﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قَوَّيناه.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (القُدْسِ) بسكون الدال، والباقونَ بضمِّها، وهما لغتان مثل: الرُّعْب، والرُّعُب (١)، وروحُ القدسِ: هو جبريلُ ﵇ والقدُس: الطهارةُ: وُصِفَ جبريلُ بها لأنه لم يقترفْ ذنبًا، وقيلَ غيرُ ذلك، فلما سمعت اليهودُ ذكرَ عيسى، قالوا: يا محمدُ! لا مثلَ عيسى -كما تزعُم- فعلْتَ، ولا كما تقصُّ علينا من الأنبياء فَعَلْتَ، فائْتِنا بما أتى (٢) به عيسى إنْ كنتَ صادقًا، قال الله تعالى:
﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ﴾ يا معشر اليهود.
﴿رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ تحبُّ.
﴿أَنْفُسُكُمُ﴾ والهوى: هو ميلانُ القلب إلى ما يستلذُّ به.
﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ تكبرتم، وتعظمتم عن الإيمان.
﴿فَفَرِيقًا﴾ طائفةً.
﴿كَذَّبْتُمْ﴾ مثل عيسى ومحمد.
﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي: قتلتم، مثل زكريا ويحيى وشعيا وسائرِ مَنْ قَتَلوا من الأنبياءِ ﵈، ولم يقل: قتلتم، وإن أريدَ الماضي؛
стр. 212
تعظيمًا لهذه الحالة، فكأنها -وإن مضت- حاضرةٌ؛ لشناعتِها، ولثبوتِ عارِها عليهم وعلى ذريتهم بعدَهم.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ .
[٨٨] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغلاف؛ أي: هي في أكِنَّةٍ، معناه: عليها غِشاوةٌ، فلا تَعي، ولا تَفْقَهُ ما تقول، قال الله تعالى:
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أبعدَهم من كلِّ خير.
﴿بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يؤمنُ منهم إلا قليل؛ لأن من آمنَ من المشركين أكثرُ ممن آمنَ من اليهود، ونصب (قليلًا) على الحال.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ .
[٨٩] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ موافق.
﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: التوراة.
﴿وَكَانُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبعث محمد ﷺ .
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ يستنصرون.
стр. 213
﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حَزَبهم أمرٌ، أو دَهَمهم عدوٌّ: اللهمَّ انصُرْنا عليهم بالنبيِّ المبعوثِ في آخرِ الزمان الذي نجدُ صفتهُ في التوراةِ، فكانوا يُنْصَرون، وكانوا يقولون لأعدائِهم من المشركين: قد أظلَّ زمانُ نبيٍّ يخرجُ بتصديقِ ما قلنا، فنقتلُكم معَهُ قتلَ عادٍ وإِرَم (١).
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ يعني: محمدًا ﷺ من غيرِ بني إسرائيل، وعرفوا نعتَهُ وصِدْقَه.
﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ بغيًا وحسدًا.
﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، ورُوَيسٌ: (الْكَافِرِينَ) بالإمالة حيثُ وقعَ بالياء (٢)، مجرورًا كان أو منصوبًا، واختُلف عن ابنِ ذكوان في الإمالة والفتحِ، وأماله ورشٌ بينَ بينَ، وفتحَه الباقون، وجوابُ لما ولما الثانية في قوله: (كفروا)، وأعيدت لما الثانية؛ لطولِ الكلام، ويفيدُ ذلك تقريرًا للذَّنب وتأكيدًا له.
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (بِيسَ)
﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: مع غضب، الغضبُ الأولُ بتضييعِهم التوراةَ وتبديلِهم، والثاني بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ .
﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الجاحدين بنبوة محمد ﷺ من الناس كلِّهِم.
﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ مُخْزٍ يُهانون فيه.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ .
[٩١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: القرآن. قرأ أبو عمرٍو: (قِيل لَّهُمْ) بإدغام اللام في اللام (١).
﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني: التوراةَ، يكفينا ذلك.
﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما سواهُ من الكتب.
﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآنَ.
﴿مُصَدِّقًا﴾ نصب على الحال.
﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ من التوراة.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد.
﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ أي: قَتَلَ آباؤكُم، ولمّا رضيتُم بفعلهم، فكأنكم قد قتلتم.
стр. 216
﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ ولمَ أصلُه (لما)، فحذفت الألف فرقًا بين الخبر والاستفهام؛ كقولهم: فيمَ، وبمَ. وقفَ البزيُّ ويعقوبُ، بخلافٍ عنهما: (فَلِمَهْ) بالهاء، وكذلك (لِمَهْ، وفِيمَهْ، وبِمَهْ، وعَمَّهْ، ومِمَّهْ) حيثُ وقع.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة، وقد نُهيتم فيها عن قتل الأنبياء ﵈.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ .
[٩٢] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات الواضحة، والمعجزات. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وابنُ ذَكوانَ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ) بإظهارِ الدال عند الجيم، وكذلك عند السين والشين والصاد حيث وقع، والباقون بالإدغام (١).
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ بما صدرَ منكم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ (اتخذتم) بإظهار الذال عندَ التاء، واختُلف عن رُويسٍ، والباقون بالإدغام (٢).
стр. 217
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ .
[٩٣] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وقلنا:
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ في التوراة.
﴿بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ أي: استجيبوا وأطيعوا، سميت الطاعةُ والإجابةُ سمعًا على المجاوزة؛ لأنه سببُ الطاعة والإجابة.
﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولَك بالآذان.
﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَكَ بالقلوب، والمعصيةُ: مخالفةُ الأمر قَصدًا. قالَ أهلُ المعاني: إنهم لم يقولوا هَذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا وتلقوه بالعصيان، نُسب ذلك إلى القولِ اتِّساعًا.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: حُبَّه، معناه: أُدْخِل في قلوبهم حبُّ العجل وخالَطَها.
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ أن تعبدوا العجلَ من دونِ الله؛ أي: بئسَ إيمان يأمرُ بعبادةِ العجل.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: نؤمنُ بما أُنزل علينا، فكذبهم الله .
стр. 218
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ .
[٩٤] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وذلك أن اليهود ادَّعَوْا دَعاوى باطلةً مثلَ قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] و ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فكذبهم الله ، وألزمهم الحجَّةَ، فقالَ: قُلْ لهم يا محمدُ: إنْ كانَتْ لكمُ الدارُ الآخرةُ، يعني: الجنةَ عندَ اللهِ.
﴿خَالِصَةً﴾ خاصَّةً.
﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أي: اطلبوه وسلوه؛ لأن من علمَ أن الجنةَ مأواه، حَنَّ إليها، ولا سبيلَ إلى دخولها إلا بعدَ الموت، فاستعجِلوه بالتمني.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لَوْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، لَغَصَّ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِرِيقِهِ، وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ يَهودِيٌّ إلَّا مَاتَ" (١). قال الله تعالى:
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ .
[٩٥] ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ لعلمهم أنهم كاذبون في دعواهم، وأراد بما قدمت أيديهم: ما قدَّموا من الأعمال، وأضافَ إلى اليد؛ لأن أكثرَ جناياتِ الإنسانَ تكونُ باليد.
стр. 219
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديدٌ شديد؛ لأن علمَه بهم كعلمِه بغيرهم، ثم قال مخاطبًا لنبيه ﷺ :
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ .
[٩٦] ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ اللامُ لامُ القسم، والنونُ تأكيده، تقديرُه: واللهِ لتجدنَّهم يا محمدُ؛ يعني: اليهود.
﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ متطاولةٍ، وهي حياتهم التي هم فيها.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: وأحرصَ من الذين أشركوا، والمراد بالذين أشركوا: المجوسُ، سُمُّوا مشركين؛ لأنهم يقولون بالنور والظلمة.
﴿يَوَدُّ﴾ يتمنى.
﴿أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ يعني: يعيشُ.
﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وهي تحيَّةُ المجوس فيما بينهم: عشْ ألفَ سنةٍ، يقول الله تعالى: اليهودُ أحرصُ على الحياة منَ المجوسِ الذين يقولونَ ذلك.
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ بمباعده.
﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ من النار.
﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: طولُ عمرِه لا يُنقذه من العذابِ.
стр. 220
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم. قرأ يعقوبُ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون بالغيب (١).
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾ .
[٩٧] ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (جَبْرِيلَ) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (جَبْرَئِيلَ) بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة بعدها ياء، وأبو بكرٍ: (جَبْرَئِلَ) بفتح الجيم والراء وحذف الياء بعد الهمزة، والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز، كلُّها لغات (٢).
قال ابنُ عباسٍ ﵄: "إنَّ حبرًا من أحبارِ اليهودِ يُقال له: عبدُ الله بنُ صوريا قالَ للنبِّي ﷺ : أَيُّ ملكٍ يأتيكَ من السَّماء؟ قال: "جِبْرِيلُ"، قال: ذاكَ (٣) عدوُّنا من الملائكة، ولو كانَ ميكائيلَ، لآمنَّا بكَ؛
стр. 221
إن جبريلَ ينزلُ بالعذاب والقتالِ والشدَّة، وإنَّه عادانا مِرارًا، وكانَ أشدَّ ذلك علينا أنَّ الله أنزلَ على نَبِيِّنا أنَّ بيتَ المقدِسِ سَيُخَرَّبُ على يدِ رجلٍ يُقال لهُ: بُخْتَ نَصَّر، وأخبرَ بالحين الذي يخربُ فيه، فلما كانَ وقتُه، بعثْنا رجلًا من أقوياءِ بني إسرائيل في طلبِه ليقتلَهُ، فانطلقَ حتى لقيَه ببابل غلامًا مسكينًا، فأخذَهُ ليقتلَه، فدفعَ عنه جبريلُ، وكبر بخت نصّر وقوي، فغزانا وخَرَّبَ بيتَ المقدس، فلهذا نَتَّخذُه عدوًا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (١).
﴿فَإِنَّهُ﴾ يعني: جبريل.
﴿نَزَّلَهُ﴾ يعني: القران؛ كنايةً عن غير مذكور.
﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمدُ.
﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بأمرِ الله.
﴿مُصَدِّقًا﴾ موافقًا.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبلَه من الكتب.
﴿وَهُدًى﴾ أي: هداية.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَبُشْرى) بالإمالة (٢)، وتقدَّم الاختلاف في إبدال الهمز (٣) في (المؤمنين) (٤).
стр. 222
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ .
[٩٨] ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ خَصَّهما بالذكر من جملة الملائكة، مع دخولهما في قوله: وملائكته (١)؛ تفضيلًا وتخصيصًا؛ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] حصَّ النخلَ والرمانَ بالذكر معَ دخولهما في ذكرِ الفاكهةِ، والواو فيهما بمعنى (أو)؛ يعني: من كان عدوًا لأحد هؤلاء؛ لأن الكافرَ بالواحد كافرٌ بالكل. قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحفصٌ (مِيكَالَ) بغير همزة (٢) ولا ياء بعدها. وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (مِيكَائِلَ) بهمزة من غير ياء بعدها. وقرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفُ: (وَمِيكَائِيلَ) بهمزةٍ بعدها ياءٌ، وتقدم الخلاف في (جبريل) (٣).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ تلخيصُه: من عاداهم، عاداه الله، ومن عاداه الله، عذَّبه.
وقد روي أن جبريل ﵇ نَزَلَ على آدمَ اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربعَ مرات، وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى يوسفَ أربع مرات، وعلى موسى أربعَ مئةِ مرةٍ، وعلى عيسى عشرَ مرات، وعلى محمدٍ أربعةً وعشرينَ ألفَ مرَّةٍ -صلوات الله عليهم أجمعين-، ولم يُذكر في القرآن من الملائكة باسمه سوى أربعة:
стр. 223
جبريل، وميكايل، والرعد، ومالك في قوله في سورة الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وأُشير إلى إسرافيلَ في سورة في قوله: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]، وأُشيرَ إلى عزرائيلَ في الم السجدة: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، وبقيةُ الملائكة ذُكروا إجمالًا، وأُشير إلى بعضهم كالحفظةِ والسائقِ والشهيدِ، ومعنى جبريل وميكائيل: عبد الله، فجبر وميك: هما (١) العبد، وإيل وآل: هو الله، وكذلك إسرافيل، فقال ابن صوريا: ما جئتنا يا محمدُ بشيءٍ نعرفه، فأنزل الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾ .
[٩٩] ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتٍ مفصَّلاتٍ بالحلالِ والحرامِ، والحدودِ والأحكامِ.
﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن أمر الله .
﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] ﴿أَوَ﴾ واو العطف دخلَتْ عليها ألفُ الاستفهام، تقديره: أكفروا بالبينات.
стр. 224
و ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ يعني: اليهودَ عاهدوا: لئنْ خرجَ محمدٌ، لنؤمننَّ به، فلما خرجَ محمدٌ كفروا به. قال ابنُ عباسٍ: لما ذكرَ رسولُ الله ﷺ لهم ما أخذَ اللهُ عليهم، وعَهِدَ إليهم في محمدٍ أن يؤمنوا به، قال مالكُ بنُ الصيفِ (١): واللهِ ما عهدَ إلينا في محمدٍ عهدًا، فأنزل الله هذه الآيةَ (٢).
يدلُّ عليه قراءةُ أبي رجاء العطارديِّ: (أَوَ كُلَّمَا عُوهِدُوا) فجعلهم مفعولين (٣).
﴿نَبَذَهُ﴾ طرحَهُ ونقضَه.
﴿فَرِيقٌ﴾ طوائفُ.
﴿مِنْهُمْ﴾ من اليهود.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالتوراةِ، ولا يبالون بالدين، فلا يعتدُّون بنقض العهد.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.
стр. 225
[١٠١] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ .
﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ يعني: التوراةَ، وقيل: القرآنَ؛ أي: لم يعملوا بما فيها.
﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كانوا يقرؤون التوراة ولا يعملون بها.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ .
[١٠٢] ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تلتْ؛ أي: تكلمتْ به. والعربُ تضعُ المستقبل موضعَ الماضي وعكسه. ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: على زمنِ ملكه، وهو سليمانُ بنُ داودَ ﵉، عاش اثنتين وخمسين سنة، ومدَّةُ ملكِه أربعون سنة، ووفاتُه في أواخر سنةِ خمسٍ وسبعين وخمسِ مئةٍ لوفاةِ موسى ﵇ وبين وفاتهِ والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ ألفٌ وسبعُ مئةٍ وثلاثٌ
стр. 226
وسبعون سنةً، ونُقل أنَّ قبرَه بالبيت المقدَّس (١) عند الجيسمانية، وأنه هو وأبوه داودُ في قبرٍ واحد.
وقصةُ الآيةِ: أن الشياطينَ كتبوا السحرَ والنيرِنْجيَّاتِ على لسانِ آصَف: هذا ما علَّمَ آصَفُ بنُ برخيا سليمانَ الملكَ، ثم دفنوها تحت مصلَّاه حين نزعَ اللهُ الملكَ عنه، ولم يشعرْ سليمانُ بذلك، فلما ماتَ، استخرجوها، وقالوا للناس: إنما مَلَكَكم سليمانُ بهذه، فتعلَّموها، فأما علماءُ بني إسرائيل وصلحاؤهم، فقالوا: معاذ اللهِ أن يكون هذا من علمِ سليمانَ، وأما السِّفْلَةُ، فقالوا: هذا علمُ سليمان، وأقبلوا على تعلُّمه، ورفضوا كتبَ أنبيائهم، وفَشَتِ الملامةُ لسليمانَ، فلم يزل هذا حالهم حتى بعثَ اللهُ محمدًا ﷺ ، وأنزلَ عليه براءةَ سليمان، فقال:
﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بالسحر وعملِهِ.
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ باستعمالِ السحر وكَتْبِه. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنْ) خفيفةَ النون (الشَّيَاطِينُ) رفعٌ، والباقون: (وَلِكَنَّ) مشدَّدَةَ النون (الشَّياطِينَ) نَصْب (٢).
ومعنى (لكن) نفيُ الخبر الماضي، وإثباتُ المستقبَلِ.
﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ والسحرُ عبارةٌ عن التَّمويهِ والتخييل، ووجودُه
стр. 227
حقيقةٌ عندَ أهل السنَّةِ، وعليهِ أكثرُ الأممِ، وهو محرَّمٌ بالإجماع.
واختلف الأئمةُ فيمن يتعلَّمُ السحرَ ويستعملُه، فقال أبو حنيفةَ ومالك: يكفرُ بذلك، وبعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ فصَّل، فقال: إن تعلَّمه ليتقيَهُ، أو ليتجنبَهُ، فلا يكفرُ، وإن تعلَّمه معتقِدًا لجوازِه، أو أنه ينفعهُ، فإنه يكفرُ.
وقال الشافعي: إذا تعلَّمَ السحرَ قلنا له: صِفْ سحرَكَ، فإن وصفَ ما يوجبُ الكفرَ، مثل ما اعتقدَهُ أهلُ بابلَ من التقرُّب إلى الكواكبِ السبعةِ، وأنها تفعلُ ما يُلتمس منها، فهو كافرٌ، وإن كانَ لا يوجبُ الكفرَ، فإن اعتقدَ إباحتهُ، كفر، وإلَّا فلا.
وقال أحمدُ: الساحرُ الذي يركبُ المِكنسةَ، فتسيرُ به في الهواء، ونحوه؛ كالذي يدَّعي أن الكواكبَ تخاطبهُ، يكفرُ، ويقتلُ هو ومن يعتقدُ حلَّه، فأما الذي يسحرُ بالأدويةِ والتَّدخين (١) وسَقْيِ شيءٍ يضرُّ، فلا يكفر، ويعزَّرُ.
ويقتل بمجرد تعلُّمه واستعمالِه عند مالكٍ، وإن لم يقتلْ به.
وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا يُقتل بذلك، فإن قتلَ بالسحر، قُتل عندَهما، إلا أن أبا حنيفة قال: لا يُقتل حتى يقرَّ بأني (٢) قتلتُ إنسانًا بعينِه.
وقال الشافعي: لو قالَ: قتلتُه بسحري، وسحري يقتلُ غالبًا، فقد أقرَّ بقتلِ العَمْدِ، كان قال: وهو يقتلُ نادرًا، فهو إقرارٌ بشبهِ العمدِ، كان قال: أخطأتُ من اسمِ غيرِه إلى اسمه، فهو إقرارٌ بالخطأ، ثم ديةُ شبهِ العمدِ،
стр. 228
وديةُ الخطأ مخففة، كلاهما في مال الساحر، لا تُطالَبُ العاقلةُ بشيء إلا أن يصدِّقوه؛ لأن إقرارَه عليهم لا يُقبل.
وقال أحمد: إن قتلَ بفعلهِ غالبًا اقْتُصَّ منه، وإلا الديةُ.
ويقتل حدًّا عندَ أبي حنيفةَ، ومالك.
وقال الشافعيُّ وأحمدُ: يُقتل قصاصًا، وتقبل توبتُه عند الشافعيِّ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ -في المشهور عنه-، وأحمدُ في أصح روايتيه: لا تُقبل.
وأما ساحرُ أهلِ الكتابِ، فقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: لا يقتل، وقال أبو حنيفة: يُقتل.
وأما المسلمةُ الساحرةُ، فقال الثلاثة: حكمُها حكمُ الرجل، وقال أبو حنيفةَ: تُحبس ولا تُقتل.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ أي: ويعلِّمون الذي أُنزل على الملكين؛ أي: أُلهما وعُلِّما، فالإنزالُ بمعنى الإلهامِ والتعليم، وبابلُ: هي بابلُ العراق، سميت به لتبلبلِ الألسُنِ بها عند سقوطِ صرحِ نمرود؛ أي: تفرُّقِها.
والأصحُّ مما قيل في ذلك: أن الله سبحانه امتحنَ الناس بالملَكَين في ذلك الوقت، فالشقيُّ بِتَعَلُّمِه (١) فيكفرُ، والسعيد بِتَرْكِهِ (٢) فيبقى على الإيمان.
﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان سريانيان، وهما في محل الخفض على
стр. 229
تفسير الملكين، إلا أنهما نُصبا لعجمتِهما وتعريفِهما، وكانت قصتهما أن الملائكة رأوا ما يصعدُ إلى السماء من أعمالِ بني آدم الخبيثةِ في زمن إدريس ﵇ فعيروهم، وقالوا: هؤلاء الذين جعلتَهُم في الأرض واخترتَهُمْ، فهم يعصونك، فقال الله : لو أنزلتُكم (١) إلى الأرضِ ورَكَّبْتُ فيكم ما رَكَّبْتُ فيهم، ارتكبتُمْ مثلَ ما ارتكبوا، فقالوا: سبحانَكَ ما ينبغي لنا أن نَعصيَك، قال الله تعالى: فاختاروا مَلَكَينِ من خِياركم أهبطهُما إلى الأرضِ، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدِهم، فركَّبَ الله فيهما الشهوةَ، وأهبطَهما إلى الأرض، وأمرَهما أن يحكما بينَ الناس بالحقِّ، ونهاهُما عن الشِّرْكِ، والقتلِ بغير الحقِّ، والزنا، وشربِ الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومَهُما، فإذا أمسيا ذكرا اسمَ الله الأعظم، وصَعِدا إلى السماء، فما مرَّ عليهما شهرٌ حتى افتتنا جميعًا، وذلك أن الزُّهْرَةَ -امرأة من أجمل النساء- جاءتهما تخاصمُ زوجَها إليهما، فوقعتْ في أنفسهما، فراوداها عن نفسها، فأبت وانصرفت، ثم عادت في اليوم الثاني، ففعلا مثلَ ذلك، فأبت وقالت: لا، إلا أن تعبُدا ما أعبد، وتصلِّيا لهذا الصنم، وتقتلا النفسَ، وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيلَ إلى هذه الأشياء؛ فإن الله قد نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث، ومعها قدحٌ من خمر، وفي أنفسِهما من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاةُ لغيرِ الله عظيمٌ، وقتلُ النفس عظيم، وأهونُ الثلاثةِ شربُ الخمر، فشربا الخمرَ، فانتشَيا، ووقعا بالمرأة فزنيا، فلما فرغا، رآهما إنسانٌ فقتلاه،
стр. 230
وسجدا للصنم، فمسخَ الله الزُّهرةَ كوكبًا، وحُكي غيرُ ذلك، فلما أمسى هاروت وماروت بعدَما قارفا الذنب؛ أي: اكتسباه، هَمَّا بالصعود إلى السماء، فلم تطاوعْهما أجنحتُهما، فعلما ما حلَّ بهما، فقصدا إدريسَ النبي ﵇، فأخبراه بأمرِهما، وسألاه أن يشفعَ لهما إلى الله، وقالا له: إنا رأيناكَ يصعدُ لكَ من العبادة مثلُ ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاستشفعْ لنا إلى ربك، ففعلَ ذلك إدريسُ، فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذابَ الدنيا؛ إذ عَلِما أنه ينقطع، فهما ببابلَ يعذَّبان إلى قيام الساعة (١).
وروي أن رجلًا قصدَ هاروتَ وماروتَ لتعلُّم السحر، فوجدهما معلَّقينِ بأرجلهما، مزرقَّةً أعينُهما، مسودَّةً جلودُهما، ليس بينَ ألسنتِهما وبينَ الماء إلا أربعةُ أصابعَ، وهما يعذَّبان بالعطش، فلما رأى ذلك، هالَهُ مكانُهما، فقال (٢): لا إله إلا الله، فلما سمعا كلامه، قالا له: من أنتَ؟ قال: رجلٌ من الناس، قالا: من أي: أمة؟ قال: من أمةٍ محمدٍ ﷺ ، قالا: وقد بُعث محمدٌ ﷺ ؟ قال: نعم قالا: الحمدُ لله، وأظهرا الاستبشارَ، فقال (٣) الرجل: بم استبشارُكما؟ قالا: إنه نبيُّ الساعة، وقد دنا انقضاءُ عذابنا (٤).
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ يعني: الملكين.
﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: أحدًا، و (مِنْ) صلة.
стр. 231
﴿حَتَّى﴾ ينصحاهُ أولًا.
و ﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: ابتلاءٌ ومحنةٌ.
﴿فَلَا تَكْفُر﴾ أي: لا تتعلم السحرَ لتعملَ به فتكفرَ، وأَصلُ الفتنة: الاختبارُ والامتحانُ، فإن أبي إلا التعلم (١)، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فَبُلْ عليه، فيخرجُ منه نورٌ ساطع في السماء، فتلكَ المعرفةُ، وينزل شيء أسودُ شبهُ الدخان حتى يدخلَ مسامعه، وذلك غضبُ الله .
قال مجاهد: إن هاروتَ وماروتَ لا يصلُ إليهما أحدٌ، ويختلفُ فيما بينَهُما شيطانٌ في كلِّ مسألةٍ اختلافةً واحدةً.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهو أن يؤخذَ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه، ويُبَغَّضَ كلُّ واحدٍ إلى صاحبه، قال الله تعالى:
﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: السحرةُ أو الشياطينُ.
﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ أي: بالسحر.
﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: واحدًا.
﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بقضاء الله وقدره ومشيئته.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ يعني: السحرُ يضرهم.
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعني: اليهود.
﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: اختارَ السحرَ. قوأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (اشْتَرِيه) بالإمالة (٢).
стр. 232
﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: في الجنة.
﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيبٍ، خبرٌ.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا﴾ أي: باعوا.
﴿بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حظَّ أنفسِهم؛ حيثُ اختاروا السحرَ والكفرَ على الدينِ والحقِّ.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: اليهود، وقولُه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ بعدَ قوله ﴿وَلَقَد عَلِمُواْ﴾ أي: لما لم يعملوا بما علموا، فكأنهم لم يعلموا.
وقد أنكر القاضي عياضٌ ﵀ قصةَ هاروتَ وماروتَ، ونسبَ ما قيل فيها من الأخبار إلى كتب اليهودِ وافترائهم كما نَصَّهُ الله أولَ الآيات من افترائهم بذلك على سليمان، وتكفيرهم إياه، وحَكى عن خالدَ بنِ أبي عمرانَ أنّه نزَّههما عن تعليم السحر، وحكى قولًا: أن هاروتَ وماروتَ عِلجان (١) من أهل بابل، وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل، فمسخهما الله، والله أعلم (٢).
стр. 233
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ .
[١٠٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ بمحمدٍ ﷺ ، والقرآنِ.
﴿وَاتَّقَوْا﴾ اليهوديةَ والسحرَ.
﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لكانَ ثوابُ الله إياهم.
﴿خَيْرٌ﴾ لهم.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: أن ثوابَ الله خيرٌ مما هم فيه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ .
[١٠٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وذلك أن المسلمين كانوا يقولون: راعِنا يا رسول الله؛ من المراعاة؛ أي: أَرْعِنا سمعَكَ؛ أي: فَرِّغْ سمعَك لكلامنا، وكانت هذه اللفظة شيئًا قبيحًا بلغة اليهود؛ بمعنى الحمقِ والرعونة، فإذا أرادوا أن يحمِّقوا إنسانًا، قالوا له: راعِنا؛ أي: يا أحمق، فلما سمع اليهودُ هذه اللفظةَ من المسلمينَ، قالوا فيما بينهم: كنا
стр. 234
نسبُّ محمدًا سرًّا، فأعلنوا به الآن، وكانوا يأتونه ويقولون: راعِنا يا محمدُ، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعدُ بنُ مُعاذٍ، ففطنَ لها، وكان يعرفُ لغتَهم، فقال لليهود: لئن سمعتُها من أحدٍ منكم يقولُها لرسول الله ﷺ ، لأضربنَّ عنقَهُ، فقالوا: أولستُمْ تقولونها؟ فأنزل الله هذه الآية نهيًا للمؤمنين عن التشبُّه بهم، وقطعًا للذريعة لكيلا يجد اليهود والمنافقون بذلك سبيلًا إلى شَتْم رسولِ الله ﷺ (١).
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ أي: انظرْ إلينا.
﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به؛ أي: وأطيعوا.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني: الذين تهاونوا بالرسولِ ﷺ وسَبُّوه، وهم اليهود.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ .
[١٠٥] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية، وذلك أن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد، قالوا: ما هذا
стр. 235
الذي تدعوننا إليه بخير مما نحنُ عليه، وودِدْنا (١) لو كان خيرًا، فأنزل الله تكذيبًا لهم (٢):
﴿مَا يَوَدُّ﴾ أي: ما يحب ويتمنَّى.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود.
﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ جرُّهُ بالنسق على (مِن)، والمرادُ: مشركو العرب؛ كأبي سفيانَ وغيرِه، والشركُ: وضعُ الشيءِ معَ مثله.
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: خيرًا ونبوةً، و (مِنْ) صلة. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوب: (يُنْزَلَ) بالتخفيف مع إسكان النون، والباقون بالتشديد مع فتح النون (٣).
﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي: بنبوته.
﴿مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ والفضلُ: ابتداءُ الإحسان بلا عِلَّة.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
[١٠٦] ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قرأ العامَّةُ: بفتح النون والسين من
стр. 236
النسخ؛ أي: نرفعها. وقرأ ابنُ عامرٍ: (نُنْسِخْ) بضم النون الأولى، وكسر السين؛ من الإِنساخ؛ أي: نجعله من المنسوخ (١)، وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدًا يأمرُ أصحابَه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمرُهم بخلافه، ما يقولُه إلا من تلقاء نفسه، يقول لهم اليومَ قولًا، ويرجعُ عنه غدًا؛ كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١]، وأنزلَ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، فبيَّنَ وجهَ الحكمةِ في النسخ بهذهِ الآية.
﴿أو ننسئها﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: بفتحِ النونِ والسين، وهمزةٍ ساكنة بين السين والهاء؛ أي: نُؤَخِّرْها في اللوح المحفوظ. وقرأ الباقون: (نُنْسِها) بضم النون وكسر السين من غير همز؛ أي: نجعلْها منسيَّةً، أي: متروكةً (٢).
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي: بما هو أنفعُ لكم، وأسهلُ عليكم، وأكثرُ
стр. 237
لأجركم، لا أن آيةً خيرٌ من آية؛ لأنَّ كلامَ الله واحدٌ كلُّه خيرٌ.
﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في المنفعةِ والثوابِ، فكلُّ (١) ما نُسخَ إلى الأيسر، فهو أسهلٌ في العمل، وما نُسخ إلى الأشقِّ، فهو في الثوابِ أكثرُ.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من النسخِ والتبديلِ، لفظُه استفهامٌ، ومعناهُ تقريرٌ؛ أي: إنك تعلم. والنسخُ لغة؛ الرفعُ والإزالةُ، ومنه نسختِ الشمسُ الظلَّ، والنقلُ نَسَخْتُ الكتاب، وشرعًا: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ متراخٍ، والمنسوخُ: الحكمُ المرتفعُ بالناسخِ، والناسخُ حقيقةً هو اللهُ، وأهلُ الشرائعِ على جوازه عقلًا، ووقوعِهِ شرعًا، وخالفَ أكثر اليهودِ في الجواز، ويجوزُ النسخُ قبلَ الفعلِ بعدَ دخولِ الوقتِ بالاتفاق، ويجوز نسخُ التلاوة دونَ الحكم، وعكسُه، وهما بالاتفاق، ويجوزُ نسخُ قرآنٍ وسنَّةٍ متواترةٍ بمثلِهما (٢)، وسُنَّة بقرآنٍ بالاتفاق، ولا حكمَ للناسخِ معَ جبريلَ ﵇ اتفاقًا، فإذا بلغه، لم يثبتْ حكمُه في حقِّ من لم يبلغه. وزيادةُ عبادةٍ مستقلَّةٍ من غيرِ الجنسِ ليستْ نسخًا، وكذا من الجنس، بالاتفاق.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ .
[١٠٧] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ﴾ يا معشرَ الكفار عندَ نزولِ العذاب.
стр. 238
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مما سِوى الله.
﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ وقريبٍ ولا صديقٍ.
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ناصرٍ يمنعُكم من العذاب.
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ .
[١٠٨] ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ نزلَتْ في اليهود حينَ (١) قالوا: يا محمدُ ايتنا بكتابٍ من السماءِ جملةً كما أتى موسى بالتوراة، قال الله تعالى:
﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ يعني: أَتُريدون، والميمُ صلةٌ.
﴿أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ محمدًا ﷺ .
﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ سألَهُ قومُه، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣]، ففيه منعُهم عن السؤالات المقترحَةِ بعدَ ظهورِ الدلائل والبراهين.
﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ أي: أخطأ.
﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: وسط الطريق. قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وقالونُ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (فَقَدْ ضَلَّ) بإظهار دال (قد) عند الضاد، وكذلك عند الظاء والذال والزاي حيث وقع، وافقهم وَرْشٌ عند الذال والزاي (٢).
стр. 239
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ .
[١٠٩] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ نزلت في نفرٍ من اليهود قالوا لحذيفةَ بنِ اليمانِ وعمَّارِ بنِ ياسرٍ بعدَ وقعةِ أُحُدٍ: لو كنتم على الحقِّ، ما هُزمتم، فارجعا إلى ديننا، فنحن أَهْدى سبيلًا منكم، فقال لهم عمار: وكيفَ نقضُ العهدِ فيكم؟ قالوا: شديدٌ، قال: فإِنّي عاهدتُ اللهَ ألا أكفرَ بمحمدٍ ﷺ ما عشتُ، فقالت اليهود: أما هذا، فقد صبأَ، وقال حذيفةُ: أما أنا (١) رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالكعبة قبلةً، وبالمؤمنينَ إخوانًا، ثم أتيا رسولَ الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: "أَصَبْتُمَا الخَيْرَ وَأَفْلَحْتُمَا"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ (٢) أي: تمنى، وأرادَ: أهلَ الكتابِ من اليهود.
﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ يا معشرَ المؤمنين.
﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: يحسدونكم حسدًا.
﴿مِنْ عِنْدِ﴾ أي: من تِلْقاء.
﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ لم يأمرْهُمُ اللهُ بذلك.
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ أي: يهوديًّا، واليهودُ جمعُ هائدٍ.
﴿أَوْ نَصَارَى﴾ وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخلَ الجنةَ (١) إلَّا من كانَ يهوديًّا، ولا دينَ إلا اليهوديةُ، وقالت النصارى: لن يدخلَ الجنةَ إلا من كان نصرانيًّا، ولا دينَ إلا النصرانيةُ، نزلتْ في وفدِ نجرانَ، وكانوا نصارى، اجتمعوا في مجلسِ رسولِ اللهِ ﷺ معَ اليهودِ، فكذَّبَ (٢) بعضُهم بعضًا، قال الله تعالى:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ شهواتُهم الباطلةُ التي تمنَّوْها على اللهِ بغيرِ الحقِّ. قرأ أبو جعفرٍ: بسكون الياء والتخفيف، مع كسر الهاء، والباقون: بتشديد الياء، وضم الهاء (٣).
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿هَاتُوا﴾ أصلهُ: آتوا.
﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتكم على ما زعمتُمْ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دَعْواكم، ثم قال ردًّا:
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾.
стр. 242
[١١٢] ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: ليس كما قالوا، بل الحكمُ للإسلام، وإنما يدخلُ الجنةَ من أسلم.
﴿وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلص دينه لله، وأصل الإسلام: الاستسلامُ والخضوعُ، وخُصَّ الوجهُ؛ لأنه إذا جادَ بوجهِه في السجود، لم يبخلْ بسائرِ جوارحِه.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عملِه.
﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرة، وإلَّا فاليومَ المؤمنونَ أشدُّ خوفًا وحُزْنًا من غيرهم؛ لنظرهم في مصيرهم، ولما قدمَ وفدُ نجرانَ على النبيِّ ﷺ أتاهم أحبارُ اليهودِ، فتناظروا حتى ارتفعتْ أصواتُهم، فقال لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدِّينِ، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقال لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾ .
[١١٣] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: أمرٍ يصحُّ ويُعْتَدُّ به.
﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ وكلا الفريقين يقرؤون الكتابَ، معناه: ليس في كتابهم هذا الاختلافُ، فدلَّ تلاوتُهم الكتابَ ومخالفتُهم ما فيه على كونهم على الباطل.
стр. 243
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: آباءَهُم الذين مضوا.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بينَ المحقِّ والمبطِل.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين. قرأ السوسيُّ عن أبي عمرٍو: (يَحْكُمْ بَيْنَهُمْ) (١) (أَعْلَمْ بِالشَّاكِرِينَ) (مَرْيَمْ بُهْتَانًا) (آدَمْ بِالْحَقِّ) وشبهه حيث وقع: بإسكانِ الميم عند الباء إذا تحرك ما قبلها تخفيفًا؛ لتوالي الحركات، فتخفى إذ ذاك بغنة، فإن سكن ما قبلها، تُرِكَ ذلك إجماعًا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ .
[١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: أكفرُ وأعتى.
﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يعني: بيتَ المقدس ومحاريبَهُ.
﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى﴾ عملَ.
﴿فِي خَرَابِهَا﴾ هو بُخْتَ نَصَّرُ وأصحابُه، غزوا اليهودَ، وخَرَّبوا بيتَ المقدسِ، وأعانَهم على ذلك النصارى: طَيْطُوسُ الروميُّ وأصحابُه، فغزوا بني إسرائيل ثانيًا، فقتلوا مقاتلتَهم، وسبوا ذراريَّهم، وحرقوا التوراة، وخَرَّبوا بيتَ المقدس، وقذفوا فيه الجِيَفَ، وذبحوا فيه الخنازيرَ، فكان
стр. 244
خرابًا إلى أن بناه المسلمون في أيامِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، فأنزل الله تعالى الآية (١) ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٢).
﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ أي: على وجهِ التهيُّبِ، وذلكَ أنَّ بيتَ المقدسِ موضِعُ حَجِّ النَّصارى، ومحلُّ زيارتهم، قال ابن عباس: لم يدخلْها بعد عِمارتها روميٌّ إلا خائِفًا، لو عُلِمَ به، قُتِلَ.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عذابٌ وهَوان، قال قتادةُ: هو القتلُ للحربيِّ، والجزيةُ للذميِّ.
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو النارُ.
وقيل: نزلت في مشركي مكَةَ، وأراد بالمساجد: المسجدَ الحرامَ، منعوا رسولَ الله ﷺ وأصحابَه من حجِّهِ والصلاةِ فيه عامَ الحُدَيبيةِ، وإذا مَنَعُوا مَنْ يَعْمُرُهُ بذكر الله، فقد سَعَوْا في خرابه ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ يعني: أهلَ مكةَ، يقول: أَفْتَحُها عليكم حتى تَدْخلوها، وتكونوا أَوْلى بها منهم، ففتحَها عليهم، وأمرَ النبيُّ ﷺ مناديًا ينادي: "أَلاَ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ" (٣)، فهذا خوفُهم، وثبتَ الشرعُ أن
стр. 245
لا يُمَكَّنَ مشركٌ من دخولِ الحرم ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ والذُّل والهوانُ والقتلُ والسبيُ والنفيُ (١).
واختلف الأئمةُ في دخولِ الكفارِ المساجدَ، فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يجوزُ للذميِّ دخولُ المسجدِ الحرامِ (٢) وغيرِه بالإذنِ، ومنعَهُ مالكٌ وأحمدُ مطلقًا، والشافعيُّ يمنعُه في المسجدِ الحرام، ويُجيزه في غيرِه، ويأتي ذكرُ اختلافِهم في دخولِ الذميِّ حرمَ مكةَ، ومنعهِ من استيطانِ الحجازِ في سورة التوبة عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الآية: ٢٨].
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ .
[١١٥] ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ مُلْكًا وخَلْقًا.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ تُحَوِّلوا وُجوهَكُم.
﴿فَثَمَّ﴾ هناك.
﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي: جهتُه التي أمر بها. قال ابنُ عباسٍ ﵄: خرجَ نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ في سفرٍ قبلَ تحويلِ القبلةِ إلى الكعبةِ، فأَصابهم الضَّبابُ، وحضرت الصلاةُ، فتحرَّوا القبلة، وصلَّوا، فلما ذهبَ الضَّبابُ، استبانَ لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قَدِموا، سألوا رسولَ الله ﷺ عن
стр. 246
ذلك، فنزلت هذه الآية (١). وقال عبدُ الله بنُ عمرَ: نزلت في المسافرِ يصلِّي التطوُّعَ حيثما توجَّهَتْ به راحلتُه (٢)، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ أي: غنيٌّ يعطي من السَّعَة.
﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّاتهم حيثما صلَّوا ودَعَوا.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ .
[١١٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (قَالُوا) بغير واو، وقرأ الباقون بالواو (٣). [و] (٤) نزلتْ في يهود المدينة؛ حيث قالوا: عزيرٌ ابنُ الله، وفي نصارى نجران حيثُ قالوا: المسيحُ ابنُ الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكةُ بناتُ الله (٥).
стр. 247
﴿سُبْحَانَهُ﴾ نَزَّهَ وعظَّمَ نفسَهُ.
﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عَبيدًا ومُلْكًا.
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: طائِعون.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
[١١٧] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أبدعَ؛ أي: اخترعَ بلا مثالٍ سَبَقَ.
﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قَدَّرَهُ، وأصلُ القضاءِ: الفراغُ، ومنه قيل لمن مات: قُضِي عليه؛ لفراغِه من الدنيا، ومنه قضاءُ الله وقدرُه؛ لأنه فُرِغَ منه تقديرًا وتدبيرًا، وقد وردَ لفظُ القضاءِ في القرآن على عشرةِ أوجُهٍ سيأتي ذكرُها في سورة الزخرف -إن شاء الله تعالى-.
﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احْدُثْ فيحدُث. قرأ ابن عامر: (كُنْ فَيَكُونَ) بنصب النون في جميع المواضع، إلا في آل عمران: ﴿كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠]، وفي الأنعام: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وإنما نصبَها؛ لأن جوابَ الأمرِ بالفاءِ يكونُ منصوبًا. وقرأ الباقونَ: بالرفع (١) على معنى: فهو يكون، فأما
стр. 248
حرفُ آل عمران، فإن معناه: كنْ، فكانَ، وأما حرفُ الأنعامِ، فمعناهُ الإخبارُ عن القيامةِ، وهو كائنٌ لا محالةَ، ولكنه لما كانَ ما يُراد في القرآنِ من ذكرِ القيامة كثيرًا يذكر بلفظ الماضي؛ نحو: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٥، ١٦]، وَنحوِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ونحو ذلك، فشابه ذلك، فرُفع، ولا شك أنه إذا اختلفت المعاني اختلفت الألفاظ. قال الأخفشُ الدمشقيُّ: إنما رفعَ ابنُ عامر في الأنعام على معنى سين الخبر؛ أي: فسيكون.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ .
[١١٨] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم الجهلَةُ المشركون، نفَى العلمَ عنهم؛ لعدمِ انتفاعهم به.
﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا.
﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ عيانًا أنَّكَ رسولُه.
﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ دلالة وعلامةٌ على صدقك، قال الله تعالى:
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كفارُ الأمم الخالية.
﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبهَ بعضُها بعضًا في الكفرِ والعمَى.
стр. 249
﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أنَّها آياتٌ يجبُ الاعترافُ بها والإيمان، ثم أوضح الآياتِ فقال:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ .
[١١٩] ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ﴾ أي: بالصدق، وهو القرآن.
﴿بَشِيرًا﴾ أي: مبشرًا لأوليائي وأهلِ طاعتي بالثوابِ الكريم.
﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: منذرًا مخوِّنًا لأعدائي وأهلِ معصيتي بالعذابِ الأليمِ. ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ هو قرأ نافعٌ ويعقوبُ: (وَلا تَسْأَلْ) بفتح التاء وجزم اللام على النهي، قال ابن عباس: وذلك أن النبي ﷺ قالَ ذاتَ يومٍ: "لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ"، فنزلت (١). وقرأ الباقون (وَلاَ تُسْأَلُ) بالرفعِ على النفي؛ أي: ولستَ بمسؤولٍ (٢).
стр. 250
﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما لهم لم يوقنوا بعدما بَلَّغْتَ، والجحيمُ: مُعْظَمُ النار.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ .
[١٢٠] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وذلك أنهم (١) كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنةَ، ويُطْمِعونه أنه إن أمهلَهم، اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية (٢)، معناه: إنك وإن هادَنْتَهم، فلا يرضوْنَ بها، وإنما يطلبون ذلك تَعَلُّلًا، ولا يرضوْنَ منك إلا باتِّبَاع ملَّتهم، والملَّةُ: الطريقةُ.
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الذي هو الإسلام.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾ الذي لا زيادةَ عليه.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الخطابُ مع النبي ﷺ ، والمرادُ به الأمةُ؛ كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥].
﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيانِ بأنَّ دينَ الله هو الإسلامُ، والقبلة قبلَةُ إبراهيمَ، وهي الكعبةُ.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.