← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ . [٢] ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أي: بألَّا لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٌ﴾ بالعذابِ ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثوابِ. ... ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ . [٣] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وَحِّدُوهُ، عطفٌ على الأولِ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من الكفر، أي: انسلِخوا منهُ، واندَموا على سالفِهِ. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ يُعَيِّشْكُم في الدنيا ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾ عَيْشًا طيبًا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى المماتِ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أي: في العملِ؛ أي: زيادةٍ في ﴿فَضْلَهُ﴾ أي: جزاءَ فضلِه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولَّوا، فحُذفَتْ إحدى التاءين. وقرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ (وَإن تَّوَلَّوا) بتشديدِ التاء (١). ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ: (فَإِنِّيَ أَخَافُ) (إِنِّيَ أَخَافُ) حيثُ وقعَ بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (٢) ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يومُ القيامة.

стр. 1437

﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ . [٤] ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ في ذلك اليومِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثوابٍ وعقابٍ، ولا ينفعُ من قضائِه واقيةٌ. ... ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ . [٥] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يخفونَ ما فيها من العداوةِ، نزلتْ في الأخنسِ بنِ شريقٍ، وكانَ رجلًا حلوَ الكلامِ والمنظرِ، يلقى رسولَ اللهِ ﷺ بما يحبُّ، وينطوي بقلبِه على ما يكرهُ (١). ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: من الله، قال ابنُ عطية: هذا هو الأفصحُ الأجزلُ في المعنى، وقيل: يمكنُ أن يعودَ الضميرُ على محمدٍ ﷺ (٢). ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يَتَغَطَّونَ بها، و (حين) توقيتٌ للتغطَي لا للعلمِ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أفواههم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وذواتُ الصدورِ: ما فيها. ... ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليسَ دابةٌ، و (من) صِلَةٌ، والدابّةُ:

стр. 1438

كلُّ حيوانٍ يَدِبُّ على وجهِ الأرضِ ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: هو المتكفِّلُ به فَضْلًا لا وجوبًا. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ مكانها. ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ كانتْ من قبلُ من صلبٍ أو رَحِم. ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مثبتٍ في اللوحِ المحفوظَ قبلَ خَلْقِها. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ والأرجحُ أنها من أيامِ الدنيا، وأجزأَ ذكرهُ السمواتِ والأرضَ عن ذكرِ ما فيها؛ إِذ كلُّ ذلكَ خُلِقَ في تلكَ الستةِ أيامٍ، وتقَّدمَ الكلامُ في ذلك في سورة الأعراف. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبلَ خلق السمواتِ والأرضِ، وكانَ ذلكَ الماءُ على مَتْنِ الريح، ثم بَيَّنَ علَّةَ الخلقِ فقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختَبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيُّها المؤمنون وأزهدُ في الدنيا وأتمُّ عقلًا. ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ يا محمدُ ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعنون: القرآن. قرأ حمزةُ، والكسائُّي، وخلفٌ: (سَاحِرٌ) بفتح السين وألفٍ بعدَها وكسرِ الحاءِ، يعني: محمدًا ﷺ (١).

стр. 1439

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ . [٨] ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: أجلٍ محدودٍ، وأصلُ الأمةِ: الجماعةُ، فكأنه قال: إلى انقراضِ أمةٍ ومجيِء أخرى. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ المعنى: أيُّ شيٍء يمنعُ العذابَ من النزولِ؟ يقولونه استهزاءً. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيومِ بدرٍ ﴿لَيْسَ﴾ العذابُ ﴿مَصْرُوفًا﴾ مدفوعًا ﴿عَنْهُمْ وَحَاقَ﴾ وأحاطَ ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نزل بهم جزاءَ استهزائهم. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: الجنسُ ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمةً. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ أَزَلْناها عنه ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شديدُ اليأس أنها لا تعودُ إليه ﴿كَفُورٌ﴾ أَنْعُمَ اللهِ عليه. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ صحةً وسَعَةً ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ﴾ شدةٍ. ﴿مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ﴾ الإنسانُ ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾ المصائبُ ﴿عَنِّي﴾ ويتجَبَّرُ. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بطر.

стр. 1440

﴿فَخُورٌ﴾ والفرحُ: لذةٌ في القلبِ بنيلِ المشتهى، والفخرُ: هو التطاوُلُ على الناس بتعديدِ المناقبِ، وذلك منهيٌّ عنه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ (عَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ . [١١] ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ متصلٌ على ما تقدَّمَ من أن (الإنسانَ) عامٌّ، ويرادُ به الجنسُ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنةُ. ... ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: تاركٌ تبليغَ ما يسوؤهم رجاءَ توبتِهم، وذلكَ أن كفارَ مكةَ لما قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] ليس فيه سبُّ آلهتنا، هَمَّ النبيُّ ﷺ أن يدعَ سبَّ آلهتهم ظاهرًا، فأنزل اللهُ الآية (٢).

стр. 1441

﴿وَضَائِقٌ بِهِ﴾ أي: بما كُلِّفْتَ ﴿صَدْرُكَ﴾ بأن تتلوَهُ عليهم مخافةَ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ مكذِّبينَ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ينفقُهُ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدِّقُهُ. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ فأدّ النِّذارَةَ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حافظٌ وشهيدٌ. ... ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿أَمْ﴾ بَلْ ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقَ محمدٌ الموحَى إليه، وهو القرآنُ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ مختلَقاتٍ من عندِ أنفسِكم، قال هنا: عشر، وفي يونسَ: (بسورة)؛ لأن هذه نزلتْ قبلَ تلكَ، لأنهم تُحُدُّوا أولًا بالإتيان بعشر، فلما عَجَزوا، تُحُدُّوا بسورةٍ واحدةٍ، المعنى: إن كان ما جئتُ به مفترًى كما تزعمونَ، فعارضوا بعضَه. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ للمعارضةِ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الكهنةِ والأعوانِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. ... ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا﴾ في المعارضة، ولم تتهيأ لهم، خوطب جَمعًا؛ تعظيمًا لقدره، أو الخطابُ له ولأصحابهِ.

стр. 1442

﴿فَاعْلَمُوا﴾ خطابٌ للمؤمنين، أو للمشركين ﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أي: وهو عالم بإنزالِه وبجميعِ ما فيه ﴿وَأَنْ لَا﴾ أي: واعلموا أن لا ﴿إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمرِ؛ أي: أسلِموا. ... ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ . [١٥] ونزل في كلِّ مَنْ عملَ عملًا لغيرِ اللهِ تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ بإحسانهِ وبرِّهِ. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: أُجورَ أعمالِهم في الدنيا؛ بسعةِ الرزقِ، وطيبِ العيش ﴿وَهُم فِيهَا﴾ أي: في الدنيا ﴿لَا يبُخسُونَ﴾ لا يُنْقَصون من حظِّهم. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفَوا ما تَقتضيه صورُ أعمالِهم الحسنةِ، وبقيت لهم أوزارُ العزائمِ السيئةِ. ﴿وَحَبِطَ﴾ بَطَلَ في الآخرةِ ﴿مَا صَنَعُوا فيهَا﴾ أي: في الدنيا. ﴿وَبَاطِلٌ﴾ في نفسِه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه عمل لغيرِ الله تعالى، واختلِف في المعني بهذه الآية، فقيل: هم أهلُ الرياءِ من المؤمنين، وقيل: هم الكفارُ، قال ابنُ عطيةَ: وهو عندي أرجحُ التأويلاتِ بحسبِ ذكرِ الكفارِ

стр. 1443

والمنافقين في القرآنِ، فإنما قصدَ بهذه الآية أولئك (١). ... ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ابتداءٌ، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: أفمَنْ كان على بينةٍ كمَنْ كفرَ باللهِ وكذَّبَ أنبياءه؟ والمرادُ: أن النبيَّ ﷺ على بينةٍ؛ أي: برهانٍ وبيانٍ من اللهِ أن دينَ الإسلامِ حَقٌّ. ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾ أي: يتبع البرهانَ شاهدٌ يشهدُ بصحته، وهو القرآن. ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الله تعالى. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبلَ القرآنِ ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ هو التوراةُ. ﴿إِمَامًا﴾ مُؤْتمًا به ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن تبعَه. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المؤمنون. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالنبيِّ ﷺ . ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ وهم الفِرَقُ من أهلِ مكةَ ومن ضامَّهم من الكفار المتحزِّبين على رسولِ اللهِ ﷺ . ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مصيرهُ.

стр. 1444

﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ شَكٍّ ﴿مِنْهُ﴾ من الموعدِ ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ من قلَّةِ نظرِهم، واختلالِ فكرهم. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعمَ أن له ولدًا وشريكًا؟ أي: لا أحدَ أظلمُ منه. ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الكاذبينَ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ في الموقفِ، فيسألُهم عن أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهدٍ، وهم الملائكةُ والنبيونَ ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بُعْدُهُ وسَخَطُهُ ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الذين وَضعوا العبادةَ في غيرِ موضِعها. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يمنعونَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينهِ. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يعدِلون بالناسِ عنها إلى المعاصي والشركِ. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أعادَ لفظَ (هم) تأكيدًا لكفرِهم. ***

стр. 1445

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ . [٢٠] ثم قال الأشهادُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الكاذبون. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ فائتينَ اللهَ إذا أرادَ عذابَهم. ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ناصرينَ يمنعونهم من عذابِه، ولكن أَخَّرَهم إلى يومِ القيامةِ. ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ يشدَّدُ حتى يكونَ ضِعْفَي ما كان. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وجعفرٌ، ويعقوبُ: (يُضَعَّفُ) بتشديدِ العينِ مع حذفِ الألف، والباقون: بإثباتِ الألف والتخفيفِ (١). ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: استماعَ الحقِّ. ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ محمدًا؛ بُغْضًا له، فـ (ما) نافية. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ غَبَنوا. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراءِ عبادةِ الأوثانِ بعبادةِ اللهِ. ﴿وَضَلَّ﴾ ضاع. ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من زَعْمِهم أن الآلهةَ تشفعُ لهم.

стр. 1446

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا. ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: متحقِّقٌ خسرانُهم. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدَّقوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا﴾ خَشَعوا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وأصلُ الإخباتِ: الخضوعُ، من الخَبْتِ، وهي الأرضُ المطمئنَّةُ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه الآيةُ في الصحابةِ المؤمنين، والتي قبلَها في المشركين. ... ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ثم ضربَ للكافرينَ والمؤمنينَ مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ مبتدأ، خبُره ﴿كَالْأَعْمَى﴾ أي: كمثلِ الأعمى. ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ هذا للكافرينَ ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ للمؤمنين، شَبَّهَ الكافرَ بالأعمى وبالأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو على تمثيل مثالين، وقال بعضُ المتأولين: التقديرُ: كالأعمى الأصمِّ، والبصيرِ السميعِ، فدخلت واوُ العطف كما تقولُ جاءني: زيدٌ العاقلُ والكريمُ،

стр. 1447

وأنت تريدُه بعينه، فهو (١) على هذا تمثيلٌ بمثالٍ واحد. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ أي: الفريقانِ ﴿مَثَلًا﴾ تمييز. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعظون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذْكُرونَ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديدِ (٢). ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ: (إنِّي) بكسرِ الهمزة؛ أي: فقال: إني؛ لأن في الإرسالِ معنى القولِ، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة؛ أي: بـ (أني) (٣)، والنذرُ والمنذِرُ هو المحذِّرُ. ... ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ، وُصِفَ بذلك؛ لأن العذابَ يكونُ فيه، وتقدمَ ذكرُ الاختلافِ في عمرِه حينَ بعثَهُ اللهُ إلى قومِه في سورة الأعرافِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ولبثَ يدعو قومَه تسعَ مئةٍ وخمسينَ

стр. 1448

سنةً، وعاشَ بعدَ الطوفانِ مئتي سنةٍ وخمسينَ سنةً، وماتَ وله ألفٌ وأربعُ مئةٍ وخمسون سنةً. ... ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ . [٢٧] ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأُ: هم الأشرافُ والرؤساءُ ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ آدمِيًّا ﴿مِثْلَنَا﴾ لا مَزِيَّةَ لكَ علينا. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ الناقصونَ الأقدارِ فينا. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قرأ أبو عمروٍ: (بَادِئ) بالهمزة؛ أي: أولَ الرأي، يريدون: أنهم اتبعوكَ في أولِ الرأيِ من غيرِ رؤيةٍ وتفكُّرٍ، ولو تفكَّروا ما اتّبَعوكَ، وقرأ الباقونَ: بياءٍ مفتوحةٍ بغيرِ همزٍ (١)؛ أي: ظاهرَ الرأي، معناه: اتبعوك ظاهرًا من غيرِ أن يتدَبَّروا ويتفكروا باطِنًا، ونصبُه على القراءتين ظرفٌ. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ لكَ ولمتبعيكَ ﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: زيادةِ شرفٍ علينا نؤهِّلُكم بها للنبوةِ ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ الخطابُ لنوحٍ ولمن آمَن به. ...

стр. 1449

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قَالَ﴾ نوحٌ ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أَخْبِروني. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ﴿مِنْ رَبِّي﴾ شاهدةٍ بصحةِ دَعْواي. ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: النبوةَ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ (فَعُمِّيَتْ) بضمِّ العينِ وتشديدِ الميم؛ أي: شُبِّهَتْ ولُبِّسَتْ، وقرأ الباقون: بفتح العينِ وتخفيفِ الميم؛ أي: خَفِيَتْ (١). ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أنُلْزِمُكُمُ الهدايةَ ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ لا تريدونها؟ استفهامٌ بمعنى الإنكارِ. ... ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغِ وإيمانِكم ﴿مَالًا﴾ أَجْرًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ،

стр. 1450

والكسائيُّ، وخلفٌ عن عاصمٍ: (أَجْرِي) بإسكان الياءِ حيثُ وقع: والباقون بفتحِها (١). ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذلكَ أنهم قالوا له: اطردْ عنكَ المؤمنينَ؛ حَسَدًا لهم ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي: صائرونَ إليه، فيجزي من طَرَدَهم. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أمرَ اللهِ ولقاءَه. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وقنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلكنِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢). ... ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من يمنعُني من عذابِه. ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ لأجلِ إيمانهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعظون. قرأ أبو عمروٍ: (وَيَا قَوْم منْ) بإدغامِ الميم في الميم (٣). ...

стр. 1451

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ فآتي منها ما تطلبونَ. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبرُكم بما تريدونَ. ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي﴾ تحتقرُ ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾ من المؤمنين ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ أي: إيمانًا وتوفيقًا؛ لجهلي بحالهم، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلُنا، ولن يؤتيَهم اللهُ خيرًا. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيجازيهم عليه ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنْ آذيتُهم. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾ . [٣٢] ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ خاصَمْتَنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ فَأطْنَبْته. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدَّعْوى. ...

стр. 1452

﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ عاجِلًا أوآجِلًا. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتينَ. ... ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ نَصيحتي. ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ أي: نصحَكم. ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يُضِلَّكم، تقديرُ الكلام: إنْ كانَ اللهُ يريدُ أن يغويَكم، فإن أردتُ أن أنصحَ لكم، لا ينفعكُم نصحي. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفر: (نُصْحِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ فإليه الإغواء والهدايةُ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخبارٌ في ضمنِه تهديدٌ ووعيدٌ. قرأ يعقوبُ: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء، والباقون: بضمها (٢). ...

стр. 1453

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ هؤلاء الكفرةُ ﴿افْتَرَاهُ﴾ افترى نوحٌ هذا التوعُّدَ بالعذاب، وأراد الإرهابَ علينا بذلك، وقيل: إن هذه الآيةَ اعترضَتْ في قصةِ نوحِ، وهي في شأنِ محمدٍ ﷺ مع كفارِ قريشٍ، وذلك أنهم قالوا: افترى القرآنَ، وافترى هذهِ القصةَ عن نوحٍ، فنزلتِ الآيةُ في ذلك، والأولُ هو قولُ ابنِ عباسٍ (١)، قال القرطبيُّ: وهو أظهرُ؛ لأنه ليسَ قبلَه ولا بعده إلا ذكرُ نوحٍ وقومِه، فالخطاب منهم ولهم (٢). ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ المعنى: إن صحَّ أني افتريتُه، فعلي جزاءُ افترائي. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ من الكفرِ والتكذيبِ. قرأ أبو جعفرٍ بخلاف عنه: (بَرِيٌّ) و (بَرِيُّونَ) حيثُ وقعَ بتشديدِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ والمدِّ. ... ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ معنى الكلام: الإياسُ من إيمانهم، واستدامةُ كفرِهم تحقيقًا لنزولِ الوعيدِ بهم.

стр. 1454

﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ فلا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإني مُهْلِكُهم، فحينئذٍ دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦]، ورُوي أنهم كانوا يبطِشونَ بنوحٍ فيخنقونه حتى يُغشى عليه، فإذا أفاقَ، قال: رَبِّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمونَ. ... ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بمنظرٍ مِنَّا؛ أي: اصنعْها محفوظًا أن تنُالَ بسوءٍ، وأن يُحال بينَكَ وبينَ عملِها، وأن تُخطئ في عملِها، لأنه لما أُمِرَ بعملِ السفينةِ، لم يدرِ كيفَ يصنعُها، فأوحيَ إليه أن اصنعْها كجؤجُؤِ الطائرِ، فإنَّكَ بعيني، فأخذ القَدُّومَ، وجعل يضربُ ولا يخطئ، ورُوي أن السفينةَ كان طولُها ثلاثَ مئةِ ذراعٍ، وعرضُها خمسينَ ذراعًا، وطولُها في السماء ثلاثين ذراعًا، وقيلَ غيرُ ذلك، وكانتْ من خشبِ الساجِ، وجعلَ لها ثلاثةَ بُطونٍ، فحملَ في البطنِ الأسفلِ الوحوشَ والسباعَ والهوامَّ، وفي البطنِ الوسطِ الدوابَّ والأنعام، وركبَ هو ومَنْ معه البطنَ الأعلى معَ ما يحتاجُ إليه من الزاد. ﴿وَوَحْيِنَا﴾ وتعليمِنا لكَ صورةَ العملِ بالوحيِ. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ تراجِعْني. ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في إهلاكِ الكفارِ وابنِك كنعانَ وامرأتِكَ واعلةَ. ﴿إِنَّهُم مُّغرَقُونَ﴾ محكومٌ بغرقِهم. ***

стр. 1455

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وَيَصْنَعُ﴾ أي: وطَفِقَ يصنعُ ﴿الْفُلْكَ﴾ رُوي أن نوحًا ﵇ لبثَ يغرسُ الشجرَ مئةَ عام، ثم جعلَ يقطعُ الخشبَ ويضربُ الحديدَ ويهيئ عدةَ الفلكِ من القارِ وغيره. ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ جماعةٌ ﴿مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ فكانوا يتضاحَكون ويقولون: يا نوحُ! صرت نجارًا بعد ما كنت نبيًّا! ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في المستقبلِ عند رؤيةِ الهلاكِ. ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ منا الآنَ. ... ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُذِلُه، وهو الغرقُ. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عذابُ الآخرةِ، فصنعَ نوحٌ السفينةَ في سنتين، وقيلَ غيرُ ذلك. ... ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: وقتُ الوعدِ بإهلاكهم. واختلافُ القراء في حكم الهمزتين من قوله (جَاءَ أَمْرُنَا) في هذا الحرف وجميعِ ما في

стр. 1456

السورة كاختلافِهم فيها من قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] في سورةِ النساءِ. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أَي: جاشَ بالماء، وهو تنورُ الخبزِ في قولِ الأكثرِ، وكان هو الآيةَ بينَ نوحٍ وبينَ ربِّهِ، واختلِفَ في موضعِ التنور، فقيلَ: بالكوفة، وقيل: بالشام بموضعٍ يُقال له عَيْنٌ وردة، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ أي: في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ صِنْفَين من الحيوان. ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذكرًا وأنثى، وقيل لهما: زوجان؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُقال له: زوجٌ؛ لأنه لابدَّ لأحدِهما من الآخر. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مِنْ كُلِّ) بالتنوين؛ أي: من كلِّ صنفٍ زوجينِ، اثنينِ ذكرَه تأكيدًا، والباقون: بغيرِ تنوينٍ على الإضافةِ على معنى: احمل اثنينِ من كلِّ زوجينِ، والقراءتانِ ترجعان إلى معنىً واحدٍ (١). وعندَ فورانِ التنورِ حُشِرَ الحيوانُ لنوحٍ ﵇، فجعل يضربُ بيديه فيقعُ الذكرُ في اليمنى، والأنثى في اليسرى، فيلقيهما في السفينة، ورُوي أن أول ما أَدخلَ السفينةَ الدُّرَّةُ، وآخرَ ما أدخلَ الحمارُ، فتمسَّكَ الشيطانُ بذنبِهِ، فزجرَهُ نوحٌ فلم ينزجرْ، فقالَ له: ادخلْ ولو كانَ معكَ الشيطانُ، قال ابنُ عباسٍ: "زَلَّتْ هذهِ الكلمةُ على لسانِه، فدخلَ الشيطانُ حينئذٍ"، وكان عندَ مؤخرِ السفينة، فلما كثرتْ أرواثُ الدوابِّ، تأذَّى نوحٌ من رائحتها، فأوحي إليه أنِ امسحْ على ذَنَبِ الفيلِ، ففعلَ، فخرجَ منه

стр. 1457

خنزيرٌ وخنزيرةٌ، فَكَفيا نوحًا وأهلَه ذلكَ الأذى، فلما وقعَ الفأرُ يخربُ السفينةَ ويقرِضُ حبالَها، أوحي إليه أنِ اضربْ بينَ عيني الأسدِ، ففعلَ، فعطسَ، فخرجَ منه هِرٌّ وهرةٌ، فَكَفياهم الفأرَ، ورويَ أن الحيةَ والعقربَ أتيا نوحًا، فقالتا: احملْنا، فقالَ: إنكما سببُ الضررِ والبلاءِ فلا أحملُكُما، قالتا: احملْنا ونحن نضمنُ لك أَلَّا نضرَّ أحدًا ذكرك (١)، فمن قرأَ حينَ خاف مضرتهما: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] ما ضَرَّتَاهُ. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحملْ أهلَكَ من النسبِ ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بالهلاكِ، وهو كنعانُ، وامرأتُك واعلةُ مستثنىً من الأهلِ. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: واحملْ مَنْ آمنَ بكَ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهم بنوه الثلاثةُ سامٌ وحامٌ ويافثُ، وثلاثُ نسوةٍ لهم، وامرأةُ نوحٍ غيرُ الهالكةِ، وتقدَّم في سورةِ الأعراف أنَّ من آمن به كانوا أربعين رجلًا، وأربعين امرأة، وهم الذين نجوا معه في السفينة، وفي ذلك خلاف، والله أعلم. ... ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ . [٤١] فلما دهمَهم الماءُ، ندبَهم إلى الركوبِ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ فركبوا في السفينة يومَ الجمعةِ لعشرٍ مضينَ من رجبٍ من عينِ وردةَ، فأتتِ

стр. 1458

البيتَ فطافَتْ به أسبوعًا، وقد رفعَهُ اللهُ من الغرقِ وبقيَ موضعه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: اركبوا مُسَمِّينَ أو قائلين: باسم الله عندَ مجراها ومرساها، فكانَ إذا أرادَ أن تجريَ قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسوَ قال: بسم الله، فرست. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عاصمٍ: (مَجْرَاهَا) بفتح الميم؛ أي: جَرْيَها، والباقون: بضمِّها؛ أي: إجرائِها، وأمالَ الراءَ أبو عمرٍو والأربعةُ المذكورون، ولم يُمِلْ حفصٌ غيرَ هذا الحرفِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، فرويَ عنه الإمالةُ والفتحُ، قال ابنُ الجزري: وقد غلطَ مَنْ حكى فتحَ الميمِ عن ابنِ ذكوانَ من المؤلفين، وشُبْهَتُهم في ذلك والله أعلم: أنهم رأوا فيها عنه الفتحَ والإمالةَ، فظنوا فتحَ الميم، وليسَ كذلك، إنما أريد فتحُ الراء وإمالتُها، انتهى. ورُوي عن ورشٍ الفتحُ والإمالةُ بينَ بينَ (١). ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تنبيهٌ لهم على نعمةِ الله عليهم ورحمتِه لهم. ... ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ﴾ في اضطرابِ الماءِ وارتفاعِه. ﴿كاَلْجِبَالِ﴾ عِظَمًا وارتفاعًا.

стр. 1459

﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعانَ، وكان كافرًا ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ معتَزلٍ عن أبيه. ﴿يَابُنَيَّ﴾ قرأ عاصمٌ: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بالكسرِ مشدَّدًا (١)، وقوله: (بُنَيَّ) مصغرًا ليكونَ أعطفَ له ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾. قرأ أبو عمرٍو والكسائيُّ، ويعقوبُ: (ارْكَب معَنَا) بإدغامِ الباءِ في الميمِ؛ لقربِ المخرَجِ، واختلِفَ عن ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ وقالونَ وخَلَّادٍ، وقرأ الباقون، وهم: ابنُ عامر، وأبو جعفرٍ، وخلفٌ لنفسِه (٢)، وعن حمزةَ، وورشٌ عن نافعٍ: بإظهارِ الباءِ على الأصل (٣)، تلخيصُه: اركبْ معنا تنجُ. ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلك. ... ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿قَالَ﴾ له ابنُه ﴿سَآوِي﴾ سألتجِئُ. ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يمنعُني من الغرقِ. ﴿قَالَ﴾ له نوحٌ ﴿لَا عَاصِمَ﴾ لا مانعَ ﴿الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ من عذابِ الله.

стр. 1460

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ استثناءٌ متصلٌ. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بينَ نوحٍ وابنهِ ﴿الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ بالماءِ، رُوي أن الماءَ علا على رؤوسِ الجبال أربعينَ ذراعًا، وعقمتِ النساءُ أربعينَ سنةً، وأدركَ الصغارُ على دينِ آبائِهم، وماتتِ البهائمُ بآجالِها. ... ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَقِيلَ﴾ بعدَ ما تناهَى أمرُ الطوفان: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الذي خرجَ منكِ؛ أي: اشربيهِ. ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكي عن إنزالِ القَطْر؛ لأن الأرض كانتْ تنبعُ الماءَ، والسماءَ تمطرُ بأجمعِها. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقصَ. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ عن ابنِ عامر، ورويسٌ عن يعقوبَ: (وَقِيلَ) (وَغِيضَ) بإشمامِ الضمِّ للقافِ والغينِ، واختلافُ القراءِ في الهمزتين من قوله: (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) كاختلافِهم فيهما من قوله: (السّفَهَاءُ أَلاَ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ١٣]. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فُرِغَ من إهلاكِ قومِ نوحٍ. ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ يعني: استقرَّتِ السفينةُ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ اسمُ جبلٍ بالجزيرةِ بقربِ المَوْصِلِ ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هلاكًا لهم.

стр. 1461

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وَعَدْتنَي بنجاةِ أهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خُلْفَ فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ أعدَلُهم. ... ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿قَالَ﴾ اللهُ ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: أهلِ ولايتِك ولا دينك، وهو ولدُه من صُلْبِه في قولِ الأكثرِ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ قرأ الكسائيُّ، ويعقوبُ: (عَمِلَ) بكسرِ الميمِ وفتحِ اللام (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: عَمِلَ شركًا، وقرأ الباقون: بفتح الميمِ ورفعِ اللام منوَّن ورفعِ الراءِ تعليلٌ لانتفاءِ الأهليةِ (١)، وجُعلت ذاتُه عملًا غيرَ صالح مبالغةً في ذمِّه. ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا تعلمْ أصوابٌ هو أم ليسَ صوابًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (تَسْأَلَنِّ) بفتح اللام وكسر النون وتشديدِها، وابنُ كثيرٍ كذلكَ، إلا أنه يفتحُ النونَ، والباقون: بإسكانِ اللامِ وكسرِ النونِ وتخفيفِها، وأثبتَ الياءَ بعدَ النونِ وصلًا أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ، وأثبتَها في الحالين يعقوبُ (٢) ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ

стр. 1462

الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: أن تدعوَ بهلاكِ الكفارِ، ثم تسألَ نجاةَ كافرٍ. ... ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] وحُكِيَ أن نوحًا كانَ لا يعلمُ بكفرِ ابنِهِ ﴿قَالَ﴾ نوحٌ ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ في المستقبلِ ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا علمَ لي بصحَّتِهِ ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أعمالًا، وكان ﷺ على قدمِ الاستغفارِ إلى أن تُوُفِّيَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ أَعِظُكَ) (إِنِّيَ أَعُوذُ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ انزلْ من السفينةِ ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ أي: سلامةٍ ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ والبركةُ: الخيرُ التامُّ ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ أي: ذريةِ أممٍ ﴿ممَّن﴾ كانَ ﴿مَعَكَ﴾ في السفينةِ، يعني: على قرونٍ تجيءُ بعدكَ من ذريةِ مَنْ معكَ من ولدِك، وهم المؤمنون ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الأخرى، وهم الكافرونَ أهلُ الشقاوة،

стр. 1463

وتقدَّمَ أن نوحًا ركبَ السفينةَ بعشرٍ مضَتْ من رجبٍ، وجرتْ بهم ستةَ أشهرٍ، وخرجوا منها يومَ عاشوراءَ، فصامَ نوحٌ ومَنْ معه شكرًا لله ، وكان الطوفانُ بعدَ هبوطِ آدمَ بألفينِ ومئتينِ واثنتينِ وأربعينَ سنةً، وبينَ الطوفانِ والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ثلاثةُ آلافٍ وتسعُ مئةٍ وأربعٌ وسبعونَ سنةً. ... ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا﴾ أي: آياتِ القرآن ﴿إِلَيْكَ﴾ بأخبارِ الأمم الماضية. ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: من قبلِ نزولِ القرآن. ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومِكَ؛ كنوح. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ آخرَ الأمرِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بالسعادةِ والنصرِ. ... ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ﴿وَإِلَى﴾ أي: وأرسلْنا إلى ﴿عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في النسبِ، لا في الدين، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ الأعرافِ. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدُوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، والكسائيُّ: (غَيْرِهِ) بخفضِ الراءِ حيثُ وقعَ إذا كانتْ قبلَ (إِلَهٍ) (مِنْ) التي

стр. 1464

تخفضُ، والباقون: بالرفع (١). ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ باتخاذِ الأوثانِ شركاءَ. ... ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالةِ ﴿أَجْرًا﴾ جُعْلًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خَلقَني. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (فَطَرَنيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ... ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ولما حُبِسَ القَطْرُ عن قومِ هودٍ ثلاثَ سنينَ، وعقمتْ أرحامُ نسائِهم، فلم يلدْنَ، قال لهم هود: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الذنوبِ السالفةِ، وآمِنوا ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من عبادةِ العِجْلِ وغيرِه. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ مُتتابعًا ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ في العددِ والمالِ

стр. 1465

والبدنِ ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الموجودة ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ لا تُدْبِروا مشركينَ. ... ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ دليل على قولكَ ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بقولكَ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدِّقينَ. ... ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يعني: لستَ تتعاطى ما تتعاطى من مخالفتنا وسبِّ آلهتِنا إلَّا لأنَّ بعضَ آلهتِنا اعْتَراكَ، أي: أصابَكَ بسوء؛ أي: بِخَبَلٍ وجُنُونٍ لسبِّكَ إياها، فَثَمَّ اسْتِخفافًا بهم وبآلهتِهم. ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ على نفسي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (إنِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَاشْهَدُوا﴾ أنتم أيضًا على ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ... ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الآلهةَ ﴿فَكِيدُونِي﴾ احتالوا في أمري أنتم وهم

стр. 1466

﴿جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تُمْهِلونِ. قرأ يعقوبُ: (تنظِروُني) بإثباتِ الياء بعدَ النون، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ . [٥٦] ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ اعتمدْتُ عليه ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: مالكُها وقادرٌ عليها، والناصيةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرأسِ، وخُصَّتْ بالذكر؛ لأنَّ العربَ كانتْ تجرُّ بناصيةِ الأسيرِ الممنون عليه؛ لتكونَ تلكَ علامةً أنه قُدِرَ عليه، وقُبِضَ على ناصيتِهِ، والدَّابةُ: جميعُ الحيوانِ، وخُصَّ بالذكرِ إذ هو صنفُ المخاطبينَ والمتكلمُ. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إن أفعالَ اللهِ هي في غايةِ الإحكامِ، وقولُه الصدقُ، ووعدُه الحقُّ، فجاءتِ الاستقامةُ في كلِّ ما ينضافُ إليهِ سبحانَهُ. ... ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولوا؛ يعني: تُعْرِضوا عما دعوتُكُم إليه. قرأ البزيُّ عنِ ابنِ كثيرٍ: (فَإِن تَّوَلَّوا) بتشديدِ التاء (٢).

стр. 1467

﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ المعنى: ما عَلَيَّ كبيرُ هَمٍّ منكُمْ إنْ تولَّيْتُم، فقد بَرِئَتْ ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحابُ الذنب في الإعراضِ عنِ الإيمانِ. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطوعَ منكم يُوَحدونه. ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بإشراكِكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (على) بمعنى اللام؛ أي: لكلِّ شيءٍ حفيظٌ، فهو يحفظُني ويجازيكم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابُنا، وهو السَّمُومُ، كانتْ تدخلُ أنوفَ الكفارِ وتخرجُ من أدبارِهم، فتقطعُ أعضاءهم. ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ من العذابِ، وكانوا أربعة آلافٍ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بنعمةٍ ﴿مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديدٍ، المعنى: نجوا من عذابَي الدنيا والآخرةِ بسببِ إيمانهم. ... ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ إشارةٌ إلى قبورِهم وآثارِهم ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ

стр. 1468

رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ يعني: هودًا، ذُكر بلفظِ الجمع، لأن من كَذَّبَ رسولًا واحدًا، كانَ كمَنْ كَذَّبَ جميعَ الرُّسُلِ. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يعني: السفْلَةَ ﴿أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ معاندٍ، أي: معارضٍ بالخلافِ، وهم رؤساؤهم ومقدَّموهم. ... ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أُرْدِفُوا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ تلحقُهم، واللعنةُ: الإبعادُ والطردُ عن الرحمةِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا. ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ جَحَدُوا نعمتَه ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ من رحمةِ اللهِ تعالى ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لِعادٍ؛ ليتمَيَّزوا عن عادٍ الثانيةِ، وهي عادُ إِرَم. ... ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾ . [٦١] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ أي: وأرسلنا إلى ثمودَ، وتقدَّمَ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ ﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسبِ ﴿صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ ابتدأَ خَلْقَكم من آدمَ، وآدمُ ﴿مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: خلقَكُم لِعِمارتها، وقيل: أطالَ أعمارَكم، قيل: كانتْ أعمارُهُم من ألفِ سنةٍ إلى ثلاثِ مئةِ سنةٍ.

стр. 1469

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ من المؤمنينَ ﴿مُجِيبٌ﴾ لدعائِهم. ... ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿قَالُوا﴾ يعني: ثمودَ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ للسيادةِ في ديننا ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ القولِ. ﴿أَتَنْهَانَا﴾ استفهامٌ معناهُ الإنكارُ ﴿أَن﴾ أي: عن أن ﴿نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهةِ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الريبةِ، وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بيانٍ وبصيرةٍ. ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوةً. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعُني من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بقولكم هذا ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: غيرَ بَصَارةٍ في خسارتكم. ... ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ نصبٌ على الحالِ

стр. 1470

والقطع، وذلكَ أنَّ قومَهُ طلبوا منه أن يُخْرِجَ ناقةً عُشَراءَ من هذهِ الصخرةِ، وأشاروا إلى صخرةٍ، فدعا صالحٌ، فخرجت منها ناقةٌ، وولدَتْ في الحالِ ولدًا مثلَها، فهذه معنى قوله ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ من العشبِ، فليس عليكم مُؤْنتها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾ جزم بالنهي ﴿بِسُوءٍ﴾ بعقرٍ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ جوابُ النهي ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ مِنْ عقرِها، وهو ثلاثة أيام. ... ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ عِيشوا في ديارِكم ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثم تهلكونَ ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فيه، تقدَّمَ ذكرُ القصةِ في الأعراف. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَمِنْ﴾ عطفٌ على (نَجَّيْنا)؛ أي: ونجيناهم من ﴿خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: عذابهم في الدنيا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم، والباقون: بكسرها على إضافة (يَوْمِ) إلى (إِذْ)، وأبو عمرٍو يدغمُ الياءَ في الياءِ (١).

стр. 1471

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على كلِّ شيءٍ. ... ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. [٦٧] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿الصَّيْحَةُ﴾ في اليومِ الرابعِ، وذلك أنَّ جبريلَ ﵇ صاحَ صيحةً واحدةً، فهلكوا. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف [الآية:٥]. ... ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا في ديارهم. ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرأ حمزةُ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (ثَمُودَ) غيرَ منوَّنٍ، والباقونَ: بالتنوين (١). ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قرأ الكسائيُّ: (لِثَمُودٍ) بالخفضِ والتنوينِ، والباقون: بنصبِ الدال، فمن أجازَ الصرفَ لأنه اسمٌ مذكرٌ، ومن لم يُجِزْهُ جعلَهُ اسمًا للقبيلةِ (٢).

стр. 1472

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ هم جبريلُ ومَنْ معه من الملائكةِ. ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارةِ بإسحقَ ويعقوبَ، وبإهلاكِ قومِ لوطٍ. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصبٌ على المصدرِ، والعاملُ فيه مضمَرٌ من لفظِه؛ كأنه قال: أسْلمْ سلامًا. ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأٌ وخبر، أي: سلامٌ عليكم. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (سِلْمٌ) بكسرِ السينِ بلا ألفٍ وسكونِ اللام، بمعنى: السلام، كما يقال: حِلٌّ وحَلالٌ (١). ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾ أي: فما أبطأ بمجيئِه ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَشْوِيٍّ بالحجارةِ المحمَّاةِ في حُفَيرة، وكانَ سَمينًا يسيلُ دَسَمًا. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ إلى العجلِ. قرأ أبو عمرٍو: (رَأَى) بإمالةِ الهمزةِ فقط، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بإمالةِ الراءِ تبًعًا للهمزة، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي بكرٍ (٢).

стр. 1473

﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ﴾ أضمرَ ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ خوفًا ظهرَ أثرهُ عليه، وذلك أنهم كانوا إذا نزلَ بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامِهم، ظنوا أنه لم يأتِ بخير، وإنما جاءَ لشرٍّ. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يا إبراهيمُ. ﴿إِنَّا﴾ ملائكةُ الله ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. ... ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارَةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحور، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ ﴿قَائِمَةٌ﴾ خلفَ الستر تسمعُ كلامَهم. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: تبسَّمَتْ سرورًا بزوالِ الخيفةِ، وهو قولُ الجمهورِ، قيل: ضَحِكَتْ؛ أي: حاضَتْ، قال ابنُ عطيةَ: وهو ضعيفٌ قليلُ التمكُّنِ (١). ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ﴾ أي: بعد ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَبُشِّرَتْ أنها تعيشُ حتى ترى ولدَ ولدِها. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَعْقُوبَ) بنصبِ الباءِ عطفًا على (إِسْحَاقَ)، والباقون: بالرفعِ على أنه مبتدأٌ خبرُه الظرفُ (٢)؛ أي: ويعقوبُ مولودٌ من بعدِه، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من قوله: (وَرَاءِ إِسْحَاقَ) كاختلافِهم فيهما من قوله: (هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٥].

стр. 1474

﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾ أي: يا عجبًا، وتقالُ هذهِ اللفظةُ عندَ ورودِ أمرٍ عظيمٍ. ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا﴾ وكانت ابنةَ تسعينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. واختلافُ القراءِ في قوله: (أَأَلِدُ) كاختلافهم في قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]. ﴿بَعْلِي﴾ بعلُ المرأةِ: زوجُها ﴿شَيْخًا﴾ نصبٌ حالٌ، وكانَ سِنُّ إبراهيمَ مئةً وعشرينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك، فأنكرت ذلك عادةً، وقالت: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: وجودَ الولدِ من كبيرين ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهو استعجابٌ من حيثُ العادة دونَ القدرةِ، وكانَ بينَ البشارةِ والولادةِ سنةٌ. ... ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ منكِرينَ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بإيجادِ الولدِ من كبيرين؟ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ نبوَّتُه، و (رَحْمَتُ) رُسمت بالتاء في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١).

стр. 1475

﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾ الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأنَّ أكثرَ الأنبياءِ منهم، وكلُّ الأسباطِ من ولدِ إبراهيمَ، وقيل: المعنى: حقيقةُ الرحمةِ والبركةِ حالَّتانِ. ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصبٌ نداءٌ؛ أي: بيتَ إبراهيمَ، وفيه دليلٌ أن زوجةَ الرجلِ من أهلِ بيته؛ لأنها خوطبَتْ به، فيقوى القولُ في زوجاتِ النبيِّ ﷺ بأنهن من أهلِ بيتِه الذينَ أذهبَ اللهُ عنهم الرَجْسَ، بخلافِ ما تذهبُ إليهِ الشيعةُ من قولهم: أَهْلُ بيتِه الذين حُرِموا الصدقَةَ، فيدفعونَ الزوجاتِ؛ بغضًا في عائشةَ ﵂. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمودٌ في أفعالِه. ﴿مَّجيدٌ﴾ كثيرُ الرفعةِ والشرفِ. ... ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الخوفُ. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ ويعقوبَ. ﴿يُجَادِلُنَا﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: أخذَ يجادِلُنا، ومعناهُ: يجادلُ رُسُلَنا. ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ في إهلاكِهم، ومجادلتُه إياهم أَنْ قالَ لهم: أَتُهْلِكونَ قومًا فيهم خمسونَ مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: أربعونَ؟ قالوا: لا، فما زالَ ينقصُ حتى قالَ: واحد؟ قالوا: لا ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. ***
следующие страницы →