﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أي: إنّما أُخذَ عليهم العهدُ في التوراةِ.
﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والمرادُ توبيخُهم على البَتِّ بالمغفرةِ مع عدمِ التوبةِ، وليسَ في التوراةِ إيعادُ المغفرةِ معَ الإصرارِ.
﴿وَدَرَسُوا﴾ أي: قرؤوا.
﴿مَا فِيهِ﴾ وعلموه.
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ممّا يأخذُ هؤلاء.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلمون ذلك. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١).
* * *
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ .
[١٧٠] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (يُمْسِكُونَ) مخفَّفًا، والباقون: مشددًا (٢)؛ أي: يعتصمونَ، وهم المؤمنون من أهلِ الكتابِ: عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه تمسكوا.
﴿بِالْكِتَابِ﴾ الّذي جاء به موسى، فلم يحرِّفوه، ولم يكتموهُ.
стр. 1171
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وخُصّتِ الصلاةُ بالذكرِ تفضيلًا لها.
* * *
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ .
[١٧١] ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ رَفَعْنا.
﴿الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ فَرُفع على رؤوسِهم.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ هو كلُّ ما غَطَّى وسترَ من سحابٍ وغيرِه.
﴿وَظَنُّوا﴾ علموا وأيقنوا.
﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فلما تَيَقَّنوا الهلاكَ، قبلوا التوراةَ، فقلنا لهم:
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ عزمٍ، وإن شَقَّ عليكم.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ من الأحكام، واعملوا بها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قبائحَ الأعمالِ، وذلكَ حينَ أَبَوا أن يقبلُوا أحكامَ التوراة، فرفعَ اللهُ على رؤوسِهم جبلًا، فلما نظروا إلى الجبل، خَرَّ كلُّ رجلٍ ساجدًا للهِ على حاجبِه الأيسرِ ينظرُ بعيِنه اليمنى إلى الجبل فَرَقًا من أن يسقُطَ عليه، ولذلك لا تجدُ يهوديًّا إِلَّا ويكونُ سجوده على حاجبِهِ الأيسرِ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرة.
* * *
стр. 1172
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ .
[١٧٢] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ومعنى أَخذُ ذُرياتهم من ظهورِهمْ: إخراجُهم من أصلابِهم كالذَّرِّ، ولم يذكرْ ظهرَ آدم؛ للعلمِ به، والإخراجُ كانَ منهُ؛ لأنهم استُلُّوا من ظهرِ آدم، ثمّ استلُّوا نسلًا من نسلٍ كما يتوالدُ الأبناءُ من الآباء، المعنى: واذكرْ وقتَ أخذِ اللهِ تعالى الميثاقَ على بني آدم حين استُلُّوا من ظهرِه، واستلَّ أولادُهم من ظهورِهم. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ: (ذُرِّيتَهم) على الإفرادِ مع نصبِ التاء؛ لأنّها جنسٌ تعمُّ القَليلَ والكثير، وقرأ الباقون؛ (ذُرِّيَّاتِهِمْ) على الجمعِ مع كسرِ التاءِ (١)، رُويَ أَن الله مسحَ صفحة ظهرِ آدمَ اليُمنى، فأخرجَ منه ذريةً بيضاءَ كهيئةِ الذرِّ يتحرَّكون، ثمّ مسحَ صفحة ظهرِه اليسرى، فأخرجَ منه ذريةً سوداءَ كهيئةِ الذرِّ، فقال: يا آدمُ! هؤلاءِ ذريتُك، ثمّ قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ؟ قالوا: بلى، فقالَ للبيض: هؤلاءِ في الجنةِ برحمتي، وهم أصحابُ اليمين، وقال للسودِ: هؤلاء في النارِ ولا أبالي، وهم أصحابُ الشمال، ثمّ أعادهم جميعًا في صُلبه، فأهلُ القبورِ محبوسون حتّى يخرج أهل الميثاقِ كلُّهم من أصلابِ الرجالِ وأرحامِ النِّساء، قال الله تعالى فيمن نقضَ العهدَ الأوّل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ورُوي أنَّ أهلَ السعادةِ أقروا طوعًا، وقالوا:
стр. 1173
﴿بَلَى﴾، وأهلُ الشقاوة قالوه تقيةً، وكُرْهًا، وذلكَ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١) [آل عمران: ٨٣]، وكان الميثاقُ بنعمانَ، وهي عرفةُ وما يليها، وقيل: بأرض الهندِ حيثُ هبطَ آدمُ ﵇ فيه، وقيلَ: في سماء الدنيا حينَ هبطَ من الجنَّة إليها.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أشهدَ بعضَهم على بعضٍ حينَ قالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهامُ تقريرٍ؛ أي: ما تُقِرُّونَ وتعترفونَ بأني رَبُّكُم؟
﴿قَالُوا بَلَى﴾ نحنُ نقرُّ ونعترفُ بهذا الاعترافِ والإقرارِ، وهذا شأنُ بني آدَمَ لا يُسأَلُ أحدٌ منهم: ألَيس اللهُ ربَّكَ؟ إِلَّا قال: بلى، فهم مفطورونَ على ذلك، فكلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فالإقرارُ بالخالقِ فطريٌّ لهم، كلُّهم يُقِرُّ به، وقولهم: (بلى) ردٌّ للنفي، فثبتَ إيمانُهم؛ لجوابهم ببلى، ولو أجابوا بنعم، لكفروا، لأنّ (نعم) تصديقٌ لما سبقَها من نفيٍ أو إثباتٍ، و (بلى) إثباتٌ لما بعدَ النَّفْي، وليسَ نفيٌ، واستفهامُ التقريرِ أكَّدَ معنى النَّفْي، والباءُ في خبر (ليس) زادته تأكيدًا، وتقديرُه: بلى أنتَ ربُّنا.
﴿شَهِدْنَا﴾ على أنفسِنا، وأقررْنا بوحدانيتكَ.
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: فعلْنا ذلكَ بهم حتّى اعترفوا لئلَّا يقولوا.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الإقرارِ.
﴿غَافِلِينَ﴾ لم نشعرْ، فلم يبقَ لهم حجةٌ علينا.
قال القرطبيُّ: فقد استُدِلَّ بهذه الآية أنَّ من ماتَ صغيرًا دخلَ الجنةَ؛ لإقراره في الميثاقِ الأولِ، ومن بلغ العهدَ، لم يُغْنِه الميثاقُ (٢).
стр. 1174
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ .
[١٧٣] ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدَيْنا بهم. قرأ أبو عمرٍو: (أَنْ يَقُولُوا) و (أَوْ يَقُولُوا) بالغيب، لأنَّ أولَ الكلامِ على الغيبة، وقرأ الباقون: بالخطاب فيهما (١)، ردًّا على لفظِ الخطابِ المتقدِّم في قوله: (ألسْتُ بِرَبِّكُمْ)؛ أي: أخاطِبُكم بذلك لئلَّا تقولوا يومَ القيامةِ: إنَّا كُنَّا عن هذا غافلينَ.
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فتعذِّبُنا بجنايةِ آبائِنا المبطِلينَ، فلا يُمكنُهم الاحتجاجُ بذلكَ معَ الإقرارِ.
* * *
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾ .
[١٧٤] ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نُبَيِّنُها ليتدبَّرَها العبادُ.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ من الكفرِ إلى التّوحيد، قال البغويُّ: فإن قيلَ: كيف تلزمُ الحجةُ واحدًا لا يذكرُ الميثاق؟! قيل: قد (٢) أوضحَ اللهُ الدلائلَ على وحدانيته، وصدقِ رسلِهِ فيما أخبروا، فمن أنكرَهُ، كان معانِدًا ناقِضًا للعهد، ولزمَتْه الحجةُ، وبنسيانِهم وعدمِ حفظِهم لا يسقطُ الاحتجاجُ بعدَ إخبارِ المخبرِ الصادقِ صاحبِ المعجزةِ ﷺ (٣).
стр. 1175
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾ .
[١٧٥] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اسرُدْ وقُصَّ عليهم، والضميرُ في (عليهم) عائد على حاضري محمدٍ ﷺ من الكفارِ وغيرِهم.
﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيلَ: نزلت في أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ، كانَ قد قرأ الكتبَ، وعلمَ أن الله مرسِلٌ رسولًا في ذلك الزّمان، ورجا أن يكونَ هو، فلما بُعِثَ محمدٌ ﷺ ، حسدَهُ، وكفرَ به، وقيل: نزلتْ في عالمٍ من علماءِ بني إسرائيلَ اسمُه بَلْعَمُ بنُ باعوراءَ، أُوتي علمَ بعضِ كتبِ الله، فطلبَ قومُه منه أن يدعوَ على موسى ومَنْ معه، فأبى، وقالَ: كيف أدعو على مَنْ معه الملائكةُ، فألحوا عليه، فلم يزالوا به حتّى فعلَ، فانقلبَ دعاؤه عليه، وخرجَ لسانُه على صدره، ونزع الله منه المعرفَة.
﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فخرجَ من الآياتِ. بكفرِه كما تخرجُ الحيةُ من جلدِها، ولم ينتفعْ بعلمِه (١).
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقَه وصارَ قرينًا له.
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الضالِّينَ، وهذه أشدُّ آيةٍ على العلماء، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن يؤتى العالُم علمًا، فيكونَ وبالًا عليه؟!
* * *
الماجدُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ القادرُ المقتدرُ المقدِّمُ المؤخِّرُ الأولُ الآخِرُ الظاهرُ الباطنُ الوالي المتعال البرُّ التوابُ المنتقمُ العفوُّ الرؤوفُ مالكُ الملكِ ذو الجلالِ والإكرامِ المقسطُ الجامعُ الغنيُّ المغني الضارُّ النافعُ النورُ الهادي البديعُ الباقي الوارث الرشيدُ الصبورُ" حديثٌ حسنٌ رواه الترمذيُّ وغيرُه (١).
قال اليافعيُّ ﵀ في كتابه "الدرّ النظيم في فضائلِ القرآنِ العظيم": وهي في القرآن على هذا الترتيب، في سورةِ الفاتحةِ خمسةٌ: اللهُ ربُّ الرّحمن الرحيمُ مالكٌ، وفي سورةِ البقرةِ ستةٌ وعشرون: محيطٌ قديرٌ عليمٌ حكيمٌ توابٌ نصيرٌ واسعٌ بديعٌ سميعٌ كافي رؤوفٌ شاكرٌ إِلهٌ واحدٌ غفورٌ حليمٌ قابضٌ باسطٌ لا إلهَ إلَّا هوَ حيٌّ قيومٌ عليٌّ عظيمٌ وليُّ غنيٌّ حميدٌ، وفي سورةِ آلِ عمرانَ ثلاثةٌ: قديمٌ وهابٌ سريعٌ، وفي سورةِ النساءِ سبعةٌ: رقيبٌ حسيبٌ شهيدٌ غافرٌ غفورٌ مُقيتٌ وكيلٌ، وفي الأنعامِ خمسةٌ: باطنٌ ظاهرٌ قادرٌ لطيفٌ خبرٌ، وفي سورةِ الأعرافِ اثنان: مُحْيي مُميتٌ، وفي سورةِ الأنفالِ اثنان: نعمَ المولى ونعمَ النصير، وفي سورةِ هودٍ سبعةٌ: حفيظٌ قريبٌ مجيبٌ قويٌّ مَجيدٌ وَدودٌ فَعَّالٌ لما يريدُ، وفي سورةِ الرعدِ اثنان: كبيرٌ مُتَعالٍ، وفي سورة إبراهيم: مَنَّانٌ، وفي سورةِ الحجِّ: باعثٌ، وفي سورةِ المؤمنين: كريمٌ، وفي سورةِ النورِ: ثلاثةٌ: نورٌ حقٌّ مبينٌ، وفي سورةِ سبأ: فتاحٌ، وفي سورة المؤمن أربعةٌ: قابلُ التوبِ شديدُ العقابِ ذو الطول غفارٌ، وفي سورة الذاريات اثنان: رزاقٌ ذو القوةِ المتينُ، وفي سورة الطورِ: بَرٌّ، وفي سورةِ القمرِ: مقتدرٌ، وفي سورة الرّحمن: ذو الجلالِ والإكرامِ، وفي
стр. 1181
سورة الحديد أربعة: أولُ آخرُ ظاهرٌ باطنٌ، وفي سورة الحشرِ عشرةٌ: قُدُّوسٌ سلامٌ مؤمنٌ مهيمنٌ عزيزٌ جبارٌ متكبرٌ خالقٌ بارئ مصورٌ، وفي سورة البروج: مبدىٌ معيدٌ، وفي سورة الإخلاص أَحَدٌ صَمَدٌ. انتهى.
﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا.
﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ويسمونه بما لا توقيفَ فيه، والإلحادُ: الميلُ عن الحق. قرأ حمزةُ: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاء (١)، وهما لغتان، والملحِدون: هم المشركون، عَدَلوا بأسماء الله عَمَّا هي عليه، فسمَّوا بها أوثانَهم، فزادوا ونَقَصوا، فاشتقوا اللاتَ من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنَّانِ.
﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرَة، وهذه الآيةُ منسوخةٌ بآيةِ السيف.
* * *
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ .
[١٨١] ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ هم المسلمون.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يأخذونَ به.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الأمرِ.
* * *
﴿ثَقُلَتْ﴾ خَفِيَتْ.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خفيتْ معرفتُها على أهلِها، وإذا خفيَ الشيءُ، ثقلَ.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فجأةً على غفلةً كما قالَ ﵇: "إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بِالنَّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي مَاشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَقُومُ بِسِلْعَتِهِ في سُوقِه، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ" (١).
﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: كأنكَ ألححْتَ في طلبِ علمِها فعلِمْتَها.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّرَهُ تأكيدًا؛ أي: لا يعلمُ وقتَ مجيئِها، ولا يأتي بها فيه بغتةً إِلَّا اللهُ تعالى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ علمَها عندَ الله، بل يَظُنُّ أكثرُهم أنّه ممّا يعلمُه البشرُ.
* * *
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ .
[١٨٨] قال ابنُ عباسٍ: "إنَّ أهلَ مكةَ قالوا: يا محمدُ! ألَّا يخبرُك ربُّكَ بالسعرِ الرخيصِ قبلَ أن يغلوَ، فتشتريَه وتربحَ فيه عندَ الغلاءِ، وبالأرضِ
стр. 1186
الّتي تريدُ أن تُجْدِبَ فترتحلَ منها إلى ما قد خَصُبَت؟ فأُمر ﷺ بالاعترافِ بأنّه عبدٌ محكومٌ عليهِ بما نزلَ جوابًا عن قول المشركين، وهو:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ (١) أي: لا أقدرُ.
﴿لِنَفْسِي نَفْعًا﴾ أي: جلبَ نفعٍ.
﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يوصلَه إليَّ من الضرِّ والنفعِ؛ فإني أملكُه؛ لاختصاصِه بي.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لو كنتُ أعلمُ الخصبَ والجدبَ.
﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: المالِ لسنةِ القحطِ.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: الضرُّ والفقرُ.
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ للكافرينَ بالنارِ.
﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالجنةِ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقون. واختلافُ القراء في الهمزتين من (السُّوءُ إِنْ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى) في سورةِ البقرةِ، وقرأ أبو جعفرٍ، وقالونُ عن نافعٍ بخلافٍ عنه: (أَنَا إِلَّا) بالمدِّ حيثُ وقعَ (٢).
* * *
стр. 1187
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ .
[١٨٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدمَ.
﴿وَجَعَلَ﴾ أي: خلقَ.
﴿منها زَوْجَهَا﴾ حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنسَ بها.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ علاها بالنِّكاحِ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لم يثقلْ عليها، وهي النطفةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرَّتْ إلى وقتِ ميلاده.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: كبرَ الولدُ وأثقلَها حملُها وقاربت الوضعَ.
﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ آدمُ وحواءُ.
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًّا قد صلحَ بدنُه.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لكَ على هذه النعمةِ، ودلت الآيةُ على أن الحملَ مرضٌ من الأمراضِ؛ لقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ ولأجل عظمِ الأمرِ وشدةِ الخطْبِ جُعِلَ موتُها شهادةً كما وردَ في الحديث.
واختلف الأئمةُ في حكمِ الحاملِ، فقال مالك: إذا مضت لها ستةُ أشهرٍ من يومِ حملَتْ، صارتْ في حكمِ المريضِ في أفعالِه، لم ينفذ لها تصرفٌ في مالها بأكثرَ من الثلثِ، وقال الثّلاثة: إنّما يكونُ ذلكَ عندَ المخاضِ، واختارَ الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: ما قاله مالكٌ.
* * *
стр. 1188
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ .
[١٩٠] وروي أن الخبيثَ إبليسَ جاءهما، فقال: إنَّ ولدتِهِ سَوِيًّا، فسميهِ عبدَ الحارثِ، وكانَ اسمُه في الملائكةِ الحارثَ (١).
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ كما طلبا.
﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ بتسميتِهِ عبدَ الحارثِ من غيرِ اعتقادٍ لذلك، وإنّما كان شركًا في التسميةِ والصِّفَة، لا في العبادةِ والربوبية، وجاء في الحديث: "خَدَعَهُا إِبْلِيُس مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً فِي الأَرْضِ" (٢). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (شِرْكًا) بكسر الشين وإسكان الراء مع التّنوين؛ أي: ذوي شركٍ، وهم الشركاء، والباقون: بضمِّ الشينِ وفتح الراء والمدِّ والهمزِ من غيرِ تنوين، على جمع شريك، يعني: إبليس (٣)، وفي الآية قولٌ آخرُ، وهو أن الضميرَ في (آتيتَنا) و (لنكونَنْ) لهما ولأولادِهما، وفي (آتاهما) و (جعلا) لأولادِهما، وفيه حذفُ مضافٍ وإقامةُ المضافِ إليه مقامَه، تقديره: فلما آتى أولادَهما
стр. 1189
صالحًا، جعلَ أولادُهما للهِ شركاء؛ بأن سَمَّوا عبد (١) شمسٍ، وعبد العزَّى، وعبد يَغوثَ، وغيرِ ذلك، كما أضافَ فعلَ الآباءِ إلى الأبناءِ في تعييرِهم بفعلِ الآباءِ فقال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] خاطبَ بهِ اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ ﷺ ، وكانَ ذلكَ الفعلُ من آبائِهم، حكى المفسرون كُلًّا من التأويلينِ، وقدم البيضاويُّ في "تفسيره" هذا التأويلَ الثّاني (٢)، قال القرطبيُّ: وهو الّذي يُعَوَّلُ عليه (٣)، وقال البغويُّ: وهذا قولٌ حسنٌ لولا قولُ السلفِ وجماعةِ المفسرين إنّه في آدمَ وحواءَ (٤)، وقال الكواشيُّ: وهو أوجهٌ يعضدُه قوله تعالى:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بأن آدمَ وحواءَ لم يكونا مشرِكينِ بإجماعٍ، ولجمعِه الضميرَ في (يشركون).
* * *
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ .
[١٩١] ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: إبليسَ والأصنامَ.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: مخلوقون.
* * *
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ .
[١٩٢] ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: الأصنامُ لعَبَدَتِهم.