← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على كلِّ شيءٍ. ... ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. [٦٧] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿الصَّيْحَةُ﴾ في اليومِ الرابعِ، وذلك أنَّ جبريلَ ﵇ صاحَ صيحةً واحدةً، فهلكوا. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف [الآية:٥]. ... ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ . [٦٨] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا في ديارهم. ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرأ حمزةُ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (ثَمُودَ) غيرَ منوَّنٍ، والباقونَ: بالتنوين (١). ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قرأ الكسائيُّ: (لِثَمُودٍ) بالخفضِ والتنوينِ، والباقون: بنصبِ الدال، فمن أجازَ الصرفَ لأنه اسمٌ مذكرٌ، ومن لم يُجِزْهُ جعلَهُ اسمًا للقبيلةِ (٢).

стр. 1472

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ هم جبريلُ ومَنْ معه من الملائكةِ. ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارةِ بإسحقَ ويعقوبَ، وبإهلاكِ قومِ لوطٍ. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصبٌ على المصدرِ، والعاملُ فيه مضمَرٌ من لفظِه؛ كأنه قال: أسْلمْ سلامًا. ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأٌ وخبر، أي: سلامٌ عليكم. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (سِلْمٌ) بكسرِ السينِ بلا ألفٍ وسكونِ اللام، بمعنى: السلام، كما يقال: حِلٌّ وحَلالٌ (١). ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾ أي: فما أبطأ بمجيئِه ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَشْوِيٍّ بالحجارةِ المحمَّاةِ في حُفَيرة، وكانَ سَمينًا يسيلُ دَسَمًا. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ إلى العجلِ. قرأ أبو عمرٍو: (رَأَى) بإمالةِ الهمزةِ فقط، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بإمالةِ الراءِ تبًعًا للهمزة، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي بكرٍ (٢).

стр. 1473

﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ﴾ أضمرَ ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ خوفًا ظهرَ أثرهُ عليه، وذلك أنهم كانوا إذا نزلَ بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامِهم، ظنوا أنه لم يأتِ بخير، وإنما جاءَ لشرٍّ. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يا إبراهيمُ. ﴿إِنَّا﴾ ملائكةُ الله ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. ... ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارَةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحور، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ ﴿قَائِمَةٌ﴾ خلفَ الستر تسمعُ كلامَهم. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: تبسَّمَتْ سرورًا بزوالِ الخيفةِ، وهو قولُ الجمهورِ، قيل: ضَحِكَتْ؛ أي: حاضَتْ، قال ابنُ عطيةَ: وهو ضعيفٌ قليلُ التمكُّنِ (١). ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ﴾ أي: بعد ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَبُشِّرَتْ أنها تعيشُ حتى ترى ولدَ ولدِها. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَعْقُوبَ) بنصبِ الباءِ عطفًا على (إِسْحَاقَ)، والباقون: بالرفعِ على أنه مبتدأٌ خبرُه الظرفُ (٢)؛ أي: ويعقوبُ مولودٌ من بعدِه، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من قوله: (وَرَاءِ إِسْحَاقَ) كاختلافِهم فيهما من قوله: (هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٥].

стр. 1474

﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾ أي: يا عجبًا، وتقالُ هذهِ اللفظةُ عندَ ورودِ أمرٍ عظيمٍ. ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا﴾ وكانت ابنةَ تسعينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. واختلافُ القراءِ في قوله: (أَأَلِدُ) كاختلافهم في قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]. ﴿بَعْلِي﴾ بعلُ المرأةِ: زوجُها ﴿شَيْخًا﴾ نصبٌ حالٌ، وكانَ سِنُّ إبراهيمَ مئةً وعشرينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك، فأنكرت ذلك عادةً، وقالت: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: وجودَ الولدِ من كبيرين ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهو استعجابٌ من حيثُ العادة دونَ القدرةِ، وكانَ بينَ البشارةِ والولادةِ سنةٌ. ... ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ منكِرينَ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بإيجادِ الولدِ من كبيرين؟ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ نبوَّتُه، و (رَحْمَتُ) رُسمت بالتاء في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١).

стр. 1475

﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾ الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأنَّ أكثرَ الأنبياءِ منهم، وكلُّ الأسباطِ من ولدِ إبراهيمَ، وقيل: المعنى: حقيقةُ الرحمةِ والبركةِ حالَّتانِ. ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصبٌ نداءٌ؛ أي: بيتَ إبراهيمَ، وفيه دليلٌ أن زوجةَ الرجلِ من أهلِ بيته؛ لأنها خوطبَتْ به، فيقوى القولُ في زوجاتِ النبيِّ ﷺ بأنهن من أهلِ بيتِه الذينَ أذهبَ اللهُ عنهم الرَجْسَ، بخلافِ ما تذهبُ إليهِ الشيعةُ من قولهم: أَهْلُ بيتِه الذين حُرِموا الصدقَةَ، فيدفعونَ الزوجاتِ؛ بغضًا في عائشةَ ﵂. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمودٌ في أفعالِه. ﴿مَّجيدٌ﴾ كثيرُ الرفعةِ والشرفِ. ... ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الخوفُ. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ ويعقوبَ. ﴿يُجَادِلُنَا﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: أخذَ يجادِلُنا، ومعناهُ: يجادلُ رُسُلَنا. ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ في إهلاكِهم، ومجادلتُه إياهم أَنْ قالَ لهم: أَتُهْلِكونَ قومًا فيهم خمسونَ مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: أربعونَ؟ قالوا: لا، فما زالَ ينقصُ حتى قالَ: واحد؟ قالوا: لا ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. ***

стр. 1476

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غيرُ عَجولٍ. ﴿أَوَّاهٌ﴾ كثيرُ التأَوُّهِ من الذُّنوبِ ﴿مُنِيبٌ﴾ تائبٌ. ... ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ . [٧٦] وكان في قرى لوطٍ أربعُ مئةِ ألفٍ، فقالتِ الرسلُ عندَ ذلك: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ. ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بإهلاكِهم. ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ نازلٌ بهم ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ عنهم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ يعني: هؤلاءِ الملائكةَ. ﴿لُوطًا﴾ على صورةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوجوهِ. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: حزنَ لوطٌ بمجيئهم. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (سِيءَ) و (سِيئَتْ) بإشمامِ السينِ الضَّمَّ حيث وقعَ (١).

стр. 1477

﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضيقُ الذَّرع: عبارة عن ضيقِ الوُسْعِ، وهو كنايةٌ عن شِدَّةِ الانقباض، المعنى: اغتمَّ غَمًّا شديدًا خشيةً من قومِهِ أن يقصِدُوهُم بالفاحشةِ لَمَّا رأى جَمالَهم، فيحتاجُ إلى المدافعةِ عنهم. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديدٌ. ... ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ . [٧٨] رُوي أنهم جاؤوا منزلَ لوطٍ سرًّا، ولم يعلمْ بهم إلا أهلُ بيتِ لوط، فخرجتِ امرأتُه فأخبرَتْ قومَها، وقالت: إنَّ في بيتِ لوطٍ رجالًا ما رأيتُ مثلَ وُجوهِهِمْ قَطُّ. ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يُسرِعون، وقيلَ: يُسْتَحَثُّونَ. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: ومن قبلِ ذلكَ الوقتِ. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إتيانَ الذكورِ في أدبارِهم. ﴿قَالَ﴾ لهم لوطٌ حينَ قصدوا أضيافَهُ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: بالنكاحِ أحلُّ، وَقَى أضيافَهُ ببناتِهِ، وكان في ذلكَ الوقتِ تزويجُ المسلمةِ من الكافرِ جَائزًا كما زَوَّجَ النبيُّ ﷺ ابنتيه من أبي العاصِ بنِ وائلٍ، وعُتْبَةَ بنِ أبي لهبٍ قبلَ الوحيِ وهما كافرانِ. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بتركِ الفواحشِ ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ تَفْضحونِ.

стр. 1478

﴿فِي ضَيْفِي﴾ بفعلِكم الخبيثِ؛ لأنَّ العارَ يلزمُني بذلك. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (تُخْزُوني) بإثباتِ الياءِ حالةَ الوصلِ، ويعقوبُ بإثباتِها وَصْلًا ووقفًا (١)، وقرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (ضَيْفِي) بإسكان الياءِ، والباقون: بفتحها (٢). ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ صالحٌ يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ؟ ... ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: حاجةٍ، فلا ننكحُهُنَّ. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيانِ الذكورِ. ... ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿قَالَ﴾ لهم لوطٌ عندَ ذلكَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أنصارًا وأعوانًا ﴿أَوْ آوِي﴾ أَنْضَمُ. ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عشيرةٍ منيعةٍ، وجوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لَقاتَلْتُكم وحُلْتُ بَينكم وبينَهم. ...

стр. 1479

﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ . [٨١] وكان لوط قد أغلقَ عليه وعلى أضيافِه بابَه، وهو يناشِدُهم من وراءِ البابِ، وهم يعالجونَ في تسَوُّرِ الجدارِ، فلما رأتِ الملائكةُ ما يلقى لوطٌ منهم. ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوءٍ، وإنَّ ركنَكَ لشديدٌ، فخلِّ بينَنا وبينَهم، ففتحَ البابَ، فصفقَ جبريلُ وجوهَهم بجناحه، فأعمى أبصارَهُم، فذهبوا يتهدَّدونَ لوطًا يقولونَ: مكانَكَ حَتَى نصبحَ. ﴿فَأَسْرِ﴾ يا لوطُ ﴿بِأَهْلِكَ﴾ بابنتكَ وامرأتك. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (فَاسْرِ) بوصلِ الألفِ من سَرَى، والباقون: بقطعِها من أَسْرَى، ومعناهُما واحدٌ، وهو سيرُ الليلِ (١). ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفةٍ منهُ، قيلَ: إنه السَّحَرُ الأولُ. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو (امْرَأَتُكَ) برفع التاء على الاستئنافِ، من الالتفاتِ؛ أي: لا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك، فإنها تلتفتُ فتهلكُ، وكان لوطٌ قد أخرجَها معه، ونهى من تبعَه ممن أَسْرى بهم أَنْ يلتفتَ سوى زوجتِه، فإنها لما سمعتْ هَدَّةَ العذابِ،

стр. 1480

التفتَتْ، وقالت: واقوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها. وقرأ الباقون: بنصب التاءِ على الاستثناءِ من الإسراء (١)؛ أي: فأسرِ بأهلكَ إلَّا امرأتَكَ فلا تَسْر بها، وخَلِّفْها معَ قومها، فإنَّ هَواها إليهم، قال القرطبيُّ: وهي القراءةُ البينةُ الواضحةُ المعنى (٢). ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ من العذابِ، فقال لهم لوطٌ: متى موعدُ هلاكِهم؟ فقالتِ الملائكةُ: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال لوطٌ: أريدُ أسرعَ من ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾ . [٨٢] فخرج لوطٌ وطوى اللهُ له الأرضَ في وقْتِه حتى نَجا، ووصلَ إلى إبراهيمَ ﵉ ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابُنا. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ وذلكَ أن جبريلَ ﵇ حملَ مَدائِنَهم، الخمسَ، وهي سدومُ، وهي القريةُ العظمى، وعَمُورا، وأَدْم، وأصبؤين، ولُوشَع بمنْ فيها على جناحه، وكانوا أربعَ مئةِ ألفٍ، ورفعَها حتى سمعتِ الملائكةُ نباحَ الكلابِ وصياحَ الدِّيكةِ، لم يُكْفَأْ لهم إناءٌ، ولم ينتبهْ نائمٌ، ثم قلبَها فجعلَ عاليَها سافلَها. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي: على شذَّاذِ القُرى، وهم مَنْ لم يكنْ فيها.

стр. 1481

﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ سجِّيل وسِجِّينٌ: الصلب من الحجارةِ والطين. ﴿مَنْضُودٍ﴾ متتابع يتبعُ بعضُها بعضًا. ... ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ . [٨٣] ﴿مُسَوَّمَةً﴾ نعتُ الحجارةِ؛ أي: مُعَلَّمَة، عليها أمثالُ الجبالِ لا تشبهُ حجارةَ الدنيا ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ في خزائِنِه. ﴿وَمَا هِيَ﴾ يعني: تلكَ الحجارةَ ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: مشركي مكة. ﴿بِبَعِيدٍ﴾ أي: بمكانٍ بعيدٍ. ... ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ أي: وأرسلْنا إلى مَدْيَنَ ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكان قومُ شُعيبٍ يُطَفِّفُونَ معَ شِرْكِهم، فقال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: لا تَبْخَسوا. ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ سَعَةٍ وخِصْبٍ، فلا حاجةَ لكم إلى التَّطْفيفِ ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ يحيطُ بكم فيهلِكُكُم، والمرادُ: يومُ القيامةِ. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنّي أَرَاكُمْ) (إِنّي أَخَافُ) بإسكانِ الياء، وافَقَهم الكسائيُّ في (إِنّي أَرَاكُمْ) (١).

стр. 1482

﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ . [٨٥] ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا﴾ أَتِمُّوا ﴿الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقِصُوا ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تَسْعَوْا في فسادٍ. ... ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أي: ما أبقاه اللهُ لكمْ من الحلال. وقفَ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ على (بَقِيَّة) بالهاءِ (١)، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من التطفيفِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنه لا ينتفعُ بالثوابِ إلا مؤمنٌ. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظُكم من القبائح، إِنْ عَلَيَّ إلا البلاغُ. ... ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ . [٨٧] وكانَ شعيبٌ ﷺ كثيرَ الصلاةِ ﴿قَالُوا﴾ لهُ سُخريةً واستهزاءً:

стр. 1483

﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثانِ. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من البَخْسِ والتَّطفيفِ. ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوهُ استهزاءً به، وأرادوا: الضَّالَّ السَّفيهَ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (أَصَلاَتُكَ) بحذفِ الواوِ على التوحيدِ، والباقونَ بإثباتها على الجمعِ (١)، واختلافُهم في الهمزتينِ مِنْ (نَشَاءُ إِنَّكَ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلَى) في سورةِ البقرة [الآية: ١٤٢]. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بصيرةٍ. ﴿من ربِّي﴾ وهو ما آتاهُ الله من العلمِ والنبوةِ. ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ مالًا حلالًا، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: فهلْ يسعُ لي مع هذا الإنعام أن أشوبَ الحلالَ بالحرامِ. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ المعنى: ما أريدُ أن أنفردَ بشهواتِكُم اللاتي نهيتُكم عنها لأَستبدَّ بها دونَكُم.

стр. 1484

﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ فيما آمرُكُم به وأنهاكُمْ عنه. ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ مُدَّةَ استطاعتي. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: لا أقدرُ على توفيقِ نفسي، فكيفَ توفيق غيري؟ والتوفيق: تسهيلُ سُبُلِ الخيرِ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ (توفيقي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (١) ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجعُ في جميعِ أموري. ... ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ خِلافي. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (شِقَاقِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحِها (٢). ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أي: على فعلٍ يصيُبكم. ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرقِ. ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الصَّيْحَةِ. ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ لأنهم قريبو المنازلِ والهلاكِ منكم. ...

стр. 1485

﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ عَمَّا أنتم عليه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عظيمُ الرحمةِ للتائبين ﴿وَدُودٌ﴾ مُحِبٌّ أَولياءَهُ. ... ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ . [٩١] وجاءَ في الخبر: "أَنَّ شُعَيبًا كانَ خطيبَ الأنبياءِ" (١) ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ لا نفهمُ ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ احتقارًا بكَ. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ عاجِزًا عن التصرُّفِ، وذلك أنه كانَ ضريرَ البصر. ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ عشيرتُك ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ لقتلْناكَ بالحجارةِ، والرجمُ: أقبحُ القتلِ، وقالوا ذلكَ تألُّفًا لقومِه؛ لأنهم كانوا على دينهم لا خوفًا منهم؛ لأنَّ الرهطَ ما دونَ العشرةِ. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ تمنعُنا عِزَّتُكَ عن الرجمِ، بل قومُكَ الأعزةُ. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾ . [٩٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي﴾ أترون رهطي.

стр. 1486

﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أَهْيَبُ عندَكم من الله. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ: (أَرَهْطِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحِها (١). ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: اللهَ ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: كالمنبوذِ وراءَ ظهورِكم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ) بإظهارِ الذالِ عندَ التاء، والباقونَ: بالإدغام (٢). ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خبرٌ في ضمنِه توعُّدٌ، ولفظُ الرجالِ والرهطِ لا يعمُّ النساءَ، ويعمُّ الناسَ ونحوَه الكلُّ بالاتفاقِ، والقومُ للرجالِ، ولهنَّ تبعًا. ... ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾ . [٩٣] ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قُوَّتِكم طالبينَ هلاكي. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مَكَانَاتِكُمْ) بالألف على الجمع، والباقون: بغيرِ ألفٍ على التوحيدِ.

стр. 1487

﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ بقوةِ اللهِ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيُّنا الجاني على نفسِه، والمخطئُ في فعلِه، فذلكَ قولُه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُذِلُّهُ. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ فسيعلمُ كذبَهُ ويذوقُ وبالَ أمرِه. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ انتظروا العذابَ. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أرقُبُ نزولَ عذابِكم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ . [٩٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قيل: صاحَ بهم جبريلُ صيحةً، فخرجَتْ أرواحُهم من أجسادِهِم، أُنِّثَ الفعلُ على لفظِ الصيحةِ، وقالَ في قصةِ صالحٍ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ فَذُكِّر على معنى الصياحِ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: "ما أهلكَ اللهُ أُمَّتينِ بعذابٍ واحدٍ إلا قومَ صالحٍ وقومَ شُعيبٍ أهلكَهم اللهُ بالصيحةِ، غيرَ أَنَّ قومَ صالحٍ أخذَتْهم الصيحةُ من تحتِهم، وقومَ شعيبٍ من فوقِهم" (١). ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ميتين. ... ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ . [٩٥] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ لم يُقيموا ﴿فِيهَاَ﴾ في الأرص ﴿أَلَا بُعْدًا﴾ هلاكًا.

стр. 1488

﴿لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ﴾ هَلَكَتْ ﴿ثَمُودُ﴾ شَبَّهَهم بهم؛ لأن عذابَهم كانَ شبيهًا بعذابِهم. ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦)﴾ . [٩٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ بالتوراةِ. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حُجَّةٍ بينةٍ. ... ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾ . [٩٧] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ والملأُ: الجمعُ من الرجالِ. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: ليسَ بمصيبٍ في مذهبهِ، ولا مفارقٍ للسفاهةِ. ... ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ . [٩٨] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ المغرَقين مَعه؛ أي: يتقدَّمُهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ أدخلَهم. ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي: المدخلُ المدخولُ فيه، وأوقعَ الفعلَ الماضي في (أَوْرَدَهُمْ) موقعَ المستقبلِ؛ للإيذانِ أن ذلكَ واقعٌ لا محالةَ؛ لأنَّ الماضيَ متيقَّنُ الوجودِ.

стр. 1489

﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ . [٩٩] ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يُلْعَنون أيضًا بدخولهم في جهنمَ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي: بئسَ العونُ المعانُ، وقيل: بئسَ العطاءُ المعطَى لهم، والرفدُ في كلامِ العربِ: العَطِيَّةُ. ... ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ . [١٠٠] ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا﴾ من القرى ﴿قَائِمٌ﴾ ما بقي حيطانُه وسقطَتْ سُقوفُهُ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ انمحَقَ أَثَرُه. قرأ أبو عمرٍو: (المَرْفُود ذلِكَ) بإدغام الدالِ في الذالِ (١). ... ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾ . [١٠١] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ لم نُهْلِكْهم ظلمًا ﴿وَلَكِنْ﴾ كانوا أنفسَهم يظلمونَ ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشِّركِ. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: نزلَ عذابُه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ﴾ أي: الأصنامُ بعبادتِهم. ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تَخْسيرٍ.

стр. 1490

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ . [١٠٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ﴾ أي: مثلُ ذلكَ الأخذِ أخذُ رَبِّكَ. ﴿الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وأهلُها ظالمونَ، فحذفَ المضافَ؛ مثلَ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وَجيعٌ، وهو مبالغةٌ في التهديدِ، قالَ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية" (١). ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ . [١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لعبرةً. ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ يعتبرُه عظةً. ﴿ذَلِكَ﴾ يومُ القيامةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ المعنى: يُجْمَعُ الأولونَ والآخِرون جميعًا ثَمَّ ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه على جميع الخلق ولهم. ...

стр. 1491

﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾ . [١٠٤] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: ذلكَ اليومَ. قرأ يعقوبُ: (يُؤَخّرُهُ) بالياء، والباقون: بالنون، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: بفتح الواوِ بغيرِ همزٍ (١). ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ معدُودٍ﴾ معلومٍ عندَ اللهِ. ... ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ . [١٠٥] ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ الضميرُ عائدٌ إلى (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ: (يَأْتِي) بإثباتِ الياءِ وصلًا، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ: بإثباتِها في الحالَينِ، والباقون: بحذفها في الحالَينِ، فالقراءةُ بالإثباتِ على الوصلِ، وبالحذفِ اكتفاءً بالكسرةِ (٢). ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ لا تتَكلَّمُ ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ في الشفاعةِ، وكُلُّ الخلائقِ سُكوتٌ إِلَّا مَنْ أذنَ له في الكلامِ. قرأ البزيُّ عنِ ابنِ كثيرٍ: (لا تكَلَّمُ) بالمدِّ وتشديدِ التاءِ. ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ بالعذابِ ﴿وَسَعِيدٌ﴾ بالنعيمِ. ...

стр. 1492

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾ . [١٠٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ باستحقاقِهم النارَ بالكفرِ والمعصيةِ ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو تردُّدُ النفسِ من شِدَّهِّ الحزنِ ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوتٌ مُمْتَدٌّ. ... ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ . [١٠٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: سمواتُ الآخرةِ وأرضُها؛ فإنَّ لهما سماءً وأرضًا، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وتلكَ دائمة أبدًا وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، ولأنه لا بدَّ لأهلِ الآخرهِّ مما يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إما سماءٌ يخلقُها الله، أو يظلُّهم العرشُ، وكلُّ ما أظلَّكَ، فهو سماءٌ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلودِ في النارِ؛ لأنَّ بعضَهم، وهم فُسَّاقُ الموحِّدين، يخرجونَ منها ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ من غيرِ اعتراضٍ. ... ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ . [١٠٨] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ باستحقاقِهم الجنةَ بالإيمانِ والطاعةِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ , وحفصٌ عن عاصمٍ: (سُعِدُوا) بضمِّ السين، من سُعِدَ بمعنى أُسْعِدَ، والباقونَ: بفتحِها من سَعِدَ، وهما لغتان (١).

стр. 1493

﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إلَّا من دخلَ النارَ من عُصاةِ المؤمنين، فإنَّهم مفارقونَ الجنةَ أيامَ عذابِهم، وهمُ المرادُ بالاستثناءِ الأولِ، تلخيصُه: عذابُ الفريقينِ ونعيمُهم دائمًا أبدًا إلا قدرَ مشيئةِ اللهِ تعالى فيهم بما يشاءُ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ مقطوعٍ. ... ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾ . [١٠٩] ثم قال تعالى مُخاطبًا نبيَّه ﷺ ، والمرادُ غيرُه: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ وشَكٍّ. ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ إنَّهم ضُلَّالٌ. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا﴾ كان. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تقليدًا لآبائِهم من غيرِ دليلٍ. ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم من العذابِ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ أي: وافيًا. ... ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾ . [١١٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراةَ. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمِنْ مصدِّقٍ به ومكذِّبٍ كما فعلَ قومُكَ بالقرآن.

стр. 1494

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخيرِ العذابِ عنهم. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بإهلاكِ الكفارِ، وإنجاءِ الأبرارِ. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآنِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقعِ الريبةِ، وهي قلقُ النفسِ. ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ . [١١١] ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ أي: وإنَّ كلًّا من الأممِ التي عَدَدْناهم المختلفينَ، المؤمنينَ منهم والكافرين. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَإِنْ) بإسكانِ النونِ على إعمالِ المُخَفَّفَةِ عملَ الثقيلةِ اعتبارًا لأصلِها الذي هو التثقيلُ، وقرأ الباقون: بتشديدها (١). ﴿لمَّا﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر، وعاصمٌ، وحمزةُ: بتشديد الميمِ، والباقونَ: بالتخفيف (٢)، ووجهُ تخفيفِ (لما) أن اللامَ هي الداخلةُ في خبرِ (أَنَّ) المخفَّفةِ والمشدَّدةِ، و (ما) زائدةٌ، واللامُ في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القسمُ في موضع خبرِ (إِن)، و (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جوابُ ذلكَ القسمِ المحذوفِ، والتقديرُ: وإنَّ كلًّا لأُقْسِمُ لَيُوفينهم، ووجهُ تشديدِ (لَمَّا) الجازمةِ حذفُ الفعلِ المجزومِ؛ لدلالةِ المعنى عليه، والتقدير: وإنَّ كلًّا لما ينقص من جزاءِ عملِه، ويدلُّ عليه قولُه:

стр. 1495

﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ لما أخبرَ [بعدمِ] (١) انتقاصِ جزاءِ أعمالِهم، أَكَّدَهُ بالقسمِ، قالتِ العربُ: قاربتُ المدينةَ ولما؛ أي: ولما أدخلْها، فحذفَ أدخُلْها؛ لدلالةِ المعنى عليه، والله أعلمُ، تلخيصُه: وإنَّ جميعَهم واللهِ ليوفينَّهم ربُّكَ أعمالَهم من حسنٍ وقبيحٍ، وإيمانٍ وجحودٍ. ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديدٌ ووعيدٌ. ... ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ . [١١٢] قال ﷺ : "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها"، قيلَ: أَشَيَّبَكَ منها قصصُ الأنبياءِ وهلاكُ الأممِ الماضية؟ قالَ: "لا، ولكنْ قولُه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ " (٢) أي: افتقرْ إلى اللهِ تعالى بصحَّةِ العزمِ، والاستقامةُ: التبرُّؤُ من الحولِ والقوةِ، وقيل: هي الميلُ إلى العدلِ. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: وليستقمِ المؤمنُ معك. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لا تَخْرجوا عن حدودِ الله. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عليه من أعمالِكم شيءٌ. ...

стр. 1496

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ . [١١٣] ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَطْمَئِنُّوا وتسكُنوا إلى قولهم، والركونُ: هو المحبةُ والميلُ بالقلبِ ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ فَتُصيبَكم. ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أعوانٍ يحفظونَكم من العذابِ ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. عن بعضِهم: أنه سمعَ هذهِ الآيةَ، فغشيَ عليه، فلما أفاقَ، قيلَ له في ذلكَ، فقال: هذا لمن رَكَنَ , فكيفَ بمن ظَلَمَ. ... ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ . [١١٤] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ أولَه وآخرَه، يعني: صلاةَ الصبحِ والمغربِ، قاله ابنُ عباسٍ، والحسنُ، ورجَّحه الطبريُّ , وقيلَ غيرُ ذلك (١). قرأ أبو عمرو: (الصَّلاة طَّرَفَي) بإدغام التاء في الطاء (٢). ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِه، واحدتُها زُلفَةٌ. قرأ أبو جعفرٍ: (وَزُلُفًا) بضّمِّ اللام, والباقون: بالفتح (٣).

стр. 1497

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ الصلواتِ الخمسَ. ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الخطيئاتِ، نزلَتْ فيمَنْ ألمَّ بما لم يَحِلَّ. عن ابنِ مسعودٍ أن رجلًا أصابَ من امرأةٍ قبلةً حرامًا، فأتى النبيَّ ﷺ ، فسألَهُ عن ذلكَ وكفارتها، فنزلتِ الآيةُ، فقالَ الرجلُ: ألي هذهِ يا رسولَ الله؟ فقال: "لكَ ولمن عملَ بها من أمتي" (١). وقال ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبائِرُ" (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من الوصيةِ بالاستقامةِ وتركِ الطغيانِ والميلِ إلى الظالمين ﴿ذِكْرَى﴾ موعظةٌ ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: لمن ذكرَهُ، وخَصَّهم بالذكرِ؛ لأنهم المنتفعونَ بهِ. ... ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ . [١١٥] ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ على ما تلقى من أَذَى قومِكَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في أعمالِهم. ...

стр. 1498

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ التي أهلَكْناهم. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والآيةُ للتوبيخِ. ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي: ذوو جودٍ وخيرٍ، وسُمِّيَ الفضلُ والجودةُ بقيةً؛ لأنَّ الرجلَ يستبقي أفضلَ ما يخرجُه، يقالُ: هو من بقيةِ الناسِ؛ أي: خيارِهم. قوأ ابنُ جمازٍ عن أبي جعفرِ (بِقْيَةٍ) بكسرِ الباءِ وسكونِ القافِ وفتحِ الياءِ مخففةً، والباقون: بفتح الباء وكسر القاف وتشديد الياء (١)، معناه: فهلَّا كانَ من القرونَ من قبلِكم أولو بقيةٍ من خيرٍ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يقومون بالنهي عن الفسادِ، ومعناه جَحْدٌ، أي: لم يكنْ فيهم أولو بقيةٍ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكنَّ قليلًا. ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ نَهَوا عن الفسادِ، وهم أتباعُ الأنبياءِ، و (مِنْ) في (مِمَّنْ) للبيانِ لا للتبعيضِ، تقديرُه: لكنَّ قليلًا منهم أنجيناهُم؛ لأنهم كانوا كذلكَ. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا﴾ نُعِّموا ﴿فِيهِ﴾ من الشهواتِ. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافرينَ.

стр. 1499

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ . [١١٧] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ منهُ لهم، تعالى عن ذلك. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ لأعمالِهم مؤمنونَ. ... ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾ . [١١٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مسلمينَ كلَّهم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ أي: أهلُ الباطلِ ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ على أديانٍ شتى؛ من بين يهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومجوسيٍّ، ومشركٍ. واختلفَ الأئمةُ في حكمِ المللِ، فقال أبو حنيفةَ: الكفرُ ملَّةٌ واحدةٌ؛ لأنه ضلالٌ، وهو ضدُّ الإسلام، ويتوارثون، وإذا تنصَّرَ يهوديٌّ، أو عكسُه، تُرِكَ على حالِهِ، ولا يُجبَرُ على الإسلام. وقال مالكٌ: الكفرُ مللٌ شَتَّى، فلا تَوارُثَ بينَ اليهوديِّ والنصرانيِّ، وأما إذا انتقلَ الكافرُ من ملَّة إلى أخرى، أُقِرَّ على كفرهِ، وأُخِذَتْ منه الجزيةُ، كقول لأبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: الكفرُ ملَّةٌ واحدةٌ، ويتوارثون؛ كقولِ أبي حنيفة، لكن لا توارثَ بينَ ذميٍّ وحربيٍّ، وأما إذا تنصر يهودي، أو عكسه، أو تهوَّدَ وثنيٌّ، أو تنصَّرَ، فلا يُقبل منهُ بعدَ انتقالِه إلا الإسلامُ، أو القتلُ. وقالَ أحمدُ: الكفرُ مللٌ شتَّى مختلفةٌ، فلا يتوارثونَ مع اختلافِ مِلَلِهم؛ كقولِ مالكٍ، وأما إذا تهوَّدَ نصرانيٌّ، أو عكسُه، لم يُقبلْ منه إلا الإسلامُ، أو

стр. 1500

الدينُ الذي كانَ عليه، وإن انتقلَ كتابيٌّ أو مجوسيٌّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، لم يُقَرَّ، ويؤمرُ أن يسلمَ، فإن أبي، قُتِلَ وإن انتقلَ غيرُ الكتابيِّ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، أُقِرَّ وكذا الوثنيُّ إذا تمجَّسَ، والله أعلم. ... ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ . [١١٩] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: لكنْ من رحمَ ربُّكَ، فهداهُ إلى الحقِّ فهم لا يختلفون ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للرحمةِ، يعني: الذين رحمَهم، وقيلَ: معناه: للاختلافِ خلقَهم. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وجبَ حكمُه، وهو. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أي: من عُصاتِهما. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ واللام في (لأملأنَّ) لامُ القسم، إذِ الكلمةُ تتضمَّنُ القسمَ، والجنُّ جميعٌ لا واحدَ له من لفظِه، والجِنَّةُ للمبالغةِ، وإن كانَ الجنُّ يقعُ على الواحدِ، فالجِنَّةُ جمعُهُ. ... ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿وَكُلًّا﴾ أي: كلَّ نبأٍ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ أخبارِهم. ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنثبتَ، أي: نسكِّنَ بهِ فؤادكَ؛ لتزدادَ يقينًا،

стр. 1501

ويقوى قلبُك. قرأ ورشٌ عن نافعٍ (فُوَادَكَ) بفتحِ الواو وبغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (١). ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ أي: السورةِ ﴿الْحَقُّ﴾ صدقُ الأنبياءِ. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيتَّعظون بما جرى للأممِ. ... ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)﴾ . [١٢١] ثم تهدَّدَهم بقوله ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالِكم ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ على حالِنا. قرأ أبو بكرٍ عن عاصم: (مَكَانَاتِكُمْ) على الجمعِ، والباقونَ على الإفرادِ. ... ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرَ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ حلولَ النقمِ بكم. ... ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: علمُ ما غابَ عن العبادِ فيهما.

стр. 1502

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعادِ. قرأ نافعٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُرْجَعُ) بضم الياء وفتح الجيم؛ أي: يُرَدُّ، والباقون: بنصب الياءِ وكسرِ الجيم؛ أي: يعودُ حتى لا يكونَ للخلقِ أمرٌ (١). ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثِقْ به؛ فإنه كافيكَ. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢). وتقدَّمَ في أولِ سورةِ الأنعامِ ما رُوي عن كعبٍ أنه قال: "فاتحةُ التوراةِ فاتحةُ الأنعامِ ﴿اَلحمْدُ لِلَّهِ﴾ إِلَى ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ " (٣). عن أبي بكرٍ ﵁ قال: يا رَسُولَ اللهِ! شِبْتَ، قالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" (٤)، والله أعلم. ...

стр. 1503

سورة يوسف ﵇ مكيةٌ، آيُها مِئَةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وثلاثةٌ وأربعونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ وستٌّ وسبعونَ كلمةً. عن ابنِ عطاءٍ: لا يسمعُ سورةَ يوسفَ محزونٌ إلا استروَحَ (١) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رُوِيَ أنَّ اليهودَ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن قصةِ يوسفَ ﵇، فنزلتِ السورةُ، ولم يتكررْ من معناها في القرآن شيءٌ كما تكررتْ قصصُ الأنبياءِ ﵈ (٢). ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف: ١]. [١] قوله : ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليه، ومذاهبُ القراء فيه في أولِ سورةِ يونسَ. ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذهِ السورةُ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: البيِّن حلالُه

стр. 1504

وحرامُه وحدودُه وأحكامُه؛ من أبانَ بمعنى: أظهرَ. ... ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [ يوسف: ٢]. [٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: الكتابَ المتضمِّنَ قصةَ يوسفَ وغيرَها. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بِلُغَتِكم. قرأ ابنُ كثير (قُرَانًا) بالنقل (١)، و (قرآنًا) حالٌ و (عربيًّا) صفةٌ له. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تعلموا معانيَهُ، وتفهموا ما فيه، والعقلُ: إدراكُ معنى الكلام. ... ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [ يوسف: ٣]. [٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ نبين لك خبرَ مَنْ تقدَّمك أحسنَ بيانٍ. ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي: هذه السورةَ. ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: وقد كنتَ قبلَ القرآنِ. ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: الساهِين عن قصةِ يوسفَ لا تعلَمُها. ...

стр. 1505

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [ يوسف: ٤]. [٤] ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ أي: واذكرْ إذ قالَ يوسفُ. ﴿لِأَبِيهِ﴾ ويوسفُ اسمٌ عبرانيٌّ لا يجري فيه الإعرابُ. ﴿يَاأَبَتِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (يَا أَبَتَ) بفتحِ التاءِ حيثُ وقعَ على تقديرِ: يا أبتاهُ، ووقفًا (يَا أَبَهْ) بالهاءِ الساكنة، ووافقهما على الوقف ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وقرأ الباقون، ومنهم ابن كثيرٍ، ويعقوبُ: بكسر التاءِ؛ لأن أصلَه (يا أَبَهْ)، والجزمُ يحرَّكُ إلى الكسرِ (١). ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (أَحَدَ عْشَرَ) بإسكانِ العين، والباقون: بفتحها (٢). ﴿كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا من نجومِ السماءِ. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ولم يقل: رأيتها لي ساجدةً، جمعَهم جمعَ العقلاء؛ لوصفِهم بالسجودِ. وكان يوسفُ قد رأى في نومِه وهو ابنُ اثنتي عشرةَ سنةً ليلةَ القدرِ، ورأى أن أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ قد نزلوا فسجدوا له. روي عن جابرٍ: أن يهوديًّا جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: يا محمدُ!

стр. 1506

أخبرْني عن النجومِ التي رآهنَّ يوسفُ، فسكتَ رسولُ الله ﷺ ، فنزلَ جبريلُ فأخبرَه بذلك، فقال ﵇ لليهوديِّ: "إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ هَلْ تُسْلِمُ؟ "، قال: نعم، قال: "جَرْبَانُ؛ وَالطَّارِقُ، والذَّيالُ، وقَابِسٌ، وَعَمُودَان، وَالْفُلَيْقُ، وَالْمُصَبِّحُ، وَالصَّروخُ، وَالْفَرْغُ، وَوَثَّابٌ، وَذُو الْكَتِفَيْنِ رَآهَا يُوسُفُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّمَاءِ، وَسَجَدْنَ لَهُ"، فقالَ اليهوديُّ: إي واللهِ إنها لأسماؤها (١). وكان النجومُ في التأويلِ إخوتَه، وكانوا أحدَ عشرَ؛ لأنه يُستضاء بالإخوةِ كما يُستضاءُ بالكواكبِ، وَالشَّمسُ أُمُّه، والقمرُ أبوه. ... ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ [ يوسف: ٥]. [٥] فلما ذكر ذلك لأبيه ﴿قَالَ يَبُنَيَّ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يَا بُنَيَّ) بفتحِ الياءِ، والباقونَ: بكسرِها، وتصغيرُ (بني) للشفقةِ (٢). ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فهمَ يعقوبُ ﵇ من رؤياه أنَّ اللهَ يصطفيهِ لرسالتِه، ويفوقُ على إخوته، فخافَ عليه حسدَهم، فأمره

стр. 1507

بالكتمان. قرأ الكسائيُّ بخلافٍ عنه: (رُؤْيَاكَ) بالإمالةِ (١). ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فيحتالون في هلاكِك؛ لأنهم يعلمونَ تأويلَها. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يحملُهم على الحسدِ والكيدِ. ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ بَيِّنُها. قال ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وإذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ، وَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى؛ فَإنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ" (٢). ... ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [ يوسف: ٦]. [٦] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ يقولُه يعقوبُ ﵇ ليوسفَ، أي: كما رفعَ منزلتَكَ بهذهِ الرؤيا، فكذلك ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يصطفيكَ ﴿رَبُّكَ﴾ بما هو أعظمُ منها. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ أي: وهو يعلِّمُكَ ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، وما يَؤولُ أمرُها إليه، وكانَ يوسفُ أعبرَ الناسِ للرؤيا.

стр. 1508

﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوةِ وباحتياجِ إخوتِك إليكَ ﴿وَعَلَى آلِ﴾ أي: أولادِ ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنبوةِ أيضًا؛ لأنهم كانوا أنبياءَ. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أبيكَ وجَدِّك؛ فإنَّ الجدَ أبٌ في الأصالةِ، يقالُ: فلانُ بنُ فلانٍ، وبينَهما عدةُ آباءٍ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بجعلِهما نَبِيَّيْنِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّ الاجتباءَ ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعِه، وكان بينَ رؤيا يوسفَ وتحقيقِها بمصيرِ أبيه وإخوته إليه أربعونَ سنةً في قولِ الأكثرِ. ... ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [ يوسف: ٧]. [٧] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي: في خبرِه وخبرِ إخوته، وهم روبيلُ، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوى، ويهودا، وزلون، ويساخر وأمُّهم لَيَّا بنتُ ليَّانَ، وهي ابنةُ خالِ يعقوبَ، وولد له من سُرِّيتينِ اسمُ إحداهما زُلْفَى، والأخرى بُلْهة أربعة، وهم: دان، ونَفْتالي، وكاد، وأشر، ثم تُوفيت ليا، فتزوج يعقوبُ أختَها راحيل، فولدت له يوسفَ وبنيامين، فكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ رجلًا. ﴿آيَاتٌ﴾ عِظاتٌ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عنها، وغيرِ السائلين، وذلك أن اليهود لما سألوا رسولَ الله ﷺ عن قصةِ يوسفَ، فذكر لهم القصةَ، فوجدوها موافقةً لما في التوراةِ، فعجبوا منه، فهذا معنى قوله تعالى: (لآياتٌ)؛ أي: دلالة على نبوةِ محمدٍ رسولِ الله ﷺ . قرأ ابنُ كثيرٍ: (آيَةٌ)

стр. 1509

على التوحيد، والباقون: (آيَاتٌ) على الجمعِ (١). ... ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [ يوسف: ٨]. [٨] ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللامُ فيه جوابُ القسم، تقديرُه: واللهِ ليوسفُ ﴿وَأَخُوُه﴾ بنيامينُ. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ وكان يعقوبُ شديدَ الحبِّ ليوسفَ، فكان يرى منه الميلُ إليه ما لا يرى لإخوته. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعةٌ عشرةٌ تُعْصَبُ بنا الأمورُ، وفينا كفايةٌ، ويفضِّلُهما علينا، ولا كفايةَ فيهما؛ لصغرهما، وأصلُ العصبةِ والعصابةِ التَّعَصُّبُ والشَّدُّ، وتطلق على الثلاثةِ أو العشرةِ إلى الأربعين. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: خطأ من رأيهِ ظاهرٌ؛ لاختيارِهما علينا، وليسَ المرادُ الضلالَ عن الدين. قرأ أبو عمرٍو، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (مُبينِ اقْتُلُوا) بكسرِ التنوينِ في الوصلِ لالتقاءِ ساكن التنوين والقافِ، وقرأَ الباقونَ: بكسر النونِ وضمِّ التنوين إتباعًا لضمةِ التاءِ ومراعاةً لها، واختلِف عن ابنِ ذكوانَ في الكسرِ والضمِّ، والوجهانِ صحيحان عنه (٢).

стр. 1510

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [ يوسف: ٩]. [٩] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ كانت هذهِ مقالَة شمعون، أو دان. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: أَبْعِدوه إلى أرضٍ بعيد من أبيه. ﴿يَخْلُ﴾ أي: يخلُصْ ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبِلُ بكلِّيتهِ عليكم. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعدَ يوسفَ والفراغ من أمرِه. ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يصلُحُ حالُكم عندَ أبيكم، وقيل: معنى (صالحين)؛ أي: تائبين، تُحْدِثوا بعد ذلك توبة، فيقبلُها الله منكم. ... ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ [ يوسف: ١٠]. [١٠] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهودا على الأصحِّ. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ نَهاهم عن قتلِه، وقال: القتلُ كبيرةٌ عظيمةٌ. ﴿وَأَلْقُوهُ﴾ اطرحوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قَعْرِهِ، والغَيابةُ: ما غابَ عن العينِ، والجبُّ: البئرُ التي لم تُطْوَ؛ لأنها جُبِّبَتْ من الأرض؛ أي: قُطعتْ، والبئرُ بينَ مصرَ ومدينَ على ثلاثةِ أميالٍ من منزلِ يعقوبَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (غَيَابَاتِ) على الجمع (١).
следующие страницы →