← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أخبرْني عن النجومِ التي رآهنَّ يوسفُ، فسكتَ رسولُ الله ﷺ ، فنزلَ جبريلُ فأخبرَه بذلك، فقال ﵇ لليهوديِّ: "إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ هَلْ تُسْلِمُ؟ "، قال: نعم، قال: "جَرْبَانُ؛ وَالطَّارِقُ، والذَّيالُ، وقَابِسٌ، وَعَمُودَان، وَالْفُلَيْقُ، وَالْمُصَبِّحُ، وَالصَّروخُ، وَالْفَرْغُ، وَوَثَّابٌ، وَذُو الْكَتِفَيْنِ رَآهَا يُوسُفُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّمَاءِ، وَسَجَدْنَ لَهُ"، فقالَ اليهوديُّ: إي واللهِ إنها لأسماؤها (١). وكان النجومُ في التأويلِ إخوتَه، وكانوا أحدَ عشرَ؛ لأنه يُستضاء بالإخوةِ كما يُستضاءُ بالكواكبِ، وَالشَّمسُ أُمُّه، والقمرُ أبوه. ... ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ [ يوسف: ٥]. [٥] فلما ذكر ذلك لأبيه ﴿قَالَ يَبُنَيَّ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يَا بُنَيَّ) بفتحِ الياءِ، والباقونَ: بكسرِها، وتصغيرُ (بني) للشفقةِ (٢). ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فهمَ يعقوبُ ﵇ من رؤياه أنَّ اللهَ يصطفيهِ لرسالتِه، ويفوقُ على إخوته، فخافَ عليه حسدَهم، فأمره

стр. 1507

بالكتمان. قرأ الكسائيُّ بخلافٍ عنه: (رُؤْيَاكَ) بالإمالةِ (١). ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فيحتالون في هلاكِك؛ لأنهم يعلمونَ تأويلَها. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يحملُهم على الحسدِ والكيدِ. ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ بَيِّنُها. قال ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وإذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ، وَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى؛ فَإنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ" (٢). ... ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [ يوسف: ٦]. [٦] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ يقولُه يعقوبُ ﵇ ليوسفَ، أي: كما رفعَ منزلتَكَ بهذهِ الرؤيا، فكذلك ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يصطفيكَ ﴿رَبُّكَ﴾ بما هو أعظمُ منها. ﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ أي: وهو يعلِّمُكَ ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، وما يَؤولُ أمرُها إليه، وكانَ يوسفُ أعبرَ الناسِ للرؤيا.

стр. 1508

﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوةِ وباحتياجِ إخوتِك إليكَ ﴿وَعَلَى آلِ﴾ أي: أولادِ ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنبوةِ أيضًا؛ لأنهم كانوا أنبياءَ. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أبيكَ وجَدِّك؛ فإنَّ الجدَ أبٌ في الأصالةِ، يقالُ: فلانُ بنُ فلانٍ، وبينَهما عدةُ آباءٍ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بجعلِهما نَبِيَّيْنِ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّ الاجتباءَ ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعِه، وكان بينَ رؤيا يوسفَ وتحقيقِها بمصيرِ أبيه وإخوته إليه أربعونَ سنةً في قولِ الأكثرِ. ... ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [ يوسف: ٧]. [٧] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي: في خبرِه وخبرِ إخوته، وهم روبيلُ، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوى، ويهودا، وزلون، ويساخر وأمُّهم لَيَّا بنتُ ليَّانَ، وهي ابنةُ خالِ يعقوبَ، وولد له من سُرِّيتينِ اسمُ إحداهما زُلْفَى، والأخرى بُلْهة أربعة، وهم: دان، ونَفْتالي، وكاد، وأشر، ثم تُوفيت ليا، فتزوج يعقوبُ أختَها راحيل، فولدت له يوسفَ وبنيامين، فكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ رجلًا. ﴿آيَاتٌ﴾ عِظاتٌ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عنها، وغيرِ السائلين، وذلك أن اليهود لما سألوا رسولَ الله ﷺ عن قصةِ يوسفَ، فذكر لهم القصةَ، فوجدوها موافقةً لما في التوراةِ، فعجبوا منه، فهذا معنى قوله تعالى: (لآياتٌ)؛ أي: دلالة على نبوةِ محمدٍ رسولِ الله ﷺ . قرأ ابنُ كثيرٍ: (آيَةٌ)

стр. 1509

على التوحيد، والباقون: (آيَاتٌ) على الجمعِ (١). ... ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [ يوسف: ٨]. [٨] ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللامُ فيه جوابُ القسم، تقديرُه: واللهِ ليوسفُ ﴿وَأَخُوُه﴾ بنيامينُ. ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ وكان يعقوبُ شديدَ الحبِّ ليوسفَ، فكان يرى منه الميلُ إليه ما لا يرى لإخوته. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعةٌ عشرةٌ تُعْصَبُ بنا الأمورُ، وفينا كفايةٌ، ويفضِّلُهما علينا، ولا كفايةَ فيهما؛ لصغرهما، وأصلُ العصبةِ والعصابةِ التَّعَصُّبُ والشَّدُّ، وتطلق على الثلاثةِ أو العشرةِ إلى الأربعين. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: خطأ من رأيهِ ظاهرٌ؛ لاختيارِهما علينا، وليسَ المرادُ الضلالَ عن الدين. قرأ أبو عمرٍو، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (مُبينِ اقْتُلُوا) بكسرِ التنوينِ في الوصلِ لالتقاءِ ساكن التنوين والقافِ، وقرأَ الباقونَ: بكسر النونِ وضمِّ التنوين إتباعًا لضمةِ التاءِ ومراعاةً لها، واختلِف عن ابنِ ذكوانَ في الكسرِ والضمِّ، والوجهانِ صحيحان عنه (٢).

стр. 1510

﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [ يوسف: ٩]. [٩] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ كانت هذهِ مقالَة شمعون، أو دان. ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: أَبْعِدوه إلى أرضٍ بعيد من أبيه. ﴿يَخْلُ﴾ أي: يخلُصْ ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبِلُ بكلِّيتهِ عليكم. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعدَ يوسفَ والفراغ من أمرِه. ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يصلُحُ حالُكم عندَ أبيكم، وقيل: معنى (صالحين)؛ أي: تائبين، تُحْدِثوا بعد ذلك توبة، فيقبلُها الله منكم. ... ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ [ يوسف: ١٠]. [١٠] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهودا على الأصحِّ. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ نَهاهم عن قتلِه، وقال: القتلُ كبيرةٌ عظيمةٌ. ﴿وَأَلْقُوهُ﴾ اطرحوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قَعْرِهِ، والغَيابةُ: ما غابَ عن العينِ، والجبُّ: البئرُ التي لم تُطْوَ؛ لأنها جُبِّبَتْ من الأرض؛ أي: قُطعتْ، والبئرُ بينَ مصرَ ومدينَ على ثلاثةِ أميالٍ من منزلِ يعقوبَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (غَيَابَاتِ) على الجمع (١).

стр. 1511

في الموضعينِ، والباقون: (غَيَابَةِ) على الواحدِ فيهما. ﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يأخذْه من غيرِ طلبٍ ولا قصدٍ ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ المسافرينَ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُم عليه من القتلِ؛ فإنَّ القتلَ عظيمٌ، وهم كانوا يومئذٍ بالِغينَ، ولم يكونوا أنبياءَ بعدُ. وأما حكمُ اللقيطِ، وهو الطفلُ المنبوذُ، فالتقاطُه مندوبٌ عندَ أبي حنيفة، وعندَ الثلاثة فرضُ كفايةٍ، وهو حرٌّ مسلمٌ إن وُجِدَ في بلدٍ فيه مسلمٌ يولَدُ لمثلِه عندَ الثلاثةِ، وقال أبو حنيفةَ: إن التقطَ من بِيعَةٍ أو كنيسةٍ أو قريةٍ من قُراهم، فيكونُ ذِمِّيًّا، وأما حضانتهُ، فلواجِدِه إن كانَ عدلًا بالاتفاق، وما وُجِدَ معه فنفقتُه منه، وإلَّا من بيتِ المالِ بالاتفاق، ومن ادَّعاهُ لحقَ به نَسَبًا لا دينًا عندَ الثلاثةِ، وعن مالكٍ في استِلْحاقِ الملتقَطِ المسلمِ بغيرِ بينةٍ قولان، وفي مسلمٍ غير الملتقط أقوالٌ، ثالثُها: إن أتى بوجه، لحق؛ كمن زعمَ أنه طرحَه؛ لأنه لا يعيشُ له ولدٌ، وسمعَ أنه إذا طرحَهُ عاشَ، وأما الذميُّ، فإنه لا يلحقُه إلا ببينةٍ، وميراثُه وديتُه لبيتِ المالِ بالاتفاق. وأما اللُّقَطَةُ، وهي المالُ الضائعُ من رَبِّه، فقالَ أبو حنيفةَ: أخذُها أفضلُ، وقال مالكٌ: يُستحبُّ أخذُها بنيةِ حفظِها إنْ كانتْ مما لهُ خَطَرٌ، وقال الشافعيُّ: يُستحبُّ لواثقٍ بأمانةِ نفسِه، وقالَ أحمدُ: تركُها أفضلُ، ويجوزُ أخذُها لمن أمنَ نفسَه. فمن وجدَ ما تقلُّ قيمتُه، ولا تتبعُه الهِمَّةُ، ملكَه بغيرِ تعريفٍ بالاتفاق، وأما الحيوانُ الممتنِعُ بنفسِه؛ كبعيرٍ وفرسٍ ونحوِهما، فيجوزُ التقاطُه عندَ

стр. 1512

أبي حنيفةَ، وعندَ الشافعيِّ إن وُجِدَ بمفازةٍ، جازَ التقاطُه للحفظِ، ويحرمُ للتملُّكِ، وإن وُجِدَ بقريةٍ، جازَ التقاطُه للتملُّكِ، وقالَ مالكٍ: لا يلتقِطُ الإبلَ في الصحراءِ، وعنهُ في غيرِ الإبلِ خلافٌ، وقال أحمدُ: لا يجوزُ التقاطُها، ولا يبرأُ مَنْ أخذَها إلا بدفعِها إلى الإمام، وما عدا ذلكَ من سائرِ الأموالِ، فقال أبو حنيفةَ: يُعَرِّفُها مدةً يغلبُ على ظَنِّه أن صاحبَها لا يطلُبُها بعدَ ذلكَ الزمانِ الذي عَرَّفَ فيه، قال: وتعريفُ ما دونَ عشرةِ دراهمٍ أيامًا بلا تقدير، وما فوقَها حولًا، ثم يتصدَّقُ بها إن شاءَ، فإن جاءَ صاحبُها، فأمضى الصدقةَ، وإلا ضمنَها الملتقِطُ أو المسكينُ إن شاءَ، وإن كانتْ قائمةً، أخذَها منه، ولا تُدفعُ إليه إلا ببينةٍ، ويحلُّ للملتقِط دفعُها بذكرِ علامةٍ، ولا يُجبر على ذلك، وقال مالكٍ: يُعَرِّفها سنةً، فإذا جاءَ طالبُها، فعرَفَها بعلامتها، دفعَها إليه بلا بَيِّنةٍ، وإن لم يأتِ لها طالبٌ، فإن شاءَ تركَها في يده أمانةً، وإن شاءَ تصدَّقَ بها بشرطِ الضمانِ، وإن شاءَ تملَّكها على كراهةٍ، وقال الشافعيُّ: يعرِّفها سنةً، والحقير زمنًا يظنُّ أن فاقدَه يُعرِضُ عنه غالبًا، وإذا عَرَّفَ سنةً، لم يملكها حتى يختارَهُ بلفظ؛ كتملكتُ، فإذا ظهرَ المالكُ، أخذَها، وإن تلفتْ، غرمَ مثلَها أو قيمتَها يومَ التملُّكِ، وإن وصفَها، وظنَّ صدقَه، جازَ الدفعُ، ولا يجب، وقالَ أحمدُ: يعرِّفُها سنةً، ثم تدخلُ في ملكِه بعدَ الحولِ حكمًا كالميراث، فمتى جاءَ طالبُها، فوصفَها، لزَم دفعُها إليه أو مثلُها إن هلكتْ بِلا بينةٍ. ولا فرقَ بينَ لُقَطَةِ الحرمِ وغيرِه عندَ الثلاثِة، وعند الشافعيِّ لا تحلُّ لقطةُ الحرمِ للتملُّكِ، ويجبُ تعريفُها قطعًا، والله أعلم. ***

стр. 1513

﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ [ يوسف: ١١]. [١١] فلما أجمعَ إخوةُ يوسفَ على التفريقِ بينَه وبينَ والدِه بضربٍ من الحِيَلِ. ﴿قَالُوا﴾ ليعقوبَ: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ لِمَ تخافنُا عليه؟ بدؤوا بالإنكارِ عليه في تركِ إرسالِه معهم. وأجمعَ القراءُ على قراءةِ (مالَكَ لاَ تأمَنَّا) بإدغامِ النونِ الأولى في الثانية، واختلفوا في اللفظِ به، فقرأ أبو جعفرٍ بإدغامِه محضًا من غيرِ إشارةٍ، بل يلفظُ بنونٍ مفتوحةٍ مشدَّدةٍ، وهو على أصلِه في إبدالِ الهمزِ حرفَ مَدٍّ، وقرأ الباقونَ بالإشارة، واختلفوا فيها، فبعضُهم جعلَها رَوْمًا، فيكونُ حينئذٍ إخفاءً، ولا يتمُّ معها الإدغامُ الصحيحُ، وبعضُهم جعلها إِشْمامًا، فيشيرُ إلى ضمِّ النونِ بعدَ الإدغامِ، فيصحُّ معه حينئذٍ الإدغامُ، قالَ ابنُ الجزريَّ: وبالقولِ الثاني قطعَ سائرُ أئمةِ أهلِ الأداءِ من مُؤَلِّفي الكتبِ، وحكاه أيضًا الشاطبيُّ، قال: وهو اختياري، لأني لم أجدْ نصًّا يقتضي خلافَه، ولأنه الأقربُ إلى حقيقةِ الإدغامِ، وأصرحُ في اتباعِ الرسمِ، انتهى (١). ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ قائمونَ بمصلحتِه وحِياطتِه حتى نردَّه إليكَ. ...

стр. 1514

﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ [ يوسف: ١٢]. [١٢] ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إلى الصحراءِ. ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ نُنَعَّمْ ونَلْهو. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ: بالنونِ فيهما، وابنُ كثيرٍ: بكسرِ العين من (نَرْتعَ)، وروايةُ قنبل يثبتُ الياءَ بعدَ العينِ وصلًا ووقفًا، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بالياء فيهما معَ كسرِ العين من (يَرْتعَ)، وقرأ الباقون، وهم: الكوفيون، ويعقوبُ: بالياءِ فيهما معَ إسكانِ العين من (يَرْتع)؛ كأبي عمرٍو وابنِ عامرٍ، فالقراءةُ بالنون فيهما أُسندَ الفعلُ إلى جميعِهم، ولم يكونوا أنبياءَ يومئذٍ، وبالياء فيهما أُسنِدَ الفعلُ إلى يوسفَ، وبكسر العين من (نَرْتعَ) من الرعي، فلامُه ياء حُذِفَتْ للجزم، وبقيت الكسرةُ تدلُ عليها، وبإسكانِ العين جزمًا جوابًا (لأرسلْه) (١). ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أن ينالَه مكروهٌ. ... ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ [ يوسف: ١٣]. [١٣] ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوبُ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ قرأ نافعٌ (لَيُحْزِنُنِي) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، والباقون: بفتحِ الياءِ وضمِّ الزاي، وفتحَ أبو جعفرٍ،

стр. 1515

ونافعٌ، وابن كثيرٍ ياءَ الإضافِة، وأَسكنها الباقون (١). ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: ذهابُكم به، والحزنُ هاهنا ألمُ القلبِ بفراقِ المحبوبِ. ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، وكان يعقوبُ قد رأى في منامِه أن الذئبَ قد شَدَّ على يوسفَ، فكانَ يخافُ من ذلك ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ مشغولون بعملِكم. قرأ أبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وورشٌ عن نافعٍ: (الذِّيبُ) بإسكان الياء بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (٢). ... ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ [ يوسف: ١٤]. [١٤] ﴿قَالُوا لَئِنْ﴾ التقديرُ: واللهِ لَئِنْ ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، وجوابُ القسم ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ضعفاءُ مغبونونَ. ... ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [ يوسف: ١٥]. [١٥] ثم قالوا ليوسف: أما تحبُّ الخروجَ معنا؟ قال: بلى، قالوا:

стр. 1516

فسل أباكَ، قال: يا أَبي! إني أَرى من إخوتي اللطفَ فأُحِبُّ أن ترسلَني معهم إلى الصحراءِ، فأرسلَهُ. ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ جَعَلوا يحملونَه على عواتِقِهم إكرامًا لهُ، وسرورًا به، فلما أَبعدوا به عن العيون، أَلْقَوه، وجعلوا يضربونَهُ، وكلما لجأَ إلى واحدٍ منهم، ضربَهُ، ولا يزدادُ عليهِ إلا غلظةً وحنقًا، وجعلَ يبكي بكاءً شديدًا، وينادي: يا أبتاه! يا يعقوبُ! ما أسرعَ ما نَسُوا عهدَكَ، وضَيَّعوا وَصيَّتَكَ، لو تعلمُ ما يَصنعُ بابنِك أولادُ الإماءِ! قالو!: فأخذَه روبيلُ فجلدَ بهِ الأرضَ، وثبتَ على صدره، وأرادَ قتلَه، فقال: مهلًا يا أخي، لا تقتلْني، فقال له: قُلْ لرؤياكَ تُخَلِّصُك من أيدينا، ولوى عنقَه ليكسرَها، فنادى: يا يهودا! وكان أرفَقَهم به اتَّقِ اللهَ وحُلْ بيني وبينَ من يريدُ قتلي، فأخذَتْه رقةٌ ورحمةٌ، فقال يهودا: ألستُمْ قد أعطيتموني موثقًا ألا تقتلوه؟ قالوا: بلى، قال: فأنا أدلُّكم على ما هو خيرٌ لكم من القتل، ألقوه في الجبِّ، قالوا: نفعلُ. ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ عزموا على إلقائهِ. ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ تقدَّم تفسيرُه، واختلافُ القراءِ فيهِ، ومحلُّ الجبِّ عندَ تفسيرِ الحرفِ المتقدِّمِ، وجعلَ يوسفُ يتعلَّق بثيابِهم، فنزعوها من يديه، فتعلق بشفيرِ البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصَه لما عزموا عليه من الكذبِ، فقال: يا إخوتي! ردوا عليَّ ثوبي أسترُ به عورتي في حياتي، ويكونُ كفنًا لي بعدَ مماتي، فلم يفعلوا، وألقوه، وكان يعقوبُ قد جعلَ قميصَ إبراهيمَ الذي كُسِيه لما ألُقي في النار في قصبةٍ، وشدَّ رأسَها، وعلَّقها في عنقِ يوسفَ، لما كانَ يخافُ عليه من العينِ، وكان لا يفارقُه، فأخرجَهُ جبريلُ وألبسَه إياه، وقامَ على صخرةٍ بجانبِ البئرِ، فأرادوا رضخَهُ بحجرٍ، فمنعَهم

стр. 1517

يهودا، وجاءه جبريلُ ليؤنسَه، وقال له: إذا هِبْتَ شيئًا، فقلْ: يا صريخَ المستصرخين، ويا غياثَ المستغيثين، ويا مفرجَ كربِ المكروبين، قد ترى مكاني، وتعلمُ حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فلما قالَها، حَفَّتْه الملائكةُ، فأنسَ بهم. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وكانَ ابنَ ثماني عشرة سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ فيما يُستقبل ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الذي فعلوا بك. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّكَ يوسفُ؛ لعلوِّ قدرِك، وبعد عهدِهم عنك. ... ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [ يوسف: ١٦]. [١٦] ثم نحروا سَخْلَةً، ولطَّخوا قميصه بدمِها، ولم يشقُّوه ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ أي: مُتباكينَ وقتَ المساء، ليكونوا أَجْرَأَ على الاعتذارِ بالكذب. **** ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [ يوسف: ١٧]. [١٧] فرُوي أن يعقوبَ سمعَ صياحَهم وعويلَهم، فخرجَ فقال: ما لكم يا بني؟ أصابَكم في غنمِكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسفُ؟ ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ من السِّباقِ في الرَّمْيِ بالسهامِ. ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ ثيابِنا.

стр. 1518

﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدِّقٍ. ﴿لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ لسوءِ ظَنِّكَ بنا، وفرطِ محبتِكَ ليوسفَ. ... ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [ يوسف: ١٨]. [١٨] ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوبٍ فيه؛ لأنه لم يكنْ دمَ يوسفَ، فقالَ يعقوبُ: كيفَ أكلَه الذئبُ، ولم يشقَّ قميصَه؟ فاتَّهمهم، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيَ: زَيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ (بَل سوَّلَتْ) بإدغامِ اللام في السين، والباقون: بالإظهار (١). ﴿فَصَبْرٌ﴾ أي: فأمري صبرٌ. ﴿جَمِيلٌ﴾ والصبرُ الجميلُ: ما لا شكوى فيهِ إلى مخلوقٍ. ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ أي: أطلبُ منه العونَ. ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من شأنِ يوسفَ. ... ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [ يوسف: ١٩]. [١٩] ولبثَ في البئرِ ثلاثةَ أيامٍ ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ جماعةٌ يسيرون من مَدْيَنَ إلى مصرَ، أخطأوا الطريقَ، فنزلوا قريبًا من الجبِّ، وكان في قَفْرٍ بعيدٍ

стр. 1519

من العمران، وكان ماؤه مِلْحًا، فعذُبَ حينَ أُلقي يوسفُ فيه. ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ الذي يردُ الماء ليستقيَ لهم منه، وهو مالكُ بنُ ذعْرٍ الخزاعيُّ. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ ليملأَها، فتعلَّق يوسفُ بالحبلِ، فلما خرجَ، إذا هو بغلامٍ أحسنَ ما يكونُ من الغلمانِ، قالَ النبيُّ ﷺ "قَدْ أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الْحُسْنِ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ لِسَائِرِ النَّاسِ" (١)، فلما رآه مالكُ بنُ ذعرٍ. ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (يَا بُشْرَايَ) بياءٍ مفتوحة بعدَ الألف؛ أي: بَشَّرَ المستقي نفسَهُ وأصحابَهُ، يقولُ: أبشروا بغلامٍ، وقرأ الباقونَ، وهم الكوفيون: (يَا بُشْرَى) بغيرِ ياءٍ إضافةٍ على وزن فُعْلَى (٢)، يريدُ: نادى المستقي رَجُلًا من أصحابِه اسمهُ بُشْرى، وأمالَ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ فتحةَ الراء، وقرأ ورشٌ الراءَ بينَ اللفظين، والباقون: بإخلاصِ فتحِها،

стр. 1520

واختلِفَ عن أبي عمرٍو، وابن ذكوانَ (١). ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الضميرُ للواردِ وأصحابه؛ أي: أخفَوا أمرَ يوسفَ، وقالوا: دفعَه لنا أهلُ الماءِ لنبيعَه لهم بمصرَة لئلا يطالبَهم رُفْقَتُهم بالشركة فيه، ورُوي أنَّ إِخوةِ يوسفَ أخفَوا شأنَه؛ لأنه لما أخذَهُ المدلي، علم به يهودا؛ لأنه كان يأتيه بطعامه، فذهبَ وإخوتَه إلى السيارة، فقالوا: هذا عبدٌ لنا أَبَقَ، فاشتروهُ منا، ويوسفُ ساكتٌ لا يتكلَّمُ مخافةَ القتلِ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ لم تخفَ عليه أسرارُهم. ... ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [ يوسف: ٢٠]. [٢٠] ﴿وَشَرَوْهُ﴾ السيارةُ من إخوته. قرأ ابنُ كثيرٍ: (وَشَرَوْهُو) بواو يصلُها بهاء الكناية في الوصلِ، وتقدَّمَ التنبيهُ عليه أولَ سورةِ البقرة (٢) ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ناقصٍ عنِ القيمةِ. ﴿دَرَاهِمَ﴾ لا دنانيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلةٍ؛ لأنهم كأنوا لا يَزِنُون إلا ما بلغَ أوقيةً، وهو أربعونَ درهمًا، ويَعُدُّون ما دونَها، وكانت الدراهمُ عشرينَ درهمًا، فاقتسَمَها إخوةُ يوسفَ درهمينِ درهميِن. ﴿وَكَانُوا﴾ إخوةُ يوسفَ ﴿فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ليبعدَ عنهم. ...

стр. 1521

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [ يوسف: ٢١]. [٢١] فلما قدمتِ السيارةُ بيوسفَ مصرَ، دخلوا به السوقَ يعرضونه للبيع، وكانتْ قوافلُ الشامِ تنزلُ بالناحيةِ المعروفةِ اليومَ بالموقفِ، وهي ظاهرَ مصرَ خارجَ كومِ الجارحِ بالقربِ من الجامعِ الطولونيِّ، فوقفَ الغلامُ، ونوديَ عليه، فاشتراهُ قِطْفيرُ صاحبُ أمرِ الملك، وكان على خزائنِ مصرَ يُسَمَّى العزيزَ، واشتراهُ بعشرينَ دينارًا وزوجِ نعلٍ، وثوبينِ أبيضين، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو قِطفيرُ المذكورُ ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ واسُما زَليخَا، وقيل: رَاعِيل ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ منزلَهُ؛ أي: أَحْسِني تعهُّدَه. ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فيما نحتاجُ إليه، وكانَ العزيزُ لا يولَدُ له فقال: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاهُ؛ لما رأى فيه من مخايلِ الفلاحِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكإنجائِنا يوسفَ من الشدائدِ وعطفِ قلبِ العزيزِ عليه. ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مصرَ؛ بأن جعلناهُ حاكمًا عليها. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ هي تعبيرُ الرؤيا. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ الهاءُ في (أمره) لله تعالى؛ أي: لا مانعَ

стр. 1522

لقضائِه، وقيل: ليوسفَ؛ أي: إنه يدبره، ولا يَكِلُه إلى سِواه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مرادَ الله تعالى. ... ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه﴾ منتهى شبابِه وقُوَّته، جمعُ شدٍّ، وهو ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً في أظهرِ الأقوالِ. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعينَ. ... ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَرَاوَدَتهُ﴾ أي: طالبته مرةً بعدَ مرةٍ برفقٍ وسهولةٍ. ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وهي زليخا احتالَتْ عليه، وأرادتْ خدعَهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لتنالَ غرضَها منه، وكانت تكتمُ حُبَّهُ، فخَلَتْ به، وتزيَّنَتْ له، وعَرَّفَتْه أنها تحبُّه، وأنه إِن واتاها على ما تريدُه منه، حَبَتْهُ بمالٍ عظيمٍ، فامتنعَ من ذلك، ورامَتْ أن تغلبَهُ. ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ عليها وعليه، وكانت سبعةً. ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (هَيْتَ) بفتح الهاءِ والتاءِ من غيرِ همزٍ؛ أي: هَلُمَّ وأَقْبِلْ إلى ما أدعوكَ إليه، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ

стр. 1523

(هِيتَ) بكسرِ الهاءِ وفتحِ التاءِ من غيرٍ همزٍ، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامرٍ، فرويَ عنه وجهِان: بكسر الهاءِ وضمِّ التاءِ وفتحِها مهموزًا في الوجهين، وقرأ ابنُ كثير: بفتح الهاءِ وضمِّ التاءِ من غيرِ همزٍ، ومعناه تَهَيَّأتُ لكَ (١). ﴿قَالَ﴾ يوسفُ لها عندَ ذلك: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ أستجيرُ بالله مما دَعَوْتيني إليه. ﴿إِنَّهُ رَبِّىَ﴾ المعنى: زوجُكِ قِطفيرُ سيدي. ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حينَ أوصاكِ بإكرامي، فما جزاؤه أن أخونَهُ، وقيل: المرادُ (بربي): اللهُ سبحانه، أحسنَ إليَّ بما أعطاني. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ: (رَبِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ (مَثْوَايَ) بالإمالة (٣). ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يسعد الزُّناةُ؛ فإنَّ الزنى ظلمٌ على الزاني والمزنيِّ بأهلِه. ...

стр. 1524

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [ يوسف: ٢٤]. [٢٤] ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أي: بمخالطتِه، والهمُّ: هو المقاربةُ من الفعلِ من غيرِ دخولٍ فيه. ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ بخطراتِ القلبِ الذي لا يقدرُ البشر على التحفُّظِ منه، ورجعَ عندَ ذلكَ ولم يتجاوزْه. ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ رُوي أنّه رأَى صورةَ يعقوبَ عاضًّا على أصبغِه، وبه كانَ يُخَوَّفُ صغيرًا، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وجوابُ لولا محذوفٌ، تقديرُه؛ لولا أنْ رأى برهانَ رَبِّهِ، لواقعَ المعصيةَ، وقيل: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: ولقد همتْ به، ولولا أن رأى برهانَ رَبِّه، لهمَّ بها. ﴿كَذَلِكَ﴾ فعلْنا مثل ذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ الزنى. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأ الكوفيون، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ (الْمُخْلَصِينَ) بفتحِ اللامِ حيثُ وقَع؛ أي: المختارين، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ أي: المخلِصين لله الطاعةَ، واختلافُهم في الهمزتين من (الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما مهن (شُهَداءَ إِذْ) في سورة البقرة. ...

стр. 1525

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [ يوسف: ٢٥]. [٢٥] ورُوي أنها سترَتْ صنمًا كانَ عندَها، فقال: لِمَ سترتِهِ؟ قالت: أَسْتَحيي أن يراني على معصية، فقال: أتستحيينَ ممن لا يسمعُ ولا يبصرُ، وأنا أحقُّ أن أستحييَ من ربي؟ وهرب (١). ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ وَحَّدَ البابَ، وأرادَ: الجنس؛ أي: تسابقا إليه، وذلك أن يوسفَ فرَّ منها ليخرجَ، وأسرعتْ وراءه لتمنعَه الخروجَ، فأدركَته، فلزمَتْه. ﴿وَقَدَّتْ﴾ شَقَّتْ ﴿قَمِيصَهُ﴾ نِصفين ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خَلْفِه. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ زوجَها قِطفيرَ، وكان عِنِّينًا لا يأتي النساءَ ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ عندَ البابِ جالسًا، فلما رأتْهُ. ﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بالقولِ لزوجِها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: زنًا، ثم خافَتْ عليه أن يُقتلَ فقالتْ: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يُحْبَسَ ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يضربُ بالسياطِ.

стр. 1526

﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾ [ يوسف: ٢٦]. [٢٦] فلما عَرَّضَتْهُ للهلاكِ ﴿قَالَ﴾ يوسفُ دفعًا عن نفسِه، وتنزيهًا لعرضه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يعني: طلبَتْ مني الفاحشةَ، فأبيتُ وفررتُ. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ كانَ طفلًا في المهد، وهو ابنُ خالها، أنطقَه اللهُ، وقد وردَ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبي ﷺ : "تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ" (١)، وقيلَ: كان رجلًا حكيمًا ذا رأيٍ، وهو ابنُ عمِّها. قرأ أبو عمرٍو (وَشَهِد شاهِدٌ) بإدغامِ الدالِ في الشين (٢). ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأنه إذا طلبَها، دفعتْهُ عن نفسِها، فشقَّتْ قميصَه مِنْ قُدَّام، أو يسرع ليدركَها فيعثرَ في ثوبِهِ فينشَقَّ. ... ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [ يوسف: ٢٧]. [٢٧] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ لأنها إذا تبعَتْه هي، تعلَّقَتْ

стр. 1527

بقميصِه لتلحقَهُ فتشقَّهُ ﴿وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قولِه، وإنما ألقى اللهُ الشهادةَ على لسانِ أهلِها؛ لتكونَ ألزمَ عليها، وسُمِّيَ قولُ الشاهدِ شهادةً؛ لأنه قائمٌ مقامَ الشهادةِ في ثبوتِ صدقِ يوسفَ وكذبِها. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [ يوسف: ٢٨]. [٢٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ زوجُها ﴿قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عرفَ براءةَ يوسفَ. ﴿قَالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: قولُكِ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءًا ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ حِيَلِكُنَّ. ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ معاشرَ النسوةِ ﴿عَظِيمٌ﴾ وسُمِّيَ كيدُ الشيطانِ ضعيفًا؛ لأنه وسوسةٌ، وكيدُ النساءِ عظيمًا؛ لأنه مواجهةٌ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذكوانَ: (رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) (رَأَى قَمِيصَهُ) بإمالةِ الراءِ تبعًا للهمزة، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي بكرٍ، وأمال أبو عمرٍو الهمزة فقط (١). ... ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [ يوسف: ٢٩]. [٢٩] ثم أقبلَ مخاطبًا ليوسفَ حاذفًا حرفَ النداءِ فقالَ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ

стр. 1528

عَنْ هَذَا﴾ الأمرِ، لا تذكرْهُ لأحدٍ، ثم قالَ لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ توبي من صنيعِك. ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ المتعمِّدينَ للذنبِ، وقيل: هذا من قولِ الشاهدِ لهما، وقوله: (من الخاطئين)، ولم يقل: منَ الخاطئاتِ؛ لأنه لم يقصدِ الخبرَ عن النساءِ , وإنما قصدَ القومَ الخاطئين، وكان العزيزُ حليمًا قليلَ الغيرةِ. ... ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ [ يوسف: ٣٠]. [٣٠] واتصل خبرُ زليخا ويوسف بنساءِ الخاصَّة، فَعَيَّرْنَها بذلكَ، فذلكَ قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي مدينةُ مصرَ. ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ ورُسمت (امْرَأَتُ) بالتاءِ في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ (١). ﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ غلامَها ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لتنالَ شهوتَها منه. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أصابَ حُبُّهَ شَغافَ قلبِها. قرأ أبو عمرٍو , وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (قَد شغَفَهَا) بإدغامِ الدالِ في الشين , والباقون: بالإظهار (٢).

стр. 1529

﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ بَيِّنٍ من حبِّ عبدِها. ... ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [ يوسف: ٣١]. [٣١] ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِغِيبَتِهِنَّ لها ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ دَعَتْهُنَّ إليها. قرأ يعقوبُ: (إِلَيْهُنَّ) بضمِّ الهاءِ حيثُ وقَع (١). ﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أعدَّت؛ أي: هَيَّأَتْ. ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يُتَّكَأُ عليه، وقُرِئَ في الشواذِّ (مُتْكًا) بضمِّ الميمِ وإسكانِ التاء (٢)، وهو الأَتْرُجُّ، وصنعَتْ لهنَّ طعامًا وشرابًا، وعملَتْ مجلسينِ مُذْهَبينِ، وفرشَتْهما بديباجٍ أصفرَ مُذْهَبٍ، وأَرْخَتْ عليهما ستورَ الديباجِ، وأمرتِ المواشطَ بتزيينِ يوسفَ وإخراجِه من المجلس الذي يُحاذي المجلسَ الذي كانتْ معَ النسوةِ فيه، وكانَ المجلسُ محاذيًا للشمسِ، فأخذنَهُ المواشطُ، ونَظَمْنَ شعرَهُ بأصنافِ الجواهرِ، وألبسنَهُ ثوبَ ديباجٍ أصفرَ قد نُسِجَ بداراتٍ حمرٍ مُذْهَبَةٍ فيها أطيارٌ صغارٌ خضرٌ مبطَّن ببطانةٍ خضراءَ، ومن تحتِه غلالةٌ حمراءُ، وعلى رأسِهِ تاجٌ قد نُظِمَ بالدرِّ والجوهرِ، وأخرجْنَ من تحتِ التاجِ أطرارَ شعرِه على جبهتِه، وردَدْنَ ذوائبَهُ على صدرِهِ، وجعلْنَ جُمَّتَهُ مكشوفةً، والتاجُ يحيطُ بها، وفي أذنيه قرطَي جوهرٍ،

стр. 1530

ومن خلفِ طوقِ القباءِ شعرٌ مسبلٌ بينَ كتفيهِ منظومٌ مشبكٌ بالذهبِ والجوهرِ، وفي عنقه طوقٌ منظومٌ بذهبٍ مشذرٍ بجوهرٍ أحمرَ ودُرٍّ فاخرٍ، وفي وسطِه منطقةُ ذَهَبٍ، فيها كواكبُ جوهرٍ ملوَّنٍ، ولها معاليقُ منظومة، وألبسنَهُ خُفَّيْنِ أبيضينِ منقوشيِن بأخضرَ على نقوشِ ذهبٍ، وجعلْنَ للقباءِ الذي عليه وشاحينِ على كتفيهِ وكُمَّيْهِ من جوهرٍ أخضرَ، وعَقْرَبْنَ صُدْغَيه على خَدَّيهِ، وكحلْنَ عينيه، ودفعْنَ إليه مِذَبّةً مذهبةً شعرُها أخضرُ، وكانَ يوسفُ إذا سارَ في الأزقَّة رُئي تلألؤُ وجهه على الجُدرِ، وحُكِيَ أنه ما زالَ النساءُ يملْنَ إلى يوسفَ ميلَ شهوةٍ حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبةَ النبوة، فشغلَتْ هيبتُه كلَّ من رآهُ عن حسنهِ. ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ﴾ بعدَ الجلوسِ على المتكأ. ﴿سِكِّينًا﴾ نِصابُها من جوهرٍ، وكُنَّ يأكُلْن اللحمَ حَزًّا بالسكين، وقيلَ: ليقطعنَ بها الفاكهةَ، فيقال: إنهن أخذْنَ أترجًّا، وهنَّ يقطعنَهُ، فلما فرغَ النساءُ من طعامهنَّ، وشربْنَ أقداحًا، قالت لهنَّ: قد بلغني حديثُكن في أمري مع عبدي، فقلْنَ لها: الأمرُ كما بلغَكِ لأنك أعلى قدرًا من هذا، ومثلُكِ يرتفعُ عن أولادِ الملوكِ بحسنِك وشرفِكِ، فكيفَ رضيت (١) بغلامِكِ؟! قالت: لم يبلُغْكُنَّ الصدقُ، ولا هو عندي بهذا. ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وأومأتْ إلى المواشطِ أن يُخْرِجْنَ يوسفَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَقَالَتُ اخْرُجْ) بضمِّ التاءِ في الوصلِ (٢)، وقرأ يعقوبُ: (عَلَيْهُنَّ) بضمِّ الهاء حيثُ

стр. 1531

وقعَ مثل (إِلَيْهُنَّ) (١)، فرفعْنَ المواشطُ الستورَ عن المجلس الذي فيه يوسفُ، وبرزَ منه محاذِيًا بوجهِه الشمسَ، فأشرقَ المجلسُ وما فيهِ من وجهِ يوسفَ، وأقبلَ بالمذبّةِ وهُنَّ يَرْمُقْنَهُ، فوقفَ على رأسِ زَليخا يَذُبُّ عنها. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظَمْنَهُ، وهالَهُنَّ حسنُهُ، فاشتغلْنَ برؤيتِه. ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ موضعَ الفاكهةِ التي كانت معهنَّ؛ أي: جَرَحْنَها لَمَّا رأينه دهشًا، وبقينَ لا يعينَ الكلامَ ذهولًا منهنَّ بما بهرَهُنَّ من حسنِ يوسفَ. ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كلمةٌ تفيدُ معنى التنزيهِ. قرأ أبو عمرٍو، (حَاشَا للهِ) بإثباتِ الألفِ بعدَ الشينِ حالةَ الوصلِ في الموضعين، وحذفَها الباقون وصلًا ووقفًا (٢). ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نصبٌ خبرُ (ما)، وذلك أن زليخا قالتْ لهنَّ: ما لكُنَّ قد اشتغلْتُنَّ عن خطابي بالنظرِ إلى عبدي؟! فقلنَ: معاذ اللهِ! ما هذا عبدكِ. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ مع علمِهِنَّ أنه بشرٌ؛ لأنه ثبتَ في النفوس أن لا أكملَ ولا أحسنَ خَلْقًا من الملَكِ، ولم يبقَ منهنَّ امرأةٌ إلا حاضَتْ وأنزلَتْ شهوةً من محبتِهِ. ...

стр. 1532

﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [ يوسف: ٣٢]. [٣٢] ﴿قَالَتْ﴾ زليخا عندَ ذلك ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ (كُنَّ) للنسوةِ، و (ذا) ليوسفَ. ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فقلْنَ: ما ينبغي لأحدٍ أن يلومَكِ في هذا، ومن لامَكِ فقدْ ظلمَكِ، فدونكه، ولم تقل: هذا مع حضورِه، رفعًا لمحلِّه، فلما بانَ عذرُها لهنَّ، اعترفَتْ ببراءته فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنعَ، فخاطِبْنَهُ لي، فكانت كلُّ واحدةٍ منهن تخاطبهُ وتدعوه سرًّا إلى نفسِها، وتتبذَّلُ له، وهو يمتنعُ عليها فإذا يئستْ منهُ أن يجيبَها لنفسِها، خاطبتْهُ من جهةِ زَليخا، وقالتْ: مولاتُك تحبُّكَ وأنتَ تكرَهُها، ما ينبغي أن تخالِفَها، فيقولُ: ما لي بذلكَ حاجةٌ، فلما رأيْنَ ذلك، أجمعْنَ على أَخذه غَصْبًا، فقالَتْ زليخا: لا يجوزُ هذا. ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ به من قضاءِ شهوتي ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالسجنِ ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الذليلينَ، ولأمنعنَّا اللذاب، وأنتزعُ جميعَ ما أعطيتُه، ونونُ التأكيدِ تُثَقَّلُ وتُخفف، فالوقفُ على قوله: (لَيُسْجَنَنْ) بالنونِ؛ لأنها مشددة، وعلى قوله: (وَلَيَكُونًا) بالألفِ؛ لأنها مخففةٌ، وهي شبيهةٌ بنونِ الإعراب في الأسماءِ؛ كقولك: رجلًا، ومثله (لَنَسْفَعًا). ... ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [ يوسف: ٣٣]. [٣٣] فاختارَ يوسفُ السجنَ على المعصيةِ، وأقسمَتْ زَليخا بإِلَهِها،

стр. 1533

-وكانَ صنمًا من زَبَرْجدٍ أخضرَ باسمِ عُطارد- إنْ لم يفعلْ لتعجلنَّ له ذلكَ، ثم أمرتْ بنزعِ ثيابهِ، وألبسَتْه الصوفَ. ﴿قَالَ رَبِّ﴾ أي: يا ربِّ ﴿السِّجْنُ﴾ أي: المحبسُ. قراءة العامةِ بكسرِ السين، وقرأ يعقوبُ: بالفتح على المصدر (١). ﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أحبَّ سُكنى السجنِ على قضاءِ حاجتهنَّ، وقيل: لو لم يقلْ: السجنُ أحبُّ إليَّ، لم يُبْتَلَ بالسجن، والأَوْلى بالمرءِ أن يسألَ الله العافيةَ. ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي: وإن لم تُنَجِّني أنت، ومعناه: الاستسلامُ لله تعالى والتوكُّلُ عليه ﴿أَصْبُ﴾ أَمِلْ ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ مأخوذٌ من الصَّبوةِ، وهي أفعالُ الصِّبا. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين لا يُراعونَ أوامرَ اللهِ ونواهيَهُ، وهو قولٌ يتضمَّنُ التشكيَ إلى اللهِ من حالِه معهنَّ، والدعاءَ إليهِ في كشفِ بلواه. ... ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [ يوسف: ٣٤]. [٣٤] فلذلك قالَ بعدَ مقالةِ يوسفَ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أي: أجابَه إلى إرادتِه ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ بأنْ حالَ بينَهُ وبينَ المعصيةِ. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ صِفتان لائقتانِ بقوله: (استجابَ). ...

стр. 1534

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ [ يوسف: ٣٥]. [٣٥] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: للعزيزِ وأصحابِه في الرأيِ رأيٌ بخلافِ الأول، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من يوسف على الأمرِ بالإعراضِ، ثم بدا لهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالَّةِ على براءتِه من شَقِّ القميصِ وكلامِ الشاهدِ وقطعِ الأيدي. ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ إلى مدةٍ ينقطعُ كلامُ الناسِ في ذلك، رُويَ أن المرأةَ قالَتْ لزوجِها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحَني في الناسِ يخبرُهم أني راودتُه عن نفسِه، فإما أن تأذنَ لي فأعتذرَ للناسِ، وإما أن تحبسَه، وكان العزيزُ مِطْواعًا (١) لها، وجُمَيلًا ذلولًا حتى أنساهُ ذلكَ ما رأى من الآياتِ، فأمرَ به فحُبس (٢). ... ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [ يوسف: ٣٦]. [٣٦] ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ عبدانِ للملكِ، كان أحدُهما ساقيَهُ، واسمُه مرطس، والآخَرُ صاحب طعامِه، واسمُه راسان، وكان المصريون قد بذلوا لهما رشوةً ليسمَّا الملكَ، فردَّها الساقي، وقبلَها الخبازُ، وسمَّ

стр. 1535

طعامَه، فعرَّفَ الساقي الملكَ بذلك، فقال لصاحبِ الطعامِ كلُ طعامَكَ، فأبى فأكلتْ منه بهيمةٌ فهلكتْ، فحبَسهما الملكُ، وكان يوسفُ عندَ دخوله السجنَ قال: أنا أعبرُ الأحلامَ. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الساقي ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أستخرجُها من العنبِ، لأنه رأى في نومه أنه قد دخلَ بستانًا، فإذا بكرمةٍ عليها ثلاثةُ عناقيدَ، فعصرَ العناقيدَ في زجاجةٍ، فأتى به الملكَ فشربَه. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ لأنه رأى أنه خرج من مطبخِ الملكِ وعلى رأسهِ ثلاثُ سِلالٍ فيها الخبزُ وأنواعُ الأطعمة. ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ من ذلك الطعامِ، وكانا صادِقَينِ في قولهما. ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرْنا ما قصصْنا عليك، وما يَؤولُ أمرُه إليه. ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العالِمينَ بتأويلِ الرؤيا. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ) (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ) بإسكانِ الياءِ فيها، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (إِنَّي) في الحرفينِ (١)، وكان يوسفُ ﵇ إذا مرضَ إنسانٌ في السجنِ عادَه، وقامَ عليه، وإذا ضاقَ، وسَّعَ له، وإذا احتاجَ، جمعَ له شيئًا، وكانَ مع هذا يجتهدُ في العبادةِ، ويقومُ الليلَ كلَّه للصلاة، وقال لقومٍ في السجنِ انقطعَ رجاؤهم وحَزِنوا: أبشِروا واصبِروا تُؤْجَروا؛ فإن لهذا آخِرًا، فقالوا له: باركَ اللهُ فيكَ ما أحسنَ خَلْقَكَ وخُلُقَكَ، لقد أحسنتَ إلينا. ...

стр. 1536

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ [ يوسف: ٣٧]. [٣٧] ثم ﴿قَالَ﴾ للساقي والخبازِ. ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ تأكلانِه في اليقظةِ. قرأ قالونُ عن نافعٍ، وعيسى عن أبي جعفرٍ: (تُرْزَقَانِهِ) باختلاس كسرةِ الهاءِ بخلافٍ عنهما (١) ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا﴾ أخبرتُكما ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بكيفيتهِ وكميتهِ. ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ وإن رأيتُما ذلكَ في النوم، أخبرتُكما بما يؤولُ إليه، فقالا له: من أينَ لكَ ذلك؟ فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بأنْ أوحاه إليَّ، ولم أقلْه تكهُّنًا ولا تنجُّمًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (رَبِّيَ) بفتحِ الياء، والباقونَ: بإسكانها (٢). ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ رفضتُ. ﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وتكرارُ (هم) على التأكيد. ...

стр. 1537

﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ [ يوسف: ٣٨]. [٣٨] ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أظهرَ أنهُ من ولدِ الأنبياء. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (آبَاِئي) بإسكانِ الياء، والباقونَ: بفتحِها. ﴿مَا كاَنَ﴾ ينبغي ﴿لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنا معاشرَ الأنبياء معصومون من الشركِ. ﴿ذَلِكَ﴾ التوحيدُ والعلمُ ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بذلكَ. ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بإرسالِنا إليهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المرسَلِ إليهم. ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَ اللهِ عليهم، بل يكفرون. ... ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [ يوسف: ٣٩]. [٣٩] ثم دعاهم إلى الإسلام فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي: يا صاحِبَيَّ فيه ﴿ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ أي: آلهة شتَّى عاجزةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ. ﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفردُ بالألوهية ﴿القَهَّارُ﴾ الغالبُ على كلِّ شيءٍ.

стр. 1538

واختلاف القراء في الهمزتين من قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ) كاختلافِهم فيهما من (أَأَنْذَرْتَهُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]. ... ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [ يوسف: ٤٠]. [٤٠] ثم قالَ لهما ولِمَنْ على دينهما ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: اللهِ (١) ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أي: مسمَّياتٍ؛ لأنَّ الاسمَ لا يُعبَدُ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ آلهةً ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تخرُّصًا ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٍ وبرهانٍ. ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في جميعِ الأشياءِ ﴿إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ﴾ أي: التوحيدُ ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الثابتُ المستقيمُ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبِطون في جهالاتِهم. ... ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ [ يوسف: ٤١]. [٤١] ثم شرعَ في تفسيرِ رؤياهُما وقالَ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الساقي ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ يعني: الملكَ.

стр. 1539

﴿خَمْرًا﴾ والعناقيدُ الثلاثةُ، فلبثُكَ في السجنِ ثلاثةَ أيام ثُمَّ خروجُك منهُ وعودُكَ إلى ما كنتَ عليهِ عندَ الملك. ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو الخبازُ، فخروجُه من المطبخِ خروجُه من عملِه، والسلالُ الثلاثُ، فلبثُه في السجنِ ثلاثةَ أيامٍ، ثم يُخرجه الملكُ. ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فلما سمعا قولَ يوسفَ، قالا: إنما كنا نلعبُ، وما رأينا شيئًا، فقال: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ﴾ أي: في معناه ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ تسألان؛ أي: ما قلتُ واقعٌ حتمًا، صدقتُما أو كذبتُما. ... ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [ يوسف: ٤٢]. [٤٢] ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِى ظَنَّ﴾ أي: علمَ. ﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي. رُوِيَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياء على (نَاجِي). ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: سيدِكَ الملكِ، فقل له: في السجنِ غلامٌ محبوسٌ ظلمًا طالَ حبسُه. ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأَنسى الساقيَ ذكرَ يوسفَ لسيدِه، فلم يذكرْه له، وقيل: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكرَ الله حتى استغاثَ بغيرِه، وتلكَ غفلةٌ عرضتْ ليوسفَ.

стр. 1540

﴿فَلَبِثَ﴾ مكث ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وهي سبعُ سنينَ في قولِ الأكثرِ، وكانَ قد لبثَ قبلَه خمسَ سنينَ، فجملَتُه اثنتا عشرةَ سنة. روُي أن جبريلَ ﵇ قال له: من الذي حَبَّبَكَ إلى أبيكَ دونَ إخوتِكَ، وحفِظَكَ في الشدائدِ؟ فقال: الله، فقال: إنه يقولُ: أحسبْتَ أني أنساكَ في السجنِ حتى استغثْتَ بغيرِي وأنا أقربُ إليكَ وأقدرُ على خلاصِك؟ لتلبثَنَّ فيه بضعَ سنين، قال: وربِّي عنِّي راضٍ؟ قال: نعم، قالَ: فلا أبالي إذن (١). ورُوي أن يوسفَ لما قالَ ذلكَ، قيل له: أَتَّخَذْتَ من دوني وكيلًا؟ لأطيلنَّ حبسَكَ، فقالَ: يا ربَّ! أنسى قلبي كثرةُ البلوى، قالَ ﷺ : "لَوْلاَ كَلِمَةُ يُوسُفَ، مَا لَبثَ في السِّجْنِ مَا لَبِثَ" (٢). ... ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ [ يوسف: ٤٣]. [٤٣] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ يعني: ملكَ مصرَ الأكبرَ، وهو الريان بنُ الوليدِ، من العمالِقَةِ، وهو فرعونُ يوسفَ، والقبطُ تسمِّيه نَهْراوُش، وكان عظيمَ الخلقِ، جميلَ الوجهِ، عاقِلًا متمكِّنًا، وهو جدُّ فرعونِ موسى، وكان أقوى

стр. 1541

أهلِ الأرضِ في زمانِه، وكان محلُّ ملكِه مدينةَ مَنْف من أرضِ مصرَ، وكانتْ في غربيِّ النيلِ على مسافةِ اثني عشرَ ميلًا من مدينةِ فُسطاطِ مصرَ المعروفةِ يومئذٍ بمصرَ القديمةِ، ومَنْفُ أولُ مدينةٍ عمرَتْ بأرضِ مصرَ بعدَ الطوفانِ، وكانت دارَ الملكِ بمصرَ في قديمِ الزمانِ، ولما دنا فَرَجُ يوسفَ، رأى الملكُ رؤيا عجيبةً هالَتْه، فجمعَ السحرةَ والكهنةَ والمعبِّرينَ، وقَصَّها عليهم فقال: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ خَرَجْنَ من البحرِ. ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي: وخرجَ عقبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ، وهي التي بلغَتْ من الهزالِ النهايةَ، فابتلعتِ العجافَ السمانَ، فدخلَتْ في بطونهن، ولم يتبيَّنْ على العجافِ منها شيءٌ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقدَ حَبَّها ﴿وَأُخَرَ﴾ أي: وسبعًا أُخَرَ ﴿يَابِسَاتٍ﴾ قد أدركَتْ فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخضرِ حتى غلبْنَ عليها، ولم يبقَ من خضرتِها شيء، فقال لعرَّافيه ومنجِّميه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عَبِّروها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُ﴾ تفسِّرونَ. قرأ الكسائيُّ، وخلفٌ: (لِلرُّؤْيَا) بالإمالةِ (٢)، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من (الْمَلأُ أَفْتُوني)

стр. 1542

كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهُاءُ أَلاَ) في سورةِ البقرة [الآية: ١٣]. ... ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [ يوسف: ٤٤]. [٤٤] ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاطُ رؤيا كاذبة، والأضغاثُ جمعُ ضِغْثٍ: وهو الحزمةُ من النباتِ، والأحلامُ جمعُ حلمٍ، وهو ما يُرى في النومِ. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ الباطلةِ كهذه الرؤيا ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لاختلاطِها. ... ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [ يوسف: ٤٥]. [٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من القتلِ، وهو الساقي. ﴿وَادَّكَرَ﴾ بدالٍ مهملةٍ، أي: تذكَّرَ أمرَ يوسفَ. ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: حينٍ، وهو مدُة لبثِ يوسفَ في السجنِ، وبالهاءِ والتخفيف (أَمَهٍ): بعدَ نسيانٍ، والتلاوةُ بالأولِ. ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أُنَبِّيكُم) بالمدِّ (١)، وذلك أن الغلام جثا بينَ يديِ الملكِ وقالَ: إنَّ في السجنِ رجلًا يعبرُ الرؤيا.

стр. 1543

﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلني أيها الملكُ إليه. قرأ يعقوبُ: (فَأَرْسِلُوني) بإثباتِ الياءِ بعدَ النون، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ [ يوسف: ٤٦]. [٤٦] فأرسلوه، فأتى السجنَ، ولم يكنِ السجنُ في المدينة، وإنما هو ببوصيرَ من عمل الجيزَةِ، وكان الوحيُ ينزلُ عليه فيه، وسطحُ السجنِ موضعٌ معروفٌ بإجابةِ الدعاءِ، فقال: ﴿يوُسُفُ﴾ يعني: يا يوسفُ. ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيق﴾ فيما عبرتَ لنا من الرؤيا، والصدِّيقُ: الكثيرُ الصدقِ، ولذلك سُمِّي أبو بكرٍ صِدِّيقًا، وهو فِعِّيلٌ للمبالغةِ والكثرةِ. ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فإن الملكَ رأى هذهِ الرؤيا. ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: الملكِ وأصحابِه؛ لاحتمالِ أنه يُخترَمُ في الطريق؛ لأنه لم يكنْ جازمًا بالرجوع. قرأ الكوفيون، وابن عامرٍ، ويعقوبُ: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).

стр. 1544

﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ منزلتَكَ وتأويلَ الرؤيا فيخرجوكَ من السجنِ. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ . [٤٧] فـ ﴿قَالَ﴾ يوسفُ معبرًا: أما البقراتُ السمانُ، والسنبلاتُ الخضرُ، فسبعُ سنينَ مخصباتٌ، والبقراتُ العجافُ، والسنبلاتُ اليابساتُ، فسبعُ سنينَ مجدباتٌ، ثم قالَ مرشدًا لهم: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أي: ازرعوا، فهو خبرٌ بمعنى الأمر ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ على عادتِكم ﴿دَأَبًا﴾ قراءة العامةِ: (دَأْبًا) بإسكانِ الهمز؛ أي: تلازمونَ ذلكَ. وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الهمزِ (١)؛ أي: بجدٍّ وتعبٍ. ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ أي: اتركوه في أصلِه لئلا يفسدَ. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تدرسون قليلًا للأكلِ بقدرِ الحاجةِ. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾. [٤٨] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ الخصبةِ. ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ صعابٌ. ﴿يَأْكُلْنَ﴾ أي: السنونَ يُفنينَ ويُهلكنَ.

стр. 1545

﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يؤكلُ فيهن ما أعددتم لهنَّ من الطعامِ، أضافَ الأكلَ إلى السنينَ على طريقِ التوسُّع. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزونَ وتَدِّخرونَ. ... ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ المجدبةِ. ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يُمْطَرون، من الغيثِ. ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العنبَ والزيتَ، والمرادُ: كثرةُ النعيمِ والخير. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَعْصِرُونَ) بالخطاب؛ لأن الكلامَ كلَّه بالخطاب، وقرأ الباقون: بالغيبِ ردًّا إلى (الناس) (١). ... ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾. [٥٠] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وذلكَ أن الساقيَ لما رجعَ إلى الملكِ، وأخبرَه بما أفتاه يوسفُ من تأويلِ رؤياه، عرفَ الملكُ أنَّ الذي قالَه كائنٌ، فقال: عَلَيَّ بهِ.
следующие страницы →