الشرطية أضيفتْ إليها (ما) المزيدة للتأكيد (١)، فصارت ماما، ثمّ قلبتْ ألفُها استثقالًا للتكثير. ﴿تَأْتِنَا بِهِ﴾ أي: أيُّما شيءٍ تُحضِرُنا تأتنا به. ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ بيانٌ لـ: "مهما"، وسموها آيةً استهزاءً لموسى. ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ لتنقلَنا عمَّا نحن عليه. ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا نخدِعُ لك بدليلٍ ما، ولا نصدِّقُك. قرأ أبو عمرٍو: (نَحْن لكَ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإدغامِ النونِ في اللام (٢). * * * ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ . [١٣٣] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ وهو السيلُ الشديدُ، ودخلَ بيوتَهم حتّى بلغَ تَراقِيَهم، فمن جلسَ منهم غرقَ، ودامَ سبعةَ أيامٍ من السبتِ إلى السبتِ، ولم يدخلْ بيتَ إسرائيليٍّ معَ اشتباكِها ببيوتهم، فقالوا لموسى: ادعُ رَبَّكَ يكشفْ عَنَّا، ونحن نؤمنُ بكَ، ونرسلُ معكَ بني إسرائيل، فدعا، فَرُفِعَ، فأخصبتْ بلادُهم، فلم يؤمنوا.

стр. 1139

﴿وَالْجَرَادَ﴾ المعروفَ، بُعِثَ عليهم بعدَ الطوفان، فأكلَ جميعَ نباتِهم وثيابِهم، وسقوفَ بيوتهم وأبوابَها، ولم يضرَّ بإسرائيليٍّ، فقالوا له: اكشفْ عنا نؤمنْ، فأشار بعصاهُ شرقًا وغربًا، فذهبَ الجرادُ من حيثُ جاء، وفي الخبر: مكتوبٌ على صدرِ كُلِّ جرادةٍ: جُنْدُ اللهِ الأعظمُ، فلم يؤمنوا. ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ بُعِثَ عليهم بعدَ الجراد، قيل: هو جرادٌ بلا أجنحةٍ، وقيل: هو القَمْلُ المعروف، وقيل: هو السوسُ يخرجُ من الحنطة، فأكلَ ما تركَ الجرادُ وأشعارَهم وأبشارَهم، وآلَمَهُمْ قرصًا، وخبثَ عليهم أطعمتَهم لوقوعها فيها وفي أفواهِهم، ولم يضرَّ بإسرائيليٍّ، فاستغاثوا بموسى، فدعا، فَرُفِعَ عنهم، فلم يؤمنوا. ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ بُعثتْ عليهم بعدَ القمل، فملأَتْ بيوتَهم وأطعمتَهم، وخَبَّثَتْها عليهم، ودخلَتْ أفواهَهُم، فاستغاثوا بموسى، فدعا، فَرُفِعَ عنهم، فلم يؤمنوا. ﴿وَالْدَّمَ﴾ بُعثَ عليهم بعدَ الضفادع، فصارت جميعُ مياهِهم دمًا أحمرَ عبيطًا، فكانَ فرعونُ يجمعُ بينَ القبطيِّ والإسرائيليِّ على الإِناء الواحد، فيكونُ ما يلي الإسرائيليَّ ماءً، وما يلي القبطيَّ دمًا، وتأخذُ المرأةُ الإسرائيليةُ الماءَ في فمِها فتلقيه في في القِبْطِيِّ فيصيرُ دمًا، وجعلَ (١) فرعونُ يمضغُ الشجارَ فيصيرُ ماؤها في فيه دمًا. ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ مبيناتٍ، حالٌ من هذهِ المذكوراتِ، وتفصيلُها أَن كانَ كلُّ عذابٍ أُسبوعًا، وبينَ كلِّ عذابينِ شهرٌ، رُوي أن موسى بقيَ بعدَما

стр. 1140

غلبَ السحرةَ عشرينَ سنةً يُريهم الآيات. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الآيات ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. * * * ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾ . [١٣٤] ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ العذابُ المفضَّلُ، وبعدَهُ طاعونٌ أَنزله اللهُ بهم، ماتَ منهم في ليلةٍ سبعون ألفَ قبطيٍّ. ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بعهدِهِ، وهو النبوةُ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وهو الطاعونُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال ﷺ : "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" (١). * * * ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.

стр. 1141

[١٣٥] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ وهو وقتُ غَرَقِهِم. ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ينقُضون العهدَ. * * * ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾ . [١٣٦] ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحرِ ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: بسببِ تكذيبِهم بها ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: عن النِّقْمَةِ قبلَ حُلولِها غافلينَ. * * * ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ . [١٣٧] ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستعبادِ وذبحِ الأبناءِ، وهم بنو إسرائيلَ ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والأرضُ: الشامُ ومصرُ، ومشارقُها ومغاربُها: جهاتُ الشرقِ والغربِ بها، ملكَها بنو إسرائيلَ بعدَ الفراعنةِ والعمالقةِ. ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماءِ والأشجارِ والثمارِ.

стр. 1142

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ عِدَاتُه (١) الجميلةُ. و (كلمت) وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، أبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ. ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بنصرِهِ إياهم ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الشدائِد. ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أهلَكْنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ في أرضِ مصرَ من العماراتِ. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ من البساتين. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَعْرُشُونَ) بضمِّ الراء، والباقون: بكسرها (٢). * * * ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ . [١٣٨] ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ عَبَرْنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ وكانَ ذلكَ يومَ عاشوراء. ﴿فَأَتَوْا﴾ فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ من لخم. ﴿يَعْكُفُونَ﴾ يُقيمون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بكسر الكاف، والباقون: بضمها (٣). ﴿عَلَى﴾ عبادةِ ﴿أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ كانتْ على صورةِ البقرِ يعبدونها.

стр. 1143

﴿قَالُوا﴾ يعني: بني إسرائيل لما رأوا ذلك. ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ صنمًا نُعَظِّمُه ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ يعبدونها. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون﴾ المعبود. * * * ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ . [١٣٩] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ أي: عبدةَ الأصنامِ. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مُهْلَكٌ ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ من الشركِ. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: شركُهم يزولُ، ويَهْلِكون إن لم يؤمنوا. * * * ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ . [١٤٠] ثمّ ﴿قَالَ﴾ موبِّخًا: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أطلبُ لكم إلهًا معبودًا. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في زمانكم. * * * ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾ . [١٤١] ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (أَنْجَاكُمْ)، وكذلكَ هو في مُصحفِ أهلِ الشامِ، والباقون: بياء ونون وألف بعدها، وكذلك هو في

стр. 1144

مصاحِفهم (١)، المعنى: واذكروا إنقاذنَا لكم. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدَّه وأسوأَه. ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قرأ نافع: (يَقْتُلُونَ) خفيفةً من القَتْل، والباقون: بالتشديدِ على التكثيرِ من التَّقتيل (٢) ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ سبقَ تفسيرُه. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وفي الإنجاءِ والعذابِ محنةٌ عظيمةٌ. * * * ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ . [١٤٢] ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (وَعَدْنَا) بقصرِ الألفِ من الوعدِ، والباقون: (وَاعَدْنَا) بالمدِّ من المواعدة (٣). ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدةِ ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجةِ ﴿فَتَمَّ

стр. 1145

مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ أي: الوقتُ الّذي وعدَه أن يخاطِبَه بَعْدَهُ. ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ تمييزٌ، وأربعين حالٌ؛ أي: بالغًا هذا العدد. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ عندَ انطلاقِه إلى الجبلِ للمناجاةِ. ﴿لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي﴾ خليفتي. ﴿فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ أي: ومُرْهُمْ بالإصلاحِ. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لا تطعْ مَنْ عصى الله، وصَدَّهُمْ عن المعصيةِ، وذلك أن موسى وعدَ بني إسرائيلَ بمصرَ أن يأتيَهم بعدَ مهلكِ فرعونَ بكتابٍ من عندِ اللهِ فيه بيانُ ما يَأْتون ويَذَرون، فلما هلكَ، سألَ ربَّهُ الكتابَ، فأمره اللهُ أن يصوم ثلاثينَ يومًا، فلما تَمَّت، أنكرَ خُلُوفَ فَمِهِ، فاستاكَ بعودِ خَرُّوبٍ، فقالت له الملائكة: كنا نشمُّ من فيكَ رائحةَ المسكِ فأفسَدْتَهُ بالسِّواكِ، وأوحى الله إليه: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدِي أَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ؟ " فَأُمِرَ بصيامِ عشرةِ أيامٍ من أولِ ذي الحجة، ثمّ أَنزلَ عليه التوراةَ في العشرِ، وكلَّمه فيها، فكانتْ فتنتُهم في العشرِ الّتي زادَها (١). * * * ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.

стр. 1146

[١٤٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الوقتِ الّذي وعَدْناه أن نكلِّمَه فيه، تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثيابَه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ من غير واسطةٍ كما يشاءُ، وجبريلُ ﵇ معه لم يسمعْ ما كلَّمه به، فلما سمعَ موسى كلامَ رَبِّهِ اشتاقَ إلى رؤيتِه، فَثَمَّ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قرأ ابنُ كثيرِ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو، ويعقوبُ: (أَرْني) بإسكانِ الراء، والباقون: بالكسرِ (١)؛ أي: أرني نفسَك لأتمكَّنَ من رؤيتِكَ. ﴿قَالَ﴾ اللهُ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وليسَ لبشرٍ أن يطيقَ النظرَ إليَّ في الدنيا، وسؤالُ الرؤيةِ دليلٌ على أن رؤيتَهُ تعالى جائزةٌ في الجملةِ؛ لأنّ طلبَ المستحيلِ من الأنبياءِ محالٌ، خُصوصًا ما يقتضي الجهلَ بالله، ولذلك ردَّهُ بقولِه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دونَ لَنْ أُرى، ولَنْ أُرِيَك، ولن تنظرَ إليَّ، وتعلّقَتْ نُفاةُ الرؤيةِ بظاهرِ هذهِ الآيةِ وقالوا: قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، و (لن) تكونُ للتأبيد، قال البغويُّ: ولا حجَّةَ لهم فيه، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا، أو في الحال، و (لن) لا تكونُ للتأبيد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] إخبارًا عن اليهودِ، ثمّ أَخبَرَ عنهم أنّهم يتمَنَّونَ الموتَ في الآخرَة، ويقولونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]، وقد وردتِ السنَّةُ بالحديثِ المتواترِ أَنَّ أهلَ الإيمانِ يرونَ الله يومَ القيامةِ، وقيل: إنَّ طلبَ الرؤية لأجلِ الذينَ كانوا معه، الذين قالوا: أَرِنا اللهَ جَهْرَةً، وردَّ البيضاويُّ هذا القولَ، وجعلَهُ خطأً، وتقدَّمَ كلامُ الأئمةِ الأربعةِ على رؤيتِه سبحانَه في الآخرةِ في سورةِ الأنعام.

стр. 1147

﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وهو أعظمُ جبلٍ بمدْيَنَ يقالُ له: زبير؛ أي: لكنْ سأتجلَّى على الجبلِ الّذي هو أقوى منكَ وأشدُّ. ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ لم يتزلزلْ. ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ أي: سوف تثبتُ رؤيتي وتُطيقُها، وقد علمَ تعالى أن الجبلَ لا يثبتُ عندَ التجلِّي، فلذلكَ علَّقَ الرؤيةَ على ثبُوته. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ أي: ظهرَ نورُ ربِّه. ﴿لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مستويًا بالأرضِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (دَكَّاءَ) بالمدِّ والهمزِ مفتوحًا؛ أي: كأرضٍ دَكَّاءَ، وقرأ الباقون: بالتنوينِ من غيرِ مَدٍّ ولا همزٍ، مصدرُ دَكَّه (١)، ومعناه التفسيرُ الأولُ. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ مَغْشِيًّا عليه لهولِ ما رأى، رُوي أنّه خرَّ صَعِقًا يومَ الخميسِ يومَ عرفةَ، وأُعْطِيَ التوراةَ يومَ الجمعة يومَ النَّحر. ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ من غشوتِهِ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لكَ عن الإدراكِ. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عن سؤالِ الرؤيةِ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من بني إسرائيل، وقيل: أولُ المؤمنينَ بأنك لا تُرى في الدنيا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وَأَنا أَوَّلُ) بالمدِّ، والباقون: بغير مد (٢). * * *

стр. 1148

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ . [١٤٤] ﴿قَالَ﴾ اللهُ ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتُكَ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (إِنِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ في زمانِكَ. ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: (بِرِسَالَتِي) على التّوحيد، والباقون: على الجمع (٢)، وإن كانَ هارونُ شريكَه في الرسالة، فهو تابعٌ له ﴿وَبِكَلَامِي﴾ وبتكليمي. ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أعطيتُكَ من الرسالة. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للهِ على نعمِه. رُويَ أنَّ موسى ﵇ مكثَ بعدَ أن كلَّمه الله أربعينَ ليلةً لا يراهُ أحدٌ إِلَّا ماتَ من نورِ اللهِ . * * * ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾.

стр. 1149

[١٤٥] ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ أي: لموسى. ﴿فِي الْأَلْوَاحِ﴾ جمعُ لَوْح، سُمِّي بهِ لأنّه يلوحُ فيه ما يُكْتَبُ، والمرادُ: ألواحُ التوراةِ، وفي الحديثِ: "كَانَتْ مِنْ سِدْرِ الجنَّةِ، طولُ اللَّوْحِ اثنا عَشَرَ ذِرَاعًا" (١)، وقيلَ: كَانَتْ من زُمُرُّدٍ، وقيلَ: من ياقوتةٍ حمراءَ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيلَ: من صخْرَةٍ صماء (٢) لَيَّنَها اللهُ لموسى، فقطعَها بيدِه، ثمّ شقَّها بأصابعِه فأطاعَتْه كالحديدِ لداودَ، وكانت عشرةً، وقيل: سبعةً، وقيل: وقْرَ سبعينَ بعيرًا، كلُّ لوحِ كطولِ موسى، وإضافةُ الكتابةِ إلى نفسِه على جهةِ التشريفِ؛ إذْ هيَ مكتوبةٌ بأمرِهِ، كتبها جبريلُ بالقلمِ الّذي كتبَ به الذِّكْر، واستمدَّ من نهرِ النورِ، وسمعَ موسى صريرَ القلمِ بالكلماتِ العشرِ. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ممّا أُمروا به، ونُهوا عنه، وعن مقاتل: كتب في الألواحِ: إِنِّي أَنَا اللهُ الرّحمنُ الرحيمُ، لا تُشْركوا بي شيئًا، ولا تَقْطَعوا السبيلِ، ولا تَحْلِفوا باسمي كاذبًا؛ فإنَّ من حلفَ باسمي كاذبًا، فلا أُزكيه، ولا تَقتلوا، ولا تَزْنوا، ولا تَعقُّوا الوالدينِ. ﴿مَوْعِظَةً﴾ تذكيرًا وتحذيرًا بما يُخافُ عاقبتُه. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكلِّ ما يحتاجون في دينهم إليه. ﴿فَخُذْهَا﴾ أي: الألواحَ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ واجتهادٍ. ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بالأحسنِ منها، وهو الجمعُ بينَ فضائِلها وفرائِضها.

стр. 1150

﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ دارَ فرعونَ وقومِه بمصرَ خاويةً على عروشِها. * * * ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ . [١٤٦] ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ عن تَدَبُّرِها (١) وفَهْمِها. ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ على الناسِ. ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بأن أَخْذُلَهم وأُعميَ بصائرَهم. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ: (آيَاتِي الَّذِينَ) بإسكانِ الياء، والباقون: بالفتح (٢). ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ دالَّةٍ على التوحيدِ ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لعنادِهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرَّشَدِ) بفتح الراء والشين، والباقون: بضم الراء وسكون الشين، وهما لغتان (٣)؛ كالبُخْل والبَخَل، ومعناه: الفلاحُ.

стр. 1151

﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ لأنفسِهم؛ لاستيلاءِ الشيطنةِ عليهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: طريقَ الضلال. ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ فهم ضالُّون. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الصرفُ. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ساهِين. * * * ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ . [١٤٧] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ﴾ الدَّارِ ﴿الْآخِرَةِ﴾ الّتي هي موعدُ الثوابِ والعقابِ ﴿حَبِطَتْ﴾ بَطَلَتْ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ وصارَتْ كأنْ لم تكنْ. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي: لا يجزون في الآخرة. ﴿إِلَّا﴾ جزاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا. * * * ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ . [١٤٨] ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعدِ ذهابِه إلى المناجاة. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الّتي استعاروها من القِبْطِ بسببِ عرسٍ كانَ لهم، ونُسِبَ الاتخاذُ إليهم، وإن اتخذَهُ السامريُّ وحدَه؛ لأنّهم رَضُوا بفعلِه، واتخذوا العجلَ معبودًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بكسر الحاء، ويعقوبُ: بفتح الحاءِ وإسكانِ اللام وتخفيفِ الياءِ على الإفراد، والباقون: بضمِّ

стр. 1152

الحاء، جمع حَلْي، وكلُّهم كسرَ (١) اللامَ وشدَّدَ (٢) الياءَ مكسورةً سوى يعقوبَ (٣)؛ أي: اتخذَ السامريُّ منها. ﴿عِجْلًا﴾ مفعولُ (اتخذَ). ﴿جَسَدًا﴾ ذا لحمٍ ودمٍ. ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ صوتُ البقرِ، رُوي أنَّ السامريَّ لما صاغَ العجلَ ألقى في فمِه من ترابِ أثرِ فرسِ جبريلَ، فصار حَيًّا، وقيل: الصوتُ من دخولِ الريحِ فيه، ثمّ عجبَ من عقولهم السخيفةِ فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريعًا على فرطِ ضلالَتِهم، ثمّ قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تكريرٌ للذمِّ، أي: اتخذوه إلهًا. ﴿وَكَانُوا ظَالِمِين﴾ بذلكَ. * * * ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ . [١٤٩] ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على عبادةِ العجل، يقال لكلِّ من ندمَ: (سُقِطَ في يدِهِ)؛ فإن النادمَ المتحسِّرَ يَعَضُّ يدَه غمًّا، فتصيرُ يدُه مسقوطًا فيها.

стр. 1153

﴿وَرَأَوْا﴾ عَلِموا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾﴾ بعبادةِ العجلِ. ﴿قَالُوا﴾ تائبينَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَرْحَمْنَا) (وَتغفِرْ لَنَا) بالتاءِ فيهما على الخطاب (رَبَّنَا) بنصبِ الباء على النِّداء، وقرأ الباقون: بالغيب فيهما، ورفعِ الباء فاعلًا (١). * * * ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾ . [١٥٠] ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ شديدَ الغضبِ، وقيلَ: حزينًا. ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ قُمتم مَقامي؛ أي: بئسما عملْتُم. ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بعدَ ذهابي. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (بَعْدِي) بإسكانِ الياء، والباقونَ: بفتحها (٢). ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ أَستَبقتم بعبادةِ العجلِ.

стр. 1154

﴿أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهو انتظارُ موسى ليأتِيَهم بالتوراة بعدَ أربعينَ ليلةً، وأصلُ العجلةِ: طلبُ الشيءِ قبلَ حينه. ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ الّتي فيها التوراةُ غَضَبًا لدينِه، وكان حاملًا لها، فتكَسَّرَتْ، فرفعَ ستةَ أسباعِ التوراةِ، وبقي سُبْعُها، وهو ما فيه الموعظةُ والأحكامُ، ورفعَ ما كانَ من أخبارِ الغيبِ. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشعرِ رأسِه ولحيتِه ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غَضبًا عليه؛ كيفَ مَكَّنَهم من عبادةِ العجلِ، وكانَ هارونُ أكبرَ من موسى بثلاثِ سنينَ، وأحبَّ إلى بني إسرائيل؛ لرقَّتِه لهم. ﴿قَالَ﴾ هارونُ عندَ ذلكَ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصم: (ابْنَ أُمِّ) بكسرِ الميم؛ أي: يا بن أمي، فحذفت الياء بالإضافة، وبقيتِ الكسرة لتدلَّ على الإضافة؛ كقوله: (يَا عِبَادِ)، وقرأ الباقون: بالفتح؛ أي: يا بنَ أماهُ (١)، وذَكَرَ الأُمَّ ليرقِّقَهُ عليه، وكانا من أبٍ وأمٍّ. ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ يعني: عبدةَ العجل. ﴿اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا﴾ هَمُّوا أن. ﴿يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ﴾ تُفرِحْ ﴿بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بإهانتِكَ إيايَ. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ بعبادةِ العجلِ؛ أي: قرينًا لهم. * * *

стр. 1155

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾ . [١٥١] فلما اتَّضَحَ عذرُ أخيه ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعْتُ بأخي. ﴿وَلِأَخِي﴾ إنْ كانَ منهُ تقصيرٌ؛ ليرضيَ أَخاه، ويسيءَ الشامتين. ﴿وَأَدْخِلْنَا﴾ جميعًا. ﴿فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أرحمُ بنا منا (١) على أنفسِنا. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾ . [١٥٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ مخاطبةٌ من الله سبحانه لموسى ﵇؟ لقولِه تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هو أمرُهم بقتلِ أنفسِهم توبةً. ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خروجُهم من ديارهم؛ لأنّ في الغربة ذلةً. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله، قال أبو قلابة: هو واللهِ جزاءُ كلِّ مُفْتَرٍ إلى يومِ القيامة أَنْ يُذِلَّهُ الله. * * *

стр. 1156

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ . [١٥٣] ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من معصيةٍ وكفرٍ. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: السيئاتِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لجميعِ الذنوب. ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ. * * * ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ . [١٥٤] ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكنَ وزالَ. ﴿عن مُوسَى الْغَضَبُ﴾ باعتذارِ هارونَ. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ بعدَ إلقائِها. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: ما نُسخَ فيها؛ أي: كُتب. ﴿هُدًى﴾ من الضلالِ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذابِ. ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافونَ من ربهم. ***

стр. 1157

﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ . [١٥٥] ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومِه، فَحُذِفَ الجارُّ، فتعدَّى الفعلُ فنصبَ (قَوْمَهُ). ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ للوقتِ الّذي واعدناه أن يأتينا فيه بسبعين رجلًا من خيارِ قومِه يعتذرونَ إلينا من عبادةِ العجلِ، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء، فسمعوا أمرَ الله ونهيَه، فقالوا: أَرِنا اللهَ جهرةً، فزجرَهم موسى فلم ينزجِروا، فأخذتهم الرجفةُ؛ أي: الصاعقةُ، فماتوا يومًا وليلة، وتقدَّم ذكرُ القصةِ في سورة البقرة، وقال وهبٌ: لم تكنِ الرجفةُ موتًا، ولكن لما رأوا تلكَ الهيبةَ العظيمةَ، أخذتهم الرِّعْدَةُ، ورجفوا حتّى كادت تبينُ مفاصلُهم. ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رحمَهم موسى. ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن عبادةِ العجلِ. ﴿وَإِيَّايَ﴾ بقتلِ القبطيِّ. ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ أتعمُّنا بالهلاك. ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهامُ استعطافٍ، ومعناهُ نفي؛ أي: ما تعذِّبنا بذنبِ غيرِنا. ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة.

стр. 1158

﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ محنتُك واختبارُك حينَ أَسْمعتَهم كلامَك حتّى طَمِعُوا في الرؤية. ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي: بالامتحانِ. ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَهُ. ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هُداهُ. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ القائمُ بأمرنا، وتقدَّمَ التنبيهُ على اختلافِ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ عندَ قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، وكذلك اختلافُهم في (مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ). ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ واغفرْ معناهُ: استر ما قارَفْناه. ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفرُ السيئةَ، وتبدلها بالحسنة، وقيل: إنَّ السبعينَ الذين قالوا: لن نؤمنَ لكَ حتّى نرى اللهَ جهرةً، فأخذتهم الصاعقةُ، كانوا قبلَ السبعينَ الذين أخذَتْهم الرجفةُ. * * * ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ . [١٥٦] ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ عافيةً. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنةَ. ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ تُبْنا. ﴿إِلَيْكَ﴾ أي: حَرَّكْنا نفوسَنا إليك بالتوبةِ.

стр. 1159

﴿قَالَ﴾ الله سبحانه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ من خَلْقي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (عَذَابِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ عَمَّتْ. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، فلما نزلت، قال الخبيثُ إبليسُ: أنا شيءٌ، فأُخْرِجَ منها بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أثبتُها في الآخرة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خَصَّها بالذكرِ؛ لأنّها كانتْ أشقَّ عليهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. * * * ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ . [١٥٧] فقالَ أهلُ الكتاب: نحن نَتَّقي ونزكِّي ونؤمنُ، فخرجوا منها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ هو محمدٌ ﷺ .

стр. 1160

﴿الْأُمِّيَّ﴾ الّذي لا يكتبُ ولا يقرأ، منسوبٌ إلى الأمِّ؛ أي: هو على ما ولدته أمُّهُ، وصفه به تنبيهًا على أنَّ كمالَ علمِه مع حالِه أحدُ معجزاتِه. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ أي: وصفُه. ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشركِ، والمعروفُ: ما عرفَهُ العقلُ أو الشرعُ بالحُسْنِ، والمنكرُ: ما أنكرَهُ أحدُهما لقبحِه. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ كالشحومِ ونحوِها ممّا كان حُرِّمَ (١) عليهم. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ما يُسْتَخْبَثُ حِسًّا؛ كالدمِ والميِّتةِ ونحوِهما. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وهو كلُّ ما يَثْقُلُ على الإنسانِ من قولٍ أو فعلٍ. قرأ ابنُ عامرٍ: (آصَارَهُمْ) على الجمع، والباقون: على الإفراد (٢). ﴿وَالْأَغْلَالَ﴾ الأثقالَ. ﴿الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ من التكاليفِ الشاقَّةِ؛ كتعيُّنِ القصاصِ في القتلِ العمدِ والخطأِ، وتحريمِ أخذِ الدية، وقطعِ الأعضاءِ الخاطئةِ، وَقَرْضِ موضعِ النّجاسةِ من الجلدِ والثوبِ بالمقراضِ، وتركِ العملِ في السبتِ، وأنَّ صلاتَهم لا تجوزُ إِلَّا في الكنائسِ، وغيرِ ذلك من الشدائدِ. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ . ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ عَظَّموه.
следующие страницы →