(خَطَايَاكُمْ، وَخَطَايَانَا) بإمالةِ فتحةِ الياء حيث وقعَ (١).
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا من فضلنا.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿فَبَدَّل﴾ فغيَّر.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوَا﴾ أنفسَهم وقالوا:
﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا بلغتهم حِطَاءُ سمقاثًا استهزاءً؛ أي: حنطةً حمراءَ، وروي أنهم قالوا: حبَّة في شَعْرَة. قرأ أبو جعفر: (قَوْلًا غَيْرَ) بإخفاء التنوين عند الغين، وأبو عمرٍو (قِيل لَّهمْ) بإدغام اللام في اللام (٢)، وتقدَّم (٣) ضمُّ الهاء وصلةُ الميم من (عَلَيْهُم وإِلَيْهُمْ) ونحوِهما.
﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ أي: عذابًا.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ قيل: أرسلَ اللهُ عليهم طاعونًا، فهلك منهم في ساعةٍ واحدةٍ سبعون ألفًا.
стр. 177
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾ طلبَ السُّقيا.
﴿لِقَوْمِهِ﴾ وذلك أنهم عطشوا في التيه، فسألوا موسى أن يستسقيَ لهم، ففعلَ، فأوحى الله إليه كما قال:
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ وكانت العصا من آسِ الجنة، طولُها عشرةُ أذرع على طولِ موسى، ولها شُعْبتان تتَّقِدان في الظلمة نورًا، واسمها عُلَيْق، حملها آدمُ من الجنة، فتوارثها الأنبياءُ حتى وصلت إلى شُعيب، فأعطاها موسى. وأما الحجرُ، فقال ابنُ عباس: كانَ حجرًا خَفيفًا مربَّعًا على قدرِ رأس الرجل، كان يضعُهُ في مِخْلاته، فإذا احتاجوا إلى الماء، وضعَه وضربَه بعصاته، فإذا فرغوا، وأراد موسى حملَهُ، ضربه بعصاته، فيذهبُ الماء، وكان يسقي كلَّ يومٍ ستَّ مئةِ ألفٍ. وقال سعيد بن جبير: هو الحجرُ الذي وضحَ موسى ثوبَهُ عليه ليغتسلَ، ففرَّ بثوبه، ومرَّ به على ملأٍ من بني إسرائيل حينَ رَمَوْهُ بالأُدْرَةِ، فلما وقف، أتاه جبريلُ فقالَ: إن الله تعالى يقولُ لكَ: ارفعْ هَذَا الحجرَ؛ فإنَّ في فيه قدرةً، ولك فيه معجزةٌ، فرفعَهُ ووضعَهُ في مِخْلاته (١).
стр. 178
﴿فَاَنفَجَرَتْ﴾ أي: سالت.
﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ على عدد الأسباط.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ لا يدخلُ سبطٌ على غيرِه في شربه.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: وقلنا لهم: كلوا من المنِّ والسلوى، واشربوا من الماء، فهذا كله:
﴿مِنْ رِزْقِ اللَّه﴾ الذي يأتيكم بلا مشقة.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والعُثِيُّ (١): أشدُّ الفساد.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
[٦١] ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وذلك أنهم كرهوا وسئموا من أكل المنِّ والسَّلوى، وإنما قال: طعام واحد، وهما اثنان؛ لأن العربَ تُعَبِّرُ عن الاثنين بلفظ الواحد، كما تعبِّرُ عن الواحدِ بلفظِ الاثنين؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرجُ من الصالح دونَ العذب.
стр. 179
﴿فَادْعُ لَنَا﴾ فاسأل لأجلنا.
﴿رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ والفوم: الخبز، أو الحنطة، وقيل: الثوم.
﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ لهم موسى:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ أَخَسُّ وَأَرْدَأُ.
﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أشرفُ وأفضلُ، وجعل الحنطةَ أدنى في القيمة، وإن كانَ هو خيرًا من المنِّ والسلوى، وأرادَ بهِ أسهلُ وجودًا على العادة.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يعني: وإن أبيتُم إلا ذلكَ، فانزلوا مصرًا من الأمصار.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ من نبات الأرض.
﴿وَضُرِبَتْ﴾ جُعِلَتْ.
﴿عَلَيْهِمُ﴾ وأُلزموا.
﴿الذِّلَّةُ﴾ الذُّلُّ والهوَان بالجِزْية، وهو ضِدُّ العزِّ.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ الفقر، سُمِّيَ الفقيرُ مسكينًا؛ لأن الفقرَ أسكنَهُ وأقعدَهُ عن الحركةِ، فترى اليهودَ -وإن كانوا أغنياءَ- كأنَّهم فقراءُ، فلا يُرى في أهل المالِ أذلُّ وأحرصُ على المالِ من اليهود. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌّ: (عَلَيْهُمُ الذِّلَّةُ) و ﴿بِهِمُ الأَسبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وشبهَه: بضم الهاء والميم في الوصل حيث وقع، ووافقَهم يعقوبُ في (عَلَيْهُمُ الذِّلَّةُ) وشبهه، ونافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ يكسرون الهاء، ويضمون الميمَ، وأبو عمرو
стр. 180
يكسرهما، ووافقه يعقوبُ في ﴿بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] وشبهه (١).
﴿وَبَاءُوا﴾ رجعوا.
﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ولا يقال: باءَ إلا إذا رجعَ بشر.
﴿ذَلِكَ﴾ الغضب.
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بصفة محمدٍ ﷺ ، وآيةِ الرجم في التوراةِ، ويكفرون بالإنجيلِ والقرآنِ.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ كشعيا وزكريا ويحيى. قرأ نافعٌ (النَّبِيئينَ، وَالنَّبِيؤون، ونَبِيئُهُمْ، وَلأَنْبِئَاء، والنُّبُوءَة، والنَّبِيء) بالمدِّ والهمز حيث وقع، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئُ؛ لأنه إنباءٌ عن الله، وخالفَه قالونُ في حرفين في الأحزاب يأتي ذكرُهما في محلِّهما -إن شاء الله تعالى-. وقرأ الباقون: بترك الهمز (٢)، وله وجهان: أحدهما: هو أيضًا من الإنباء، تُركتِ الهمزةُ فيه تخفيفًا؛ لكثرةِ الاستعمال، والثاني: هو بمعنى الرفع، مأخوذٌ من النَّبْوَةِ، وهو المكانُ المرتفع.
﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: بلا جرم.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يتجاوزون أمري، ويرتكبون مَحارِمي.
стр. 181
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الحقيقة.
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهود، سموا به (١) لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنا إِليْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ أي: ملنا إليك، وقيل (٢): لأنهم هادوا؛ أي: تابوا عن عبادةِ العجل، وقال أبو عمرِو بنُ العلاء: لأنَّهم يتهوَّدون؛ أي: يتحرَّكون عندَ قراءةِ التوراةِ، ويقولون: إنَّ السمواتِ والأرضَ تحرَّكت حينَ آتى الله موسى التوراةَ.
﴿وَالنَّصَارَى﴾ سُمُّوا بهِ؛ لقولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، وقيل: لأنَّهم نزلوا قريةً، وقالوا لها: ناصِرَة، وقيل: لاعتزائِهم إلى نَصْرَةَ، وهي قريةٌ كان يَنْزِلها عيسى ﵇ (٣).
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ جمع صابئ، أصلُه الخروجُ، يقال: صَبَأَ فلانٌ: إذا خرجَ من دينٍ إلى دينٍ آخَرَ، وهم قومٌ عدلوا عن اليهوديةِ والنصرانيةِ، وعبدوا الملائكةَ، ويستقبلون القبلةَ، ويوحِّدون اللهَ، ويقرؤون الزَّبورَ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (والنَّصَارَى) حيث وقعَ بالإمالة، والباقونَ بالفتح، فمن قرأ بالإمالة رَقَّق الراءَ، ومن قرأ بالفتح، فَخَّمَها (٤)،
стр. 182
وقرأَ أبو جعفرٍ، ونافعٌ: (الصَّابِينَ وَالصَّابُونَ) بغير همزٍ، والباقون بالهمز (١).
﴿مَنْ﴾ شرط محلُّه رفع مبتدأ، خبره:
﴿آمَنَ﴾ أي: من الكفار.
﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بالقلب واللسان.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وجواب الشرط.
﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ الذي يستوجبونه امتنانًا.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة. تلخيصُه: من أخلصَ إيمانَه، وأصلحَ عملَه، دخلَ الجنَّةَ.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣﴾ .
[٦٣] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ أي: عهدكم يا معشرَ اليهود.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وهو الجبل بالسريانية، رفع الله فوقَ رؤوسهم الطورَ، وذلك أن الله تعالى أنزلَ التوراةَ على موسى، فأمرَ موسى قومَهُ أن
стр. 183
يَقْبلوها ويَعْملوا بأحكامها، فَأَبَوْا؛ لما فيها من الآصارِ والأثقالِ، وكانتْ شريعةً ثقيلةً، فأمر اللهُ جبريلَ ﵇ فقلعَ جبلًا على قدرِ عسكرهم، وكان فَرْسَخًا في فرسخ، فرفعه فوقَ رؤوسهم مقدارَ قامةِ الرجل كالظُّلَّة؛ أي: كالسحابة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة، أرسلتُ هذا الجبلَ عليكم، وبعثَ نارًا من قِبَل وجوههم، وأتاهم البحرُ المالح من خلفِهم.
﴿خُذُوا﴾ أي: وقلنا لهم: ﴿خُذُوا﴾.
﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أعطيناكم.
﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد ومواظبة.
﴿وَاذْكُرُوا﴾ واعلموا وادرسوا.
﴿مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكي تنجو من الهلاك في الدنيا، والعذاب في العقبى، فإن قبلتم، وإلا رَضَخْتكم بهذا الجبلِ، وَغرَّقْتكم في البحر، وأحرقْتكم بهذه النار، فلما رأوا أنْ لا مهربَ لهم منها، قبلوا، وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبلَ وهم سجود، فصارَتْ سُنَّةً في اليهود، لا يسجدون إلا على أنصاف وُجوههم، ويقولون: بهذا السجودِ رُفع العذاب عنا (١).
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعد ما قَبِلتم التوراة.
стр. 184
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بالإمهال وتأخير العذاب عنكم.
﴿لَكُنْتُمْ﴾ أي: لصرتم.
﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: المغبونين بالعقوبة، وذهابِ الدنيا والآخرة، كأنه رحمَهُم بالإمهال.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥﴾ .
[٦٥] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي: جاوزوا الحدَّ، وأصلُ السَّبتِ: القطع، وسمي بذلك يوم السبت، لأن الله تعالى قطعَ فيه الخلقَ، وقيلَ: لقطعِ أشغالِهم فيه، وتعظيمِه بترك العاداتِ، والإتيانِ بالعبادات.
واختُلف هل للقاضي أن يُحضر اليهوديَّ (١) إلى مجلسِ الحكمِ في يومِ السبتِ لسماعِ دعوى خصمِه، وإلزامِه بما يثبتُ عليه؟ فمذهبُ الشافعيِّ: يُحْضَر يومَ السبت، ويُكسر سبتُه عليه، وهو ظاهرُ عبارة الحنفية في كتبهم، لإطلاقهم أن القاضيَ يحكمُ بينَ أهل الذمَّةِ إذا ترافعوا إليه بحكمِ الإسلام.
واختُلف في مذهب مالك في كراهةِ طلبِه، فقيل: يُكْره طلبُه وتمكينُ خصمِه من ذلك، وقيل: يجوزُ من غيرِ كراهة، واختار البساطيُّ من علماء المالكيةِ أنه يُمنع المسلمُ من طلبه، إلا أن تقوم القرائنُ أن المسلمَ اضْطُرَّ إلى ذلك، ولم يقصد ضررًا.
стр. 185
وعند أحمدَ: ليس للقاضي إحضارُه يومَ السبت؛ لبقاء تحريمِه عليه، وروى أحمدُ عن النبي ﷺ حديثًا منه. "وَأَنْتُمْ يَهُودُ عَلَيْكُمْ خَاصَّةً ألَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ" (١)، ولهذا لا يُكره امرأته على إفساده، مع تأكُّدِ حقِّهِ.
والقصَّةُ في السبت أنهم كانوا في زمانِ داودَ ﵇ بأرضٍ يُقال لها: أيلة، حَرَّمَ اللهُ عليهم صيدَ السمكِ يومَ السبت، فكانوا إذا دخلَ عليهم السبتُ، لم يبقَ حوتٌ في البحرِ إلا اجتمعَ هناك، حتى يُخرجْنَ خراطيمهنَّ من الماء، لأمنِها، حتى لا يُرى الماءُ من كثرتها، فإذا مضى السبتُ، تَفَرَّقْنَ، ولَزِمْنَ مقلَ البحر، فلا يُرى شيءٌ منها، فذلك قولُه تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ (٢) [الأعراف: ١٦٣]، ثمَّ إنَّ الشيطانَ وسوسَ إليهم، وقال: إنما نُهيتُم عن أخذِها يومَ السبتِ، فعمَدَ رجالٌ فحفروا الحِياضَ حولَ البحرِ، وشَرَّعوا منه إليها لأنهارَ، فإذا كانت عشيةُ الجمعة، فتحوا تلكَ الأنهارَ، فأقبلَ الموجُ بالحيتانِ إلى الحِياض يومَ السبت، فلا يقدرونَ على الخروح، لبعدِ عمقِها، وقلَّةِ مائها، فإذا كانَ يومُ الأحد، أخذوها، ففعلوا ذلك زمانًا، ولم تنزلْ عليهم عقوبة، فتجرؤوا على الذنب، وقالوا: ما نرى السبتَ إلا قد حلَّ لنا، فأخذوا وأكلوا، ومَلَّحوا وباعوا، وأَثْرَوا، وكَثُرَ ما لُهم، فلما فعلوا ذلك، صارَ أهلُ القرية -وكانوا نحوًا من سبعينَ ألفًا- ثلاثةَ أصنافٍ: صنفٌ أمسكَ
стр. 186
ونهى، وصنفٌ أمسكَ ولم يَنْهَ، وصنفٌ انتهكَ الحرمةَ، فلما أبى المجرمون قَبولَ نُصْحِهم، قالوا: واللهِ لا نُساكِنُكُم في قرية واحدة، فقسموا القريةَ بجدار، واستمروا كذلك سنينَ، فلعنَهُمْ داودُ، وغضبَ الله عليهم؛ لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون ذاتَ يوم من بابهم، ولم يخرجْ من المجرمين أحدٌ، ولم يفتحوا بابَهم، فلما أبطؤوا، تَسَوَّروا عليهمُ الحائطَ، فإذا هم جميعًا قِرَدَةٌ لها أذنابٌ يَتَعاوَوْنَ، فمكثوا ثلاثةَ أيام، ثم هلكوا، ولم يتوالدوا (١)، قال الله تعالى:
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا﴾ أمرُ تحويل وتكوين؛ أي: صيروا.
﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مبعَدين مطرودين، والخساءُ: الطردُ والإبعاد. قرأ الكسائيُّ (قِرَدَةً) بإمالة الدال حيثُ وقفَ على هاء التأنيث.
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: عقوبتهم بالمسخ.
﴿نَكَالًا﴾ أي: عقوبةً وعبرةً (٢)، والنَّكالُ: اسمٌ لكلِّ عقوبةٍ يَنكُلُ الناظرُ من فعل ما جُعلت العقوبةُ جزاءً عليه، ومنهُ النُّكولُ عن اليمين، وهو الامتناعُ، وأصلُه من النَّكل، وهو القيدُ، وجمعه أَنْكال.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ أي: جعلنا تلك العقوبةَ جزاءً لما تقدَّم من ذنوبهم قبلَ نهيهم عن أخذِ الصيد.
стр. 187
﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ وما حضرت من الذنوب التي أُخِذوا بها، وهي الحصيانُ بأخذ الحيتان.
﴿وَموْعِظَةً﴾ أي: تذكرة.
﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ للمؤمنين من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ ، فلا يفعلون مثلَ فعلِهم.
ويأتي ذكرُ أيلة ومحلِّها في سورة الأعراف عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إن شاء الله تعالى.
واختلف الأئمةُ في جوازِ الحيلة، وهو فعلُ ما ظاهرُه مُباح ويُتوصَّلُ به إلى محرَّمٍ، فَسَدَّ الذرائعَ مالكٌ وأحمدُ، ومنعا منه، وأباحه أبو حنيفةَ والشافعيُّ.
والحيلةُ: اسمٌ من الاحتيال، وهي التي تحوِّلُ المرءَ عمَّا يكره إلى ما يُحِبُّ.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (يَامُرُكُمْ) بغير همز، والباقون بالهمز، واختُلِف عن أبي عمرٍو في اختلاس ضمَّةِ الراءِ وإسكانِها من (يَأْمُرُكُمْ، ويَأْمُرُهُمْ، ويَنْصُرُكُمْ، ويُشْعِرُكُمْ) حيثُ وقع ذلك، فقرأ الدوريُّ عنه بالاختلاس، وقرأ السوسيُّ بالإسكان، وقرأ الباقون بإشباع
стр. 188
الحركة (١)، والهاء في (بقرة) ليست للتأنيث، وإنما هي لتدلَّ على أنها واحدةٌ من جنسٍ؛ كالبطة، والدجاجة، ونحوهما، وهي مأخوذة من البَقْرِ، وهو الشَّقُّ، سميت به، لأنها تشقُّ الأرض للحراثة.
والقصة فيه أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ غني، وله ابنُ عمٍّ فقيرٌ لا وارثَ له سواه، فلما طال عليه موتُه قتلَه ليرثَه، وحملَه إلى قريةٍ أخرى، فألقاه بِفِنائهم، ثم أصبحَ يطلبُ ثأرَهُ، وجاء بناسٍ إلى موسى يدَّعي عليهِمُ القتلَ، فسألهم موسى، فجحدوا، فاشتبهَ أمرُ القتيل على موسى، وذلك قبلَ نزول القَسامَةِ في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله؛ ليبيِّنَ لهم بدعائه، فدعا موسى ﵇ فأمرهم بذبح بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ أي: تستهزئ بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل، وتأمرُنا بذبح البقرة، وإنما قالوا ذلك؛ لبعدِ ما بينَ الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمةُ فيه. قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (هُزْؤًا) بجزم الزاي، وقرأ الباقون بضم الزاي، وحفصٌ بإبدال الهمزة واوًا (٢).
стр. 189
﴿قَالَ﴾ هو موسى:
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾ أمتنع بالله.
﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ المستهزئين؛ لأن الهزء من أفعال الجاهلين، فلما علمَ القومُ أن ذبحَ البقرة عزمٌ من الله استوصفوه، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها، لأجزأَتْ عنهم، ولكنهم شدَّدوا، فشدَّد اللهُ عليهم، وكانت تحته حكمةٌ، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجلٌ صالحٌ له ابنٌ طفلٌ، وله عِجْلَةٌ أتى بها إلى غَيْضة، وقال: اللهمَّ أَستودعُكَ هذه العجْلَة لابني حتى يكبرَ، وماتَ الرجلُ، وصارت العجلةُ في الغيضة عَوانًا، وكانت تهربُ من كلِّ من رآها، فلما كبر الابنُ كان بارًّا بوالدته، وكان يقسِّمُ الليلَ ثلاثةَ أثلاثٍ، يصلِّي ثلثًا، وينام ثلثًا، ويجلس عندَ رأسِ أمه ثلثًا، فإذا أصبحَ انطلقَ فاحتطبَ على ظهره، فيأتي به إلى السوق، فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه، ويأكل بثلثه، ويعطي لوالدته ثلثه، فقالت له أمه يومًا: إن أباك ورَّثَكَ عجلةً استودَعَها الله في غَيْضَةِ كذا، فانطلقْ فادعُ إلهَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحقَ أن يردَّها عليكَ، وعلامتُها أنك إذا نظرتَ إليها، يخيَّلُ إليكَ أنَّ شعاعَ الشمسِ يخرجُ من جلدها، وكانت البقرةُ تسمَّى المذهبةَ؛ لحسنِها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضةَ، فرآها ترعى، فصاح بها، وقال: أعزمُ عليكِ بإلهِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحقَ ويعقوبَ، فأقبلَتْ تسعى حتى وقفَتْ بينَ يديه، فقبضَ على عنقها يقودُها، فتكلمت البقرةُ بإذنِ اللهِ تعالى، فقالتْ: أيها الفتى البارُّ بوالدتِه! اركبني؛ فإن ذلكَ أهونُ عليكَ، فقال
стр. 190
الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك، ولكن قالتْ: خُذ بعنقها، فقالت البقرةُ: وإِله بني إسرائيلَ لو ركبتَني ما كنتَ تقدرُ عليَّ أبدًا، فانطلقْ؛ فإنَّكَ لو أمرتَ الجبلَ أن ينقلعَ من أصلِه وينطلقَ معك، لفعلَ؛ ببرك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه، فقالت له: إنك فقير، ولا مالَ لك، ويشقُّ عليكَ الاحتطابُ بالنهارِ والقيامُ بالليل، فانطلقْ فبعْ هذه البقرةَ، قال (١): بكمْ أبيعُها؟ قالتْ بثلاثةِ دنانيرَ، ولا تبعْ بغيرِ مَشُورتي، وكان ثمنُ البقرةِ ثلاثةَ دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله مَلَكًا ليُرِيَ خلقَهُ قدرتَهُ، وليختبرَ الفتى كيفَ بِرُّهُ بوالدته، وكان الله به خبيرًا، فقال له الملَكُ: بكمْ تبيعُ هذهِ البقرةَ؟ قال: بثلاثةِ دنانيرَ، وأشترطُ عليكَ رضا والدتي، فقال الملَكُ له: ستةُ دنانيرَ ولا تستأمرْ والدتَكَ، فقال الفتى: لو أعطيتَني وزنَها ذهبًا، لم آخذْه إلا برضا أُمِّي، فردَّها إلى أمه، فأخبرها بالثمن، فقالت: ارجعْ فبعْها بستةِ دنانيرَ على رضًا مني، فانطلقَ بها الفتى إلى السوق، فأتى الملَكُ فقال: استأمَرْتَ أُمَّك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني ألَّا أنقُصها من ستةِ دنانيرَ، على أن أستأمرَها، فقال الملكُ: فإني (٢) أُعطيك اثني عشرَ دينارًا على ألَّا تستأمرَها، فأبى الفتى، ورجعَ إلى أمه، فأخبرها بذلك، فقالت: إنَّ الذي يأتيك ملكٌ يأتيكَ في صورةِ آدمي ليجرِّبَكَ، فإذا أتاك، فقل له: أتأمرُنا أن نبيعَ هذهِ البقرة أم لا؟ ففعل، فقال له الملكُ: اذهبْ إلى أمك، وقل لها: أمسكي هذه البقرة؛ فإن موسى بنَ عمران يشتريها منكُم لقتيلٍ يُقتل في بني إسرائيلَ، فلا تبيعوها إلا بملء مَسْكِها دنانيرَ، فأمسكوها، وقدَّر الله على
стр. 191
بني إسرائيل ذبحَ تلكَ البقرة بعينِها، فما زالوا يستوصفون حتى وصفَ لهم تلكَ البقرةَ مكافأةً له على بِرِّه بوالدته، فضلًا منه ورحمةً (١)، فذلك قوله تعالى:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أي: ما شيَتُها؟ فسأل اللهَ تعالى.
﴿قَالَ﴾ موسى.
﴿إِنَّهُ﴾ يعني: إن الله.
﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ أي: لا كبيرة ولا صغيرة، والفارضُ: المُسِنَّةُ التي لا تلدُ، والبكرُ: الفتاةُ الصغيرةُ التي لم تلدْ قَطُّ، وحُذفت الهاءُ منهما للاختصاصِ بالإناث؛ كالحائض.
﴿عَوَانٌ﴾ نَصَفٌ.
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين الشيئين، يقال: عَوَّنَتِ المرأة تَعْوينًا: إذا زادتْ على الثلاثين.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ من ذبح البقرة، ولا تكرروا السؤال. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (توُمَرُونَ) بسكون الواو بغير همز، والباقون بالهمزة (٢).
[٧١] ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ مذلَّلَةٌ بالعمل، يقال: رجلٌ ذليل بَيِّنُ الذُّلِّ، ودابَّهٌ ذَلولٌ: بينةُ الذلِّ.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة.
﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ بالسَّانِيَةِ أو غيرِها من الآلات، والحَرْثُ: ما حُرِثَ وزُرِعَ؛ أي: تحرثُ ولا تَسْقي، وقيل: معناه: لم تُذَلَّلْ للكرابِ وإثارةِ الأرضِ، ولا هي من النواضحِ التي يُسْنَى عليها لسقي الحرثِ، و (لا) الأولى للنفي، والثانية مزيدةٌ لتأكيد الأولى، والفعلانِ صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ.
﴿مسَلَّمَةٌ﴾ بَرِيَّةٌ من العيوب.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ لا لمعةَ فيها تخالفُ لونَها. قرأ حمزةٌ: (لا شِيَةَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغُ الإشباع (١)، والكسائيُّ يُميل الياءَ حيثُ وقفَ على هاء التأنيث.
﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالبيان التام الشافي الذي لا إشكالَ فيه، فطلبوها فلم يجدوها بكمال وصفها إلا مع الفتى، وكان اسمه ميشا، فاشتروها بملء مَسْكِها ذهبًا. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (جِيتَ) بياء ساكنة بغير همز، والباقون بالهمز (٢).
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ من غلاء ثمنها، واضطرابِهم فيها، و (كادَ) من أفعالِ المقاربة.
стр. 194
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هذا أولُ القصة، وإن كانت مؤخرةً في التلاوة، واسمُ القتيل عاميل.
﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ أصلُه تدارأتم، فأُدغمت التاء في الدال، وأُدخلت الألف، مثل قوله: ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨]. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ بغير همزٍ، والباقون بالهمز، ومعناه: اختلفتم فيها (١).
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ أي: مظهر.
﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فإن القاتلَ كان يكتم القتل.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ يعني: القتيلَ.
﴿بِبَعْضِهَا﴾ أي: ببعضِ البقرة، وذلكَ البعضُ هو العظمُ الذي يلي الغضروفَ، وهو المقتل في قول ابن عباس، وأكثرِ المفسرين، وقيل: بذنبها، ففعلوا ذلك، فقام القتيلُ حيًّا بإذن الله تعالى، وأوداجُهُ تَشْخَبُ دمًا، وقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانَه، فَحُرم قاتلُه الميراث وقتله موسى قصاصًا (٢)، ثم أمرهم موسى بسلخ البقرةِ، فلما سلَخوها، ملؤوا
стр. 195
جلدَها ذهبًا، وأعطاهُ موسى لميشا، وفي الخبر "ما وَرِثَ قاتلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ" (١)، وفيه إضمارٌ تقديره: فَضُرِبَ، فَحَيِيَ.
﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ كما أحيا عاميل.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ المراد منكم، فتمنعون نفوسَكم عن هواها.
أما حكمُ هذه المسألة في الإسلام إذا وُجد قتيلٌ في موضعٍ لا يُعرف قاتلُه، فإن كانَ ثمَّ لَوْثٌ على إنسان، وهو العداوةُ الظاهرةُ كما بينَ القبائل، أو ما يغلبُ على القلبِ صدقُ المدَّعي؛ بأن اجتمعَ جماعةٌ في بيتٍ أو صحراءَ فتفرقوا عن قتيل يغلبُ على القلب أن القاتلَ فيهم، أو وُجد قتيلٌ في محلَّةٍ أو قريةٍ كلُّهم أعداءُ القتيل، لا يخالطُهم غيرُهم، فيغلبُ على القلب أنهم قتلوه، فادَّعى الوليُّ على بعضهم، فعندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: يحلفُ المدَّعي خمسين يمينًا، وإن كانَ الأولياءُ جماعةً، فتقسَمُ الأيمان بينَهم بالحساب، ثم بعد حلفِهم يأخذونَ الديةَ من عاقلةِ المدَّعَى عليه إنِ ادَّعوا قتلَ خطأ، وإن ادَّعَوا قتلَ عمد، فمن مالِ المدَّعى عليه، ولا قودَ على الجديدِ من قولي الشافعي.
وقال مالكٌ وأحمدُ بوجوبِ القَوَد.
ومن اللوثِ عندَ مالكٍ قولُ المجروحِ الحرِّ البالغِ المسلمِ: دمي عندَ
стр. 196
فلانٍ عمدًا، واستدلَّ بهذه النازلة في قصة البقرة على تجويز قولِ القتيلِ، وأن تقع مع القَسامة، وإن لم يكنْ على المدَّعى عليه لوثٌ، فالقولُ قولُه مع يمينهِ، ويُحلَّف يمينًا واحدة عند مالك، ولم يُحلَّفْ عندَ أحمدَ على المذهبِ المشهور عنه، وعنه رواية ثانية: يحلفُ يمينًا واحدةً، وهو أظهرُ، واختاره جماعةٌ من أصحابه، والأظهرُ من مذهبِ الشافعيِّ تغليظُ اليمينِ بالعَدَد؛ لأنه يمينُ دمٍ، فيحلف خمسينَ يمينًا، وعندَ أبي حنيفةَ لا حكْمَ للَّوْثِ، ولا يبدأُ بيمين المدعي، بل إذا وُجد قتيلٌ في محلة، يختارُ الوليُّ خمسين رجلًا من صُلَحائهم، فيحلِّفهم أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا له قاتلًا، ثم يأخذ الديةَ من سكانها، وإن ادَّعى على غيرهم، ولا بينةَ، لزم المدَّعى عليه يمينًا واحدة كسائر الدعاوى، وتسقطُ القسامَةُ عن أهل المحلة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾ .
[٧٤] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يبست وجفَّت، وجفافُ القلب: خروجُ الرحمةِ واللينِ عنه.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد ظهور الدلالات، وما تقدَّمَ من أمر القتيل، وهي عبارةٌ عن خُلُوِّها من الإنابة والإذعان لآياتِ الله تعالى.
﴿فَهِيَ﴾ في الغلظة والشدة.
﴿كَالْحِجَارَةِ أَوْ﴾ بل.
﴿أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وإنما لم يشبهها بالحديد، مع أنه أصلب من الحجارة؛
стр. 197
لأن الحديد قابل للّين؛ فإنه يلينُ بالنار، وقد لانّ لداودَ ﵇، والحجارةُ لا تلينَ قطُّ، ثم فَضَّلَ الحجارةَ على القلب القاسي فقالَ:
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ قيل: أراد به جميعَ الحجارةِ وقيل: أرادَ به الحجرَ الذي كان يضربُ عليه موسى للأسباط.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أراد به عيونًا دون الأنهار.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله.
﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقلوبُكم لا تَلينُ ولا تخشعُ يا معشر اليهود، فإن قيل: الحجرُ جمادٌ لا يفهم، فكيف يخشى؟ قيل: اللهُ يُفهمها ويُلهمها فتخشى بإلهامه، ومذهبُ أهلِ السُّنةِ أن لله علمًا في الجمادات وسائرِ الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليه غيرُه، فلها صلاةٌ وتسبيحٌ وخشيةٌ، قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج: ١٨]، فيجبُ على المرء الإيمانُ به، ويَكِلُ العلمَ إلى الله .
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ. قرأ ابنُ كثيرٍ: (يَعْلَمُونَ) بالغيب.
والباقون بالخطاب مناسبًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١).
стр. 198
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥﴾ .
[٧٥] ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أفترجون؟ يريد: محمدًا ﷺ وأصحابه، وأصلُ الطمعِ: نزوعُ النفسِ إلى شيءٍ ما شهوةً.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ يصدقكم اليهودُ بما تخبرونهم به. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (يُومِنُوا) بغير همز، والباقون بالهمز (١).
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: طائفة من اليهود.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراة.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ يغيِّرون ما فيها من الأحكام.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ علموه؛ كما غيروا صفةَ محمدٍ ﷺ وآيةَ الرَّجم.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون، ثم أخبرَ عن صنعهم فقال:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم، إذا لَقُوا المؤمنين المخلِصين.
стр. 199
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ كإيمانكم.
﴿وَإِذَا خَلَا﴾ رجع.
﴿بَعْضُهُمْ﴾ الذين لم ينافقوا.
﴿إِلَى بَعْضٍ﴾ الذين نافقوا، وهم رؤوساء اليهود، لاموهُم على ذلك.
و ﴿قَالُوا﴾ منكرين عليهم:
﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بما قضى الله عليكم في كتابكم، وأعطاكم من العلم أن محمدًا حقٌّ، وقولَه صدقٌ؟!، ويقال للقاضي: الفتَّاح، وأصلُ الفتح: إزالةُ الإغلاق.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ ليخاصموكم، يعني: أصحابَ محمد ﷺ ، ويحتجوا بقولكم عليكم، فيقولون: قد أقررتُم بأنه نبيٌّ حقٌّ في كتابكم، ثم لا تتبعونه، وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حينَ شاوروهم في اتباع محمد ﷺ : آمنوا به؛ فإنه حق، ثم قال بعضُهم لبعض: أتحدثونهم بما فتحَ الله عليكُم ليحاجُّوكم به لتكونَ لهم الحجةُ عليكم (١).
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنهم إذا علموا ذلك احتجوا به عليكم؟! ثم استفهَمَ فقال:
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
стр. 200
[٧٧] ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّون﴾ يخفون.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يبدون، يعني: اليهود. قرأ أبو عمرٍو: (يعلم ما) بإدغام الميم في الميم (١).
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: من اليهود لا يحسنون القراءة ولا الكتابة، جمع أمّي، منسوبٌ إلى الأم، كأنه باقٍ على ما انفصلَ من الأم، لم يتعلم قراءة ولا كتابة.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وهي جمعُ الأُمْنِيّة، وهي التلاوةُ حفظًا من غير معرفةِ معناه. قرأ أبو جعفرٍ: (أَمَانِي) بتخفيف الياء كلَّ القرآن، حذفَ إحدى الياءين استخفافًا، والباقون بالتشديد (٢)، والمراد بها الأشياءُ التي كتبها علماؤهم من عندِ أنفسهم، ثم أضافوها إلى الله من تغيير نعت النبي ﷺ وغيرِه.
﴿وَإِنْ هُمْ﴾ أي: وما هم.
﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ظنًّا وتوهمًا لا يقينًا.
стр. 201
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿فَوَيْلٌ﴾ هي كلمة يقولها كلُّ واقع في هَلَكَةٍ بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب.
﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: المحرَّف.
﴿بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهابَ مَأْكُلَتِهم، وزوالَ رياستِهم حينَ قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، فاحتالوا في تعويقِ اليهود عن الإيمان به، فعمدوا إلى صفته في التوراة، وكان صفتُه فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحلَ العينين، رَبَعَةً فغيروها، وكتبوا مكانها: طوالَ أزرقَ سَبْطَ الشَّعرِ، فإذا سألهم سفْلَتُهُم عن صفتِه، قرؤوا ما كتبوا، فيجدونه مخالفًا لصفته، فيكذبونه (١)، قال الله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني: كتبوا بأنفسهم اختراعًا من تغير نعته ﷺ .
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من المآكل. قرأ أبو عمرٍو، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (الْكِتَاب بأَيْدِيهِمْ) بإدغام الباء الأولى في الثانية (٢).
стр. 202
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ .
[٨٠] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: اليهود:
﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ لن تصيبنا النار.
﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قدرًا مقدَّرًا، ثم يزولُ عنا العذابُ، يعنون: أربعين يومًا التي عبد آباؤهم فيها العجلَ، وقيلَ غيرُ ذلك، فقال الله تكذيبًا لهم:
﴿قُلْ﴾ يا محمد:
﴿اتَّخَذتُم﴾ ألفُ استفهامٍ دخلت على ألفِ الوصل، أصلُه اِتخذتم، وزنُه افتعلتُم من الأخذ، سُهِّلَتِ الهمزةُ الثانية؛ لامتناع جمع همزتين، فاضطربت الياء في التصريف، جاءت ألفًا في ياء تخذ، فبُدلت بحرف التاء، وأدغمت، فلما دخلت ألف التقرير، استُغْني عن ألف الوصل.
﴿عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: موثقًا ألَّا يعذِّبكم إلا هذه المدَّة.
﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ أي: وعده.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ تلخيصُه: إن كان لكم عندَهُ عهدٌ فلا يُنْقَضُ، ولكنكم تتخرَّصون، ولما قالوا: لن تمسَّنا النارُ، ردَّ ذلكَ عليهم، فقال:
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.
стр. 203
[٨١] ﴿بَلَى﴾ وبلى وبل حرفا استدراك، ومعناهما نفيُ الخبر الماضي، وإِثباتُ الخبر المستقبَل. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (بَلَى) بالإمالة (١).
﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ يعني: الشركَ.
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي: استولت عليه، والإحاطةُ: الإحداقُ بالشيء من جميع نواحيه، وهي الشركُ يموتُ عليه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ (خَطِيئاتُهُ) على الجمع، والباقون على الإفراد (٢)، وعن أبي جعفرٍ وجهٌ ثانٍ: (خَطِيَّاتُهُ) بتشديد الياء بغير همز (٣).
﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةَ، والكسائي: (النَّارِ) بالإمالة حيث وقَع مجرورًا (٤). ثم بشر المؤمنين بالجنة فقال:
﴿إِحْسَانًا﴾ بِرًّا بهما، وعطفًا عليهما، ونزولًا عندَ أمرِهما فيما لا يُخالفُ أمرَ الله تعالى.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ أي: وبذي القربى، والقربى مصدرٌ كالحسنى. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (القُرْبَى) بالإمالة.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو الطفل الذي لا أبَ له، وأصلُ اليتمِ: الانفرادُ. قرأ الدوريُّ عن الكسائي: (وَالْيَتَامَى) بالإمالة (١).
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ يعني: الفقراء.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ صِدْقًا وحَقًّا في شأنِ محمدٍ ﷺ ، فمن سألكم عنه، فاصدُقوه، وبَيِّنوا له صفتَهُ، ولا تكتُموا أمرَه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (حَسَنًا) بفتح الحاء والسين (٢)؛ أي: قولًا حسنًا.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن العهد والميثاق.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾ وذلك أن قومًا منهم آمنوا.
﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كإعراضِ آبائِكم.
стр. 206
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾ .
[٨٤] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ على نحو ما سبقَ من الإخبار في معنى النهي.
﴿لَا تَسْفِكُونَ﴾ لا تريقون.
﴿دِمَاءَكُمْ﴾ أي: لا يسفكْ بعضُكم دمَ بعض.
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يخرج بعضُكم بعضًا من داره.
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بهذا العهد أنه حقٌّ، وقبلتم.
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ اليوم على ذلك يا معشرَ اليهود، وتعترفون بالقبول.
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ .
[٨٥] ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: يا هؤلاءِ اليهود! وهؤلاءِ للتنبيه.
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بعضُكم بعضًا.
﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ (دِيَارِهِمْ)
стр. 207
بالإمالة، واختلف عن ابنِ ذكوان، ورُوي عن ورشٍ الإمالةُ بينَ بينَ، وكذلك رُوي عن حمزةَ، وقرأ الباقون بالفتح (١).
﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ بتشديد الظاء؛ أي: تتظاهرون، أدغمتِ التاءُ في الظاء. وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَظَاهَرُونَ) بتخفيف الظاء (٢)، ومعناهما: تتعاونون، والظهيرُ: العون.
﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ بالمعصية والظلم.
﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (يَاتُوكُمْ) بغير همز، والباقونَ بالهمز (٣)، وقرأ حمزةُ: (أَسْرَى) بفتح الألف الأولى وسكون السين وإسقاط الألف بعدَها، وهما جمع أَسير، ومعناهما واحد.
﴿تُفَادُوهُمْ﴾ بالمال، وتنقذوهم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفر، وعاصمٌ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (تُفَادُوهُمْ) بضم التاء وألفٍ بعد الفاء (٤)؛ أي:
стр. 208
تبادلونهم (١)، أرادَ: مفاداةَ الأسيرِ بالأسيرِ، وأصلُ الفِداءِ: حفظُ الشيءِ بما تبذلُه (٢) عنهُ صيانةً له، ومعنى الآية: إن الله تعالى أخذَ على بني إسرائيل في التوراة ألَّا يقتلَ بعضُهم بعضًا، ولا يخرجَ بعضُهم بعضًا من ديارِهم، وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموهُ من بني إسرائيلَ، فاشتروهُ بما قامَ من ثمنه، وأَعتقوهُ، وكانتْ قريظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنضيرُ حلفاءَ الخزرجِ، وكانوا يقتتلون في حرب سُمَير (٣)، فإذا اقتتلا، عاونَ كلُّ فريق حلفاءه في القتلِ وتخريبِ الديار وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر رجلٌ من الفريقين، جمعوا له حتى يَفْدوه، وإن كانَ الأسيرُ من عدوِّهم، فتعيِّرهُم العربُ، وتقول: كيفَ تُقاتلونهم وتَفْدونهم؟ قالوا: إنا أُمرنا أن نَفْديَهم، فيقولون: لمَ تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أنْ يُسْتَذَلَّ حلفاؤنا، فعيَّرَهم الله تعالى، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٤).
وفي الآية تقديمٌ وتأخيرٌ، ونظمُها: وتُخرجون فريقًا منكم من ديارهم تَظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وهو محرَّم عليكم إخراجهم، وإن يأتوكم أُسارى تَفْدوهم، فكأنَّ الله أخذَ عليهم أربعةَ عهودٍ: تركَ القتل،
стр. 209
وتركَ الإخراج، وتركَ المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداءَ أُسرائهم، فأعرضوا عن الكُلِّ إلا الفداءَ، قال الله :
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ أي: بالفداء؛ لأنه من جملة ما أُخذ في الميثاق.
﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ بالقتل والإخراج. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (أَفَتُومِنُونَ) بغير همز، والباقون بالهمز، قال مجاهد: يقول: إن وجدْتَه في يدِ غيرِك، فديتَهُ، وأنت تقتلُه بيدِك.
﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ يا معشر اليهود.
﴿إِلَّا خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وكان خزَيُ قريظة القتلَ والسبيَ، وخزيُ بني النضير الجلاءَ والنفيَ عن منازلهم إلى أَذرعات وأَريحا من الشام.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ وهو عذاب النار.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ: (يَعْمَلُونَ) بالغيب، والباقون بالخطاب (١).
ثم أخبرهم متهددًا أن عذابَي الدنيا والآخرة لا يُفَتَّرُ عنهم ولا مانع لهم منه بقوله:
стр. 210
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ .
[٨٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ استبدلوا.
﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾ أي: يُهَوَّنُ عليهم.
﴿الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: يُمنعون من عذاب الله .
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ .
[٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ أعطينا.
﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة جملة واحدة.
﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أتبعنا.
﴿مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ رسولًا بعدَ رسول.
﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ عيسى: اسمٌ عبرانيٌّ أو (١) سريانيٌّ، والبيناتُ: الدَّلالاتُ الواضِحاتُ، وهي ما ذكر الله تعالى في سورة آل عمران والمائدة. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيّ، وخلفٌ: (عِيسَى) بالإمالة حيثُ وقع (٢).
стр. 211
﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قَوَّيناه.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (القُدْسِ) بسكون الدال، والباقونَ بضمِّها، وهما لغتان مثل: الرُّعْب، والرُّعُب (١)، وروحُ القدسِ: هو جبريلُ ﵇ والقدُس: الطهارةُ: وُصِفَ جبريلُ بها لأنه لم يقترفْ ذنبًا، وقيلَ غيرُ ذلك، فلما سمعت اليهودُ ذكرَ عيسى، قالوا: يا محمدُ! لا مثلَ عيسى -كما تزعُم- فعلْتَ، ولا كما تقصُّ علينا من الأنبياء فَعَلْتَ، فائْتِنا بما أتى (٢) به عيسى إنْ كنتَ صادقًا، قال الله تعالى:
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ يا معشر اليهود.
﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ تحبُّ.
﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ والهوى: هو ميلانُ القلب إلى ما يستلذُّ به.
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم، وتعظمتم عن الإيمان.
﴿فَفَرِيقًا﴾ طائفةً.
﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مثل عيسى ومحمد.
﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم، مثل زكريا ويحيى وشعيا وسائرِ مَنْ قَتَلوا من الأنبياءِ ﵈، ولم يقل: قتلتم، وإن أريدَ الماضي؛
стр. 212
تعظيمًا لهذه الحالة، فكأنها -وإن مضت- حاضرةٌ؛ لشناعتِها، ولثبوتِ عارِها عليهم وعلى ذريتهم بعدَهم.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ .
[٨٨] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلاف؛ أي: هي في أكِنَّةٍ، معناه: عليها غِشاوةٌ، فلا تَعي، ولا تَفْقَهُ ما تقول، قال الله تعالى:
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أبعدَهم من كلِّ خير.
﴿بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يؤمنُ منهم إلا قليل؛ لأن من آمنَ من المشركين أكثرُ ممن آمنَ من اليهود، ونصب (قليلًا) على الحال.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ .
[٨٩] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ موافق.
﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: التوراة.
﴿وَكَانُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبعث محمد ﷺ .
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون.
стр. 213
﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حَزَبهم أمرٌ، أو دَهَمهم عدوٌّ: اللهمَّ انصُرْنا عليهم بالنبيِّ المبعوثِ في آخرِ الزمان الذي نجدُ صفتهُ في التوراةِ، فكانوا يُنْصَرون، وكانوا يقولون لأعدائِهم من المشركين: قد أظلَّ زمانُ نبيٍّ يخرجُ بتصديقِ ما قلنا، فنقتلُكم معَهُ قتلَ عادٍ وإِرَم (١).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ يعني: محمدًا ﷺ من غيرِ بني إسرائيل، وعرفوا نعتَهُ وصِدْقَه.
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بغيًا وحسدًا.
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، ورُوَيسٌ: (الْكَافِرِينَ) بالإمالة حيثُ وقعَ بالياء (٢)، مجرورًا كان أو منصوبًا، واختُلف عن ابنِ ذكوان في الإمالة والفتحِ، وأماله ورشٌ بينَ بينَ، وفتحَه الباقون، وجوابُ لما ولما الثانية في قوله: (كفروا)، وأعيدت لما الثانية؛ لطولِ الكلام، ويفيدُ ذلك تقريرًا للذَّنب وتأكيدًا له.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (بِيسَ)