﴿كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم (١) إلا الله.
...
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَكُلًّا﴾ من المهلَكين ﴿ضَرَبْنَا﴾ بينا ﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ البراهين على الإيمان، ولم نهلكهم من غير إنذار.
﴿وَكُلًّا﴾ منهم بعد التكذيب ﴿تَبَّرْنَا﴾ دمرنا ﴿تَتْبِيرًا﴾ وكلُّ مكسَّرٍ كزجاج أو ذهب أو فضة تبرٌ.
...
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني قريشًا مروا في متاجرهم إلى الشام.
﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: سدوم، عظمى قرى قوم لوط.
﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الرمي بالحجارة.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ فيتفكرون فيؤمنون. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّوْءِ أَفَلَمْ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ لا يخافون بعثًا، فلا يؤمنون.
...
стр. 2277
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به. قرأ حفص عن عاصم: (هُزُوًا) بفتح الواو منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز، وحمزة وخلف يسكنان الزاي (١)، نزلت في أبي جهل، كان إذا مر بأصحابه على رسول الله ﷺ ، قالوا استهزاء به:
﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ليثبت الحجة علينا.
...
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿إِنْ كَادَ﴾ محمد ﴿لَيُضِلُّنَا﴾ أي: قد قارب أن يصرفنا.
﴿عَنْ﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنَا﴾ لفرط جهاده في الدين.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لصرفنا عن عبادتها، ثم تهددهم فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا هم أم المؤمنون.
...
стр. 2278
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ .
[٤٣] ثم وبخ كل من عبد غير الله تعالى فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى حجرًا أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، وروي عن ورش: إبدالها ألفًا خالصة، وإذا أبدلها، مدّ؛ لالتقاء الساكنين مدًّا مشبعًا، وقرأ الباقون: بالهمز (١).
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ يحفظه من اتباع هواه.
****
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ ما تقول سماع طالب الإفهام ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما يعاينون من الحجج.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ بالجهل بالمنافع.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا؛ لأن الأنعام تهتدي لمراعيها، وهم على خلاف ذلك.
...
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾.
стр. 2279
[٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنعه، ومعناه: تنبيه، والرؤية هاهنا رؤية القلب.
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه؛ يعني: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه لا شمس معه، وهو أطيب الأحوال، ولذلك وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقيل: هو إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى الغروب؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ دائمًا لا شمس معه.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يبين معنى الظل ونفعه؛ لأنه لولا الشمس، لما عرف الظل، ولولا النور، لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
...
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: نسخناه بها.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: على مهل، والقبض: جمعُ المنبسطِ من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض، فإذا طلعت الشمس، قبض الله الظل جزءًا فجزءًا.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا بظلمته.
стр. 2280
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ينتشر فيه الخلق للمعاش.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (١) ﴿بُشْرًا﴾ ناشرات للسحاب، جمع نشور. قرأ ابن عامر: بالنون وضمها وإسكان الشين على التخفيف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالنون وفتحها وإسكان الشين على أنه مصدر وصف به، وقرأ عاصم: بالباء الموحدة وضمها وإسكان الشين تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وضم الشين على المعنى الأول (٢).
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدامَ المطر.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان؛ من عذوبة وملوحة، وحرارة وبرودة وغيرها.
وما تغير بمكثه، أو بطاهر لا يمكن صونه عنه؛ كالتراب والطحلب
стр. 2281
وورق الشجر ونحوها، فهو طاهر [في نفسه، مطهر لغيره، يرفع الأحداث، ويزيل الأنجاس بالاتفاق، فإن تغير عن أصل خلقته بطاهر] (١) يغلب على أجزائه مما يستغني عنه الماء غالبًا، لم يجز التطهير به عند الثلاثة، وجوز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات، ما لم تزل رقته، وقال أيضًا: بجواز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة؛ كالخل وماء الورد ونحوهما، وخالفه الثلاثة، ومحمد بن الحسن، وزفر، واتفقوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة، نجس، قل أو كثر، والماء المستعمل: وهو ما أزيل به حدث، لا يطهر الأحداث عند الثلاثة، وقال مالك: يجوز الوضوء بماء توضيء به مرة مع الكراهة، وإذا بلغ الماء قلتين، وخالطته نجاسة، فقال الشافعي وأحمد (٢): لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وقال أبو حنيفة: ينجس الماء بملاقاة النجاسة ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، وقال مالك: لا ينجس الماء بوقوع النجاسة فيه ولو كان قليلًا ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، وقدر القلتين خمس مئة رطل عراقي تقريبًا، وأربع مئة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل مصري، ومئة وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي، وتسعة وثمانون رطلًا وسبعا رطل حلبي، وثمانون رطلًا وسبعا رطل ونصف سبع رطل قدسي، ومساحتهما مربعًا ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا ومدورًا، وذراع طولًا وذراعان ونصف ذراع عمقًا، والمراد: ذراع اليد، والرطل مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو سبع القدسي وثمن
стр. 2282
سبعه، وسبع الحلبي وربع سبعه، وسبع الدمشقي ونصف سبعه، ونصف المصري وربعه وسبعه وتسعون مثقالًا.
...
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ .
[٤٩] ثم بين الحكمة في إنزال الماء فقال: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أي: بالمطر.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ قفرًا، وتذكير (ميتًا) رجع به إلى الموضع والمكان. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بكسر الياء مشددًا، والباقون: بإسكانها مخففًا (١).
﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ أي: نسقي من ذلك الماء أنعامًا مما خلقنا.
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ أي: بشرًا ﴿كَثِيرًا﴾ والأناسي: جمع إنسي، وقدمت الأرض على الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: المطر في البلاد والأوقات المختلفة, قال ابن عباس: "ما عام بأمطرَ من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض" (٢).
قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهشام: (وَلَقَد صَّرَّفْنَاهُ)
стр. 2283
بإدغام الدال في الصاد، والباقون: بالإظهار (١).
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بإسكان الذال وضم الكاف مع تخفيفها، وقرأ الباقون: بفتح الذال والكاف مع تشديدهما، وهما لغتان (٢)؛ أي: يتفكروا في نعم الله.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا، وهو قولهم: مُطرنا بنَوْء كذا وكذا.
...
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ رسولًا، ولقسمنا النُّذرَ بينهم كما قسمنا المطر؛ لنخفف عليك أعباء النبوة، ولكنَّا حمَّلناك ثقلَ نِذارة جميع القرى؛ لتستوجب بذلك الدرجة الرفيعة، ويعظم أجرك.
...
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فيما ندبوك إليه من عبادة آلهتهم ومداهنتهم.
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور.
стр. 2284
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلطهما، وأفاض أحدهما في الآخر في مرأى العيون، وبينهما حاجز من قدرة الله .
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ شديد العذوبة، قامع للعطش.
﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ حاجزًا من قدرته.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ منعًا ممنوعًا عن الإدراك؛ لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، أو المراد بالبحر العذب: النهر العظيم؛ مثل النيل، وبالبحر المالح: البحر الكبير، وبالبرزخ: ما يحول بينهما من الأرض.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: المعني ﴿بَشَرًا﴾ إنسانًا.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ أي: ذكورًا ينسب إليهم.
﴿وَصِهْرًا﴾ أي: إناثًا يصاهر بهن.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (وكان) هي التي للدوام قبل وبعد، لا أنها تعمل (١)
стр. 2285
مضيًّا فقط. وتقدم في السورة مذهب أبي عمرو في إدغام الكاف في القاف من قوله (رَبُّك قَّدِيرًا).
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: هؤلاء المشركين.
﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوا ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادته.
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ معينًا للشيطان على ربه بالمعاصي.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين.
...
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الوحي.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ فتقولوا: إنما يطلب محمد ﷺ أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لا لطلب أموالكم جعلًا لنفسي، لكن من شاء إنفاقها لوجه الله تعالى، فلا أمنعه. واختلاف القراء في الهمزتين من (شَاءَ أَنْ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ) في سورة الحج.
стр. 2286
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ لأنه حقيق أن يتوكل عليه دون غيره.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ صلِّ له شكرًا، ونَزِّهه عن صفات النقصان، قال ﷺ : "من قالَ في كل يوم: سبحانَ اللهِ وبحمدِه مئةَ مرةٍ، غُفرت ذنوبه، ولو كانت مثلَ زبدِ البحر" (١).
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظهر منها وما بطن.
﴿خَبِيرًا﴾ مطلعًا، وهذا توعُّد.
...
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدتهما؛ لأنه لم يكن ثَم شمس ولا قمر.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيف. وتقدم الكلام عليه في سورة طه.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي: عنه، والفاء زائدة ﴿خَبِيرًا﴾ مفعول (سَلْ)؛ أي: سل رجلًا خبيرًا به وبرحمته، يخبرك،
стр. 2287
والمراد: جبريل، والعلماء، وأهل الكتب المنزلة. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
...
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ما نعرف الرحمن؛ لأن قريشًا كانت لا تعرف هذا في أسماء الله تعالى، وكان مسيلمة الكذاب تَسَمَّى برحمن اليمامة، فغالطت قريش بذلك وقالت: إن محمدًا يأمر بعبادة رحمن اليمامة (٢).
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي: (يَأْمُرُنَا) بالغيب إخبارًا عن النبي ﷺ ، وقرأ الباقون: بالخطاب له ﷺ (٣).
стр. 2288
﴿وَزَادَهُمْ﴾ الأمر بالسجود ﴿نُفُورًا﴾ تباعدًا عن الإيمان، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم، فمن جهل وجود الرب سبحانه، أو علم وجوده، وفعل فعلًا، أو قال قولًا (١) لا يصدر إلا من كافر، فكافر بالاتفاق، ونافي الإسلام مخطيء آثم كافر عند أئمة الإسلام بغير خلاف.
...
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة، سميت بالبروج المقصور؛ لأنها لها كالقصور لسكانها، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع، فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة [هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة] (٢) مائية.
стр. 2289
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم السين وفتح الراء من غير ألف على الجمع؛ يعني: النجوم، وقرأ الباقون: بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على الإفراد؛ يعني: الشمس (١).
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئًا بالليل.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف هذا هذا، وما نقص من أحدهما زاد في الآخر.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قرأ حمزة وخلف: (يَذْكُرَ) بتخفيف الذال مسكنة وتخفيف الكاف مضمومة؛ من الذكر، وقرأ الباقون: بتشديدهما مفتوحتين؛ من التذكير (٢).
﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما.
...
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأ، خبره:
стр. 2290
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ رويدًا بالسكينة والوقار.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ بما يكرهون.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم.
...
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ على وجوههم ﴿وَقِيَامًا﴾ على أقدامهم، يقال: بات لمن دخل عليه الليل وإن لم ينم، قال ابن عباس: "من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا" (١) وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أبعد من الرياء.
...
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ .
[٦٥] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ دائمًا لازمًا كلزوم الغريم الغريم.
...
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أي: بئس موضع قرار وإقامة (٢).
...
стр. 2291
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يجاوزوا الحد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يضيقوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (يُقْتِرُوا) بضم الياء وكسر التاء؛ من (أقتر)، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يَقْتِرُوا) (١) بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون: بفتح الياء وضم التاء مستقبل (قتر) مخففًا، وكلها لغات صحيحة (٢)، وقال ابن عباس: "الإسراف: النفقة في المعصية، والإقتار: منع حق الله تعالى" (٣).
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ عدلًا بين الشيئين، وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ الآية، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: خيرُ الأمورِ أوسطُها (٤).
стр. 2292
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادة الأوثان.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها (١) ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لا يفعلون كالمشركين بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ كالجاهلية الذين كان عندهم الزنا مباحًا.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: شيئًا من هذه الأفعال ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: جزاء إثم، وهي العقوبة. قرأ الليث عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال حيث وقع، وأظهرها الباقون (٢).
...
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ .
[٦٩] ﴿يُضَاعَفْ﴾ أي: يتزايد ﴿لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أي: يهان دائمًا في العذاب. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب: (يُضَعَّفْ) بالتشديد مع حذف الألف، وجزم الفاء، والدال من (يَخْلُدْ) على جواب الشرط، وقرأ ابن عامر: بالتشديد مع حذف الألف كما تقدم، ورفع الفاء والدال على الابتداء، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بإثبات الألف بعد
стр. 2293
الضاد والتخفيف ورفع الفاء والدال كابن عامر، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف وجزم الفاء والدال (١)، وقرأ ابن كثير وحفص: (فِيهِ مُهَانًا) بإشباع كسرة الهاء وصلتها بياء في الوصل (٢).
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ .
[٧٠] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته بينه وبين ربه ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فبدلوا بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل الكافرين، وبالزنا عفة وإحصانًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعفو عن السيئات، ويثيب على الحسنات.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ عن المعاصي ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يتلافى به ما فرط (٣).
﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾ يرجع إليه ﴿مَتَابًا﴾ مرضيًّا، أي: من أراد حقيقة التوبة، فليرد بها الله.
стр. 2294
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة، ولا يحضرون محاضر الكذب، ومن أعظم الزور الشركُ بالله تعالى، وتقدم حكم تعزير شاهد الزور في سورة الحج ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يشمل المعاصي كلها، وكلَّ سقط من فعل أو قول.
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أي: معرضين.
...
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعظوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآن.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يقيموا عليها غير واعين لها، بل أكبوا عليها حرصًا على استماعها.
...
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ .
[٧٤] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (وَذُرِّيَّاتِنا) بالألف جمعًا؛ حملًا على المعنى؛ لأن لكل واحد منهم ذرية، وقرأ الباقون: بغير ألف على الإفراد إرادة الجنس (١).
стр. 2295
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أولادًا أبرارًا أتقياء، فتقر أعيننا بذلك، مأخوذ من القرور، وهو الماء البارد؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: صالحين لاقتداء المتقين بنا.
...
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ وهي كل بناء مرتفع، والمراد: أعلى منازل الجنة.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بصبرهم على أذى المشركين، والمكروهات، وعن الشهوات.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ يستقبلون في الغرفة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بفتح الياء وإسكان اللام وتخفيف القاف؛ من (لقَي)، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف (١).
﴿تَحِيَّةً﴾ ملكًا، وقيل: بقاءً دائمًا في الجنة.
﴿وَسَلَامًا﴾ سلامة من الآفات.
...
стр. 2296
﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال ﴿حَسُنَتْ﴾ أي: الغرفة.
﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ موضعَ قرار وإقامة.
...
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ ما يبالي بمغفرتكم.
﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ معه آلهة، وقيل: معناه: ليس يثقل عليه عذابكم لولا دعاؤكم إياه بالتوحيد والطاعة.
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يا أهل مكة بما أخبرتكم به؛ حيث خالفتموه.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ أي: العذاب ﴿لِزَامًا﴾ أي: لازمًا يحيط بكم لا محالة، وهذا تهديد لهم، واختلفوا فيه، فقال قوم منهم عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: هو يوم بدر، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وقال آخرون: هو عذاب الآخرة، والله سبحانه أعلم.
***
стр. 2297
سُوْرَةُ الشُّعَراءِ
مكية في قول الجمهور، وقال مجاهد: فيها مدني قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الآية: ١ ٩٧]، وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ إلى آخرها. آيها: مئتان وسبع وعشرون آية، وحروفها: خمسة آلاف وخمس مئة واثنان وأربعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئتان وسبع وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم (١)﴾.
[١] ﴿طسم (١)﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإمالة الطاء هنا، والنمل، والقصص، وقرأ الباقون: بفتحها، وأظهر أبو جعفر، وحمزة (١) نون (سين) عند الميم هنا، وفي القصص؛ للتبيين والتمكين، وأدغم الباقون النون في الميم لمجاورتها حروف الفم، وأبو جعفر يقطع الحروف على أصله (٢)، وتقدم الكلام في الخلاف في
стр. 2298
حروف الهجاء أول سورة البقرة، ونُبِّه عليه أول سورة مريم.
روي عن ابن عباس قال: "طسم عجزت العلماء عن تفسيرها" (١).
وقيل: هو قسم معناه: أقسم بطَوْلي وسناي وملكي، وهو اسم من أسماء الله تعالى.
...
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ .
[٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرآن الظاهرَ إعجازُه وصحته.
...
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلُها غمًّا ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إن لم يؤمنوا، وهذا تسلية للنبي ﷺ لما كان فيه من القلق والحرص على إيمانهم، وخوطب بـ (لعل) على ما في نفس البشر من توقع الهلاك في مثل تلك الحال، ومعنى الآية: لا تهتم يا محمد بهم، وبلغ رسالتك، وما عليك من إيمانهم، فإن ذلك بيد الله، لو شاء لآمنوا.
...
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ دلالةً تُلجئهم إلى الإيمان.
стр. 2299
﴿فَظَلَّتْ﴾ أي: فتظل ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ رقابهم ﴿لَهَا خَاضِعِينَ﴾ يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله تعالى. واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) كاختلافهم فيهما من قوله (١): (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء.
وقوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ ولم يقل: خاضعة، وهي صفة الأعناق؛ لأنه لما وصفت الأعناق بالخضوع، وهي صفة من يعقل، أجريت مجرى العقلاء، وقيل: المراد بالأعناق: الرؤساء والكبراء، وقيل غير ذلك.
...
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ في الوحي والتنزيل، وهو القرآن، المعنى: ما يأتيهم من شيء من القرآن.
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ﴾ وعن الإيمان به.
﴿مُعْرِضِينَ﴾ إصرارًا على ما كانوا عليه.
...
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ محمدًا ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ أخبار.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهو وعيد لهم.
...
стр. 2300
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ .
[٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف.
﴿كَرِيمٍ﴾ حسن نافع من النبات مما يأكل الناس والأنعام.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لَآيَةً﴾ على توحيدي وكمال قدرتي.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: سبق علمي فيهم أنهم لا يؤمنون.
...
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالانتقام من الكفرة ﴿الرَّحِيمُ﴾ للمؤمنين.
...
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ ﴿نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ حين رأى الشجرة والنار ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وتعذيبهم.
...
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ .
[١١] يعني: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عقابَ الله بطاعته.
***
стр. 2301
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم إياي.
﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ للعقدة التي به.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ليؤازرني، ويظاهرني على تبليغ الرسالة.
...
﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي: تَبِعة، وهو قتله القبطي ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به. قرأ أبو عمرو: (قَال رَّبِّ) بإدغام اللام في الراء، وروي عن رويس، وروح، وغيرهما، وجميع رواة يعقوب: إدغام كل ما أدغمه أبو عمرو من حروف المعجم من المثلين والمتقاربين، وقرأ الباقون: بالإظهار (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ يعقوب: (وَيَضِيقَ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقَ) بنصب
стр. 2302
القاف فيهما على معنى: وأن يضيق، وقرأ الباقون: بالرفع فيهما ردًّا على قوله: (إِنِّي أَخَافُ) وأثبت يعقوب الياء من (١) (يُكَذِّبُوبي) و (يَقْتُلُونِي)، وحذفها الباقون (٢). ولم يطلب موسى هارون توقفًا في امتثال الأمر، بل حرصًا على تبليغ الرسالة؛ لاحتمال عوارض تصد عنها.
...
﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ ردع عن الخوف ﴿فَاذْهَبَا﴾ أنت وهارون ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون، فأنصركم عليه، وذكر (مَعَكُمْ) بلفظ الجمع، وهما اثنان أجراهما مجرى الجماعة، أو أراد: معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون.
...
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: رسولا رب العالمين؛ لأن موسى كان الأصل، وهارون تابعه.
...
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى الشام، ولا تستعبدهم.
стр. 2303
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾ .
[١٨] وكان فرعون استعبدهم أربع مئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ست مئة ألف وثلاثين ألفًا، فانطلق موسى إلى مصر، وهارونُ بها، فأخبره بذلك، وذهبا إلى باب فرعون ليلًا، ودقا الباب، ففزع البوابون وقالوا: من بالباب؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون، فقال (١): إن مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فتركه حتى أصبح، ثم دعاهما فدخلا عليه، وأديا رسالة الله ، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته، فثم قال له: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ صبيًّا صغيرًا.
﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ وهي ثلاثون سنة (٢). قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (٣): (لَبِثتَّ) بإدغام الثاء في التاء، وكذلك (لَبثتُّمْ) كيف جاء، وأظهرها الباقون (٤).
...
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتل القبطي.
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي.
стр. 2304
﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي: فعلت ما فعلت حينئذ.
﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله.
...
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ إلى مدين.
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي: نبوة.
﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ درجة ثانية للنبوة، فرب نبي ليس برسول، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الحج.
...
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ثم حاجه ﵇ في مَنِّه عليه بالتربية وترك القتل، فقال: ﴿وَتِلْكَ﴾ أي: التربية.
﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يريد: كيف تمنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ فتعبيدُك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي.
...
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أيُّ شيء الذي تزعم أنك رسوله؟
стр. 2305
﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿قَالَ﴾ موسى:
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خالقهما، فآمِنوا.
...
﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] فتحير فرعون في جوابه، فثم ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه، وكانوا خمس مئة رجل؛ استبعادًا لقول موسى:
﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ جوابه، سألته عن حقيقته، وهو يذكر أفعاله.
...
﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿قَالَ﴾ موسى زيادة في البيان:
﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فعلم فرعون أنه محجوج، فنسبه إلى الجنون.
...
﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يتكلم بكلام لا نعقله، ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل.
***
стр. 2306
﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] فزاد موسى في البيان: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من النيرات والموجودات.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتستدلون بما أقول، فتعرفون ربكم.
...
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فلما لزمت فرعونَ الحجةُ، وانقطع عن الجواب ﴿قَالَ﴾ تكبرًا عن الحق:
﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ عدولًا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع، وهكذا دَيْدَنُ المعاند المحجوج. قرأ أبو عمرو: (قَال لَّئِنِ) بإدغام اللام في اللام، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتَ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١).
...
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ الواو للحال دخلت عليها همزة الإنكار؛ أي: أتفعل ذلك ولو جئتك ﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ برهان واضح يبين صدق دعواي.
стр. 2307
﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ فإنا لا نسجنك حينئذ.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أن لك بينة.
...
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ حية عظيمة، روي أنها ارتفعت قدر ميل، ثم انحطت إلى فرعون وهي تقول: مرني يا موسى بما شئت، وفرعون يقول: بالذي أرسلَكَ إلا أخذْتَها فعادت عصا (١).
...
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
[٣٣] فقال فرعون: هل غيرها؟ قال: نعم ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ ذات نور ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ لها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق.
...
﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر.
стр. 2308
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أغراهم به في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ ثم استشارهم في أمره.
...
﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملأ: ﴿أَرْجِهْ﴾ أخره ﴿وَأَخَاهُ﴾ المعنى: اترك التعرض له بالقتل. قرأ ابن كثير، وهشام عن ابن عامر: (أَرْجِئْهُو) بالهمز وضم الهاء ووصلها بواو، وابن ذكوان عن ابن عامر: بالهمز، ويكسر الهاء ولا يصلها بياء، وأبو عمرو، ويعقوب: بالهمز والضم من غير صلة، والباقون: بغير همز، ثم نافع برواية ورش، والكسائي، وخلف: يشبعون الهاء كسرًا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون، وتقدم ذكر ذلك في حرف الأعراف [الآية: ١١١].
﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ﴾ هي مدائن الصعيد من نواحي مصر.
﴿حَاشِرِينَ﴾ جماعة يحشرون الناس؛ أي: يجمعونهم، وهم الشُّرَط.
...
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ يفضلون عليه في هذا الفن. واتفق القراء على هذا الحرف أنه (سحَّار) على وزن فعَّال بتشديد الحاء وألف بعدها؛ لأنه جواب لقول فرعون فيما استشارهم فيه من أمر موسى بعد قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، فأجابوه بما هو أبلغ من قوله؛ رعاية
стр. 2309
لمراده؛ بخلاف التي في الأعراف؛ فإن ذلك جواب لقولهم، فتناسب اللفظان، وأما التي في يونس، فهي أيضًا جواب من فرعون لهم؛ حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الآية: ٧٦] فرفع مقامه على المبالغة، والله أعلم.
قرأ أبو عمرو، والكسائي من رواية الدوري: (سَحَّارٍ) بالإمالة أيضًا (١)، واختلف عن ابن ذكوان، وروي عن ورش وحمزة (٢): الإمالة بين بين، وقرأ الباقون: بالفتح (٣).
...
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يوم الزينة، وهو عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة، قال ابن عباس: "وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز" (٤).
...
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ حث للناس على الاجتماع.
...
стр. 2310
﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿لَعَلَّنَا﴾ لكي ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ أي: تجعل لنا جعلًا.
﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (أَيِنَّ) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين؛ أي: بين الهمزة والياء، وفصل بين الهمزتين بألف: أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون، واختلف عن هشام، وقرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين (١).
...
﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وعدهم فرعون بالإحسان إليهم بشرط غلبة موسى. قرأ الكسائي: (نَعِمْ) بكسر العين، والباقون: بنصبها (٢).
...
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ وإنما يدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم.
...
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
...
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ قال عكرمة: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (١)، فالمغرور من اعتمد على شيء من أعماله وأقواله وأحواله.
...
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تقدم تفسير نظيرها، واختلاف القراء في الهمزتين في سورة طه.
стр. 2313
﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا بما تصنع بنا. قرأ حمزة: (لاَ ضَيْرَ) بالمد؛ بحيث لا يبلغ الإشباع (١) ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ فيثيبنا.
...
﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا﴾ أي: لأن كنا.
﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا.
...
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا؛ كان سرى (٢) يسري (٣)، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمز؛ لبيان الهمز وتحقيقه (٤) ﴿بِعِبَادِي﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (بِعِبَادِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٥).
стр. 2314
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وقومه؛ ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر، فسر بهم، حتى إذا اتبعكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم؛ بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم البحر، بل يكونون على إثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم.
...
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حين أخبر بسراهم.
﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ أي: جامعين الناس.
...
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ أي: طائفة.
﴿قَلِيلُونَ﴾ ومنه: ثوب شراذم؛ أي: بالٍ منقطع، وكانت الشرذمة ست مئة وسبعين ألفًا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.
...
﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ مغضِبون، والغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه.
...
стр. 2315
﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن ذكوان عن ابن عامر: (حَاذِرُونَ) بألف بعد الحاء؛ أي: تامُّو الأسلحة، وقرأ الباقون: بحذف الألف؛ أي: متيقظون (١).
...
﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كانت ممتدة على حافتي النيل.
﴿وَعُيُونٍ﴾ من الماء. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر (٢)، وابن ذكوان: (وَعِيُونٍ) بكسر العين حيث وقع، والباقون: بضمها (٣).
...
﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَكُنُوزٍ﴾ وهي أموالهم الظاهرة من الذهب والفضة، سميت كنوزًا؛ لأنها لم يُعط منها حقُّ الله تعالى.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: المنازل الحسنة والمجالس البهية.
...