﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فيما أمركم به.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوها على رجاء الرحمة.
...
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة: (يَحْسَبَنَّ) بالغيب، ونصب السين؛ أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين، وقرأ الباقون: بالخطاب وكسر السين (١)؛ أي: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا.
﴿مُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين اللهَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بأن لا يقدر عليهم.
﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ التقدير: الذين كفروا ليسوا معجزين، ومأواهم النار.
﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المأوى الذي يصيرون إليه.
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ
стр. 2242
بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ .
[٥٨] قال ابن عباس: وجه رسول الله ﷺ غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل ورأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ (١) هذه اللام لام الأمر.
﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: العبيد والإماء، هم.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ من الأحرار، وليس المراد منهم: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ أي: ليستأذنوا في ثلاثة أوقات.
﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرحِ ما يُنام فيه من الثياب.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾ للقيلولة.
﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ إلى وقت الظهر؛ لأنه وقت القيلولة والتكشف.
﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنه وقت التجرد للنوم، فهذه الأوقات أوقات خلوة، فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها لهم، ولغيرهم في جميع الأوقات.
﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن
стр. 2243
عاصم: (ثَلاَثَ) بنصب الثاء بدلًا عن قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) أي: أوقاتَ ثلاثِ عوراتٍ، وقرأ الباقون: بالرفع (١)؛ أي: هذه الأوقات ثلاثُ عورات لكم؛ لأن الإنسان يختل ستره فيها، واتفقوا على النصب في قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) المتقدم؛ لوقوعه ظرفًا، وقرأ أبو عمرو (بَعْد صَّلاَةِ الْعِشَاءِ) بإدغام الدال في الصاد (٢).
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعنى: العبيد والخدم والصبيان ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم في الدخول بغير استئذان ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ للخدمة ﴿بَعْضُكُمْ﴾ يطوف.
﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: إن كان بكم وبهم حاجة إلى المخالطة.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الأحكامَ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيما يشرع لكم.
واختلف في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة (٣)، قال ابن عباس: "لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأُمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، فاتخذ الناس الستور" (٤)، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان، وذهب قوم إلى أنها
стр. 2244
غير منسوخة، قال سعيد بن جبير: "إن ناسًا يقولون: نسخت، واللهِ ما نُسخت، ولكنها مما تهاون به الناس" (١).
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: الأحرار إذا بلغوا ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات في الدخول عليكم.
﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأحرار البالغين.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرر تأكيدًا ومبالغة في الأمر بالاستئذان.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هي من قعدت عن الحيض والولد؛ لكبرها.
стр. 2245
﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يُردن الرجال؛ لكبرهن.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ الظاهرة؛ كالملحفة والجلباب الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار، فلا يجوز وضعه.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غير مظهِرات محاسنَهن.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عن وضع الثياب.
﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لأنه أبعد من التهمة.
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهن للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقصودهن، وتقدم ذكر الخلاف في النظر إلى العجوز التي لا تشتهى في السورة.
...
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ كان هؤلاء يتوقَّون مؤاكلة الناس ومجالستهم؛ لأن الأعمى ربما سبقت يده
стр. 2246
إلى ما سبقت عين أكيله إليه، والأعرج يأخذ من المجلس أكثر من موضع، والمريض لا يخلو من رائحة يؤذي بها، أو شيء ينجس، فنزلت الآية مبيحة لهم.
﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فيه دلالة على أن يأكل في بيته من مال عياله وزوجته، فيدخل فيها بيوت الأولاد؛ لأن بيت الولد كبيته؛ لقوله ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبيك" (١)، ولذلك لم يذكر الأولاد في الآية.
وتقدم استدلال الإمام أحمد بهذا الحديث على أن للرجل أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [الآية: ٢٦٧].
﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ وهذا فيما ليس مُحرزًا. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وقالون عن نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (بِيُوتِ) و (بِيُوتًا) و (بِيُوتِكُمْ) و (بِيُوتِهِمْ) وما جاء منه بكسر الباء حيث وقع، والباقون: بالضم (٢)، وقرأ حمزة: (إِمَّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم،
стр. 2247
والكسائي بكسر الهمزة فقط، وذلك في الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١).
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ هو بيت موكله، فله أن يأكل من زرعه وضرعه إذا احتاج، ولا يدخر، والمفاتيح: الخزائن.
﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الصديق: الذي صدقك في المودة، قال ابن عباس: "نزلت في الحارث بن عمرو، خرج غازيًا مع رسول الله ﷺ ، وخلف مالك يزيد على أهله، فلما رجع، وجده مجهودًا، فسأله عن حاله، فقال: تحرَّجْتُ أن آكل من طعامك بغير إذنك، فأنزل الله الآية" (٢).
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين، نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده حتى يجد ضيفًا يأكل معه (٣).
﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت للأكل أو غيره ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: على أهل دينكم، وقال ابن عباس: "معناه إذا دخلت المسجد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (٤) ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر؛ أي: تحيون أنفسكم تحية.
﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وصفت بالبركة والطيب؛ لما فيها من
стр. 2248
الأجر والثواب؛ لأن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ كرره ثالثًا؛ لمزيد التأكيد.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الحقَّ في الأمور.
...
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم أكد الحصر بقوله:
﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ أي: مع رسول الله ﷺ ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ نحو الجهاد والعيد والجمعة، والتشاور في أمر نزل ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم يتفرقوا ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ في الانصراف، وكان ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد رجل الخروج، وقف حيث يراه، فيأذن له إن شاء، ثم أكد ذلك بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فأفاد أن المستأذن مؤمن، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ قصدهم. قرأ أبو عمرو: (لِبَعْض شَّأْنِهِمْ) بإدغام الضاد في الشين في هذا الحرف فقط (١).
стр. 2249
﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ لا اعتراض عليك.
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ إن خرجوا بإذنك لخروجهم عنك.
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لفرطات العباد ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتيسير عليهم.
...
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا: يا محمد، ولكن فخموه، وقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع، وهذه الآية مخاطبة لجميع معاصري محمد ﷺ ، وقال ابن عباس: "معناه: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه؛ فإن دعاءه موجب، ليس كدعاء غيره" (١).
﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ أي: قد علم ﴿اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾ يخرجون واحدًا بعد واحد ﴿لِوَاذًا﴾ يلوذ بعضهم ببعض يتستر به.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ أي: يميلون ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر الله تعالى، أو أمر نبيه ﷺ ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: محنة وبلاء.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.
...
стр. 2250
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.
﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الأحوال والأعمال، المعنى: عليه محيط بجميع الأشياء.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ جميعًا، الخطاب للمنافقين على سبيل الالتفات.
قرأ يعقوب: (يَرْجِعُونَ) بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١).
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ بالمجازاة عليه.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تُنْزِلوا النساءَ الغرفَ، ولا تعلموهنَّ الكتابة، وعلموهن الغزلَ وسورة النور" (٢)، والله أعلم.
...
стр. 2251
فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
تَأليف
الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى
المُجَلَّد الخامس
اعتَنَى بِهِ
تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
نُوْرُ الدِّيْن طَالب
إصدَارات
وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
دولة قطر
стр. 2252
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2253
فَتْحُ الرَّحْمَنَ
стр. 2254
حُقُوق الطَّبع مَحفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطَبعَة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م
قامت بعمليات التنضيد الضوئي والإخراج والطباعة
دارُ النَّوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب
سوريا - دمَشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦
لبنان - بَيروت - ص. ب: ٥١٨/ ١٤
هَاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١
www.daralnawader.com
стр. 2255
سُوْرَةُ الفُرقَانِ
مكية، وآيها: سبع وسبعون آية، وحروفها: ثلاتة آلاف، وسبع مئة وثلاثة وثمانون حرفًا، وكلمها: ثماني مئة واثنتان وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ .
[١] ﴿تَبَارَكَ﴾ وزنه تفاعَلَ، ومعناه: تَعَظَّم وتقدَّس، وقيل: معناه: جاء بالبركة، فعل مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، سمي فرقانًا؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ .
﴿لِيَكُونَ﴾ العبد، أو الفرقان ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الجن والإنس ممن عاصره، أو جاء بعده ﴿نَذِيرًا﴾ محذرًا.
...
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ .
[٢] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ رَدٌّ على النصارى.
стр. 2256
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ردٌّ على قريش في قولهم: إن لله شريكًا.
﴿وَخَلَقَ﴾ أحدثَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ هيأه لما أراد منه.
...
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يعني: عبدة الأوثان.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ لا يستطيعون.
﴿لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفع ضر، ولا جلب نفع.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتة وإحياء ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ بعثًا بعد الموت، ومن كان كذلك، فكيف يعبد؟! لأن الإله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء.
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: النضر بن الحارث وأصحابه:
﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني: اليهود؛ فإنهم يلقون إليه أخبار
стр. 2257
الأمم، وهو يعبر عنه بعبارته، وقال ابن عباس: "أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس، أحدهم أبو فكيهة مولى الحضرميين، وجبر ويسار وعداس وغيرهم، كانوا بمكة، زعم الكفار أن محمدًا اختلق القرآن، وأعانوه على اختلاقه" (١).
﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يعني؛ قائلي هذه المقالة.
﴿ظُلْمًا﴾ كفرًا ﴿وَزُورًا﴾ كذبًا؛ لنسبتهم القرآن إلى غير قائله.
...
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَقَالُوا﴾ المشركون؛ القرآنُ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره المتقدمون ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد؛ أي: طلب أن تُكتب له؛ لأنه كان لا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تقرأ ﴿عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غدوةً وعشيًّا.
...
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ .
[٦] فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ الله (٢).
﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب.
стр. 2258
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأنه أعجزكم بفصاحته.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فلذلك لم يعجِّل عقوبتكم مع كمال قدرته.
...
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكافرون إنكارًا وسخرية منهم به: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ بزعمه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة. وتقدم اختلاف القراء في قوله: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وكتبت اللام في المصحف مفردة من قوله: (مَالِ هَذَا) واتباعه سنة، أما أكله الطعام، فلأنه بشر، ومشيه في الأسواق، فلقضاء حوائجه تواضعًا، ولا ينافيان الرسالة، ثم جاؤوا بحرف التحضيض فقالوا:
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ نصب جواب التحضيض.
﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يصدقه.
...
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ .
[٨] ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ أي: ينزل عليه ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء ينفقه، فيستغني عن تحصيل المعاش.
стр. 2259
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (نَأْكُلُ) بالنون؛ أي: نأكل نحن منها، وقرأ الباقون: بالياء (١)؛ أي: يأكل هو، المعنى: ليس مَلَكًا ولا مَلِكًا ولا غنيًّا، فلا نتبعه؛ لأنه دوننا.
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ الذين أشير إليهم:
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قد سُحر، فغُلب على عقله.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه بالمسحور والكاهن والشاعر وغيره ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه.
...
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ في الدنيا.
﴿خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: مما قالوا، ثم بين ذلك الخير، فقال:
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بيوتًا مشيدة. قرأ
стр. 2260
ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (وَيَجْعَلُ) برفع اللام استئنافًا، وقرأ الباقون: بجزمها عطفًا على محل (جَعَلَ) لأنه جواب الشرط (١)؛ لأن التقدير: تبارك الذي إن يَشَأْ يجعلْ، وقرأ أبو عمرو: (لَك قُّصُورًا) و (رَبُّك قَّدِيرًا) بإدغام الكاف في القاف فيهما (٢).
قال ﷺ : "عَرَضَ عليَّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبعُ يومًا، وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثًا فإذا جُعت، تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعتُ، حَمِدْتُك وشكرتك" (٣).
...
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ .
[١١] ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بل أتوا أعجب من ذلك كله، وهو تكذيب.
﴿بِالسَّاعَةِ﴾ بالقيامة، فكيف يصدقونك.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارًا ملتهبة. قرأ أبو عمرو: (بِالسَّاعَة سَّعِيرًا) بإدغام التاء في السين (٤).
стр. 2261
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: إذا قابلتهم، وصاروا بإزائها.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ هو الصوت الذي يهمهم به المغتاظ ﴿وَزَفِيرًا﴾ هو الصوت من الصدر، روي أن جهنم تزفر يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه (١).
...
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي: تضيق عليهم إذا ألقوا فيها، فيكون أشدَّ لعذابهم؛ فإن الكربَ مع الضيق، والرَّوْحَ مع السَّعة، فلذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. قرأ ابن كثير: (ضَيْقًا) بإسكان الياء مخففة، والباقون: بكسرها مشددة (٢).
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدين، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ويلًا.
...
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ .
[١٤] في الحديث: "أول من يُكسى حُلَّةً من النار إبليسُ، فيضعها على
стр. 2262
حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: واثبوره، وهم ينادون ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ثبوره، وينادون: يا ثبورهم" فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ (١) لأن عذابكم كثير لا يفنى.
﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ كعذابكم.
...
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفة النار.
﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ أي: وُعِدَها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ معدةً في علمه تعالى ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ ثوابًا ومقرًّا.
...
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من النعيم.
﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مطلوبًا يطلبه المؤمنون بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
...
стр. 2263
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكر يوم نحشرهم. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١).
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الملائكة، وعيسى، وعزير، والجن، وقيل: الأصنام.
﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى للمعبودين إثباتًا للحجة على العابدين. قرأ ابن عامر: (فَنَقُولُ) بالنون، والباقون: بالياء (٢).
﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أخطؤوا الطريق. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾، واختلافهم في الهمزتين من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾ كاختلافهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾، وكلاهما في سورة الأنبياء.
...
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نزهوا الله من أن يكون معه آلهة ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾
стр. 2264
ما يجوز ولا يستقيم ﴿لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو جعفر: (نُتَّخَذَ) بضم النون وفتح الخاء، فيكون (مِنْ أَوْلِيَاءَ) حالًا، و (مِنْ) زائدة لمكان النفي المتقدم؛ كما تقول: ما اتخذتُ زيدًا من وكيل، والمعنى: ما كان لنا أن نُعبد من دونك، ولا نستحق الولاء ولا العبادة، وقرأ الباقون: بفتح النون وكسر الخاء (١)؛ أي: ما جاز أن نواليهم ليعبدونا.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بأنواع النعم.
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا ذكر الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هَلْكى، وأصله من البور، وهو الفساد، ومنه: بوار السلعة، وهو كسادها.
...
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خطاب للكفار ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وروي عن قنبل (بِمَا يَقُولُونَ) بالغيب (٢)؛ أي: بقولهم: (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا) إلى آخره ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (تَسْتَطِيعُونَ) بالخطاب؛ يعني: للعابدين، وقرأ الباقون: بالغيب (٣)؛ يعني: للمعبودين.
стр. 2265
﴿صَرْفًا﴾ دفعًا للعذاب، وقيل: حيلة ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيعينكم عليه؛ أي: أنتم وهم عجزة عن جلب نفع، أو دفع ضر.
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يشرك ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ هي النار.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ تقديره: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلا آكلين الطعام، وماشين في الأسواق، وجاز حذفه لدلالة (مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عليه، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ابتلاء ومحنة، وهذا على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض؛ بأن يقول المريض: لو شاء الله، لجعلني مثل الصحيح، والغني فتنة للفقير، والفقيرُ الشاكر فتنة للغني، والرسولُ المخصوص بكرامة النبوة فتنةٌ لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك الحكماء وحكام العدل.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علة للجَعْل، والتوقيف بتاء (تَصْبِرُونَ) خاص للمؤمنين المحققين، فهو لأمة محمد ﷺ ؛ أي: جعلنا بعضكم لبعض فتنة؛ لنعلم أيكم يصبر على البلاء.
стр. 2266
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فيجازي كلًّا بعمله، وهو وعد للصابرين، ووعيد للعاصين.
قال ﷺ : "إذا نظر أحدُكم إلى من فُضِّلَ عليه من المال والجسم، فلينظرْ إلى مَنْ هو دونَه في المال والجسم" (١).
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث، فلا يخافون عذابنا.
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فتخبرنا أن محمدًا صادق.
﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك، وجواب القسم محذوف.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفر.
﴿وَعَتَوْا﴾ طغوا، والعتو: أشدُّ الكفر، وأفحشُ الظلم.
﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغًا أقصى مراتبه؛ لطلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.
...
стр. 2267
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم.
﴿يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ عند الموت ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكافرين، المعنى: أن الملائكة تمتنع ثَمَّ من بشرى المجرمين بالجنة، وتخصها بالمؤمنين.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: تقول الملائكة لهم: حرامًا محرمًا عليكم دخول الجنة.
...
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَقَدِمْنَا﴾ قصدنا ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي: الكفار.
﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ من الخير؛ كصدقةٍ وصلةِ رحمٍ في الدنيا.
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ هو ما يُرى من الغبار في شعاع الشمس الداخل من الكوة.
﴿مَنْثُورًا﴾ مفرقًا.
...
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم يستقرون فيها.
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ من هؤلاء المشركين.
стр. 2268
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ موضعَ القيلولة، وهو الاستكان نصفَ النهار في الحر، وإن لم يكن نوم؛ لأنه لا نوم في الجنة.
روي أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود: "ولا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يَقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار" (١).
...
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: عن الغمام، وهو الغيم الأبيض الرقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. قرأ أبو عمرو، والكوفيون: (تَشَقَّقُ) بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بالتشديد؛ أي: تتشقق، فأدغم (٢).
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ ابن كثير: (وَنُنْزِلُ) بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة، مع تخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب (الملائكةَ) مفعولًا؛ من (أَنْزَلَ) إخبارًا عن الله تعالى، وهي كذلك في المصحف المكي، وقرأ الباقون: (وَنُزِّلَ) مجهولًا بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام، ورفع (الملائكةُ) فاعلًا؛ من (نَزَلَ)، وكذلك هي في مصاحفهم (٣).
стр. 2269
﴿تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمام، روي أنه تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة بأيديهم صحائف أعمال العباد (١).
...
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: الملك حقًّا يوم القيامة هو ملك الرحمن، لا مَلِكَ يقضي غيرُه.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك اليوم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ صعبًا، وعلى المؤمنين يسيرًا.
...
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ أي: الكافر ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا على تفريطه في جنب الله تعالى، والظالم هو عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه كان أسلم، أو جنح إلى الإسلام، وكان أبي بن خلف خليلًا له، فنهاه عن الإسلام، فقبل نهيه، فنزلت الآية فيهما (٢)، فقتل عُقبة يوم بدر صبرًا (٣)، وأما أبي بن
стр. 2270
خلف، فقتله النبي الله ﷺ يوم أحد بيده (١)، روي أنه يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه، ثم يأكل هكذا، كما نبتتا (٢)، أكلهما تحسرًا.
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمد ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الجنة، وهو الإيمان. قرأ أبو عمرو: (يَا لَيْتَنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتُ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بإدغامها (٤).
стр. 2271
﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (١): (يَا وَيْلَتَى) بالإمالة، بخلاف عن الأول (٢) ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ يعنى: أُبَيَّ بنَ خلف.
﴿خَلِيلًا﴾ والخلة: هي ألَّا تكون لطمع، ولا لخوف، بل في الدين.
...
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ الإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول، وهذا آخر كلام الظالم، وهذه الآية عامة في كل متحابِّين اجتمعا على معصية الله تعالى، قال ﷺ : "المرءُ على دينِ خليله، فلينظرْ أحدُكم من يُخالل" (٣).
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ وهو كل متمرد عاتٍ من الإنس والجن ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ والخذلان: تركُ النصرة، فيتبرأ منه عند نزول العذاب والبلاء.
стр. 2272
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿وَقَالَ﴾ أي: ويقول ﴿الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ في ذلك اليوم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا.
روى أنس عن النبي ﷺ : أنه قال: "من عَلَّقَ مُصْحَفًا، ولم يتعاهَدْه، جاء يوم القيامة متعلِّقًا به يقول: يا رَبِّ! هذا اتخذني مهجورًا، اقض يا ربِّ بيني وبينه" (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والبزي عن ابن كثير، وروح عن يعقوب: (قَوْمِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ .
[٣١] ثم سلَّاه عن فعل قومه بأن أعلمه أن غيره من الرسل كذلك، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما ﴿جَعَلْنَا﴾ لك يا محمد عدوًا من المشركين، جعلنا.
﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: أعداء ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فأنت كالأنبياء في البلاء، وأنا ناصركم.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ والباء في (بِرَبِّكَ) للتأكيد، المعنى: اكتف بربك؛ فإنه ناصرك وهاديك.
стр. 2273
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ﴾ أي: أُنزل ﴿عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كالتوراة والإنجيل والزبور، قال الله تعالى:
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: نزل (١) كما أردناه ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقًا؛ ليقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه؛ لأن حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود؛ حيث كان أميًّا، وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه جملة، تَعَيَّا بحفظه، ولأن نزوله بحسب الوقائع، ومنه الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه؛ ليكون أوعى لرسول الله ﷺ ، وأيسر على العامل به. قرأ ورش عن نافع: (فُوَادَكَ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (٢).
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أنزلنا بعضه في إثر بعض، وبيناه تبيينًا.
...
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يا محمد هؤلاء الكفار ﴿بِمَثَلٍ﴾ يضربونه لك جدلًا ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ المبطل لما جاؤوا به ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بيانًا، والتفسير: هو كشف ما قد غُطِّي.
واحدًا، فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع.
﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ عبرة يتعظون بها.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ سوى ما حل بهم من عاجل العذاب.
...
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطف على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص عاصم: (وَثَمُودَ) بنصب الدال غير منون، والباقون: بالتنوين (١).
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هو بئر لم تطو بالحجارة، وكان أصحابه قوم يعبدون الأصنام، فأرسل إليهم شعيب، فكذبوه، فخسف بهم وبمنازلهم وأموالهم، وانهارت بئرهم، وقيل: كان نبيهم حنظلة بن صفوان، فقتلوه، فأهلكوا، كما تقدم تفسيره (٢) في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الآية: ٤٥] وقيل غير ذلك، وقيل: الرس: المعدن، وجمعه رساس.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: أهلكنا بين عاد وأصحاب الرس.
стр. 2276
﴿كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم (١) إلا الله.
...
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَكُلًّا﴾ من المهلَكين ﴿ضَرَبْنَا﴾ بينا ﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ البراهين على الإيمان، ولم نهلكهم من غير إنذار.
﴿وَكُلًّا﴾ منهم بعد التكذيب ﴿تَبَّرْنَا﴾ دمرنا ﴿تَتْبِيرًا﴾ وكلُّ مكسَّرٍ كزجاج أو ذهب أو فضة تبرٌ.
...
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني قريشًا مروا في متاجرهم إلى الشام.
﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: سدوم، عظمى قرى قوم لوط.
﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الرمي بالحجارة.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ فيتفكرون فيؤمنون. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّوْءِ أَفَلَمْ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ لا يخافون بعثًا، فلا يؤمنون.
...
стр. 2277
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به. قرأ حفص عن عاصم: (هُزُوًا) بفتح الواو منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز، وحمزة وخلف يسكنان الزاي (١)، نزلت في أبي جهل، كان إذا مر بأصحابه على رسول الله ﷺ ، قالوا استهزاء به:
﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ليثبت الحجة علينا.
...
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿إِنْ كَادَ﴾ محمد ﴿لَيُضِلُّنَا﴾ أي: قد قارب أن يصرفنا.
﴿عَنْ﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنَا﴾ لفرط جهاده في الدين.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لصرفنا عن عبادتها، ثم تهددهم فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا هم أم المؤمنون.
...
стр. 2278
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ .
[٤٣] ثم وبخ كل من عبد غير الله تعالى فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى حجرًا أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، وروي عن ورش: إبدالها ألفًا خالصة، وإذا أبدلها، مدّ؛ لالتقاء الساكنين مدًّا مشبعًا، وقرأ الباقون: بالهمز (١).
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ يحفظه من اتباع هواه.
****
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ ما تقول سماع طالب الإفهام ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما يعاينون من الحجج.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ بالجهل بالمنافع.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا؛ لأن الأنعام تهتدي لمراعيها، وهم على خلاف ذلك.
...
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾.
стр. 2279
[٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنعه، ومعناه: تنبيه، والرؤية هاهنا رؤية القلب.
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه؛ يعني: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه لا شمس معه، وهو أطيب الأحوال، ولذلك وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقيل: هو إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى الغروب؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ دائمًا لا شمس معه.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يبين معنى الظل ونفعه؛ لأنه لولا الشمس، لما عرف الظل، ولولا النور، لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
...
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: نسخناه بها.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: على مهل، والقبض: جمعُ المنبسطِ من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض، فإذا طلعت الشمس، قبض الله الظل جزءًا فجزءًا.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا بظلمته.
стр. 2280
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ينتشر فيه الخلق للمعاش.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (١) ﴿بُشْرًا﴾ ناشرات للسحاب، جمع نشور. قرأ ابن عامر: بالنون وضمها وإسكان الشين على التخفيف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالنون وفتحها وإسكان الشين على أنه مصدر وصف به، وقرأ عاصم: بالباء الموحدة وضمها وإسكان الشين تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وضم الشين على المعنى الأول (٢).
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدامَ المطر.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان؛ من عذوبة وملوحة، وحرارة وبرودة وغيرها.
وما تغير بمكثه، أو بطاهر لا يمكن صونه عنه؛ كالتراب والطحلب