← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذلك، فنزلت هذه الآية (١). وقال عبدُ الله بنُ عمرَ: نزلت في المسافرِ يصلِّي التطوُّعَ حيثما توجَّهَتْ به راحلتُه (٢)، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ أي: غنيٌّ يعطي من السَّعَة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيَّاتهم حيثما صلَّوا ودَعَوا. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ . [١١٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (قَالُوا) بغير واو، وقرأ الباقون بالواو (٣). [و] (٤) نزلتْ في يهود المدينة؛ حيث قالوا: عزيرٌ ابنُ الله، وفي نصارى نجران حيثُ قالوا: المسيحُ ابنُ الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكةُ بناتُ الله (٥).

стр. 247

﴿سُبْحَانَهُ﴾ نَزَّهَ وعظَّمَ نفسَهُ. ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عَبيدًا ومُلْكًا. ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: طائِعون. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. [١١٧] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أبدعَ؛ أي: اخترعَ بلا مثالٍ سَبَقَ. ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: قَدَّرَهُ، وأصلُ القضاءِ: الفراغُ، ومنه قيل لمن مات: قُضِي عليه؛ لفراغِه من الدنيا، ومنه قضاءُ الله وقدرُه؛ لأنه فُرِغَ منه تقديرًا وتدبيرًا، وقد وردَ لفظُ القضاءِ في القرآن على عشرةِ أوجُهٍ سيأتي ذكرُها في سورة الزخرف -إن شاء الله تعالى-. ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: احْدُثْ فيحدُث. قرأ ابن عامر: (كُنْ فَيَكُونَ) بنصب النون في جميع المواضع، إلا في آل عمران: ﴿كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠]، وفي الأنعام: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وإنما نصبَها؛ لأن جوابَ الأمرِ بالفاءِ يكونُ منصوبًا. وقرأ الباقونَ: بالرفع (١) على معنى: فهو يكون، فأما

стр. 248

حرفُ آل عمران، فإن معناه: كنْ، فكانَ، وأما حرفُ الأنعامِ، فمعناهُ الإخبارُ عن القيامةِ، وهو كائنٌ لا محالةَ، ولكنه لما كانَ ما يُراد في القرآنِ من ذكرِ القيامة كثيرًا يذكر بلفظ الماضي؛ نحو: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٥، ١٦]، وَنحوِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ونحو ذلك، فشابه ذلك، فرُفع، ولا شك أنه إذا اختلفت المعاني اختلفت الألفاظ. قال الأخفشُ الدمشقيُّ: إنما رفعَ ابنُ عامر في الأنعام على معنى سين الخبر؛ أي: فسيكون. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ . [١١٨] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم الجهلَةُ المشركون، نفَى العلمَ عنهم؛ لعدمِ انتفاعهم به. ﴿لَوْلَا﴾ أي: هلا. ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ عيانًا أنَّكَ رسولُه. ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ دلالة وعلامةٌ على صدقك، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كفارُ الأمم الخالية. ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبهَ بعضُها بعضًا في الكفرِ والعمَى.

стр. 249

﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أنَّها آياتٌ يجبُ الاعترافُ بها والإيمان، ثم أوضح الآياتِ فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ . [١١٩] ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقّ﴾ أي: بالصدق، وهو القرآن. ﴿بَشِيرًا﴾ أي: مبشرًا لأوليائي وأهلِ طاعتي بالثوابِ الكريم. ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: منذرًا مخوِّنًا لأعدائي وأهلِ معصيتي بالعذابِ الأليمِ. ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ هو قرأ نافعٌ ويعقوبُ: (وَلا تَسْأَلْ) بفتح التاء وجزم اللام على النهي، قال ابن عباس: وذلك أن النبي ﷺ قالَ ذاتَ يومٍ: "لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ"، فنزلت (١). وقرأ الباقون (وَلاَ تُسْأَلُ) بالرفعِ على النفي؛ أي: ولستَ بمسؤولٍ (٢).

стр. 250

﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما لهم لم يوقنوا بعدما بَلَّغْتَ، والجحيمُ: مُعْظَمُ النار. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ . [١٢٠] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وذلك أنهم (١) كانوا يسألون النبي ﷺ الهدنةَ، ويُطْمِعونه أنه إن أمهلَهم، اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية (٢)، معناه: إنك وإن هادَنْتَهم، فلا يرضوْنَ بها، وإنما يطلبون ذلك تَعَلُّلًا، ولا يرضوْنَ منك إلا باتِّبَاع ملَّتهم، والملَّةُ: الطريقةُ. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الذي هو الإسلام. ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ الذي لا زيادةَ عليه. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الخطابُ مع النبي ﷺ ، والمرادُ به الأمةُ؛ كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيانِ بأنَّ دينَ الله هو الإسلامُ، والقبلة قبلَةُ إبراهيمَ، وهي الكعبةُ. ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.

стр. 251

ونزلَ في أهل السفينةِ الذين قَدِموا مع جعفرِ بنِ أبي طالبٍ، وكانوا أربعين رجلًا: اثنانِ وثلاثون من الحبشة، وثمانيةٌ من رهبان الشام، منهم بحيرا الراهبُ. وقيل: فيمن آمنَ من اليهود: عبدِ الله بنِ سلامٍ وأصحابِه، وقيلَ: في أصحابِ محمدٍ ﷺ ، وقيل: في جميع المؤمنين (١): ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ . [١٢١] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: يقرؤونه كما أُنزل، ولا يُحرِّفونه. ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ من المحرِّفين (٢). ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لاستبدالِهم الضلالةَ بالهدى. ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾ . [١٢٢] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾.

стр. 252

﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ . [١٢٣] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ومعنى ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفَعُ فيهم أحدٌ فَيُرَدُّ. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ . [١٢٤] ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾ أي: واذكر إذا ابتلى، والابتلاءُ: الاختبارُ، وابتلاءُ اللهِ العبادَ ليسَ ليعلمَ حالَهم بالابتلاء؛ لأنه عالِمٌ بهم، ولكن ليُعلِم العبادَ أحوالَهم حتى يعرفَ بعضُهم بعضًا. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ هو اسمٌ أعجميٌّ، ولذلكَ لا يُجرُّ، ومعناه بالسريانية: الأبُ الرَّحيمُ، وهو إبراهيمُ بنُ تارحَ بنِ ناحورَ، وكانَ مولدُه بكوثا، ولكن نقلَهُ أبوه إلى بابلَ أرضِ نمرودَ بنِ كنعانَ، عاش إبراهيمُ ﵇ مئة وخمسًا وسبعين سنةً، وقيل غيرُ ذلك، وبين وفاته والهجرةِ الشريفةِ الإسلامية ألفان وسبعُ مئةٍ وثماني عشرة سنةً، ودفن بمغارةِ حبرون (١) بجبلِ بيلُون تُجاهَ بيتِ المقدس مما يلي القبلةَ بمسافةٍ (٢) تقربُ من بَريدين، فقيل: إنها ثلاثةَ عشرَ ميلًا، وقيل: ثمانيةَ عشرَ ميلًا، ثم بنى سليمانُ ﵇ على المغارة حيِّزًا بأمر الله تعالى، ولم يثبتْ قبرُ نبيٍّ من الأنبياء سوى قبرِ

стр. 253

نبيِّنا محمدٍ ﷺ بداخلِ الحُجْرَةِ الشريفةِ بِطَيْبَةَ المشرَّفَةِ، وقبرِ الخليلِ ﵇ بداخلِ الحيِّزِ السُّليمانيِّ، وما عداهما من الأنبياء ﵈، فمحل قبورهم بالظنِّ لا بالقَطْع. قرأ هشامٌ: (إبْرَاهَام) بالألفِ جميعَ ما في هذه السورة، وجملتُه خمسةَ عشرَ موضعًا، واختُلِف عن ابنِ ذكوانَ، وكذلك رُوي عنهما في مواضعَ أخرَ يأتي ذكرُها في محلِّها، جملتُها ثمانيةَ عشرَ موضعًا غيرَ ما في هذه السورة، ووجهُ خصوصيّةِ هذه المواضعِ، وهي ثلاثةٌ وثلاثون موضعًا: أنها كُتبت في المصاحف الشامية بحذفِ الياء منها خاصَّةً، وكذلك وُجدت في المصحفِ المدنيِّ، وكُتب في بعضها في سورة البقرة خاصَّةً، ورُوي عن أبن عامرٍ الألفُ في جميع القرآن (١). ﴿رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ هنَّ شرائعُ الإسلام. ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: أَدَّاهُنَّ وعملَ بهنَّ. ﴿قَالَ﴾ الله ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يُقْتدى بكَ في الخير. ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: من أولادي أيضًا، فاجعلْ منهم أئمةً يُقْتدى بهم. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ﴾ لا يصيب. ﴿عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: مَنْ كان منهم ظالمًا لا يصيبُه عهدي؛ أي: الإمامةُ. ونصب ﴿الظَّالمين﴾؛ لأن العهدَ يَنالُ كما يُنال. قرأ حمزةُ، وحفصٌ

стр. 254

(عَهْدِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١)، ومعنى الآية: لا ينالُ ما عهدتُ إليك من النبوةِ والإمامةِ من كان ظالمًا من ولدِك. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ . [١٢٥] ﴿وَإِذْ﴾ عطفٌ على (إِذ) المتقدمة. ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ يعني: الكعبة. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ، وابنُ ذكوانَ، والكسائيُّ، وخَلَّادٌ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (وَإذْ جَعَلْنَا) بإظهارِ ذالِ (إذ) عندَ الجيم حيثُ وقع، والباقون: بالإدغام (٢). ﴿مَثَابَةً للنَّاس﴾ أي: مرجِعًا لهم. ﴿وَأَمْنًا﴾ يأمَنون فيه من إيذاء المشركين، فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة، ويقولون: هم أهلُ الله، ويتعرَّضون لمن حولَهُ. ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ: بفتح الخاء على الخبر، والباقون: بكسرها على الأمر (٣).

стр. 255

﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ والصحيحُ أن مقام إبراهيم هو الحجرُ الذي في المسجد يصلِّي خلفَه الإمامُ المقلِّدُ لمذهب الشافعيِّ، وذلك الحجرُ الذي قامَ عليه إبراهيمُ عندَ بناءِ البيت. وعن عمرَ ﵁ أنه قال: "وافقتُ اللهَ في ثلاثٍ، ووافَقَني ربي في ثلاث: قلتُ: يا رسولَ الله! لو اتخذتَ من مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى، فأنزل الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلتُ: يا رسول الله! يدخلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنينَ بالحجاب (١)، فأنزل الله آيةَ الحجاب، قال: وبلغني معاتبةُ النبيِّ ﷺ بعضَ نسائِهِ، فدخلتُ عليهنَّ، قلتُ: إنِ انتهيتنَّ أو ليبدلَنَّ اللهُ رسولَه خيرًا منكُنَّ، فأنزلَ الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (٢) [التحريم: ٥]. وأما قصةُ المقامِ، فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لما أتى إبراهيمُ بإسماعيلَ وهاجرَ، ووضعَهما بمكَّةَ، وأتت على ذلكَ مدَّةٌ، ونزلَها الجُرْهمِيُّون، وتزوَّجَ إسماعيلُ منهم امرأةً، وماتتْ هاجَرُ، استأذنَ إبراهيمُ سارةَ أن يأتيَ مكَّةَ، فأذنتْ له، وشرطَتْ ألَّا ينزلَ، فقدمَ إبراهيمُ فذهبَ إلى بيتِ إسماعيل، فقال لامرأته: أينَ صاحِبُك؟ قالت:

стр. 256

ذهبَ يتصيَّدُ، وكان إسماعيلُ يخرج من الحَرِم فيصيدُ، فقال لها إبراهيم: هل عندَكِ ضيافةٌ؟ قالت: ليسَ (١) عندي، وسألها عن عَيْشِهم، فقالت: نحنُ في ضِيق وشدَّةٍ، وشكت إليه، فقال لها: إذا جاءَ زوجُكِ فأقرئيه السَّلامَ، وقولي له: فليغيرْ عتبةَ بابِه، وذهبَ إبراهيمُ فجاءَ إسماعيلُ فوجدَ ريحَ أبيه، فقالَ لامرأته: هل جاءكِ أحدٌ؟ قالت: جاءني شيخٌ من صفتِه كَذا وكَذا؛ كالمستخفَّةِ (٢) بشأنِه، قالَ: فما قالَ لكِ؟ قالتْ: قالَ: أَقرئي زوجَكِ السلامَ، وقولي له يغيرْ عتبةَ بابه، قال: ذاكَ أبي، وقد أمرني أَنْ أفارقَكِ، الحَقِي بأهلِك، فطلَّقَها، وتزوَّجَ منهم أخرى، فلبثَ إبراهيمُ ما شاءَ الله، ثم استأذنَ سارةَ أن يزورَ إسماعيلَ، فأذنتْ له، وشرطَتْ عليه ألَّا ينزلَ فجاءَ إبراهيمُ حتى انتهى إلى بابِ إسماعيل، فقال لامرأته: أينَ صاحبُك؟ قالت: ذهبَ يتصيَّدُ، وهو يجيءُ الآن إن شاءَ الله، فانزلْ يَرْحَمْكَ الله، قال: هلْ عندَكِ ضيافةٌ؟ قالتْ: نعم، فجاءت باللبنِ واللحمِ، وسألها عن عَيْشِهم، فقالت: نحنُ بخير وسَعَة، فدعا لهما بالبركة، ولو جاءت يومئذ بخبز أو بُرٍّ أو شعيرٍ أو تمرٍ، لكانت أكثرَ أرضِ الله بُرًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انزلْ حتى أغسلَ رأسَكَ، فلم ينزلْ، فجاءته بالمقام، فوضعَتْه عن شِقِّهِ الأيمن، فوضع قدمَه عليه، فغسلت شِقَّ رأسِهِ الأيمنَ، ثم حَوَّلَتْه إلى شِقِّه الأيسرِ، فغسلت شِقَّ رأسِه الأيسرَ، فبقيَ أثرُ قدميه عليه، فقال لها: إذا جاءَ زوجُك، فأقرئيهِ السلامَ، وقولي له: قدِ استقامتْ عتبةُ بابِكَ، فلما جاء إسماعيلُ، وجدَ ريحَ أبيه، فقال لامرأته: هل جاءكِ أحدٌ؟ قالتْ: نعمْ شيخٌ أحسنُ

стр. 257

الناسِ وجهًا، وأطيبُهم ريحًا، وقال لي: كذا وكذا، وقلت له: كذا وكذا، وغسلتُ رأسه، وهذا موضع قدميه، فقال: ذاك إبراهيمُ، وأنتِ العتبةُ، أمرني أَنْ أُمْسِكَكْ". وعن ابن عباس أيضًا قال: "ثم لبثَ عنهم ما شاءَ الله، ثم جاء بعدُ وإسماعيلُ يَبْري نَبْلًا تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه، قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالدُ بالولد، والولدُ بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمرٍ تُعينني عليه؟ قال: أُعينك، قال: إن الله أمرني أن أبنيَ ها هنا بيتًا، فعندَ ذلكَ رفعَ القواعدَ من البيتِ، فجعل إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ، وإبراهيمُ يبني حتى ارتفعَ البناءُ، جاءَ بهذا الحجر، فوضعه له، فقام إبراهيمُ على حَجَر المقام، وهو يبني وإسماعيلُ يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] (١). وفي الخبر: "الرُّكْنُ والمَقَامُ يَاقُوتتًانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الجَنَّةِ، وَلَوْلاَ مَا مَسَّتْهُ أَيْدِي المُشرِكينَ، لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" (٢).

стр. 258

﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي: أمرناهما، وأوصينا إليهما، وسُمِّي إسماعيل؛ لأن إبراهيمَ كان يدعو اللهَ أن يرزقَه ولدًا، ويقولُ: اسمعْ يا إيل، وإيلُ هو الله، فلما رُزق، سماه به (١)، وقيل: معناه بالعبراني مطيعُ الله، وأمُّه هاجرُ، وُلد لمضيِّ سِتٍّ وثمانينَ سنةً من عُمْرِ إبراهيمَ، وأرسله الله إلى قبائلِ اليمنِ وإلى العماليقِ، وعاش مئةً وسبعًا وثلاثين سنةً، ومات بمكةَ، ودفنَ عندَ قبرِ أمِّهِ بالحِجْر، وكانت وفاتُه بعدَ وفاة أبيه إبراهيمَ بثمانٍ وأربعين سنةً. ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ يعني: الكعبةَ، أضافه إليه تخصيصًا وتفضيلًا؛ أي: ابنياه على الطهارة والتوحيد. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وهشامٌ، وحفصٌ (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ الدائرين حولَهُ. ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمينَ والمجاوِرين. ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جمعُ راكعٍ. ﴿السُّجُودِ﴾ جمع ساجدٍ، وهم المصلُّون. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ

стр. 259

﴿مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ . [١٢٦] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ يعني: المكانَ. ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: ذا أمنٍ يأمنُ فيه أهلُه. ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ إنما دعا بذلك؛ لأنه كان بوادٍ غيرِ ذي زرعٍ، وفي القصص أن الطائفَ كان من مدائنِ الشام بِأُرْدُنَّ، فلما دعا إبراهيمُ ﵇ هذا الدعاءَ أمرَ اللهُ جبريلَ ﵇ حتى قلعَها من أصلِها، فأدارَها حولَ البيت سبعًا، ثم وضعَها موضعَها الذي هي الآن فيه، فمنها أكثرُ ثمراتِ مكةَ (١). ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ دعا للمؤمنين خاصَّةً. ﴿قَالَ﴾ الله تعالى. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ أي: أَمُدُّ له؛ ليتناول من لذات الدنيا؛ إثباتًا للحجة عليه، وأصلُ المتوع: الامتداد. قرأ ابنُ عامبر: (فَأُمْتِعُهُ) بسكون الميم وتخفيف التاء، والباقون: بفتح الميم وتشديد التاء (٢)، ومعناهما واحد. ﴿قَلِيلًا﴾ إلى منتهى أجلِه، وذلك أن الله تعالى وعدَ الرزقَ للخلق كافَّة، مؤمنِهم وكافرِهم، وإنما قيد بالقلة؛ لأن متاعَ الدنيا قليل.

стр. 260

﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ أي: أُلجئه في الآخرة. ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المرجعُ الذي يصير إليه. قرأ أبو جعفرٍ، وقالونُ، وأبو عمرٍو (بِيسَ) بغير همز، والباقون بالهمز (١). ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ . [١٢٧] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكرْ إذ. ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وتعطفُ على إبراهيمَ. ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ روي أن الله خلقَ موضعَ البيت قبلَ الأرضِ، بألفي عامٍ، وكانت زَبَدَةً بيضاءَ على الماء، فَدُحِيَتِ الأرضُ من تحتِها، فلما أهبطَ اللهُ آدمَ إلى الأرض، استوحشَ، فشكا إلى الله تعالى، فأنزل الله البيتَ المعمورَ من ياقوتةٍ من ياقوتِ الجنةِ له بابان من زُمُرُّدٍ أخضرَ، له بابٌ شرقيٌّ، وبابٌ غربي، فوضعَه على موضع البيت، وقال: يا آدمُ! إني أهبطتُ إليك بيتًا تطوفُ به كما يُطاف حولَ عرشي، وتصلي عنده كما يُصَلَّى عندَ عرشي، وأنزلَ الحجرَ، وكان أبيضَ، فاسودَّ من لمسِ الحُيَّضِ في الجاهلية، فتوجه آدمُ من أرضِ الهندِ إلى مكة ماشيًا، وقَيَّضَ اللهُ له مَلَكًا يدلُّه على البيت، فحجَّ البيتَ، وأقامَ المناسكَ، فلمَّا فَرَغَ، تلقَّتْهُ الملائكةُ وقالوا: بَرَّ حَجُّكَ يا آدمُ، لقد حججْنا هذا البيتَ قبلَك بألفي عامٍ.

стр. 261

قالَ ابنُ عباس: حجَّ آدمُ أربعينَ حجَّةً من الهندِ إلى مكة على رجليه، وكان على ذلك إلى أيامِ الطوفان، فرفعه الله إلى السماء الرابعة، يدخلُه كلَّ يوم سبعون ألفَ ملكٍ لا يعودون إليه، وبعثَ اللهُ جبريلَ حتى خَبَأَ الحجرَ الأسودَ في جبل أبي قُبيس؛ صيانةً له من الغرق، وكان موضعُ البيتِ خاليًا إلى زمن إبراهيم ﵇، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدَ ما وُلد له إسماعيلُ وإسحاقُ ببناء بيتٍ يُذْكَر فيه، فسأل الله أن يبين له موضعَهُ، فبعثَ اللهُ سبحانَه سحابةً على قَدْرِ الكعبة، فجعلتْ تسيرُ وإبراهيمُ يمشي في ظِلِّها إلى أن وافَتْ مكةَ، ووقفتْ على موضع البيتِ، فَنُودي منها: يا إبراهيم! أن ابنِ على ظِلِّها لا تزدْ ولا تنقصْ، فبنى إبراهيمُ وإسماعيلُ البيتَ، فكان إبراهيمُ يبنيه، وإسماعيلُ يناولُه الحجارة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ يعني: الأساسَ، جمعُ قاعدةٍ، فلما انتهى إبراهيمُ إلى موضعِ الحجرِ الأسودِ، قال لابنهِ إسماعيلَ: ائتني بحجرٍ حَسَنٍ يكونُ للناسِ عَلَمًا، فأتاه بحجرٍ، فقال: ائتني بأحسنَ من هذا، فمضى إسماعيلُ (١) يطلبه، فصاحَ أبو قُبيس: يا إبراهيمُ! إن لكَ عندي وديعةً فخذْها، فأخذَ الحجرَ الأسودَ فوضعَه مكانَه. وقيل: أولُ مَنْ بنى الكعبةَ في الأرض الملائكةُ بأمرِ اللهِ بحيالِ البيتِ المعمورِ في السماءِ على قدرِه ومثالِه، وقيلَ: أولُ من بنى الكعبَة آدمُ، واندرسَ زمنَ الطوفان، ثم أظهرَه الله لإبراهيمَ حتى بناه (٢).

стр. 262

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ فيه إضمار؛ أي: ويقولان: رَبَّنا تقبلْ منا بناءَنا البيت. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعائِنا. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنياتنا. ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ . [١٢٨] ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: صيِّرْنا موحِّدَيْنِ مطيعَيْن مخلِصَين خاضعين لك، وكانا كذلك، وإنما أرادا (١) التثبيتَ والدوامَ، والإسلامُ في هذا الموضعِ الإيمانُ والأعمالُ جميعًا. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ أي: ومن أولادنا. ﴿أُمَّةً﴾ جماعةً، والأمةُ: أتباعُ الأنبياء. ﴿مُسْلِمَةً لَكَ﴾ خاضعةً لك، و (من) هنا للتبعيض، وخص من الذرية بعضًا؛ لأن الله تعالى أعلمَهُ أن منهم ظالمين. ﴿وَأَرِنَا﴾ عَلِّمْنا. قرأ ابنُ كثيرٍ ويعقوبُ: (وَأَرْنا) بإسكان الراء، وأبو عمرو: بالاختلاس، والباقون: بكسرها (٢)، وأصلُها: أَرينا، فحذفت

стр. 263

الياء للجزم، ونقلَتْ حركةُ الهمزة إلى الراء، وحُذفت تخفيفًا، ومن سكن قال: ذهبت الهمزةُ، فذهبت حركتُها. ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ شرائعَ ديننا، وأعلامَ حَجِّنا، وأصلُ النسكِ: العبادةُ، والناسكُ: العابد، فأجاب الله دعاءهما، وبعث جبريل ﵇ فأراهما المناسكَ في يومِ عرفةَ، فلما بلغَ عرفاتَ، قال: عرفتَ يا إبراهيم؟ قال: نعم، فسمي الوقتُ عرفةَ، والموضعُ عرفاتٍ (١). ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ وتجاوزْ عنا. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب. ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ . [١٢٩] ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي: في الأمة المسلمة من ذرية إبراهيمَ وإسماعيلَ. ﴿رَسُوَلَا مِّنهُم﴾ أي: مرسَلًا، وأراد به محمدًا ﷺ . قال ابنُ عباس: "كلُّ الأنبياءِ من بني إسرائيل إلا عشرةً: نوحٌ، وهود، وصالحٌ، وشعيبٌ، ولوطٌ، وإبراهيمُ، وإسماعيل، وإسحقُ، ويعقوبُ، ومحمدٌ -صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين-" (٢).

стр. 264

﴿يَتْلُو﴾ يقرأُ. ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ كتابَكَ يعني: القرآنَ، والآيةُ من القرانِ: كلامٌ متصلٌ إلى انقطاعه، وتقدم الكلامُ على ذلك بأتمَّ من هذا في أولِ التفسير عندَ الكلام على معنى السورةِ والآيةِ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: مواعظَه وما فيه من الأحكام، وقيل: الشريعة. ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يطهِّرُهُم من الشِّركِ والذُّنوبِ. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الذي يَقْهَرُ ولا يُقهر، والعزَّةُ: القوةُ. ﴿الْحَكِيمُ﴾ المصيبُ مواقعَ الفعلِ، المحكِمُ لها. ثم استفهمَ منكرًا بقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ . [١٣٠] ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وذلك أنَّ عبدَ الله بنَ سلامٍ دعا ابني أخيه سلمةَ ومهاجرًا إلى الإسلام، فقال لهما: قد علمتُما أن الله قال في التوراة: إني باعثٌ من وَلَدِ إسماعيلَ نبيًّا اسمُه أحمدُ، فمن آمنَ به، فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به، فهو ملعونٌ، فأسلمَ سلمةُ، وأبى مهاجر أن يسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) أي:

стр. 265

يتركُ دينَه وشريعتَه، يقال: رغبَ في الشيء: إذا أرادَه، ورغبَ عنه: إذا تركه، والمعنى: ما يرغبُ عن ملة إبراهيمَ. ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: خسرَ نفسَه، وامتهنَها، والسفاهةُ: الجهلُ وضعفُ الرأي، وكلُّ سفيهٍ جاهلٌ، وذلك أن من عبدَ غيرًا لله، فقد (١) جهل نفسه، لأنه لم يعرفِ اللهَ خالقَها، وقد جاء: مَنْ عرفَ نفسَهُ، فقد عَرَفَ رَبَّهُ. ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾ اخترناه. ﴿فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: مع الأنبياء في الجنة. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ . [١٣١] ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي: اسْتَقِمْ على الإسلام، واثبتْ عليه، لأنه كان مسلمًا، والعاملُ في (إذ) اصطفيناه. ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ أي: فَوَّضْتُ أموري. ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقد حَقَّقَ ذلكَ حينَ لم يستعنْ بأحدٍ من الملائكة حين أُلقي في النار. ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ . [١٣٢] ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ أي: بالملة ﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ وهم (٢): إسماعيلُ

стр. 266

من هاجرَ القبطية، وإسحاقُ من سارةَ، وستةٌ من امرأةٍ تزوَّجها من الكنعانيين بعدَ موتِ سارة اسمها قُطورا بنتُ يَقْطن (١)، وهم: مَدْيَنُ، ومَدَانُ، ويَقْشان، وزُمْرانُ، ويَشْبُق، وشُوَح. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (وَأَوْصَى) بالألف، وكذلك هو في مصاحفِ المدينةِ والشام، والباقون: مشددًا بغير ألف، وهما لغتان مثل نَزَّلَ وأَنزلَ (٢). ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ ورفعُ (يعقوب) عطفٌ على إبراهيم، معناه: ووصَّى إبراهيمُ بنيهِ، ويعقوبُ بنيه الاثني عشر؛ كما وصَّى إبراهيمُ بنيهِ الثمانيةَ، وسيأتي ذكرُ أسماءِ بني يعقوبَ أولَ سورةِ يوسفَ، ويعقوبُ سمي بذلك؛ لأنه والعيصَ كانا توأمينِ، فتقدَّم عيصٌ في الخروج من بطن أمه، وخرج يعقوبُ على إثره آخذًا بعقبه، وعاشَ مئة وسبعًا وأربعينَ سنةً، ومات بمصرَ، وأوصى أن يُحمل إلى الأرض المقدَّسة، ويدفنَ عندَ أبيه وجدِّه، فحمله ابنُه يوسفُ ودفنَهُ عندَهما بمغارة حبرون (٣). ﴿يَابَنِيَّ﴾ معناه: أن (٤): يا بني. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى﴾ اختار.

стр. 267

﴿لَكُمُ اَلدِّينَ﴾ أي: دينَ الإسلام. ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مؤمنون، والنهيُ في ظاهر الكلام وقعَ على (١) الموت، وإنما نُهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام، معناه: داوموا على الإسلامِ حتى لا يصادفَكم الموتُ إلا وأنتم مسلمون. ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ . [١٣٣] ﴿أَمْ كُنْتُمْ﴾ أي: أَكُنتم. ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمعُ شهيدٍ بمعنى الحاضرِ، يريد: ما كنتم حضورًا. ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي: حينَ قربَ يعقوبُ من الموت. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ورَوْحٌ: (شُهَدَاءَ إِذْ) بتحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تجعل بينَ بينَ (٢). نزلتْ إنكارًا على اليهود حينَ قالوا للنبي ﷺ : ألستَ تعلمُ أن يعقوبَ يومَ ماتَ أوصى بنيهِ باليهودية؟ (٣). ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من (إذ) قبلَها، العاملُ فيهما (شُهَداءَ). ورُوي أنه

стр. 268

لما دخلَ يعقوبُ مصرَ، ورآهم يعبدونَ الأصنامَ، فخافَ على ولده، فقال لهم وقد جمعَهم: قد حضر أجلي (١). ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بعدَ موتي، و (ما) هنا بمعنى (مَنْ) يدلُّ عليه (أن). ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وكان إسماعيلُ عَمًّا لهم، والعربُ تسمِّي العمَّ أبًا، كما تسمي الخالةَ أُمًّا، قال النبي ﷺ : "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (٢)، وقال في عمه العباس: "رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تفعَلَ بِي قُرَيْشٌ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ" (٣)، وذلك أنهم قتلوه. وإسحاقُ هو ابنُ إبراهيمَ ﵇، وأمه سارةُ، ولدتْهُ ولها تسعونَ سنةً، ولأبيهِ إبراهيمَ مئةٌ وعشرون سنةً، وكانَ إسحقُ ضريرًا، وكان هو وإسماعيلُ ولوطٌ ويعقوبُ أنبياءَ على عهدِ إبراهيمَ (٤) -صلواتُ الله عليهم أجمعين-، وعاش إسحاقُ مئةً وثمانين سنة، ودُفن عند أبيه بمغارة حبرون (٥). ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ نصبٌ على البدلِ من قوله: (إِلَهَكَ).

стр. 269

﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ قرأ أبو عمرٍو: (وَنَحْن لَّهُ) بإدغام النون في اللام (١). ثم أشار إلى إبراهيمَ وأولادِه المذكورينَ الموحِّدين إسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ بقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ . [١٣٤] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ جماعةٌ. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مَضَتْ. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من العمل. ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تلخيصُه: لا يُسأل أحدٌ إلا عن عمله فقط، لا عن عملِ غيرِه. ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ . [١٣٥] ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ نزلتْ في رؤوس يهودِ المدينة: كعبِ بنِ الأشرفِ، ومالكِ بنِ الصَّيْفِ (٢)، ووَهْبِ بنِ يهوذا،

стр. 270

وأبي ياسرِ بنِ أخطبَ (١)، وفي نصارى أهلِ نجرانَ: السيدِ والعاقبِ وأصحابِهما، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين، كلُّ فرقة تزعم أنها أَحقُّ بدين الله، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضلُ الأنبياء، وكتابنا التوراةُ أفضلُ الكتب، وديننا أفضلُ الأديان، وكفرتْ بعيسى والإنجيلِ، وبمحمدٍ ﷺ والقرآنِ، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضلُ الأنبياء، وكتابنا الإنجيلُ أفضلُ الكتب، وديننا أفضلُ الأديان، وكفرتْ بمحمدٍ والقرآن، وقال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا، فلا دينَ إلا ذلك (٢)، فقال الله : ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ. ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: بل نتبعُ ملَّةَ إبراهيمَ. ﴿حَنِيفًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: مائلًا عن الباطل إلى الحقِّ، وأَصلُه من الحَنَفِ، وهو مَيْلٌ وعِوَجٌ يكون في القدم. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذا توبيخٌ للكفارِ أهلِ الكتاب؛ لأنهم كانوا يَدَّعون أنهم على ملَّته، وهم على الشرك. ثم علَّم المؤمنين طريقَ الإيمان، فقال تعالى:

стр. 271

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ . [١٣٦] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يعني: القرآن. ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو عشرُ صُحَفٍ. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ يعني: أولادَ يعقوبَ، واحدُهم سبطٌ، وهم اثنا عشرَ سِبْطًا، سُمُّوا بذلك؛ لأنه وُلد لكلِّ واحدٍ منهم (١) جماعةٌ، وسبطُ الرجلِ: حافِدَتُهُ، ومنه قيل للحسن والحسين: سِبْطا رسول الله ﷺ ، فالأسباطُ من بني إسرائيل كالقبائلِ من العرب من بني إسماعيلَ والشعوبِ من العجم، وكان في الأسباط أنبياءُ، وسنذكرُ أولادَ يعقوبَ الذين هم آباءُ الأسباطِ في سورة يوسف -إن شاء الله تعالى-. ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني: التوراة. ﴿وَعِيسَى﴾ يعني: الإنجيل. ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ أُعْطِيَ. ﴿النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ من الكتبِ والآيات. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فنؤمنُ ببعضٍ ونكفرُ ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ تقدَّمَ مذهبُ أبي عمرٍو في إدغام (وَنَحْن لَّهُ).

стр. 272

﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ . [١٣٧] ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: بما آمنتم به، والمثلُ صلةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ أي ليس كهو شيءٌ. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عما تدعونهم إليه من الإيمان. ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: خلافٍ وعداوةٍ. ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ يا محمدُ؛ أي: يكفيكَ شرَّ اليهودِ والنصارى، وقد كُفي بإجلاءِ بني النَّضيرِ، وقَتْلِ بني قُرَيظةَ، وضَرْبِ الجزيةِ على اليهود والنصارى. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ . [١٣٨] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي: دينَ الله، وهو نصبٌ على الإغراء؛ يعني: الزموا دينَ الله، وإنما سماه صبغةً؛ لأنه يظهرُ أثرُ الدين على المتديِّنِ كما يظهرُ أثر الصّبغ على الثوب، قال ابنُ عباس: "هي أنَّ النصارى إذا وُلد لهم ولدٌ، فأتى عليه سبعةُ أيام، غمسوه في ماءٍ لهم أصفر يقال له: المعموديَّةُ، وصبغوه به، ليطهروه بذلكَ مكانَ الخِتان، فإذا فعلوا به ذلك، قالوا: الآنَ صار نصرانيًّا حَقًّا، فأخبرَ الله تعالى أن دينه الإسلامُ، لا ما يفعلُه النصارى (١).

стр. 273

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي: دينًا. ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ مُطيعون. ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ . [١٣٩] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لليهود والنصارى: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ في دينِ اللهِ، والمحاجّةُ: المجادلةُ لإظهار الحُجَّة، وذلك أنهم قالوا: إن الأنبياءَ كانوا منا، وعلى ديننا، ودينُنا أقدمُ، فنحن أَوْلى بالله منكم، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾. ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: نحن وأنتم سواءٌ في الله، فإنه ربُّنا وربُّكم. ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: لكلِّ واحدٍ جزاءُ عملهِ. ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ يعني: كيف تَدَّعون أنكم أَوْلى بالله، ونحن له مخلصون، وأنتم به مشركون؟! والإخلاصُ: أن يخلصَ العبدُ دِينَهُ (١) وعملَه لله، فلا يشركُ به في دينه، ولا يرائي بعمله. ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ

стр. 274

﴿كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ . [١٤٠] ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ يعني: أيقولون؟ صيغتُه صيغةُ الاستفهام، ومعناه التوبيخُ. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ، ورُويسٌ: (تقولُونَ) بالخطاب؛ لقوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾، وقالَ بعده (١): ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، وقرأ الباقونَ بالغيب؛ يعني: يقولُ اليهودُ والنصارى (٢). ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ﴾ يا محمدُ. ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ﴾ بدينهم. ﴿أَمِ اللَّهُ﴾ وقد أخبرَ الله تعالى أنَّ إبراهيم لم يكن يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وهذا تقريرٌ على فسادِ دعواهم؛ إذ لا جوابَ لمفطورٍ -[أي: مخلوق] (٣) - إلا أن الله تعالى أعلمُ. وتقدَّم اختلاف القراءة في حكم الهمزتين من كلمة عند قوله تعالى: (ءَأَنْذَرْتَهُمْ)، وكذلك اختلافُهم في قوله: (ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ).

стр. 275

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ﴾ أي: أخفى. قرأ أبو عمرٍو: (أَظْلَم مِّمَّنْ) بإدغامِ الميمِ في الميم (١). ﴿شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ وهي علمُهم بأن (٢) إبراهيمَ وبنيه كانوا مسلمين، وأن محمدًا حَقٌّ ورسولٌ، أشهدَهُم اللهُ عليه في كتبهم، لفظُه الاستفهامُ، والمعنى: لا أحدَ أظلمُ منهم، وإياهم أرادَ الله تعالى بكتمان الشهادة، ثم تهدَّدَهم فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ثم كرر: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ . [١٤١] ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تأكيدًا. ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ . [١٤٢] ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ أي: الجهَّالُ من الناس وهم مشركو مكة، واليهودُ. ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ صرَفَهم وحَوَّلَهم.

стр. 276

﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بيت المقدس، والقبلةُ فِعْلَةٌ من المقابلة، سميت قبلةً؛ لأن المصلي يُقابلها وتُقابله. نزلت في الفريقين لما طعنوا في تحويلِ القبلةِ من بيتِ المقدس إلى مكةَ، فقال مشركو مكة: قد تردَّدَ على محمدٍ أمرُهُ، واشتاقَ إلى مولده، وقد يرجعُ نحوَ بلدِكم، وهو راجعٌ إلى دينكم، وقالت اليهودُ: اشتاقَ الرجلُ إلى وطنه، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ بما فيهما، المعنى: إنكم تصلُّون إلى الكعبةِ وهي بالمشرق، وإلى بيتِ المقدس وهو بالمغرب، وكلها له. ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فيوجِّهُه تارةً إلى مكةَ، وتارة إلى بيتِ المقدس، لا اعتراضَ عليه؛ لأنه المالكُ وحدَهُ. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، ورُوَيْسٌ: (يَشَاءُ إِلَى) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، واختُلِفَ في كيفية تسهيلها، فذهب جمهورُ المتقدمين إلى أنها تبدلُ واوًا خالصةً مكسورةً، وذهبَ بعضُهم إلى أنها تُجعل بينَ الهمزة والياء، وهو مذهبُ أئمةِ النحو والمتأخِّرين من القرَّاء، وهو الأَوْجَهُ في القياس. وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابنُ عامرٍ، وروحٌ: بتحقيق الهمزتين (١). ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ

стр. 277

﴿الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ . [١٤٣] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ نزلت لما قال رؤساء اليهود لمعاذِ بنِ جَبَلٍ: ما تركَ محمدٌ قبلتَنا إلَّا حسدًا، وإنَّ قبلتنا قبلةُ الأنبياء، وقد علم محمدٌ أنا عدلٌ بين الناس، فقال معاذ: إنا على حقٍّ (١) وعدلٍ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ (٢)؛ أي: ومثلَ ذلكَ الجعلِ الصالحِ الذي جعلْنا إبراهيمَ وذريتَهُ جعلناكم أمةً وَسَطًا؛ أي: عَدْلًا خِيارًا، قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: خيرُهم وأعدلُهم، وخيرُ الأشياءِ أَوْسَطُها. ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يومَ القيامة أنَّ الرسلَ قد بلَّغتهم. ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ هو محمدٌ ﷺ . ﴿عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ معدِّلًا مزكِّيًا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمعُ الأَوَّلين والآخِرين في صعيدٍ واحدٍ، ثم يقُول لكفارِ الأمم: ألم يأتِكُمْ نذيرٌ؟ فيُنكرون ويقولون: ما جَاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِير، فيسأَلُ الأنبياء (٣) ﵈، فيقولون: كَذَبوا، قد بلَّغناهم، فيسألُهم البينةَ، وهو أعلم بهم؛ إقامةً للحجَّة، فيؤتى بأمة محمدٍ ﷺ ، فيشهدون (٤) لهم أنهم قد بَلَّغوا، فتقولُ

стр. 278

الأممُ الباقيةُ: من أينَ عَلِموا وإنهم أَتَوا بعدَنا؟! فيسأل هذه الأمة فيقولون: أرسلتَ إلينا رسولًا، وأنزلتَ علينا كتابًا أخبرْتنَا فيه بتبليغ الرسل، وأنتَ صادقٌ فيما أخبرتَ، ثم يؤتى بمحمدٍ ﷺ ، فيسألُ عن حال أمته، فيزكِّيهم، ويشهدُ بصدقِهم. ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أي: تحويلَها؛ يعني: بيت المقدس، فيكون من بابِ حذفِ المضاف. ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ أهلُ المعاني: معناه إلا لعلمِنا، وقيل: معناه: ليعلمَ رسولي والمؤمنون به، وجاء الإسنادُ بنون العظمة إذ هم حزبُهُ وخالصتُه. ﴿مَن يَتَّبِعُ ألرَّسُولَ﴾ فيوافقُه ويصدِّقه. قرأ أبو عمرٍو: (لِنَعْلَم مَّنْ) بإدغامِ الميم في الميم (١). ﴿مِمَّن يَنقَلِبُ﴾ أي: يرجعُ ناكِصًا. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فيرتدُّ، كأنه سبقَ في علمِ الله تعالى أن تحويلَ القبلةِ سببٌ لهدايةِ قومٍ وضلالةِ آخرين، والرجوعُ على العقب أسوأ حالاتِ الراجع في مشيِه عن وجهه، فلذلك شُبِّهَ المرتدُّ في الدين به، وظاهرُ التشبيهِ أنه بالمتقهقِرِ، وهي مشيةُ الحيرانِ الفازع من شَرٍّ قد قربَ منه، وفي الحديث: أنَّ القبلةَ لما حُوِّلَت، ارتدَّ قومٌ من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجعَ محمدٌ إلى دين آبائه (٢). ورُوي أنَّ أحبارَ اليهود قالوا للنبي ﷺ : إنَّ بيتَ المقدس هو قبلةُ الأنبياء، فإن صَلَّيْتَ إليها، اتبعناكَ،

стр. 279

فأمره الله بالصلاة إليه امتحانًا لهم، فلم يؤمنوا، والجمهورُ على أن أمرَ قبلةِ بيتِ المقدسِ كان بوحيٍ غيرِ مَتْلُوٍّ. ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي: وقد كانت التوليةُ إلى الكعبة. ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أي: لثقيلةً شديدةً. ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هداهم الله، وهم التائبون المخلصون. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ وذلك أن حُيَيَّ بنَ أخطبَ وأصحابَه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحوَ بيتِ المقدس، إن كانت هُدًى، فقد تحوَّلْتم عنها، كان كانت ضَلالةً، فقد دِنْتُمُ اللهَ بها، ومَنْ مات منكم عليها، فقد ماتَ على الضلالة، فقال المسلمون: إنما الهدى ما أَمر اللهُ به، والضلالة ما نهى اللهُ عنه، قالوا: فما شهادتُكم على مَنْ مات منكُمْ على قبلتنا، وكان قد ماتَ قبلَ أن تُحَوَّلَ القبلةُ من المسلمينَ أسعدُ بنُ زُرارةَ من بني النجَّار، والبراءُ بنُ مَعْرورٍ من بني سَلِمَةَ، وكانوا من النقباء، ورجالٌ آخرون، فانطلق عشائرُهم إلى النبي ﷺ ، وقالوا: يا رسول الله! قد صرفَكَ اللهُ إلى قبلةِ إبراهيمَ، فكيفَ بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)؛ يعني: صلاتِكم إلى بيتِ المقدس، وسمَّى الصلاةَ إيمانًا لما كانت صادرةً عن الإيمان والتصديق في وقت بيتِ المقدس، وفي وقتِ التحويل. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرأفةُ: أشدُّ الرحمة، وخاطبَ الحاضرين، والمرادُ: مَنْ حضرَ ومن ماتَ؛ لأن الحاضر يُغَلَّبُ كما تقول

стр. 280

العرب: ألم نقتلْكُم في موضع كذا؟ ومن خوطبَ لم يُقْتل، ولكنه غُلِّبَ لحضوره. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وابن عامر، وحفصٌ: (لَرَؤوفٌ) بالإشباعِ على وزن فَعول، وقرأ الآخرون: بالاختلاس على وزن فَعُل (١). ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ . [١٤٤] ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ والمقصدُ تقلُّب البصر، وذكر الوجه؛ لأنه أعمُّ وأشرفُ، وهو المستعمَلُ في طلب الرغائب، تقول: بذلْتُ وجهي في كذا، أو فعلتُ لوجهِ فلان، وهذه الآيةُ متأخرةٌ في التلاوة، متقدمةٌ في المعنى؛ فإنها رأسُ القصة، وأمرُ القبلة أولُ ما نُسخ من أمور الشرع، وذلك أن رسولَ الله ﷺ وأصحابَه كانوا يصلُّون بمكةَ إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة، أمرَهُ الله أن يصلِّي نحوَ صخرةِ بيتِ المقدسِ كما تقدَّمَ؛ ليكونَ أقربَ إلى تصديق اليهود إياه إذا صلَّى إلى قبلتهم، مع ما يجدون من نعتِه في التوراة، فصلَّى من بعدِ الهجرةِ ستةَ عشرَ أو سبعةَ

стр. 281

عشرَ شهرًا إلى بيت المقدس، وكان يحبُّ أن يتوجَّهَ إلى الكعبة؛ لأنها كانتْ قبلةَ أبيه إبراهيم ﵇، وكان اليهودُ يقولون: يخالفُنا محمد في ديننا، ويتبعُ قبلَتَنا، فجعلَ ينظرُ إلى السماءِ رجاءَ أن ينزلَ عليه الوحيُ بالتوجُّه إليها، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١). ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلَنُحَوِّلَنَّكَ. ﴿قِبْلَةً﴾ أي: إلى قبلة. ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تحبُّها. ﴿فَوَلِّ﴾ فحوِّلْ. ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ أي: نحوَ. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأراد به الكعبةَ، والحرامُ: المحرَّمُ. ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ من بَرٍّ أو بحرٍ، شرقٍ أو غربٍ. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ عندَ الصلاة، وكان تحويلُ القبلة في رَجَبٍ بعدَ زوالِ الشمسِ من السُّنةِ الثانيةِ من الهجرة قبلَ قتالِ بدرٍ بشهرين، ونزلتْ هذه الآيةُ ورسول الله ﷺ في مسجدِ بني سَلِمَةَ، وقد صلَّى بأصحابِه ركعتين من صلاة الظهرِ، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزابَ، وحوَّل الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال، فَسُمِّي ذلك المسجدُ مسجدَ القِبْلَتين، وأهلُ قُباء وصل الخبرُ إليهم في صلاة الصبح (٢).

стр. 282

وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: "بَيْنا الناسُ بِقُباءَ في صلاةِ الصُّبْح إذْ جاءهم آتٍ، وقال لهم: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلةَ قرآن، وقد أُمِرَ أَنْ يستقبلَ الكعبةَ، فاستقبِلُوها"، وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (١)، فلما تحولت القبلةُ، قالت اليهود: يا محمَّدُ! ما هو إلَّا شيءٌ تبتدعُه من تلقاء نفسك، فتارةً تصلِّي إلى بيتِ المقدس، وتارةً إلى الكعبة، ولو ثبتَّ على قبلتِنا، لكنَّا نرجو أن تكون صاحِبَنا الذي ننتظره (٢)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ يعني: أمرَ الكعبةِ. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنه في بشارةِ أنبيائهم أنه يصلِّي إلى القبلتين، ثم هَدَّدهم فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، ورَوْحٌ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، يريد: إنكم يا معشر المؤمنين تطلبونَ مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم. وقرأ الباقونَ بالغيب؛ يعني: ما أنا بغافل عما يفعلُ اليهود، فأجازيهم في الدنيا والآخرة (٣).

стр. 283

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ . [١٤٥] ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهودَ والنصارى. ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي: معجزةٍ وبرهانٍ على صدقك في أمر القبلةِ وغيرِها. ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يعني: الكعبةَ. ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ لأنك على الحقِّ، وقبلتُكَ غيرُ منسوخةٍ أبدًا. ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، وهو المغرب، والنصارى تستقبل المشرق، وقبلةُ المسلمين الكعبةُ، وكل طائفة تعتقد أن الحقَّ دينُها، ثم خوطبَ ﷺ والمرادُ غيرُه بقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ أي: وصلَ إليك. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ اليقينِ من أمرِ القبلةِ وشرائعِ الإسلام. ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وتمَّ الوقفُ هنا. عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَا بَيْنَ المشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" (١)، والمرادُ بالمشرِقِ: مشرقُ الشتاء في أقصرِ يوم في

стр. 284

السنة، وبالمغربِ: مغربُ الصيفِ في أطولِ يومٍ في السنة، فأقصرُ الأيام في الشتاء يومُ آخِرِ القوسِ، وهو انسلاخُ فصلِ الخريف، وكذلكَ اليومُ الذي يليه، وهو أولُ الجَدْي افتتاحُ فصلِ الشتاء، ويأتي ذلك في شهر كيهَك من السنة القبطية، وفي شهر كانون الأول من السنة السريانية، وأطولُ الأيام في الصيف يومُ آخرِ الجَوْزاء، وهو انسلاخُ فصلِ الربيع، وكذا اليومُ الذي يليه، وهو أولُ السَّرَطانِ افتتاحُ فصلِ الصيف، ويأتي ذلك في شهر بؤنة من السنة القبطية، وفي شهر حَزيرانَ من السنة السريانية، فمن جعلَ مغربَ الصيفِ في هذا الوقتِ عن يمينه، ومشرقَ الشتاء في ذلك الوقتِ عن يساره، كان وجهُه إلى القبلة، وهذا لمن يكونُ في المدينة الشريفة -على الحالِّ بها أفضلُ الصلاةِ والسلام-، وبيتُ المقدس ومصرُ والشامُ وما والاها ممن يستقبلُ الجدارَ الشاميَّ من الكعبةِ الشريفة، وهو الذي يليه حِجْرُ إسماعيلَ ﵇ وبأعلاه الميزابُ. ومن دلائلِ القبلةِ القطبُ، وهو نجمٌ، وقيلَ نقطةٌ إذا جعلَه المصلِّي وراءَ ظهرِه بالشامِ وما حاذاها، وخلفَ أُذنه اليمنى بالمشرقِ، وعلى عاتقِهِ الأيسرِ بإقليم مصر وما والاه، كان مستقبلًا للقبلة (١)، والله أعلم. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ . [١٤٦] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأٌ، خبره:

стр. 285

﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ والمراد: أن مؤمني أهل الكتاب عبدَ الله بنَ سلامٍ وأصحابَه يعرفون محمدًا أنه نبيٌّ حقّ بما شاهدوه في كتبِهم. ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من الصِّبيان، قال عبدُ اللهِ بنُ سلام: "لقدْ عرفتُ محمَّدًا حينَ رأيتُهُ كمعرفةِ ابني، ومعرفتي له أشدُّ من معرفةِ ابني؛ لأن نَعْتهُ في كتابنا، ولا أَدري ما تصنعُ النِّساءُ لولا النعتُ" (١). ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي: من جُهَّالهم ومعانِديهم. ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نعتَه ﷺ وأمرَ الكعبة. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وتمَّ الوقفُ هنا. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ . [١٤٧] ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبرُه: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا الحقُّ. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين فيما أُخبرتَ به. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.
следующие страницы →