﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾ .
[١٨٠] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وإنما كانت دعوة الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة؛ لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
...
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾ .
[١٨١] وكان أصحاب الأيكة يطففون، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين لحقوق الناس.
...
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾ .
[١٨٢] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بميزان العدل. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (بِالْقِسْطَاسِ) بكسر القاف، والباقون: بضمها (١).
...
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ .
[١٨٣] ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا شيئًا من حقوقهم.
стр. 2347
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وقطع الطريق.
...
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ .
[١٨٤] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جُبل؛ أي: خُلق.
...
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾ .
[١٨٥] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.
...
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ .
[١٨٦] ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تقدم تفسير نظيره، وأتوا بالواو؛ للدلالة على أنه جامع بين وصفين منافيين للرسالة؛ مبالغةً في تكذيبه.
﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعواك.
...
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ .
[١٨٧] ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (كِسَفًا) بفتح السين؛ أي: قطعًا، وقرأ الباقون: بالإسكان؛ أي: قطعة (١)، واختلافهم في الهمزتين من (السَّمَاءِ إِنْ)
стр. 2348
كاختلافهم فيهما من قوله: (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
...
﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ .
[١٨٨] ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فهو مجازيكم بأعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ .
[١٨٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هو أنه أصابهم حر شديد، وكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرًّا، فخرجوا، فجاءتهم سحابة، فدخلوا تحتها يستظلون، فأمطرت عليهم نارًا، فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾ .
[١٩٠] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
...
стр. 2349
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾ .
[١٩١] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القصص السبع المذكورة؛ تسلية لرسول الله ﷺ ، وتهديدًا للمكذبين به، وكرر في هذه القصة ما كرره في غيرها تقريرًا لمعانيها في الصدور؛ ليكون أبلغ في الوعظ والزجر.
...
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ .
[١٩٢] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن المنزل ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
...
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ .
[١٩٣] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل ﵇؛ لأنه أمين على الوحي. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (نَزَّلَ) بتشديد الزاي ونصب (الرُّوحَ الأمينَ) مفعولًا، الفاعل الله تعالى؛ أي: نزل الله به جبريل ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ الباقون: بالتخفيف، ورفعهما الفاعل (الرُّوحُ الأَمِين) (١).
...
стр. 2350
﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ .
[١٩٤] ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد حتى وعيته.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين.
...
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ .
[١٩٥] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: "بلسان قريش؛ ليفهموا ما فيه" (١)، المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
...
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ .
[١٩٦] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ذكر إنزال (٢) القرآن.
﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ لمثبتٌ في كتب الأنبياء قبلك.
...
﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ .
[١٩٧] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على صحة القرآن، ونبوة محمد ﷺ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قرأ ابن عامر: (تَكُنْ) بالتاء
стр. 2351
على التأنيث (آيَةٌ) بالرفع، جعل الآية اسمًا، وخبره (أَنْ يَعْلَمَهُ)، وقرأ الباقون: (يَكُنْ) بالتذكير (آيَةً) بالنصب، جعلوا الآية خبرَ (يَكُنْ) (١)، معناه: أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علماء بني إسرائيل آيةً؛ أي: علامة على نبوة محمد ﷺ ؛ لأنهم كانوا يخبرون بوجوده في كتبهم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وهم: بنيامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد، وكان إخبارهم آية على صدقه، قال ابن عباس: "بعثَ أهلُ مكة إلى اليهود، وهم بالمدينة، فسألوهم عن محمد ﷺ ، فقالوا: إن هذا الزمان زمانه، وإنا نجد في التوراة نعتَهُ وصفته" (٢).
...
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾ .
[١٩٨] ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أعجم، وهو الذي لا يُفصح، ولا يحسن العربية، وإن كان عربيًّا في النسب، والعجمي: المنسوب للعجم، وإن كان فصيحًا.
ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان.
...
﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ .
[١٩٩] ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ بغير لغة العرب ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.
...
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ .
[٢١٧] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ليكفيك كيدَ الأعداء. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (فَتَوَكَّلْ) بالفاء عطفًا على (فَقُلْ)، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون: بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم (١).
...
﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ .
[٢١٨] ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ للتهجُّد.
...
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ .
[٢١٩] أي: ويرى تقلبك ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي: تصفح أحوال المتهجدين من أصحابك، وعن ابن عباس قال: "من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيًّا" (٢).
...
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ .
[٢٢٠] ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقوله ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تنويه.
...
стр. 2357
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ .
[٢٢١] ولما قال المشركون: إن الشيطان يلقي السمع (١) على محمد، نزل جواب قولهم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾؟
...
﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ .
[٢٢٢] ثم بين فقال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تتنزل ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذاب.
﴿أَثِيمٍ﴾ مبالغة من آثم، وهم الكهنة الذين كانت تسرق الجن السمع فتلقيه إليهم. قرأ البزي: (تَّنزَّلُ) بتشديد التاء في الحرفين حالة الوصل (٢).
...
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ .
[٢٢٣] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي: يلقون إلى الكهنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة.
﴿كَاذِبُونَ﴾ لأنهم كانوا يخلطون مع ما يستمعون (٣) كذبًا كثيرًا. جاء في الحديث: "الكلمةُ يخطَفُها الجني، فَيَقُرُّها في أذن وليه، فيزيد فيها أكثر من مئة كذبة" (٤).
стр. 2358
فإذا صدقت تلك الكلمة، كانت سبب ضلال من سمعها، وقال: (أَكْثَرُهُمْ)؛ لأن من الأفاك من قد يصدق.
...
﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ .
[٢٢٤] ونزل في جماعة من الكفار كانوا يقولون الشعر، ويقولون: نحن نقول كما يقول محمد، واتبعهم غواة على ذلك ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ مبتدأ، خبره:
﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ السفهاء الذين يروون هجاء المسلمين. قرأ نافع: (يَتْبَعُهُمُ) بفتح الباء مخففًا، والباقون: بكسر الباء مشددًا (١).
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ .
[٢٢٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾ تمثيل لذهابهم في كل فن من القول.
روي عن يعقوب وقنبل: الوقفُ بالياء على (وَادِي).
﴿يَهِيمُونَ﴾ يذهبون على غير قصد، كما يذهب الهائم على وجهه.
...
стр. 2359
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ .
[٢٢٦] ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾: فعلنا ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ .
[٢٢٧] ولما نزلت هذه الآية، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، ومن كان ينافح عن النبي ﷺ ، وكان غالب شعرهم توحيدًا وذكرًا، فقالوا: يا رسول الله! قد نزل هذا، والله يعلم أنا شعراء، فقال ﷺ : "إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بسيفه ولسانه، وإن الذي ترمونهم به نَضْحُ النبل" (١)، ونزل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء لشعراء الإسلام ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله تعالى.
﴿وَانْتَصَرُوا﴾ أي: بالرد على المشركين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: هُجوا؛ لأن الكفار بدؤوهم بالهجاء، قال ﷺ لحسان: "اهجُ المشركين؛ فإن جبريلَ معك" (٢)، ثم أوعد شعراء المشركين فقال تعالى:
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ أيَّ مرجعٍ يرجعون
стр. 2360
إليه بعد مماتهم، قال ابن عباس: "إلى جهنم والسعير" (١)، و (أَيَّ) نعت لمصدر محذوف نُصب بـ: (ينقلبون)، لا بـ (يعلم)، لأنها استفهام، تقديره: ينقلبون انقلابًا أيَّ منقلب، والله أعلم.
...
стр. 2361
سورة النمل
مكية، وآيها: ثلاث وتسعون آية، وحروفها: أربعة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئة وتسع وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ .
[١] ﴿طس﴾ تقدم الكلام (١) عليه، ومذاهب القراء فيه أولَ سورة الشعراء، وهو اسم من أسماء الله تعالى، قاله ابن عباس (٢)، قيل: معناه هنا: لطيف وسميع.
﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات المذكورات ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه خط فيه ما هو كائن، فهو يبينه للناظرين. قرأ ابن كثير: (القُرَانِ) و (قُرَان) و (قُرَانًا) حيث وقع: بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾ .
[٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ في الدنيا؛ بالقتل والأسر.
﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أشد الناس خسرانًا؛ لفوت المثوبة، واستحقاق العقوبة.
...
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ لتؤتاه.
﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: وحيًا من عند الله ذي الحكمة، وهذه الآية رد على كفار قريش في قولهم: إن القرآن من تلقاء محمد بن عبد الله.
...
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ .
[٧] ثم قص تعالى خبر موسى ﵇، والتقدير: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ في مسيره من مدين إلى مصر:
﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت ﴿نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أخبركم به عن حال الطريق؛ لأنه كان قد ضل عنها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
стр. 2364
﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ هي الشعلة المضيئة. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (بِشِهَابٍ) بالتنوين، جعلوا القبس نعتًا للشهاب، وقرأ الباقون: بغير تنوين على الإضافة (١).
﴿قَبَسٍ﴾ هو العود الذي في أحد طرفيه نار، قال في (طه): ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [الآية: ١٠] ترجِّيًا، وهنا (سَآتِيكُمْ) إخبارًا؛ لأن الراجي إذا قوي ترجيه، ربما حكم بوقوع الفعل، المعنى: أن موسى قال لزوجته لما ضربها الطلق، ورأى النار: اثبتوا مكانكم، سآتيكم بجزء منها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾ .
[٨] ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: بورك على من في طلب النار، وهو موسى ﵇ ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وهم الملائكة، والمراد بالنار: النور؛ لأن موسى حسبه نارًا، وهذا تحية من الله لموسى ﵇ بالبركة؛ كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، ثم نزه تعالى نفسه فقال:
стр. 2365
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من تمام ما نودي به؛ لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهًا، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر.
...
﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾ .
[٩] ثم تعرف إلى موسى بصفاته فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ﴾ والهاء في (إِنَّهُ) ضمير الشأن، والشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان لله تعالى، وروي أن موسى لما سمع الخطاب، فلم ير أحدًا، قال: من الذي يكلمني؟ فقيل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ (١).
...
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ثم أرى موسى آية على قدرته تعالى ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطف على ﴿بُورِكَ﴾ أي: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك.
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك باضطراب. وتقدم اختلاف القراء في (رَآهَا) في سورة الأنبياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية:٣٦].
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية صغيرة.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ وهرب من الخوف.
﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع بعد هربه.
стр. 2366
فقال الله تعالى: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: من أمنته لا ينبغي أن يخاف من حية.
...
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾ .
[١١] ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن من ظلم من المرسلين بذنب صدر منه؛ كآدم ويونس وداود وموسى (١) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ توبة بعد ذنب.
﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أغفر له، وأزيل الخوف عنه.
...
﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾ .
[١٢] ثم أراه الله تعالى آية أخرى، فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي: قميصك؛ لأنه يُجاب؛ أي يقطع، والجيب: الفتح في الثوب لرأس
стр. 2367
الإنسان، وكانت عليه مدرعة من صوف لا كُمَّ لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله تعالى:
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ حال ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ آفة برص.
﴿فِي تِسْعِ﴾ أي: آية في تسع ﴿آيَاتٍ﴾ و ﴿إِلَى﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: مرسلًا إلى فرعون في تسع آيات، وهي: اليد، والعصا، والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، أنت مرسل بهن ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليل للإرسال.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ حال يُبصر بها، ونسب البصر إليها مجازًا، وهو في الحقيقة لمتأمليها ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر.
...
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله.
﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ أي: وقد استيقنتها ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ واستيقن أبلغُ من أيقن، المعنى: لما جاءتهم آياتنا واضحات، واستيقنوا صدقها، جحدوا بها ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ شركًا وتكبرًا.
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وسوء منقلبهم حين كذبوا موسى، وفي هذا تمثيل لكفار قريش؛ إذ كانوا مفسدين مستعلين.
стр. 2368
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم ابتدأ بقصص فيه غيوب وعبر، وليس بمثال لقريش، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ أي: علم القضاء، ومنطق الطير والدواب، وتسبيح الجبال.
﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ بالنبوة، وتسخير الجن والإنس والشياطين ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: من لم يؤت علمًا.
...
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ في النبوة والملك دون سائر أولاده، وكانوا تسعة عشر. قرأ أبو عمرو: (وَوَرِث سُّلَيْمَانُ) بإدغام الثاء في السين (١)، و (ورث) بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمي ميراثًا تجوزًا، وهذا نحو قولهم: "العلماء ورثة الأنبياء"، وحقيقة الميراث في المال، والأنبياءُ لا تورث أموالهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا، فهو صدقة" (٢) فأعطي سليمان ما أعطي داود ﵉ من
стр. 2369
الملك، وزيد له تسخير الجن والريح، وفهم منطق الطير، فثم اعترف بأنعم الله تعالى.
﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي: فَهْمَ أصواته، والمنطق: الكلام، روي أنه صاح ورشانُ، فقال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، والطاوس يقول: كما تدين تدان، والهدهد يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال، والخطاف يقول: قدموا خيرًا تجدوه، والحمامة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمواته وأرضه، والقطا يقول: من سكت سلم، والببغاء يقول: ويل لمن الدنيا همه، والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى، والقُبر يقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، والنسر يقول: ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس، والحمار يقول: اللهم العن العشار، والفرس يقول إذا التقى الصفان: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، والزرزور يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق (١).
﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه الأنبياء والملوك من أمر الدنيا والآخرة.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا.
...
стр. 2370
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿وَحُشِرَ﴾ جُمع ﴿لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ في مسير كان له.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحبسون ثم يُساقون، وأصل الوزع: الكف، والوزَّاع: هو الحابس، وهو النقيب، وكان معسكره مئة فرسخ: في مئة فرسخ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان يأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو بين السماء والأرض: أني قد زدت في ملكك: أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك، فبينا هو يسير، رآه وجندَه حَرَّاث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكًا عظيمًا، فمشى إليه سليمان وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: والله لتسبيحة واحدة يتقبلها الله خير مما أوتي آل داود (١).
...
стр. 2371
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وقف يعقوب، والكساني (وَادِي) بإثبات الياء (١).
روي أن سليمان ﵇ سار من اصطخر إلى اليمن حتى مر بواد النمل، وهو واد بالطائف، وقيل: بالشام، كثير النمل، والمشهور أنه النمل الصغير، وقيل: كان نمل ذلك المكان أمثال الذباب، وقيل كالبخاتي ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ وكانت ملكة النمل لما رأت جند سليمان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ولم يقل: ادخلن؛ لأنه لما جعل لها قولًا، خاطبها خطاب الآدميين ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بإسكان النون مخففًا، والباقون: بفتحها مشددًا (٢).
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بهلاككم إقامة لعذرهم.
...
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾.
стр. 2372
[١٩] وسمع سليمان كلام النمل من ثلاثة أميال، وقيل: كان اسمها طاخية.
وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة ﵁ حاضرًا وهو غلام حَدَث، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرًا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ فقال: من كتاب الله، وهو قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولو كان ذكرًا، لقال: قال نملة وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة؛ نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو وهي (١).
روي أنه لما أشرف على الوادي، حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم. وروي أنه قال لعظيم النمل: لِمَ قلت ادخلوا مساكنكم، أخفت عليهم مني ظلمًا؟ قال: لا، ولكن خشيت أن يفتنوا بما يرون من ملكك، فيشغلهم ذلك عن طاعة الله (٢).
﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة، والتبسم أول الضحك، وهو ما لا صوت له ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ تعجبًا من حذرها وتحذيرها.
﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني. قرأ ورش، والبزي: (أَوْزِعْنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
стр. 2373
﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في جملتهم، قال ابن عباس: "يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين" (١).
...
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾ .
[٢٠] روي أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء، وكان يعرف موضع الماء، ويراه تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده، فينقر الأرض فتجيء الشياطين، فيسلخونه ويستخرجون الماء، فنزل سليمان منزلًا، فاحتاج إلى الماء وقت الصلاة، فطلب الهدهد فلم يجده (٢). ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ ليرى الهدهد، فلم يره، والتفقد: طلبُ ما فُقد، ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير.
﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ في جملة الطير. قرأ ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: (مَا لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال:
стр. 2374
﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ يعني: أكان من الغائبين؟ والميم صلة.
...
﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ .
[٢١] فلما تحقق غيبته، قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ أي: تعذيبًا.
﴿شَدِيدًا﴾ بنتف ريشه وذنبه، ورميه في الشمس، فلا يمتنع على الهوام.
﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأقطعن حلقه، ورسمت (أَوْ لأَاذْبَحَنَّهُ) في بعض المصاحف بزيادة ألف بعد (لأَ).
﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ برهان ظاهر على عذره. قرأ ابن كثير: (لَيَأْتِيَنَّنِي) بنونين: الأولى مفتوحة مشددة، والثانية مكسورة مخففة، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، أصلها: لَيَأْتِينِي، ثم دخلت النون مشددة، وهي محسوبة بنونين تأكيدًا للقسم، وبعدها نون مكسورة للوقاية كنون ضربني، وبني الفعل على الفتح، ففتح الياء التي هي لام الفعل، وقرأ الباقون: بنون واحدة مكسورة مشددة، وكذلك هو في مصاحفهم (١).
стр. 2375
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ .
[٢٢] وكان سبب غيبة الهدهد: أن سليمان ﵇ لما فرغ من عمارة بيت المقدس، خرج للحج، فأقام في الحرم مدة طويلة، يقرب كلَّ يوم خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف بقرة، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا وكذا (١)، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدين بدين الحنيفية، طوبى لمن أدركه وآمن به، ثم خرج من مكة يطلب صنعاء اليمن، فرأى مكانًا أعجبه، فنزل ليتغدى ويصلي الظهر، وكان الهدهد دليل الماء كما تقدم، واسمه يعفور، فقصد أن يرتفع لينظر في طول السماء وعرضها، فارتفع فرأى بستانًا لبلقيس، فمال إلى خضرته، فإذا بهدهد اسمه عنفير، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ قال: من الشام مع صاحبي سليمان ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد، وملكتها بلقيس، وما أظن ملك سليمان بأعظم من ملكها، فهل أنت منطلق معي تنظر ملكها؟ فقال: أخاف أن يفقدني سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، فقال: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه، ونظر ملكها.
﴿فَمَكَثَ﴾ وقتًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثم جاء. قرأ عاصم، وروح عن يعقوب:
стр. 2376
(فَمَكَثَ) بفتح الكاف، والباقون: بضمها، لغتان (١)، المعنى: أن الهدهد أبطأ في غيبته قدرًا يسيرًا، فسأل سليمان عريفَ الطير النسرَ عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، ولا أرسلته إلى مكان، فغضب وقال لسيد الطير العقاب: عليَّ به، فارتفع في الهواء، فرأى الهدهد قد أقبل من نحو اليمن، فانقض عليه (٢) فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء، فقال: ويلك إن نبي الله قد حلف ليعذبنك، فتلقته الطيور وقالت: ويلك إن نبي الله قد توعدك، وحلف ليهلكنك، قال: وما استثنى؟ قالوا: بلى، إن لم تأت بسلطان مبين، فقال: نجوت إذًا، فجاء العقابُ سليمانَ بالهدهد، وقال: قد أتيتك به، فلما قرب الهدهد، رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعًا لسليمان، فأخذ برأسه وجذبه إليه بشدة، وتهدده، فقال: يا نبي الله! اذكر وقوفك بين يدي الله، فارتعد وعفا عنه، ولطف به؛ خوفًا من الله تعالى، ولئلا يلحقه العجب، وهو الداء العضال، ثم سأله عما لقي في غيبته.
﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك (٣)، والإحاطة: العلمُ بالشيء من جميع جهاته.
﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ اسم أرض باليمن، أو رجل. قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير: (سَبَأَ) بفتح الهمزة من غير تنوين، وروى قنبل عن ابن
стр. 2377
كثير: بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون: بالخفض والتنوين (١)، فمن قرأ منونًا مصروفًا، جعله اسم رجل، ومن قرأ غير مصروف، جعله اسم البلد، والقراءة بإسكان الهمزة تخفيفًا، والنسابون يقولون: هو سبأ بن يشجب بن قحطان، وقد جاء في الحديث: أن النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: "كان رجلًا له عشرة من البنين، تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" (٢).
﴿بِنَبَإٍ﴾ خبر ﴿يَقِينٍ﴾.
...
﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] قال سليمان: وما ذاك؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أي: تملك قومها، واسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وأمها جنية؛ لأنه ما كان يرى التزوج من الإنس، ولم يكن له ولد غيرها، فملكت ملكه.
﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يليق بها من أسباب الدنيا.
﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ سرير ضخم كان مضروبًا من الذهب، مكللًا بالدر
стр. 2378
والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات، وعلى كل بيت باب مغلق.
قال ابن عباس: "كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا" (١)، وقيل غير ذلك.
...
﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا﴾ وكانوا مجوسًا ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ القبيحة ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ سبيل الصواب.
﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه، وخفي حالها على سليمان، مع قربها منه؛ لأنه كان نازلًا بصنعاء، وهي بمأرب، وبينهما ثلاثة أميال لحكم يعلمها الله تعالى؛ ليعلم الإنسان أنه لا يعلم إلا ما عُلِّم.
...
﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ قرأ أبو جعفر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (أَلاَ) بتخفيف اللام، ويقفون: (أَلاَ يَا)، ويبتدئون: (اُسْجُدُوا) بهمزة مضمومة على الأمر على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا: وجعلوه أمرًا من الله
стр. 2379
تعالى مستأنفًا: فحذفت همزة الوصل بعد (يا) وقبل السين من الخط على مراد الوصل دون الفصل.
قال الحافظ أبو عمرو الداني: كما حذفوها في قوله: (يَبْنَؤمَّ) في طه على مراد ذلك.
قال ابن الجزري: أما (يا بنؤم). فقد رأيته في المصاحف الشامية من الجامع الأموي، ورأيته في المصحف (١) الكبير الذي يذكر أنه الإمام من الفاضلية بالديار المصرية. وفي المصحف المدني: بإثبات إحدى الألفين، ولعل الداني رآه في بعض المصاحف محذوف الألفين، فنقله كذلك. وقرأ الباقون: بتشديد اللام، و (يَسْجُدُوا) عندهم كلمة واحدة، مثل ألا يقولوا، فلا يجوز القطع على شيء منها (٢)، المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم؛ لئلا يسجدوا ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ المستتر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فخبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ وصف له بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود. قرأ الكسائي، وحفص عن عاصم: (تُخْفُونَ) و (تُعْلِنُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٣).
...
стр. 2380
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ هو المستحق للعبادة والسجود، لا غيره، وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيمًا، فهو صغير حقير في جنب عرشه ، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم.
...
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] فلما فرغ الهدهد، من كلامه ﴿قَالَ﴾ له سليمان:
﴿سَنَنْظُرُ﴾ من نظر التأمل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرت.
﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه (١).
...
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ثم دلهم الهدهد على الماء، فاستخرج، وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: "من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي، وأتوني مسلمين"، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ﴾ قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة: (فَأَلْقِهْ) بسكون الهاء تخفيفًا لغة صحيحة، وقرأ أبو جعفر،
стр. 2381
ويعقوب، وقالون، وهشام بخلاف عن الأول: (فَأَلْقِهِ) باختلاس كسرة الهاء لتدل الكسرة على الياء المحذوفة، وقرأ الباقون: بإشباع الكسرة، وصلتها بياء في الوصل (١)؛ لأن الهاء لما يتحرك ما قبلها، ثبت الحرف الذي بعدها؛ لعدم اجتماع الساكنين، المعنى: اقذفه ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيس وقومها.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنحَّ مستترًا ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردُّون من الجواب.
...
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى بلقيس وهي نائمة في قصرها، فألقاه على نحرها، فلما رأت الخاتم، أرعدت وخضعت خوفًا؛ لأن ملك سليمان كان فيه، وعرفت أن مُلكَ المرسل إليها أعظم من ملكها، ثم تأخر الهدهد يسيرًا، ثم جلست مع أشراف قومها، وكانوا اثني عشر ألفًا، ثم ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ مختوم، قال ﷺ : "كرامةُ الكتابِ خَتْمُه" (٢).
واختلاف القراء في الهمزتين من (الْمَلأُ إِنِّي) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى
стр. 2382
أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحج، قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ثم قرأت عليهم ما في الكتاب، وهو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
...
﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ لا تتكبروا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ طائعين مؤمنين.
...
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ثم ﴿قَالَتْ﴾ اختبارًا لقومها وتطييبًا لقلوبهم:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي﴾ أشيروا علي ﴿فِي أَمْرِي﴾ فيما عرض لي.
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً﴾ منفذة ﴿أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون. قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وابن كثير، ورويس عن يعقوب: (الْمَلأُ أَفْتُونِي) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا محضة، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق
стр. 2383
الهمزتين (١)، [وما ذكر من تسهيل إحدى الهمزتين] (٢) إنما هو في حالة الوصل، فإذا وقفت على الكلمة الأولى، وبدأت بالثانية، حققت الهمز في ذلك لجميع القراء، وأثبت يعقوب الياء بعد النون في (تشهَدُوني)، وحذفها الباقون (٣).
...
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿قَالُوا﴾ مجيبين لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ الأجساد والآلات.
﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ شجاعة ونجدة في الحرب، وهذا تعرض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك.
﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في القتال وتركه.
﴿فَانْظُرِي﴾ من الرأي ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فنحن لك تبع.
...
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] فأومأت إلى المسالمة، و ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ قهرًا ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب.
стр. 2384
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ ليستقيم أمرهم، تحذرهم مسير سليمان إليهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله تعالى قولها.
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما قالت.
...
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] وكانت بلقيس امرأة لبيبة، قد سيست وساست، وعرفت تدبير الملك، فأرادت أن تداري عن بلدها، فقالت للملأ من قومها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أختبر بذلك سليمان، إن كان ملكًا، أخذ الهدية وانصرف، وإن كان نبيًّا لم يأخذها، ولم نأمنه على بلادنا.
﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ﴾ أي: بأي شيء.
﴿يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها، وما يقال لهم. وقف يعقوب والبزي: (بمَهْ) بزيادة هاء بعد الميم بخلاف عنهما (١)، والهدية: اسم للشيء المعطى بملاطفة ورفق.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] فأهدت بلقيس لسليمان وُصَفاءَ ووصائفَ، وألبستهم لباسًا واحدًا لئلا يُعرفوا، وكان عددهم خمس مئة جارية، وخمس مئة غلام، وأربع
стр. 2385
لبنات، كل لبنة مئة رطل من ذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وحقة فيها درة ثمينة، وخرزة جزعية معوجة الثقب، وكتبت كتابًا فيه نسخة الهدايا، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا، فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل فتحها، واثقب الدرة ثقبًا مستويًا من غير علاج إنس ولا جن، وأمرت الغلمان أن يكلموه بكلام فيه لين شبه كلام النساء، والجواري بكلام فيه غلظة شبه كلام الرجال، وأرسلت الهدية مع المنذر بن عمرو من قومها ذي لب ورأي، وضمت إليه رجالًا من قومها، وقالت له: انظر إليه، فإن نظر إليك نظر غضب، فاعلم أنه مَلِك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته هشًّا لطيفًا، فاعلم أنه نبي كريم، فتفهم قوله، ورد الجواب كما سمعت. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد نحو سليمان مسرعًا يخبره الخبر، فأمر سليمان أن يضربوا لبنات الذهب والفضة، وأن يبسطوها من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا، وأن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر اللبنات خاليًا، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، ثم أمر الجن فجاؤوا بأحسن دواب البحر، فجعلها مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله، وجلس هو في الميدان، وحوله الجن والإنس والشياطين والطير والوحش، فجعل الرسل يمرون بكراديس الجن والإنس والشياطين، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة، خافوا أن يُتهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، وتقاصرت نفوسهم لما رأوا ما لم تر أعينهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ رسلها ﴿سُلَيْمَانَ﴾ نظر إليهم بوجه حَسَنٍ طَلْق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبر الخبر، وأعطي كتابها، فنظر فيه فقال: أين الحقة؟ فجيء بها، فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة معوجة الثقب،