﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ وإنما يدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم.
...
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
...
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ قال عكرمة: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (١)، فالمغرور من اعتمد على شيء من أعماله وأقواله وأحواله.
...
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تقدم تفسير نظيرها، واختلاف القراء في الهمزتين في سورة طه.
стр. 2313
﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا بما تصنع بنا. قرأ حمزة: (لاَ ضَيْرَ) بالمد؛ بحيث لا يبلغ الإشباع (١) ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ فيثيبنا.
...
﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا﴾ أي: لأن كنا.
﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا.
...
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا؛ كان سرى (٢) يسري (٣)، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمز؛ لبيان الهمز وتحقيقه (٤) ﴿بِعِبَادِي﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (بِعِبَادِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٥).
стр. 2314
﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وقومه؛ ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر، فسر بهم، حتى إذا اتبعكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم؛ بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم البحر، بل يكونون على إثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم.
...
﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حين أخبر بسراهم.
﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ أي: جامعين الناس.
...
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ أي: طائفة.
﴿قَلِيلُونَ﴾ ومنه: ثوب شراذم؛ أي: بالٍ منقطع، وكانت الشرذمة ست مئة وسبعين ألفًا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون.
...
﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ مغضِبون، والغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه.
...
стр. 2315
﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن ذكوان عن ابن عامر: (حَاذِرُونَ) بألف بعد الحاء؛ أي: تامُّو الأسلحة، وقرأ الباقون: بحذف الألف؛ أي: متيقظون (١).
...
﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كانت ممتدة على حافتي النيل.
﴿وَعُيُونٍ﴾ من الماء. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر (٢)، وابن ذكوان: (وَعِيُونٍ) بكسر العين حيث وقع، والباقون: بضمها (٣).
...
﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَكُنُوزٍ﴾ وهي أموالهم الظاهرة من الذهب والفضة، سميت كنوزًا؛ لأنها لم يُعط منها حقُّ الله تعالى.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: المنازل الحسنة والمجالس البهية.
...
стр. 2316
﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ بهلاكهم.
﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وذلك أن الله تعالى ردهم إلى مصر بعد غرق فرعون وقومه، وخولهم في أموالهم ومساكنهم.
...
﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ أي: لحقوهم القبط.
﴿مُشْرِقِينَ﴾ عند شروق الشمس وإضاءتها.
...
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: رأى كل الآخر. قرأ حمزة، وخلف: (تَرَاءَى) بإمالة فتحة الراء حالة الوصل، وأما إذا وقفا، أمالا الراء والهمزة جميعًا، ومعهما الكسائي في الهمزة فقط، وأما ورش: على أصله فيهما بين بين؛ بخلاف عنه (١).
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ سيدركنا قوم فرعون، ولا طاقة لنا بهم.
...
стр. 2317
﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿قَالَ﴾ موسى ثقةً بوعد الله إياه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ طريق النجاة. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء (١)، وقرأ يعقوب: (سَيَهْدِينِي) بإثبات الياء (٢).
...
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ ولما وصل موسى إلى البحر، جاء بموج كالجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله! أين أمرت؟ فقال: هاهنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه اللج، فارتسب في البحر، وأراد بقيتهم أن يفعلوا مثله فلم يقدروا (٣) ﴿فَانْفَلَقَ﴾ ماء البحر بعد أن ضربه، فانشق اثني عشر طريقًا لاثني عشر سبطًا.
﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: كل جزء من البحر ﴿كَالطَّوْدِ﴾ أي: الجبل.
﴿الْعَظِيمِ﴾ وهو بحر القلزم، وتقدم ذكره ومحله في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، وروي (٤) أن
стр. 2318
موسى ﵇ قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء (١).
...
﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قَرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾ حيث انفلق البحر.
﴿الْآخَرِينَ﴾ هم القبط، جمعناهم في البحر حتى غرقوا.
...
﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)﴾ .
[٦٥] ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ من الغرق.
...
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ يعني: فرعون وقومه.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: إهلاك القبط ﴿لَآيَةً﴾ عبرة للمعتبرين.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: المصريين ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: لم يكن فيهم
стр. 2319
مؤمن إلا آسية امرأة فرعون، وحزبيل المؤمن، ومريم بنت ناموسا التي دلت على عظام يوسف ﵇.
...
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه.
﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم.
...
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ .
[٦٩] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على مشركي العرب.
﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية (١).
...
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾ .
[٧٠] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ استفهام بمعنى التقرير.
...
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾ .
[٧١] ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ والصنم: ما كان على صورة ابن آدم من حجر أو غيره.
стр. 2320
﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ أي: نقيم على عبادتها، ويظل: عرفُها: فعلُ الشيء نهارًا، وباتَ: عرفُها في فعله ليلًا، وطفق: غاية للوجهين، ولكن قد تجيء يظل بمعنى العموم، وهذا الموضع من ذلك، والعكوف: اللزوم، ومنه: المعتكف.
...
﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)﴾ .
[٧٢] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم.
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أي: يسمعون دعاءكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾.
...
﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾ .
[٧٣] ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إن عبدتموهم ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ إن تركتم عبادتهم.
...
﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾ .
[٧٤] فلما عجزوا عن الجواب ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقلدناهم.
...
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾.
***
стр. 2321
﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: أصنامكم ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ أي: أعداء، ووحَّده على معنى: أن كل معبود لكم عدو لي، وقوله: (عَدُوٌّ لِي) دون (لكم) زيادة نصح وتأدب؛ ليكون أعطف لقلوبهم، وأسرع لها إلى إيمانهم.
﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع؛ كأنه قال: فإنهم عدو لي، لكن رب العالمين وليي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (عَدُوٌّ لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ثم وصف معبوده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ مبتدأ، خبره:
﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى إصلاح الدارين.
...
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ تعديد للنعمة في الرزق.
...
стр. 2322
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ .
[٨٠] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ من مرضي، وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله ، وهذا أحسن الأدب في العبارة، والكل من عند الله؛ كالخضر حين قال في العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وفي الخير: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] .
...
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾ .
[٨١] ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أدخل (ثم) هنا للتراخي؛ أي: يميتني في الدنيا، ثم يحييني في الآخرة. قرأ يعقوب: (يَهْدِينِي) (يَسْقِيني) (يَشْفِينِي) (يُحْيِينِي) بإثبات الياء في الأربعة في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (١).
...
﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: خطاياي يوم الجزاء، وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنياء: ٦٣]، وقوله لسارة: هذه أختي، وقوله للكوكب (٢): ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وعلق المغفرة بيوم الدين، وإن
стр. 2323
وجدت هنا؛ لأن فائدتها ثَمَّ تظهر، وأصل الطمع: نزوعُ النفس إلى الشيء شهوةً، وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال.
...
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ .
[٨٣] ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ نبوة.
﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ بآبائي المرسلين.
...
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ .
[٨٤] ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأمم بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه.
...
﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ .
[٨٥] ﴿وَاجْعَلْنِي﴾ وارثًا ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة، وتقدم معنى الوراثة فيها (١) في أول سورة المؤمنون.
...
﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾ .
[٨٦] ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ وقال هذا قبل أن يتبين له أنه
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾ .
[٩٦] ﴿قَالُوا﴾ أي: الداخلون فيها.
﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يخاصم بعض بعضًا.
...
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ .
[٩٧] ويقول العابدون للمعبودين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
...
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ .
[٩٨] ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ نعدلكم في العبادة ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فنعبدكم.
...
﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾ .
[٩٩] ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: رؤساؤهم الذين اقتدوا بهم؛ كإبليس والشياطين وقابيل؛ لأنه أول من سن القتل، وعمل بالمعاصي.
...
﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ .
[١٠٠] فثم تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون في أصدقائهم، فيقول المشركون تأسفًا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ أي: من يشفع لنا؟
***
стр. 2327
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ .
[١٠١] ﴿وَلَا صَدِيقٍ﴾ هو من صدقك مودته ﴿حَمِيمٍ﴾ قريب خاص، وحامَةُ الرجل: خاصته، قال ﷺ : "إن الرجل ليقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقُه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة" (١)، قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين؛ فإن لهم شفاعة يوم القيامة (٢).
...
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾ .
[١٠٢] فلما أيسوا من الشفاعة قالوا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: فنؤمن؛ ليشفع لنا، و (لو) هنا بمعنى ليت.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ .
[١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من قصة إبراهيم.
﴿لَآيَةً﴾ عظة لمن يعتبر بها.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به.
...
стр. 2328
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ .
[١٠٤] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال.
...
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ .
[١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ القوم مؤنثة من حيث الـ (قوم): الأمة والجماعة، ولذلك تصغر على قويمة، وجمع (المرسلين)، وإن كانوا واحدًا؛ لأن من كذب رسولًا واحدًا، فقد كذب جميع المرسلين.
...
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ .
[١٠٦] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في النسب، لا في الدين.
﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله، فتتركوا عبادة غيره؟!
...
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾ .
[١٠٧] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ على الوحي.
...
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ .
[١٠٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان.
***
стр. 2329
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ .
[١٠٩] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الدعاء والنصح.
﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ يعقوب: (وَأَطِيعُوني) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١)، وكذلك في الأحرف السبعة بعد، وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: (أَجْرِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وكذلك في الأحرف الأربعة بعد.
...
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾ .
[١١٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كرره تأكيدًا.
...
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ .
[١١١] ﴿قَالُوا﴾ إنكارًا عليه: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ أي: وقد اتبعك ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع الأرذل؛ يعني: السفلة، سموا بذلك؛ لاتضاع حِرفهم؛ كالحجامة والحياكة، وهذا لا يضر بالديانات، فكأنهم قالوا: إنما آمنوا لحقارتهم. قرأ يعقوب: (وَأَتْبَاعُكَ) بقطع الهمزة وإسكان التاء مخففة وضم
стр. 2330
العين وألف قبلها على الجمع، وقرأ الباقون: بوصل الهمزة وتشديد التاء مفتوحة وفتح العين من غير ألف (١).
...
﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾ .
[١١٢] ﴿قَالَ﴾ نوح: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المراد: انتفاء عليه بإخلاص أعمالهم، واطلاعه على سرائرهم.
...
﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ .
[١١٣] ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ ما جزاؤهم.
﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لما عبدتموهم.
...
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ .
[١١٤] ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم، وتوقيف إيمانهم عليه.
...
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾ .
[١١٥] ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: وما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا أعزاء أو أذلاء. قرأ قالون عن
وغيره؛ تفضيلًا لها ﴿طَلْعُهَا﴾ هو ما يطلع من النخلة في جوفه شماريخ القنو.
﴿هَضِيمٌ﴾ لطيف لين، ويوصف بهضيم ما دام في كُفَرَّاه، والكُفَرُّ -بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء-: كم النخل؛ لأنه يستر في جوفه.
...
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ .
[١٤٩] ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر: (فَارِهِينَ) بألف بعد الفاء؛ أي: حاذقين، وقرأ الباقون: بغير ألف؛ أي: بَطرين.
...
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾ .
[١٥٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فإن في طاعتي طاعةَ الله تعالى.
...
﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١)﴾ .
[١٥١] ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين.
...
﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ .
[١٥٢] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالمعاصي والكفر (١).
стр. 2339
﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله فيما أمرهم به.
...
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾ .
[١٥٣] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ المسحر: الذي سُحِر كثيرًا حتى غلب على عقله.
...
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ .
[١٥٤] ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكل الطعام، وتشرب الشراب، ولست بملك.
﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ على صحة ما تقول.
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنك رسول الله إلينا.
...
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ .
[١٥٥] ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ أي: بعد ما أخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها.
﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ نصيب من الماء ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فاقتصروا على شربكم، فكانت تشرب جميع الماء يومًا، ويشربون يومًا (١). فيه دليل على جواز قسمة المنافع بالمهايأة؛ لأن قوله: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ﴾ من
стр. 2340
المهايأة، واختلفوا في حكم المهايأة، فقال أبو حنيفة: يجبر عليها الممتنع إذا لم يكن الطالب متعنتًا، وقال الثلاثة: هي جائزة بالتراضي، ولا إجبار فيها.
...
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾ .
[١٥٦] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ كضرب وعقر.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عظم اليوم لعظم ما يحل فيه.
...
﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧)﴾ .
[١٥٧] روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فاستؤذن صغارهم وكبارهم، فرضوا (١) ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أسند العقر إلى كلهم؛ لأنهم رضوا بذلك، فأُخذوا جميعًا ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ على عقرها؛ خوفًا من نزول العذاب، لا ندمَ توبة.
...
﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨)﴾ .
[١٥٨] ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ .
[١٦٥] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من جميع الناس، عبر عن الفاحشة بالإتيان؛ كما عبر به عن الحلال في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، المعنى: أتطؤون الذكور من الناس، مع كثرة إناثهم؟!
...
﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ .
[١٦٦] ﴿وَتَذَرُونَ﴾ وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لأجل استمتاعكم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ متجاوزون الحلال إلى الحرام.
...
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ .
[١٦٧] ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾ عن إنكارك علينا.
﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من قريتنا.
...
﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ .
[١٦٨] ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين.
***
стр. 2343
﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ .
[١٦٩] ثم دعا فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من العمل الخبيث؛ أي: من شؤمه وعذابه.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ .
[١٧٠] ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ فعصمناه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ من العذاب ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ .
[١٧١] ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ هي امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، تقديره: إلا عجوزًا مقدَّرًا غبورها أهلكناها؛ لأنها كانت معينة على الفاحشة، راضية بها، والاستثناء من الأهل؛ لأن الزوجة منهم.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢)﴾ .
[١٧٢] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ .
[١٧٣] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على شُذَّاذهم ومسافريهم ﴿مَطَرًا﴾ حجارة.
﴿فَسَاءَ﴾ أي: فقبح ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرُهم.
***
стр. 2344
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)﴾ .
[١٧٤] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
...
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾ .
[١٧٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
...
﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾ .
[١٧٦] ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر: (لَيْكَةَ) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها، ولا همزة بعدها، وبفتح تاء التأنيث في الوصل مثل طلحةَ، وكذلك رسم في جميع المصاحف، وقرأ الباقون: بألف الوصل مع إسكان اللام وهمزة مفتوحة بعدها وخفض تاء التأنيث، وحمزة: على أصله يقف على الساكن قبل الهمز، وورش: ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحمزة: له النقل إذا وقف بخلاف عنه؛ فـ (أَيْكَة) اسم نكرة لشجر كثير ملتفّ، ثم دخله التعريف، و (لَيْكَة) أيضًا غير مصروف؛ لتعريفه وتأنيثه: اسم علم لبلد، أو شجر (١)، وتقدم ذكر الأيكة ومحلها في سورة الأعراف، فمن قرأ: (الأَيْكَةِ) أراد: الشجر، ومن قرأ: (لَيْكَة) أراد: البلد كما تقول فيمن صرف ثمود
стр. 2345
أراد: الأب، ومن لم يصرفه أراد: القبيلة، وكذلك اختلافهم في سورة (ص)، وأجمعوا على الألف واللام وجر التاء في (الحجر)، و (ق) لإجماع المصاحف على ذلك.
...
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾ .
[١٧٧] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ وإنما لم يقل في شعيب: أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، وإنما أُرسل إليهم بعد مدين، وكان من أصحاب مدين، فلما ذكر مدين، قال: أخاهم شعيبًا في سورتي الأعراف، وهود، وفي الحديث: "إن شعيبًا أخا مدين أُرسل إلى أصحاب مدينَ، وإلى أصحابِ الأيكةِ" (١).
...
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨)﴾ .
[١٧٨] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
...
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾ .
[١٧٩] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
стр. 2346
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾ .
[١٨٠] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وإنما كانت دعوة الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة؛ لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
...
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ .
[١٨١] وكان أصحاب الأيكة يطففون، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين لحقوق الناس.
...
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ .
[١٨٢] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بميزان العدل. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (بِالْقِسْطَاسِ) بكسر القاف، والباقون: بضمها (١).
...
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ .
[١٨٣] ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا شيئًا من حقوقهم.
стр. 2347
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وقطع الطريق.
...
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ .
[١٨٤] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جُبل؛ أي: خُلق.
...
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾ .
[١٨٥] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
...
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ .
[١٨٦] ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تقدم تفسير نظيره، وأتوا بالواو؛ للدلالة على أنه جامع بين وصفين منافيين للرسالة؛ مبالغةً في تكذيبه.
﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعواك.
...
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ .
[١٨٧] ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (كِسَفًا) بفتح السين؛ أي: قطعًا، وقرأ الباقون: بالإسكان؛ أي: قطعة (١)، واختلافهم في الهمزتين من (السَّمَاءِ إِنْ)
стр. 2348
كاختلافهم فيهما من قوله: (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
...
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ .
[١٨٨] ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فهو مجازيكم بأعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ .
[١٨٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هو أنه أصابهم حر شديد، وكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرًّا، فخرجوا، فجاءتهم سحابة، فدخلوا تحتها يستظلون، فأمطرت عليهم نارًا، فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾ .
[١٩٠] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
...
стр. 2349
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾ .
[١٩١] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القصص السبع المذكورة؛ تسلية لرسول الله ﷺ ، وتهديدًا للمكذبين به، وكرر في هذه القصة ما كرره في غيرها تقريرًا لمعانيها في الصدور؛ ليكون أبلغ في الوعظ والزجر.
...
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ .
[١٩٢] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن المنزل ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
...
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ .
[١٩٣] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل ﵇؛ لأنه أمين على الوحي. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (نَزَّلَ) بتشديد الزاي ونصب (الرُّوحَ الأمينَ) مفعولًا، الفاعل الله تعالى؛ أي: نزل الله به جبريل ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ الباقون: بالتخفيف، ورفعهما الفاعل (الرُّوحُ الأَمِين) (١).
...
стр. 2350
﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ .
[١٩٤] ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد حتى وعيته.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين.
...
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ .
[١٩٥] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: "بلسان قريش؛ ليفهموا ما فيه" (١)، المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
...
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ .
[١٩٦] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ذكر إنزال (٢) القرآن.
﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ لمثبتٌ في كتب الأنبياء قبلك.
...
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ .
[١٩٧] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على صحة القرآن، ونبوة محمد ﷺ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قرأ ابن عامر: (تَكُنْ) بالتاء