← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾ . [١٥٣] ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من معصيةٍ وكفرٍ. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: السيئاتِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لجميعِ الذنوب. ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ. * * * ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ . [١٥٤] ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكنَ وزالَ. ﴿عن مُوسَى الْغَضَبُ﴾ باعتذارِ هارونَ. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ بعدَ إلقائِها. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: ما نُسخَ فيها؛ أي: كُتب. ﴿هُدًى﴾ من الضلالِ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذابِ. ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافونَ من ربهم. ***

стр. 1157

﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾ . [١٥٥] ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومِه، فَحُذِفَ الجارُّ، فتعدَّى الفعلُ فنصبَ (قَوْمَهُ). ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ للوقتِ الّذي واعدناه أن يأتينا فيه بسبعين رجلًا من خيارِ قومِه يعتذرونَ إلينا من عبادةِ العجلِ، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء، فسمعوا أمرَ الله ونهيَه، فقالوا: أَرِنا اللهَ جهرةً، فزجرَهم موسى فلم ينزجِروا، فأخذتهم الرجفةُ؛ أي: الصاعقةُ، فماتوا يومًا وليلة، وتقدَّم ذكرُ القصةِ في سورة البقرة، وقال وهبٌ: لم تكنِ الرجفةُ موتًا، ولكن لما رأوا تلكَ الهيبةَ العظيمةَ، أخذتهم الرِّعْدَةُ، ورجفوا حتّى كادت تبينُ مفاصلُهم. ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رحمَهم موسى. ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن عبادةِ العجلِ. ﴿وَإِيَّايَ﴾ بقتلِ القبطيِّ. ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ أتعمُّنا بالهلاك. ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهامُ استعطافٍ، ومعناهُ نفي؛ أي: ما تعذِّبنا بذنبِ غيرِنا. ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة.

стр. 1158

﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ محنتُك واختبارُك حينَ أَسْمعتَهم كلامَك حتّى طَمِعُوا في الرؤية. ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي: بالامتحانِ. ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَهُ. ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هُداهُ. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ القائمُ بأمرنا، وتقدَّمَ التنبيهُ على اختلافِ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ عندَ قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، وكذلك اختلافُهم في (مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ). ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ واغفرْ معناهُ: استر ما قارَفْناه. ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفرُ السيئةَ، وتبدلها بالحسنة، وقيل: إنَّ السبعينَ الذين قالوا: لن نؤمنَ لكَ حتّى نرى اللهَ جهرةً، فأخذتهم الصاعقةُ، كانوا قبلَ السبعينَ الذين أخذَتْهم الرجفةُ. * * * ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ . [١٥٦] ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ عافيةً. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنةَ. ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ تُبْنا. ﴿إِلَيْكَ﴾ أي: حَرَّكْنا نفوسَنا إليك بالتوبةِ.

стр. 1159

﴿قَالَ﴾ الله سبحانه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ من خَلْقي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (عَذَابِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ عَمَّتْ. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، فلما نزلت، قال الخبيثُ إبليسُ: أنا شيءٌ، فأُخْرِجَ منها بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أثبتُها في الآخرة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خَصَّها بالذكرِ؛ لأنّها كانتْ أشقَّ عليهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. * * * ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ . [١٥٧] فقالَ أهلُ الكتاب: نحن نَتَّقي ونزكِّي ونؤمنُ، فخرجوا منها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ هو محمدٌ ﷺ .

стр. 1160

﴿الْأُمِّيَّ﴾ الّذي لا يكتبُ ولا يقرأ، منسوبٌ إلى الأمِّ؛ أي: هو على ما ولدته أمُّهُ، وصفه به تنبيهًا على أنَّ كمالَ علمِه مع حالِه أحدُ معجزاتِه. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ أي: وصفُه. ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشركِ، والمعروفُ: ما عرفَهُ العقلُ أو الشرعُ بالحُسْنِ، والمنكرُ: ما أنكرَهُ أحدُهما لقبحِه. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ كالشحومِ ونحوِها ممّا كان حُرِّمَ (١) عليهم. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ما يُسْتَخْبَثُ حِسًّا؛ كالدمِ والميِّتةِ ونحوِهما. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وهو كلُّ ما يَثْقُلُ على الإنسانِ من قولٍ أو فعلٍ. قرأ ابنُ عامرٍ: (آصَارَهُمْ) على الجمع، والباقون: على الإفراد (٢). ﴿وَالْأَغْلَالَ﴾ الأثقالَ. ﴿الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ من التكاليفِ الشاقَّةِ؛ كتعيُّنِ القصاصِ في القتلِ العمدِ والخطأِ، وتحريمِ أخذِ الدية، وقطعِ الأعضاءِ الخاطئةِ، وَقَرْضِ موضعِ النّجاسةِ من الجلدِ والثوبِ بالمقراضِ، وتركِ العملِ في السبتِ، وأنَّ صلاتَهم لا تجوزُ إِلَّا في الكنائسِ، وغيرِ ذلك من الشدائدِ. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ . ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ عَظَّموه.

стр. 1161

﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على الأعداء. ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: عليه، يعني: القرآنَ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزونَ. * * * ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ . [١٥٨] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ هذا أمرٌ من الله سبحانه لنبيِّهِ بإشهارِ الدعوةِ والحضِّ على الدخولِ في الشرعِ، والمعنى: إنَّ كلّ رسولٍ بُعِثَ لأمَّتِه، والنبيُّ ﷺ بعِثَ إلى كافةِ الثقلينِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةٌ لله، وإن حيلَ بينَ الصِّفَةِ والموصوفِ بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنّه كالمقدَّمِ عليه. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ولا معبودَ سواه. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مزيدُ تقريرٍ؛ لاختصاصِه بالألوهية. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ما أَنزَلَ عليهِ وعلى سائرِ الرسلِ من كتبِه ووحيِه. ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إرادةَ أن تهتدوا. * * *

стр. 1162

﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ . [١٥٩] ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني: المؤمنينَ الثابتينَ من بني إسرائيل. ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة. ﴿يَهْدُونَ﴾ الناسَ. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: يرشدونهم بكلمةِ الحقِّ. ﴿وَبِهِ﴾ أي: بالحقِّ. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بينَهم في الحكم. * * * ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ . [١٦٠] ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: صَيَّرْناهم، يعني: بني إسرائيلَ. ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ والسِّبْطُ مذكَّرٌ، فرجعَ التأنيثُ إلى قوله: ﴿أُمَمًا﴾ أي: قبيلةً، والأسباطُ: القبائلُ، واحدُها سبطٌ، وكانوا اثنتي عشرةَ قبيلةً من اثني عشرَ ولدًا من ولدِ يعقوبَ ﵇، وكانَ كلُّ سبطٍ أمةً عظيمةً، والسبطُ في ولدِ إسحاقَ كالقبيلةِ في ولدِ إسماعيلَ، وتُنصبُ (أسباطًا) بدلًا من (اثنتي عشرة) وتُنصب (أممًا) نعتًا لأسباطًا.

стр. 1163

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيهِ. ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرَتْ. ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ لكلِّ سبطٍ عينٌ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كلُّ سبطٍ. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ وكلُّ سبطٍ بَنو أبٍ واحدٍ. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ ليقيَهم حرَّ الشّمسِ. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ سبقَ تفسيرُهما في سورةِ البقرة. ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلْنا لهم: كلوا. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وسبق تفسيرُه أيضًا فيها. * * * ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ . [١٦١] ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكرْ إذ قيل لهم: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ هي بيتُ المقدسِ. ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعدٌ بالغفرانِ والزيادةِ عليه بالإثابةِ، وتقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة، وتقديمُ (قُولُوا حِطَّةٌ) على (وَادْخُلوا) هنا لا أثرَ له في المعنى؛ لأنّه لا يوجبُ التّرتيب. قرأ نافعٌ،

стр. 1164

وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وابن عامرٍ: (تُغْفَرْ) بالتاء مضمومةً وفتحِ الفاء، والباقون: بالنونِ مفتوحةً وكسرِ الفاء، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (خَطِيَئاتُكُمْ) بجمع السلامة ورفعِ التاء، وابنُ عامرٍ: (خَطِيئَتُكُمْ) بالإفراد ورفعِ التاء، وأبو عمرٍو: (خَطَايَاكُمْ) على وزن عَطاياكم بجمعِ التكسيرِ، والباقون وهم الكوفيون، وابنُ كثيرٍ: بجمع السلامةِ وكسرِ التاء نَصْبًا (١)، واتَّفقوا على (خَطَايَاكُمْ) في البقرةِ من أجلِ الرسم. * * * ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾ . [١٦٢] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ تقدَّم تفسيره في البقرة. * * * ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا وَاسْأَلْهُمْيَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ . [١٦٣] ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي: سَلْ يا محمدُ هؤلاءِ اليهودَ الذين هم جيرانُك سؤالَ توبيخ. قرأ أبنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلْهُمْ) بنقل

стр. 1165

حركة الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها وهو السينُ (١). ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: سَلْهم عن خبرِ أهلِ القرية. ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: على شاطئِهِ، وهي أيلةُ مدينةٌ كانت على شاطئ البحرِ بينَ مصرَ ومكةَ، سُميت بأيلةَ بنتَ مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ ﵇، وهي أولُ حَدِّ الحجازِ من جهةِ الشّام، وكانت حدَّ مملكةِ الروم في الزمنِ الماضي، وبينَها وبينَ بيتِ المقدسِ نحوُ ثمانيةِ أيامٍ، والطورُ الّذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى ﵇ على يومٍ وليلةٍ منها. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يتعدَّوْنَ ما أُمروا به من تركِ الصَّيدِ. ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: تَعْظِيمِهم أمرَ السبتِ. ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرةً على الماءِ، جمعُ شارعٍ. ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يقطعونَ الشغلَ. ﴿لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مثلَ ذلكَ البلاءِ الشديدِ نبلوهم بسببِ فسقِهم، وتقدَّم ذكرُ القصة مستوفىً؛ وحكمُ طلب القاضي لليهوديِّ في يومِ السبتِ في سورة البقرة. * * * ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾.

стр. 1166

[١٦٤] ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ جماعةٌ من صُلحائِهم بعدَ يأسِهم من توبةِ العادِين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرةِ؛ لتماديهم في العصيان؛ أي: وجبَ عذابُهم، فلا ينفعُهم الوعظُ. ﴿قَالُوا﴾ أي: الناهون ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مَعْذِرَةً) بالنصب؛ أي: نفعلُ ذلكَ معذرةً إلى ربكم، وقرأ الباقون: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع (١)؛ أي: موعظتُنا عذرٌ عندَه لئلَّا نُنْسَبَ إلى تقصيرٍ ما في النهيِ عن المنكرِ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ اللهَ. * * * ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ . [١٦٥] ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ أي: تركَ أهلُ القرية. ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من الوعظِ من الصَّيدِ. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهو أخذُ الحيتانِ. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأخذِها. ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ شديدٍ. قرأ ابنُ عامرٍ (بِئْسٍ) بكسرِ الباء وهمزةٍ ساكنة

стр. 1167

بعدَها، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بكسرِ الباءِ وياءٍ ساكنةٍ بعدَها من غيرِ همزٍ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (بَيْئَسٍ) بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن (فَيْعَلٍ)، [وقرأ الباقون: بفتح الباءِ وكسرِ الهمزة وياءٍ بعدها على وزن (فَعِيل)] (١)، وكلُّها لغاتٌ (٢)، وكانَ أهلُ القريةِ نحوَ سبعينَ ألفًا، ثلثٌ نهوا، وثلثٌ لم ينهوا وسكتوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وثلثٌ هم أصحابُ الخطيئة، فنجتِ الساكتةُ والناهيةُ، وعُذِّبتِ الصائدةُ عذابًا شديدًا. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسببِ فسقِهم. * * * ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ . [١٦٦] ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تجبَّروا. ﴿عَنْ مَا نُهُوا﴾ من الصَّيدِ، فلم يمتثلوا النهيَ. ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مُبْعَدِينَ، فمكثوا ثلاثةَ أيامٍ ينظرُ إليهم النّاسُ، ثمّ هلكوا، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفاة في سورةِ البقرة، وذكرُ الخلافِ في حكمِ الحيلِ. * * *

стр. 1168

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾ . [١٦٧] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ أعلمَ. ﴿رَبُّكَ﴾. قرأ أبو عمرٍو: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ بإدغامِ النونِ في الراء (١)، المعنى: وإذ أوجبَ وحكمَ رَبُّكَ. ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ ليرسلَنَّ على اليهودِ. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ يُذيقُهم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فبعثَ الله عليهم بعدَ سليمانَ ﵇ بُخْتَ نَصَّرَ، فخرَّبَ ديارَهم، وقتلهم، وسبى نساءهم وذراريَّهم، وضربَ الجزيةَ على مَنْ بقيَ منهم، وكانوا يؤدُّونَ الجزيةَ إلى المجوسِ إلى بعثِ محمدٍ ﷺ ، فضربَها عليهم إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ عاقبَهم في الدنيا. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ وآمنَ. * * * ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾ . [١٦٨] ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ فِرَقًا، حالٌ. ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنونَ بمحمدٍ ﷺ . ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: مُنْحَطُّون عن رتبةِ الصالحينَ، وهم الكفرةُ.

стр. 1169

﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ النعمِ. ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ النِّقَمِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ينتهون عن كفرِهم. * * * ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾ . [١٦٩] ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: فخلفَ بعدَ المذكورين جماعةٌ، وهم مَنْ عاصر النبيَّ ﷺ من اليهود، والخَلَفُ بفتحِ اللام: الصالحُ، وبالسكون: الطالح، والتلاوةُ بسكونِ اللام. ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ هذا الشيء الدنيءَ من حُطامِ الدنيا، وهو الرشوةُ لتغييرِ بعضِ ما في التوراةِ، وصفةِ محمدٍ ﷺ . ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ لا نُؤاخَذُ بذلك. ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجونَ المغفرةَ وهم عائدونَ إلى مثلِ فعلِهم، والمغفرةُ إنّما تحصُلُ للتائب. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (يَأْتِهُمْ) بضمِّ الهاء (١).

стр. 1170

﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أي: إنّما أُخذَ عليهم العهدُ في التوراةِ. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والمرادُ توبيخُهم على البَتِّ بالمغفرةِ مع عدمِ التوبةِ، وليسَ في التوراةِ إيعادُ المغفرةِ معَ الإصرارِ. ﴿وَدَرَسُوا﴾ أي: قرؤوا. ﴿مَا فِيهِ﴾ وعلموه. ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ممّا يأخذُ هؤلاء. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلمون ذلك. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١). * * * ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ . [١٧٠] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (يُمْسِكُونَ) مخفَّفًا، والباقون: مشددًا (٢)؛ أي: يعتصمونَ، وهم المؤمنون من أهلِ الكتابِ: عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه تمسكوا. ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الّذي جاء به موسى، فلم يحرِّفوه، ولم يكتموهُ.

стр. 1171

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وخُصّتِ الصلاةُ بالذكرِ تفضيلًا لها. * * * ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ . [١٧١] ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ رَفَعْنا. ﴿الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ فَرُفع على رؤوسِهم. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ هو كلُّ ما غَطَّى وسترَ من سحابٍ وغيرِه. ﴿وَظَنُّوا﴾ علموا وأيقنوا. ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فلما تَيَقَّنوا الهلاكَ، قبلوا التوراةَ، فقلنا لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ عزمٍ، وإن شَقَّ عليكم. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ من الأحكام، واعملوا بها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قبائحَ الأعمالِ، وذلكَ حينَ أَبَوا أن يقبلُوا أحكامَ التوراة، فرفعَ اللهُ على رؤوسِهم جبلًا، فلما نظروا إلى الجبل، خَرَّ كلُّ رجلٍ ساجدًا للهِ على حاجبِه الأيسرِ ينظرُ بعيِنه اليمنى إلى الجبل فَرَقًا من أن يسقُطَ عليه، ولذلك لا تجدُ يهوديًّا إِلَّا ويكونُ سجوده على حاجبِهِ الأيسرِ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرة. * * *

стр. 1172

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ . [١٧٢] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ومعنى أَخذُ ذُرياتهم من ظهورِهمْ: إخراجُهم من أصلابِهم كالذَّرِّ، ولم يذكرْ ظهرَ آدم؛ للعلمِ به، والإخراجُ كانَ منهُ؛ لأنهم استُلُّوا من ظهرِ آدم، ثمّ استلُّوا نسلًا من نسلٍ كما يتوالدُ الأبناءُ من الآباء، المعنى: واذكرْ وقتَ أخذِ اللهِ تعالى الميثاقَ على بني آدم حين استُلُّوا من ظهرِه، واستلَّ أولادُهم من ظهورِهم. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ: (ذُرِّيتَهم) على الإفرادِ مع نصبِ التاء؛ لأنّها جنسٌ تعمُّ القَليلَ والكثير، وقرأ الباقون؛ (ذُرِّيَّاتِهِمْ) على الجمعِ مع كسرِ التاءِ (١)، رُويَ أَن الله مسحَ صفحة ظهرِ آدمَ اليُمنى، فأخرجَ منه ذريةً بيضاءَ كهيئةِ الذرِّ يتحرَّكون، ثمّ مسحَ صفحة ظهرِه اليسرى، فأخرجَ منه ذريةً سوداءَ كهيئةِ الذرِّ، فقال: يا آدمُ! هؤلاءِ ذريتُك، ثمّ قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ؟ قالوا: بلى، فقالَ للبيض: هؤلاءِ في الجنةِ برحمتي، وهم أصحابُ اليمين، وقال للسودِ: هؤلاء في النارِ ولا أبالي، وهم أصحابُ الشمال، ثمّ أعادهم جميعًا في صُلبه، فأهلُ القبورِ محبوسون حتّى يخرج أهل الميثاقِ كلُّهم من أصلابِ الرجالِ وأرحامِ النِّساء، قال الله تعالى فيمن نقضَ العهدَ الأوّل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ورُوي أنَّ أهلَ السعادةِ أقروا طوعًا، وقالوا:

стр. 1173

﴿بَلَى﴾، وأهلُ الشقاوة قالوه تقيةً، وكُرْهًا، وذلكَ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١) [آل عمران: ٨٣]، وكان الميثاقُ بنعمانَ، وهي عرفةُ وما يليها، وقيل: بأرض الهندِ حيثُ هبطَ آدمُ ﵇ فيه، وقيلَ: في سماء الدنيا حينَ هبطَ من الجنَّة إليها. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أشهدَ بعضَهم على بعضٍ حينَ قالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهامُ تقريرٍ؛ أي: ما تُقِرُّونَ وتعترفونَ بأني رَبُّكُم؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ نحنُ نقرُّ ونعترفُ بهذا الاعترافِ والإقرارِ، وهذا شأنُ بني آدَمَ لا يُسأَلُ أحدٌ منهم: ألَيس اللهُ ربَّكَ؟ إِلَّا قال: بلى، فهم مفطورونَ على ذلك، فكلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فالإقرارُ بالخالقِ فطريٌّ لهم، كلُّهم يُقِرُّ به، وقولهم: (بلى) ردٌّ للنفي، فثبتَ إيمانُهم؛ لجوابهم ببلى، ولو أجابوا بنعم، لكفروا، لأنّ (نعم) تصديقٌ لما سبقَها من نفيٍ أو إثباتٍ، و (بلى) إثباتٌ لما بعدَ النَّفْي، وليسَ نفيٌ، واستفهامُ التقريرِ أكَّدَ معنى النَّفْي، والباءُ في خبر (ليس) زادته تأكيدًا، وتقديرُه: بلى أنتَ ربُّنا. ﴿شَهِدْنَا﴾ على أنفسِنا، وأقررْنا بوحدانيتكَ. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: فعلْنا ذلكَ بهم حتّى اعترفوا لئلَّا يقولوا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الإقرارِ. ﴿غَافِلِينَ﴾ لم نشعرْ، فلم يبقَ لهم حجةٌ علينا. قال القرطبيُّ: فقد استُدِلَّ بهذه الآية أنَّ من ماتَ صغيرًا دخلَ الجنةَ؛ لإقراره في الميثاقِ الأولِ، ومن بلغ العهدَ، لم يُغْنِه الميثاقُ (٢).

стр. 1174

﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ . [١٧٣] ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدَيْنا بهم. قرأ أبو عمرٍو: (أَنْ يَقُولُوا) و (أَوْ يَقُولُوا) بالغيب، لأنَّ أولَ الكلامِ على الغيبة، وقرأ الباقون: بالخطاب فيهما (١)، ردًّا على لفظِ الخطابِ المتقدِّم في قوله: (ألسْتُ بِرَبِّكُمْ)؛ أي: أخاطِبُكم بذلك لئلَّا تقولوا يومَ القيامةِ: إنَّا كُنَّا عن هذا غافلينَ. ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فتعذِّبُنا بجنايةِ آبائِنا المبطِلينَ، فلا يُمكنُهم الاحتجاجُ بذلكَ معَ الإقرارِ. * * * ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ . [١٧٤] ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نُبَيِّنُها ليتدبَّرَها العبادُ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ من الكفرِ إلى التّوحيد، قال البغويُّ: فإن قيلَ: كيف تلزمُ الحجةُ واحدًا لا يذكرُ الميثاق؟! قيل: قد (٢) أوضحَ اللهُ الدلائلَ على وحدانيته، وصدقِ رسلِهِ فيما أخبروا، فمن أنكرَهُ، كان معانِدًا ناقِضًا للعهد، ولزمَتْه الحجةُ، وبنسيانِهم وعدمِ حفظِهم لا يسقطُ الاحتجاجُ بعدَ إخبارِ المخبرِ الصادقِ صاحبِ المعجزةِ ﷺ (٣).

стр. 1175

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ . [١٧٥] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اسرُدْ وقُصَّ عليهم، والضميرُ في (عليهم) عائد على حاضري محمدٍ ﷺ من الكفارِ وغيرِهم. ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيلَ: نزلت في أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ، كانَ قد قرأ الكتبَ، وعلمَ أن الله مرسِلٌ رسولًا في ذلك الزّمان، ورجا أن يكونَ هو، فلما بُعِثَ محمدٌ ﷺ ، حسدَهُ، وكفرَ به، وقيل: نزلتْ في عالمٍ من علماءِ بني إسرائيلَ اسمُه بَلْعَمُ بنُ باعوراءَ، أُوتي علمَ بعضِ كتبِ الله، فطلبَ قومُه منه أن يدعوَ على موسى ومَنْ معه، فأبى، وقالَ: كيف أدعو على مَنْ معه الملائكةُ، فألحوا عليه، فلم يزالوا به حتّى فعلَ، فانقلبَ دعاؤه عليه، وخرجَ لسانُه على صدره، ونزع الله منه المعرفَة. ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فخرجَ من الآياتِ. بكفرِه كما تخرجُ الحيةُ من جلدِها، ولم ينتفعْ بعلمِه (١). ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقَه وصارَ قرينًا له. ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الضالِّينَ، وهذه أشدُّ آيةٍ على العلماء، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن يؤتى العالُم علمًا، فيكونَ وبالًا عليه؟! * * *

стр. 1176

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ . [١٧٦] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمِه. ﴿بِهَا﴾ إلى منازل الأبرارِ من العلماء. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ﴾ اطمأنَّ. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني: الدنيا. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثارِ الدنيا واسترضاءِ قومِه. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ صفتُه. ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في أخسِّ أوصافِه، وهي. ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ يدلعُ لسانَه. ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أي: إِن زجرتَهُ بالموعظة، فلم ينزجِر، وإن تركته، لم يهتدِ، فالحالتانِ عنده سواءٌ. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وابن عامرٍ بخلافٍ عن قالونَ: (يَلْهَثْ ذَلِكَ) بإظهارِ الثاءِ عندَ الذالِ، والباقون: بالإدغام (١).

стр. 1177

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ أي: اسرُدْ عليهم ما يعلمون أنّه من الغيوبِ الّتي لا يعلَمُها إِلَّا أهلُ الكتبِ الماضيةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلكَ، فيؤمنون. * * * ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ . [١٧٧] ﴿سَاءَ﴾ أي: بئسَ. ﴿مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ التقديرُ: ساءَ مثلًا مَثَلُ القومِ. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بعدَ علمِهم بها. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: جمعوا بينَ التكذيبِ وظلمِ أنفسهم. * * * ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ . [١٧٨] ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ أجمع القراء على إثباتِ الياءَ هنا في (المهتدي) (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ تصريحٌ بأنَّ الهدى والضلالَ من الله تعالى، وفيه رَدٌّ على القدريَّةِ، وعلى من قال: إنَّ الله تعالى هدى جميعَ المكلَّفينَ، ولا يجوز أن يُضِلَّ أحدًا. * * *

стр. 1178

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ . [١٧٩] ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خَلَقْنا. قرأ أبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَقَد ذرَأْنَا) بإدغامِ الدالِ في الذال، والباقون: بالإظهار (١). ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وهم الذين حقَّتْ عليهمُ الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إذ لا يُلقونها إلى معرفةِ الحقِّ. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ﴾ سبيلَ الرشادِ. ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ مواعظَ القرآن فيؤمنون، ثمّ ضربَ لهم مثلًا في الجهلِ فقال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ في عدمِ الفهمِ والاقتصارِ على نيل الشهواتِ. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنَّ الأنعامَ تطلبُ منافعَها، وتهربُ من مضارِّها. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الكاملونَ في الغفلة. * * *

стр. 1179

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ . [١٨٠] رُوي أن رجلًا دعا اللهَ في صلاته، ودعا الرّحمنَ، فقال بعضُ مشركي مكةَ: إنَّ محمدًا وأصحابَه يزعمون أنّهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بالُ هذا يدعو اثنين؟! فأنزلَ اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ (١) الصفاتُ. ﴿الْحُسْنَى﴾ العُليا الدالَّةُ على معانٍ حسنةٍ. ﴿فَادْعُوهُ﴾ سَمُّوهُ ﴿بِهَا﴾. قال ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعًا وَتِسعينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاها، دَخَلَ الجَنَةَ، إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الْوِتْرَ" (٢)، ومعنى أحصاها: حفظها وهي: "هو اللهُ الّذي لا إلهَ إِلَّا هوُ الرّحمنُ الرحيمُ الملكُ القدوسُ السلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبرُ الخالقُ البارئُ المصورُ الغفارُ القهارُ الوهابُ الرزاقُ الفتاحُ العليمُ القابضُ الباسطُ الخافضُ الرافعُ المعزُّ المذلُّ السميعُ البصيرُ الحكمُ العدلُ اللطيفُ الخبيرُ الحليمُ العظيمُ الغفورُ الشكورُ العليُّ الكبيرُ الحفيظُ المقيتُ الحسيبُ الجليلُ الكريمُ الرقيبُ المجيبُ الواسعُ الحكيمُ الودودُ المجيدُ الباعثُ الشهيدُ الحقُّ الوكيلُ القويُّ المتينُ الوليُّ الحميدُ المحصي المبدي المعيدُ المحيي المميتُ الحيُّ القيومُ الواجدُ

стр. 1180

الماجدُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ القادرُ المقتدرُ المقدِّمُ المؤخِّرُ الأولُ الآخِرُ الظاهرُ الباطنُ الوالي المتعال البرُّ التوابُ المنتقمُ العفوُّ الرؤوفُ مالكُ الملكِ ذو الجلالِ والإكرامِ المقسطُ الجامعُ الغنيُّ المغني الضارُّ النافعُ النورُ الهادي البديعُ الباقي الوارث الرشيدُ الصبورُ" حديثٌ حسنٌ رواه الترمذيُّ وغيرُه (١). قال اليافعيُّ ﵀ في كتابه "الدرّ النظيم في فضائلِ القرآنِ العظيم": وهي في القرآن على هذا الترتيب، في سورةِ الفاتحةِ خمسةٌ: اللهُ ربُّ الرّحمن الرحيمُ مالكٌ، وفي سورةِ البقرةِ ستةٌ وعشرون: محيطٌ قديرٌ عليمٌ حكيمٌ توابٌ نصيرٌ واسعٌ بديعٌ سميعٌ كافي رؤوفٌ شاكرٌ إِلهٌ واحدٌ غفورٌ حليمٌ قابضٌ باسطٌ لا إلهَ إلَّا هوَ حيٌّ قيومٌ عليٌّ عظيمٌ وليُّ غنيٌّ حميدٌ، وفي سورةِ آلِ عمرانَ ثلاثةٌ: قديمٌ وهابٌ سريعٌ، وفي سورةِ النساءِ سبعةٌ: رقيبٌ حسيبٌ شهيدٌ غافرٌ غفورٌ مُقيتٌ وكيلٌ، وفي الأنعامِ خمسةٌ: باطنٌ ظاهرٌ قادرٌ لطيفٌ خبرٌ، وفي سورةِ الأعرافِ اثنان: مُحْيي مُميتٌ، وفي سورةِ الأنفالِ اثنان: نعمَ المولى ونعمَ النصير، وفي سورةِ هودٍ سبعةٌ: حفيظٌ قريبٌ مجيبٌ قويٌّ مَجيدٌ وَدودٌ فَعَّالٌ لما يريدُ، وفي سورةِ الرعدِ اثنان: كبيرٌ مُتَعالٍ، وفي سورة إبراهيم: مَنَّانٌ، وفي سورةِ الحجِّ: باعثٌ، وفي سورةِ المؤمنين: كريمٌ، وفي سورةِ النورِ: ثلاثةٌ: نورٌ حقٌّ مبينٌ، وفي سورةِ سبأ: فتاحٌ، وفي سورة المؤمن أربعةٌ: قابلُ التوبِ شديدُ العقابِ ذو الطول غفارٌ، وفي سورة الذاريات اثنان: رزاقٌ ذو القوةِ المتينُ، وفي سورة الطورِ: بَرٌّ، وفي سورةِ القمرِ: مقتدرٌ، وفي سورة الرّحمن: ذو الجلالِ والإكرامِ، وفي

стр. 1181

سورة الحديد أربعة: أولُ آخرُ ظاهرٌ باطنٌ، وفي سورة الحشرِ عشرةٌ: قُدُّوسٌ سلامٌ مؤمنٌ مهيمنٌ عزيزٌ جبارٌ متكبرٌ خالقٌ بارئ مصورٌ، وفي سورة البروج: مبدىٌ معيدٌ، وفي سورة الإخلاص أَحَدٌ صَمَدٌ. انتهى. ﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا. ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ويسمونه بما لا توقيفَ فيه، والإلحادُ: الميلُ عن الحق. قرأ حمزةُ: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاء (١)، وهما لغتان، والملحِدون: هم المشركون، عَدَلوا بأسماء الله عَمَّا هي عليه، فسمَّوا بها أوثانَهم، فزادوا ونَقَصوا، فاشتقوا اللاتَ من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنَّانِ. ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرَة، وهذه الآيةُ منسوخةٌ بآيةِ السيف. * * * ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ . [١٨١] ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ هم المسلمون. ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يأخذونَ به. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الأمرِ. * * *

стр. 1182

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ . [١٨٢] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنأخذُهم قليلًا قليلًا كما يترقى الدرجة درجةً درجةً. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما نريدُ بهم. * * * ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ . [١٨٣] ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أطيلُ المدَّةَ. ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ أَخْذي. ﴿مَتِينٌ﴾ شديدٌ، وسمي كيدًا؛ لأنَّ ظاهرَه إحسانٌ، وباطنه خِذْلانٌ. * * * ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ . [١٨٤] رُوي أنّه ﷺ قامَ على الصفا ليلًا يدعو قريشًا فَخذًا فَخذًا يحذِّرُهم وقائعَ الله تعالى، فقالَ قائلُهم: إنّه مجنونٌ باتَ يصوِّتُ على الصَّفا إلى الصباح، فنزل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (١) أبِصاحِبهم جنونٌ أم لا؟ ثمّ نفى عنه الجنونَ بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو. ﴿إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ واضحٌ إنذارُه.

стр. 1183

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ . [١٨٥] ثمّ وَبَّخَهم على تركِ النظرِ المؤدِّي إلى العلمِ فقالَ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ﴾ أي: مُلْكِ. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما فيهما من الصُّنع. ﴿وَمَا﴾ أي: وفي ما. ﴿خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ فيعلموا صدقَه. ﴿وَأَنْ﴾ أي: وأنّه. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ فيموتوا قبلَ الإيمان. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعدَ القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إنْ لم يؤمنوا به؟! فإنّه ليسَ بعدَه كتابٌ، ولا بعدَ محمدٍ ﷺ نبيٌّ. * * * ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ . [١٨٦] ثمّ ذكرَ علةَ إعراضهم عن الإيمانِ فقالَ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ﴾ أي: يُضْلِلْهُ. ﴿الله فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وعاصم، ويعقوبُ (وَيَذَرُهُمْ) بالياء، ورفع الراء على الاستئناف؛ أي: واللهُ يذرُهم، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: بالنون والرفعِ، أي: ونحنُ

стр. 1184

نذرُهم، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالياءِ وجزمِ الراءِ عطفًا على موضعِ الفاء وما بعدَها من قوله: (فَلَا هَادِيَ لَهُ)؛ لأنّه موضعُ جزمٍ (١). ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتردَّدونَ مُتَحيرين. * * * ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ . [١٨٧] ولمّا قالت قريش للنبي ﷺ : إنَّ بيننا وبينكَ قرابةً، فأسرَّ إلينا متى الساعة؟ فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ (٢) أي: متى. ﴿مُرْسَاهَا﴾ أي: الوقتُ الذي تقومُ فيه. ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ متى يكونُ. ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثرَ بعلمِها. ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ يظهرُها. ﴿لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ لاختصاصِه به.

стр. 1185

﴿ثَقُلَتْ﴾ خَفِيَتْ. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خفيتْ معرفتُها على أهلِها، وإذا خفيَ الشيءُ، ثقلَ. ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فجأةً على غفلةً كما قالَ ﵇: "إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بِالنَّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي مَاشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَقُومُ بِسِلْعَتِهِ في سُوقِه، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ" (١). ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: كأنكَ ألححْتَ في طلبِ علمِها فعلِمْتَها. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّرَهُ تأكيدًا؛ أي: لا يعلمُ وقتَ مجيئِها، ولا يأتي بها فيه بغتةً إِلَّا اللهُ تعالى. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ علمَها عندَ الله، بل يَظُنُّ أكثرُهم أنّه ممّا يعلمُه البشرُ. * * * ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ . [١٨٨] قال ابنُ عباسٍ: "إنَّ أهلَ مكةَ قالوا: يا محمدُ! ألَّا يخبرُك ربُّكَ بالسعرِ الرخيصِ قبلَ أن يغلوَ، فتشتريَه وتربحَ فيه عندَ الغلاءِ، وبالأرضِ

стр. 1186

الّتي تريدُ أن تُجْدِبَ فترتحلَ منها إلى ما قد خَصُبَت؟ فأُمر ﷺ بالاعترافِ بأنّه عبدٌ محكومٌ عليهِ بما نزلَ جوابًا عن قول المشركين، وهو: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ (١) أي: لا أقدرُ. ﴿لِنَفْسِي نَفْعًا﴾ أي: جلبَ نفعٍ. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يوصلَه إليَّ من الضرِّ والنفعِ؛ فإني أملكُه؛ لاختصاصِه بي. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لو كنتُ أعلمُ الخصبَ والجدبَ. ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: المالِ لسنةِ القحطِ. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: الضرُّ والفقرُ. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ للكافرينَ بالنارِ. ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالجنةِ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقون. واختلافُ القراء في الهمزتين من (السُّوءُ إِنْ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى) في سورةِ البقرةِ، وقرأ أبو جعفرٍ، وقالونُ عن نافعٍ بخلافٍ عنه: (أَنَا إِلَّا) بالمدِّ حيثُ وقعَ (٢). * * *

стр. 1187

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ . [١٨٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدمَ. ﴿وَجَعَلَ﴾ أي: خلقَ. ﴿منها زَوْجَهَا﴾ حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنسَ بها. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ علاها بالنِّكاحِ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لم يثقلْ عليها، وهي النطفةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرَّتْ إلى وقتِ ميلاده. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: كبرَ الولدُ وأثقلَها حملُها وقاربت الوضعَ. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ آدمُ وحواءُ. ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًّا قد صلحَ بدنُه. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لكَ على هذه النعمةِ، ودلت الآيةُ على أن الحملَ مرضٌ من الأمراضِ؛ لقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ ولأجل عظمِ الأمرِ وشدةِ الخطْبِ جُعِلَ موتُها شهادةً كما وردَ في الحديث. واختلف الأئمةُ في حكمِ الحاملِ، فقال مالك: إذا مضت لها ستةُ أشهرٍ من يومِ حملَتْ، صارتْ في حكمِ المريضِ في أفعالِه، لم ينفذ لها تصرفٌ في مالها بأكثرَ من الثلثِ، وقال الثّلاثة: إنّما يكونُ ذلكَ عندَ المخاضِ، واختارَ الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: ما قاله مالكٌ. * * *

стр. 1188

﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ . [١٩٠] وروي أن الخبيثَ إبليسَ جاءهما، فقال: إنَّ ولدتِهِ سَوِيًّا، فسميهِ عبدَ الحارثِ، وكانَ اسمُه في الملائكةِ الحارثَ (١). ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ كما طلبا. ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ بتسميتِهِ عبدَ الحارثِ من غيرِ اعتقادٍ لذلك، وإنّما كان شركًا في التسميةِ والصِّفَة، لا في العبادةِ والربوبية، وجاء في الحديث: "خَدَعَهُا إِبْلِيُس مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً فِي الأَرْضِ" (٢). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (شِرْكًا) بكسر الشين وإسكان الراء مع التّنوين؛ أي: ذوي شركٍ، وهم الشركاء، والباقون: بضمِّ الشينِ وفتح الراء والمدِّ والهمزِ من غيرِ تنوين، على جمع شريك، يعني: إبليس (٣)، وفي الآية قولٌ آخرُ، وهو أن الضميرَ في (آتيتَنا) و (لنكونَنْ) لهما ولأولادِهما، وفي (آتاهما) و (جعلا) لأولادِهما، وفيه حذفُ مضافٍ وإقامةُ المضافِ إليه مقامَه، تقديره: فلما آتى أولادَهما

стр. 1189

صالحًا، جعلَ أولادُهما للهِ شركاء؛ بأن سَمَّوا عبد (١) شمسٍ، وعبد العزَّى، وعبد يَغوثَ، وغيرِ ذلك، كما أضافَ فعلَ الآباءِ إلى الأبناءِ في تعييرِهم بفعلِ الآباءِ فقال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] خاطبَ بهِ اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ ﷺ ، وكانَ ذلكَ الفعلُ من آبائِهم، حكى المفسرون كُلًّا من التأويلينِ، وقدم البيضاويُّ في "تفسيره" هذا التأويلَ الثّاني (٢)، قال القرطبيُّ: وهو الّذي يُعَوَّلُ عليه (٣)، وقال البغويُّ: وهذا قولٌ حسنٌ لولا قولُ السلفِ وجماعةِ المفسرين إنّه في آدمَ وحواءَ (٤)، وقال الكواشيُّ: وهو أوجهٌ يعضدُه قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بأن آدمَ وحواءَ لم يكونا مشرِكينِ بإجماعٍ، ولجمعِه الضميرَ في (يشركون). * * * ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ . [١٩١] ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: إبليسَ والأصنامَ. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: مخلوقون. * * * ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ . [١٩٢] ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: الأصنامُ لعَبَدَتِهم.

стр. 1190

﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ من كسرٍ وغيرِه، بل عَبَدَتُهم يدفعونَ عنهم، فالمعبودُ أذلُّ من العابِد. * * * ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ . [١٩٣] ثمّ خاطب المؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ يعني: المشركين. ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ الإسلامِ. ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ قرأ نافعٌ: (يَتْبَعُوكُمْ) بإسكانِ التاءِ وفتحِ الباء، وقرأ الباقون: بفتح التاءِ مشدَّدَةٍ (١) وكسرِ الباء، وهما لغتان، يقال: تبعَه تبعًا واتّبَعه اتِّباعًا (٢). ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ إلى الدينِ. ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ عن دعائِهم؛ كما قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾ . [١٩٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونَ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنامَ

стр. 1191

﴿عِبَادٌ﴾ مملوكةٌ ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ متصرَّفٌ فيها. ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: يجيبوكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن لكم عندَها منفعةً. * * * ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾ . [١٩٥] ثمّ وَبَّخهم على عبادةِ مَنْ هو في غايةِ العجزِ فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ أي: يأخذونَ بشدة. رُوي عن قنبلٍ راوي ابنِ كثيرٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (أَيْدِي)، وقرأ أبو جعفرٍ: (يَبْطُشُونَ) بضمِّ الطاء، والباقون: بكسرها (١). ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ومَنْ أنتم أقدرُ منه كيفَ تعبدونه؟! احتقارًا بهم وبمعبودِهم. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يا معشرَ المشركين. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ ادْعُوا) بكسرِ اللامِ، والباقون: بالضمِّ (٢). ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ احتالوا أنتم وشركاؤكم في أمري وإهلاكي سريعًا.

стр. 1192

﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: تُؤَخِّرونِ. أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ في: (كِيدُوني) وصلًا، وأثبتها في الحالين يعقوبُ، وهشامٌ بخلافٍ عن الثّاني (١)، وأثبت يعقوبُ الياءَ في (تُنْظِرُونِي) في الحالَين (٢). * * * ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ . [١٩٦] ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ أي: ناصري. واختُلِف عن أبي عمرٍو في (إنَّ وَلِيَّيَ اللهُ) فروي عن السوسيِّ حذفُ الياء وإثباتُ ياءٍ واحدةٍ مشددةٍ مفتوحةٍ، وهو الأصحُّ عنه، ورُوي عن السوسيِّ أيضًا يكسر الياء المشددةِ بعدَ الحذف، وقرأ الباقون: بياءين، الأولى مشددةٌ مكسورةٌ، والثّانية مخففةٌ مفتوحةٌ، وقد أجمعتِ المصاحفُ (٣) على رسمِها بياءٍ واحدة. ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ الذين لا يعدِلون بالله شيئًا. * * *

стр. 1193

﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ . [١٩٧] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ كرره لتببينِ أنَّ ما يعبدونه لا ينفعُ ولا يضرُّ. * * * ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾ . [١٩٨] ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنامَ. ﴿إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ مبالغةٌ في التوبيخ. ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يا محمدُ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يُشْبهون الناظرينَ إليك؛ لأنّهم صُوِّروا بصورةِ مَنْ ينظر إلى مَنْ يواجهُه. ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّ أعينَ الأصنامِ مصنوعةٌ. * * * ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ . [١٩٩] ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: المساهلةَ، وهو ضدُّ الصَّعب، رُويَ أنّه لما نزلتْ هذه الآيةُ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ لجبريلَ: "مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ" (١).

стр. 1194

﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروفِ، وهي كلُّ خَصلَةٍ حميدةٍ يقتضيها العقلُ والشرعُ. قرأ أبو عمرٍو: (خُذِ الْعَفْو وَّأْمُرْ) بإدغامِ الواوِ بالواو. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أبي جهلٍ وأصحابِه، ونُسخت بآية السيفِ. * * * ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ . [٢٠٠] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ أي: يُحَرِّكَنَّك للشرِّ، المعنى: فإنْ يوسوسْ (١) لك الشيطانُ بوسوستِه ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: استجِرْ به ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمعُ استعاذتَكَ، ويعلمُ ما فيه صلاحُ أمرِكَ فيحملُكَ عليهِ. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾. [٢٠١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين. ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ: (طَيْفٌ) بياء ساكنةٍ بين الطاء والفاء من غيرِ همزٍ ولا ألف؛ أي: لمسةٌ

стр. 1195

ووسوسةٌ، وقرأ الباقون: (طَائِفٌ) بألفٍ بعدَ الطاءِ وهمزةٍ مكسورةٍ بعدَه (١)، وهو ما يطوفُ حولَ الشيء. ﴿الشَّيْطَانِ﴾ المعنى: إنَّ المتقين إذا وسوسَ لهم (٢) الشيطانُ. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ذكروا اللهَ، واستعاذوا به. ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون﴾ مواقعَ خطئِهم، فيستغفرون. * * * ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [٢٠٢] ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوانُ الشّياطينِ من المشركينَ. ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ المعنى: وإخوانُ المشركينَ من الشّياطينِ يزيدونهم. ﴿فِي الْغَيِّ﴾ وهو الضلالُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُمِدُّونَهُمْ) بضمِّ الياء وكسرِ الميمِ، من الإمدادِ، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الميم، وهو من المدِّ (٣)، ومعناهما واحد، وهو الزيادةُ. ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا يُمسكون عن إغوائِهم. * * * ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.
следующие страницы →