ويعقوب، وقالون، وهشام بخلاف عن الأول: (فَأَلْقِهِ) باختلاس كسرة الهاء لتدل الكسرة على الياء المحذوفة، وقرأ الباقون: بإشباع الكسرة، وصلتها بياء في الوصل (١)؛ لأن الهاء لما يتحرك ما قبلها، ثبت الحرف الذي بعدها؛ لعدم اجتماع الساكنين، المعنى: اقذفه ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيس وقومها.
﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنحَّ مستترًا ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردُّون من الجواب.
...
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾ .
[٢٩] فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى بلقيس وهي نائمة في قصرها، فألقاه على نحرها، فلما رأت الخاتم، أرعدت وخضعت خوفًا؛ لأن ملك سليمان كان فيه، وعرفت أن مُلكَ المرسل إليها أعظم من ملكها، ثم تأخر الهدهد يسيرًا، ثم جلست مع أشراف قومها، وكانوا اثني عشر ألفًا، ثم ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ مختوم، قال ﷺ : "كرامةُ الكتابِ خَتْمُه" (٢).
واختلاف القراء في الهمزتين من (الْمَلأُ إِنِّي) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى
стр. 2382
أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحج، قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ثم قرأت عليهم ما في الكتاب، وهو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
...
﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ لا تتكبروا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ طائعين مؤمنين.
...
﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ثم ﴿قَالَتْ﴾ اختبارًا لقومها وتطييبًا لقلوبهم:
﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي﴾ أشيروا علي ﴿فِي أَمْرِي﴾ فيما عرض لي.
﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً﴾ منفذة ﴿أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون. قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وابن كثير، ورويس عن يعقوب: (الْمَلأُ أَفْتُونِي) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا محضة، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق
стр. 2383
الهمزتين (١)، [وما ذكر من تسهيل إحدى الهمزتين] (٢) إنما هو في حالة الوصل، فإذا وقفت على الكلمة الأولى، وبدأت بالثانية، حققت الهمز في ذلك لجميع القراء، وأثبت يعقوب الياء بعد النون في (تشهَدُوني)، وحذفها الباقون (٣).
...
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿قَالُوا﴾ مجيبين لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ الأجساد والآلات.
﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ شجاعة ونجدة في الحرب، وهذا تعرض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك.
﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في القتال وتركه.
﴿فَانْظُرِي﴾ من الرأي ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فنحن لك تبع.
...
﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] فأومأت إلى المسالمة، و ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ قهرًا ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب.
стр. 2384
﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ ليستقيم أمرهم، تحذرهم مسير سليمان إليهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله تعالى قولها.
فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما قالت.
...
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] وكانت بلقيس امرأة لبيبة، قد سيست وساست، وعرفت تدبير الملك، فأرادت أن تداري عن بلدها، فقالت للملأ من قومها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أختبر بذلك سليمان، إن كان ملكًا، أخذ الهدية وانصرف، وإن كان نبيًّا لم يأخذها، ولم نأمنه على بلادنا.
﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ﴾ أي: بأي شيء.
﴿يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها، وما يقال لهم. وقف يعقوب والبزي: (بمَهْ) بزيادة هاء بعد الميم بخلاف عنهما (١)، والهدية: اسم للشيء المعطى بملاطفة ورفق.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] فأهدت بلقيس لسليمان وُصَفاءَ ووصائفَ، وألبستهم لباسًا واحدًا لئلا يُعرفوا، وكان عددهم خمس مئة جارية، وخمس مئة غلام، وأربع
стр. 2385
لبنات، كل لبنة مئة رطل من ذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وحقة فيها درة ثمينة، وخرزة جزعية معوجة الثقب، وكتبت كتابًا فيه نسخة الهدايا، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا، فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل فتحها، واثقب الدرة ثقبًا مستويًا من غير علاج إنس ولا جن، وأمرت الغلمان أن يكلموه بكلام فيه لين شبه كلام النساء، والجواري بكلام فيه غلظة شبه كلام الرجال، وأرسلت الهدية مع المنذر بن عمرو من قومها ذي لب ورأي، وضمت إليه رجالًا من قومها، وقالت له: انظر إليه، فإن نظر إليك نظر غضب، فاعلم أنه مَلِك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته هشًّا لطيفًا، فاعلم أنه نبي كريم، فتفهم قوله، ورد الجواب كما سمعت. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد نحو سليمان مسرعًا يخبره الخبر، فأمر سليمان أن يضربوا لبنات الذهب والفضة، وأن يبسطوها من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا، وأن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر اللبنات خاليًا، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، ثم أمر الجن فجاؤوا بأحسن دواب البحر، فجعلها مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله، وجلس هو في الميدان، وحوله الجن والإنس والشياطين والطير والوحش، فجعل الرسل يمرون بكراديس الجن والإنس والشياطين، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة، خافوا أن يُتهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، وتقاصرت نفوسهم لما رأوا ما لم تر أعينهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ رسلها ﴿سُلَيْمَانَ﴾ نظر إليهم بوجه حَسَنٍ طَلْق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبر الخبر، وأعطي كتابها، فنظر فيه فقال: أين الحقة؟ فجيء بها، فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة معوجة الثقب،
стр. 2386
فأمر سليمان الأرضة، فأخذت شعرة ودخلت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر، ودخلت دودة أخرى بخيط في الخرزة المثقوبة حتى خرجت من الجانب الآخر، فجمع بين طرفيه، وختمه، ودفعها إليهم، وميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم بغسل وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها وتجعله على اليد الأخرى، والغلام يأخذ من الآنية يضرب به وجهه، فلما اعتبر الهدية.
﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ﴾ أتزيدونني ﴿بِمَالٍ﴾ وأكثر استعمال الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه.
﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا، ثم أضرب عن إنكاره عليهم مبينًا سبب حملهم على الإمداد.
فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ لفخركم بزخارف الدنيا (١)، المعنى: إن الله تعالى أعطاني نبوة وملكًا لا مزيد عليه، فلا حاجة بي إلى دنياكم، بل حاجتي إلى إيمان قومكم. قرأ حمزة، ويعقوب: (أَتُمِدُّونِّي) بنون واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الباقون: بنونين خفيفتين، وأثبت الياء وصلًا نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وفي الحالين: ابن كثير، ويعقوب، وحمزة (٢)، إلا أن حمزة ويعقوب يدغمان النون كما تقدم، وقرأ نافع،
стр. 2387
وأبو جعفر، وأبو عمرو، وحفص، ورويس: (آتَانِيَ اللهُ) بفتح الياء وصلًا، وقف عليها بالياء يعقوب، وحذفها ورش وقفًا، واختلف في الوقف عن أبي عمرو، وقالون، وقنبل، وحفص، وحذفها الباقون في الحالين، وقرأ الكسائي: (آتَانِي اللَّهُ) بالإمالة (١).
...
﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ثم قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بهم. قرأ حمزة، ويعقوب: (إِلَيْهمْ) بضم الهاء حيث وقع (٢)، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون بخلاف عنه: يصلون الميم بواو حيث وقع، وقرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (لاَ قِبَل لَّهُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (٣).
﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من سبأ ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ إن لم يأتوا مسلمين.
فلما رجع رسلها إليها، قالت: قد عرفت أنه ليس بملك، وما لنا به عن طاقة، وأرسلت إليه: أني قادمة عليك، وجحلت سرائرها داخل سبعة
стр. 2388
أبواب داخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصور، وأغلقت الأبواب، وجعلت عليه حرسًا، وارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلٍ، مع (١) كل قَيْلٍ ألوف كثيرة.
...
﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾ .
[٣٨] وكان سليمان رجلًا مَهِيبًا لا يبدأ بشيء حتى يسأل عنه، فجلس يومًا على سريره، فرأى رهجًا وجمعًا جمًّا على فرسخ عنه، فقال: ما هذا؟ قال: بلقيس بجنودها، فأقبل حينئذ سليمان على جنوده، و ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فيحرم علي أخذه منها (٢). واختلاف القراء في الهمزتين من ﴿الْمَلأُ أَيُّكُمْ﴾ كاختلافهم فيهما من ﴿الْمَلأُ أَفْتُونِي﴾ [يوسف: ٤٣ والنمل:٣٢].
...
﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾ المارد القوي ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ والإنس، مأخوذ من العفر، وهو التراب، فكأنه يصرع قرنه عليه من الخبر، واسمه كوذي:
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي: من مجلسك الذي تقضي فيه، وكان يجلس إلى القضاء إلى نصف النهار.
стр. 2389
﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ على ما فيه من درر وجوهر.
...
﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ .
[٤٠] فقال سليمان: أسرع من هذا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من كتابها إليه، وهو آصف بن برخيا، وكان صِدّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وهو يا حي يا قيوم، وقيل غيره (١)، وكان بينه وبين عرشها مقدار شهرين:
﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: تحريك أجفانك إذا نظرت.
قرأ حمزة، وخلف بخلاف عن خلاد: (آتِيكَ) بإمالة فتحة الهمزة في الحرفين (٢). رُوي أن آصف قال لسليمان: أرسل طرفك، فنظر نحو اليمين، فدعا آصف، فسار الكرسي تحت الأرض، ونبع لدى سليمان قبل أن يرجع إليه طرفه (٣).
стр. 2390
﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ثابتًا لديه، وحُمل إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: حصول مرادي ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عَلَيَّ.
﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ﴾ النعمة ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ بكون غيري أعلم مني.
﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفع شكره عائد عليه؛ لأن الشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بترك الشكر على النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكرهم ﴿كَرِيمٌ﴾ ذو فضل على الشاكر والكافر. وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في (رَآهُ عِنْدَهُ) ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل: ١٠]، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (لِيَبْلُوَنيَ) بفتح الياء الأخيرة، والباقون: بإسكانها (١)، واختلافهم في الهمزتين من (أَأَشْكُرُ) كاختلافهم فيهما من (أَأَنْتَ فَعَلْتَ) في سورة الأنبياء [الأنبياء: ٦٢].
...
﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾ .
[٤١] ولما جاءت بلقيس، خاف الجن أن تفشي سرهم إلى سليمان؛ لأن أمها كانت جنية (٢)، وأن يتزوجها سليمان، فتلد له ولدًا فلا ينفكون من
стр. 2391
التسخير، فقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإنها شَعْراء الساقين، وإن حافرها كحافر حمار، قال سليمان:
﴿نَكِّرُوا﴾ غيروا ﴿لَهَا عَرْشَهَا﴾ بأن تجعلوا أعلاه أسفله، ومكان الجوهر الأحمر أخضر، وبالعكس.
﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته.
﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ فغير عرشها لاختبار عقلها.
...
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ بلقيس ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ عرفته، لكن شبهت عليهم، لم تقل: نعم؛ خوفًا من أن تكذب، ولم تقل: لا؛ خوفًا من التكذيب، فعرف سليمان كمال عقلها؛ حيث لم تقر ولم تنكر.
﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من تتمة كلام بلقيس؛ أي: آمنا بالآيات المتقدمة من أمر الهداية والرسل من قبل هذه المعجزة في العرش.
﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ طائعين له لما أخبرنا بما اقترحنا عليه من الدلالة على نبوته، وقيل: هو من كلام سليمان ﵇ على جهة تعديد نعم الله
стр. 2392
عليه وعلى آبائه؛ أي: وأوتينا العلم بالله تعالى وقدرته على ما يشاء من قبل هذه الآيات، وكنا مسلمين منقادين لحكمه، لم نزل على دينه.
...
﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿وَصَدَّهَا﴾ الله بتوفيقها للإسلام عن عبادة ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الشمس، وقيل: المعنى: وصدها منعَها من الإيمان قبل ذلك ما كانت تعبد من دون الله.
﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعبدون الشمس، فنشأت فيهم، ولم تعرف إلا عبادتها.
...
﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ولما أراد سليمان أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفهم لما قيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين (١)، وليريها ملكًا أعظم من ملكها، أمر الشياطين فبنوا له صرحًا؛ أي: قصرًا من زجاج؛ كأنه الماء بياضًا، وجعل صحن الدار قوارير، وجعل تحته أمثال الحيات والضفادع، فإذا رئي، ظن ماء حقيقة، ووضع سريره في صدر
стр. 2393
الصحن، وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ودعا بلقيس، فلما جاءت ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ القصر.
﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ هي معظم الماء، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتنجو منه إلى سليمان، فنظر سليمان، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا، إلا أنها كانت شَعراء الساقين. قرأ قنبل عن ابن كثير: (سَأْقَيْهَا) بالهمز الساكن؛ لجواز أن يكون من العرب من يهمز مفرد ساق وجمعه، والباقون: بغير همز (١)، فلما رأى سليمان ذلك، صرف بصره عنها.
ثم ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ بنيان مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من زجاج، وليس بماء حقيقة، ثم دعاها إلى الإسلام، فأجابت، و ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادتي غيرك.
﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ أي: وقد أسلمت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أخلصت له التوحيد.
وأراد سليمان تزوجها، فكره شعر ساقيها، فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، فقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نحتال لك حتى تصير كالفضة البيضاء، فأخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ، ويقال: إن الحمام الذي ببيت المقدس بباب الأسباط إنما بني لها، وإنه أول حمام بني على وجه الأرض، فلما تزوجها سليمان أحبها حبًّا شديدًا،
стр. 2394
وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له فيما ذكر، وتقدم ذكر سليمان وقدر عمره ومدة ملكه ومحل قبره وتاريخ وفاته في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [الآية: ١٠٢].
...
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ﴾ أي: بأن.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحِّدوه.
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿فَرِيقَانِ﴾ مؤمن وكافر.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كلٌّ: الحقُّ معي.
...
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: العذاب الذي يوعدون به.
﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قبل التوبة؛ لأئهم كانوا يعتقدون لجهلهم أن العذاب
стр. 2395
إذا نزل بهم تنفعهم توبتهم، فيصرون على كفرهم، فأومأ صالح إلى بطلان اعتقادهم بقوله:
﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ من كفركم قبل نزول العذاب بكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فإن العذاب إذا نزل لا يرفع.
...
﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ أصله: تطيرنا؛ أي: تشاءمنا ﴿بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ من المؤمنين؛ أي: أصابنا بسببكم شؤم، وهو القحط، وتفريق كلمتنا، وأصل التطير: أن الرجل كان إذا سافر، مر بطائر، فزجره، فإن مر سانحًا، وهو الذي ولاه مياسره، فلا يتمكن من رميه، فيتشاءم به، ثم استعمل في كل ما يُتشاءم به.
﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ أي: السبب الذي يجيء منه خيركم وشركم.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يأتي به إلا هو تعالى، وسمي طائرًا؛ لسرعة نزوله، ولا شيء أسرع من قضاء محتوم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تختبرون بالخير والشر.
...
﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهي الحِجْر ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: أنفس،
стр. 2396
والرهط: ما دون العشرة، وليس فيهم امرأة، وتقدم الكلام عليه في سورة هود (١)، وأسماؤهم: رأب، وغلم، والهذيل، ومصدع، وشحيط، ولحيط، وسالف، وقدار، وسمعان رأس الماكرين.
﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، كانوا يعملون بالمعاصي.
...
﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا﴾ تحالفوا ﴿بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: قومه الذين أسلموا معه، البيات: مباغتة العدو ليلًا.
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه:
﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: إهلاكهم.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا، ووجه دعواهم الصدق، وقد جحدوا ما فعلوا بهم: أنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لَتُبَيِّتُنَّهُ) (ثُمَّ لَتَقُولُنَّ) بالتاء فيهما، وضم التاء الثانية في الأول، وضم اللام الثانية في الثاني؛ أي: يأمر بعضهم بعضًا بالتحالف على إهلاك صالح وأهله ليلًا؛ من البيات، وقرأ الباقون: بالنون في الفعلين وفتح التاء واللام إخبارًا عن أنفسهم (٢)، وقرأ أبو بكر عن عاصم: (مَهْلَكَ) بفتح الميم
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، وغَبَر بمعنى: بقي، وقد يجيء أحيانًا في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى.
...
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهي حجارة السجيل، أهلكت جميعهم.
قال ابن عطية: وهذه الآية أصلًا لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنس؛ لأن الله عذبهم على كفرهم به، وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم، ولم يقس هذا القول على الزنا، فيعتبر الإحصان (١).
وتقدم الكلام على ذلك مستوفىً في سورة النساء، وملخصه: أن مذهب مالك ﵀ رجم الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا، ومذهب الشافعي وأحمد حكمه كالزنا، فيه الرجم مع الإحصان، والجلد مع عدمه، ومذهب أبي حنيفة: يعزر، ولا حد عليه؛ خلافًا لصاحبيه، وعن أحمد رواية أن من تلوط بغلام، قُتل، بكرًا كان أو ثيبًا؛ لقوله ﷺ : "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" (٢)، ولكن
стр. 2401
الصحيح من مذهبه الأول ﴿فَسَاءَ﴾ فبئس ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ثم أمر الله محمدًا ﷺ بحمده، ثم بالسلام على خير خلقه، فقال:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك كفار الأمم الخالية.
﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم الرسل.
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أجمع القراء على مد (آللَّهُ)؛ لأنها همزة استفهام دخلت على همزة الوصل؛ لتفرق بين الاستفهام والخبر، وأجمعوا على عدم تحقيقها؛ لكونها همزة وصل، وهمزة الوصل لا تثبت بالابتداء، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثير منهم: تبدل ألفًا خالصة، وقال آخرون: تسهل بين بين (١)، وقرأ أبو عمرو، وعاصم، ويعقوب: (يُشْرِكُونَ) بالغيب إخبارًا عن الكفار، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)، المعنى: آلله أنفع لعابديه، أم الأصنام لعابديها؟ وهذا إلزام لهم، وتبكيت، لا أن في أصنامهم خيرًا.
...
стр. 2402
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: عبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ فهو رد مردود على ما قبله من المعنى المتقدم، وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله تعالى، وعجز آلهتهم.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنْزَل لَّكُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي: حُسن، تبهج من رآها. وقف الكسائي (ذَاهْ) بالهاء (٢).
﴿مَا كَانَ﴾ أي: ما ينبغي ﴿لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لأنكم لا تقدرون عليها.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ استفهام على طريق الإنكار؛ أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه؟ ﴿بَلْ﴾ ليس معه إله ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَإِلَهٌ) كاختلافهم
стр. 2403
فيهما من (أَإِنَّكُمْ) حيث وقع، وتقدم التنبيه عليه قريبًا.
...
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ يُستقر عليها.
﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ أي: وسطها ﴿أَنْهَارًا﴾ تطرد بالمياه.
﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والمالح.
﴿حَاجِزًا﴾ مانعًا لا يختلط أحدهما بالآخر.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ الله، فلا يؤمنون.
...
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ المجهود الذي مسه الضر.
﴿إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الضر.
﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾ أي: سكان.
﴿الْأَرْضِ أَإِلَهٌ﴾ بعد هلاك المتقدمين.
﴿مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا﴾ الذي خلقكم بهذه النعمة؟!
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والمراد نفي التذكر؛ لأن القلة تستعمل بمعنى
стр. 2404
النفي. قرأ أبو عمرو، وهشام عن ابن عامر، وروح عن يعقوب: (يَذَّكَّرُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: على أصلهم في تخفيف الذال.
...
﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ بالنجوم.
﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ليلًا، وبعلامات الأرض نهارًا.
﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (٢).
﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدام المطر، وتقدم الكلام على (نُشْرًا)، واختلاف القراء فيها، وتوجيه قراءتهم في سورة الفرقان عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الآية: ٤٨].
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على فعل ذلك ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به.
...
стр. 2405
﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث.
﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات.
﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل ذلك.
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم على دعواكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إشراككم، والاستفهام في جميع هذه الآيات توبيخ لا استرشاد.
...
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ .
[٦٥] ولما سأل المشركون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة، نزل قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) رفع بدل من (مَنْ)؛ لأنه فاعل (يَعْلَمُ) تقديره: لا يعلم إلا اللهُ الغيبَ في السموات، فأعلم الله تعالى أنه لا يعلم وقت الساعة سواه، وجاء بلفظ يعم الساعة وغيرها.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: البشر ﴿أَيَّانَ﴾ متى ﴿يُبْعَثُونَ﴾.
стр. 2406
عن عائشة ﵂ قالت: "من زعم أن محمدًا ﷺ يعلم الغيب، فقد أعظم على الله الفِرْية" (١).
...
﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (بل) بمعنى: هل. قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (أَدْرَكَ) بقطع الهمزة مفتوحة وإسكان الدال من غير ألف مفتوحة وألف بعدها (٢) وأصله: تدارك، أدغمت التاء في الدال؛ أي: تتابع واجتمع علمهم بحدوث الآخر، فليس من اختص بشيء من علمها فهم جهالة بها.
﴿بَلْ هُمْ﴾ اليوم في الدنيا ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ من الساعة.
﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ جمع عمي؛ أي: عنها عمون بقلوبهم.
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ من قبورنا؟ قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِذَا) بكسر الألف على
стр. 2407
الخبر (أَئِنَّا) على الاستفهام، ويحققان الهمزة الأولى، ويسهلان الثانية، وأبو جعفر وقالون: يفصلان بينهما بألف، وابن عامر، والكسائي: (أئذا) بالاستفهام في الأول مع تحقيق الهمزتين وبالإخبار في الثانية مع زيادة نون فيه فيقولان (إنّا لمخرجون)، وهشام راوي ابن عامر يفصل بألف في الاستفهام مع تحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما، فابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب يحققون الأولى، ويسهلون الثانية، ويفصل بينهما أبو عمرو بألف، وعاصم، وحمزة، وخلف، وروح عن يعقوب: يحققون الهمزتين (١).
...
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾ أي: البعث الذي تَعِدُنا به ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل محمد ﷺ ، وليس ذلك بشيء ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.
...
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ .
[٦٩] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ تهديد لهم بأن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين من قبلهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ النعمة.
...
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾ .
[٧٤] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ تُخفي.
﴿صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر.
...
﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ .
[٧٥] ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الغائبة: اسم لكل مستتر، المعنى: ليس شيء في الوجود.
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، أثبته تعالى ويعلمه.
...
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ .
[٧٦] ولما اختلف أهل الكتاب في دينهم، وفي عيسى ﵇، نزل:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١) المنزل على محمد ﷺ .
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذين هم في زمان محمد ﷺ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأنه مذكور فيه.
...
стр. 2410
﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾ .
[٧٧] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَهُدًى﴾ لمن اتبعه.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنهم المنتفعون به.
...
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾ .
[٧٨] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي﴾ يفصل ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بعدله.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يرد حكمه.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وبحقيقة ما يقضي فيه.
...
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ .
[٧٩] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه ناصرك عليهم.
﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدين الواضح، وهو الإسلام.
...
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ .
[٨٠] ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: الكفار.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ معرضين، لما كانوا لا يعون ما يسمعون، ولا ينتفعون به، سماهم موتى صمًّا وعميًا. قرأ ابن كثير: (وَلاَ يَسْمَعُ) بالياء وفتح الميم (الصُّمُّ) بالرفع فاعلًا، ونصب (الدُّعَاءَ)
стр. 2411
مفعولًا، وقرأ الباقون: بالتاء وضمها وكسر الميم ونصب (الصُّمَّ) و (الدُّعَاءَ) مفعولين، والفاعل مضمر (١)، المعنى: لا تقدر يا محمد على هدايتهم. واختلاف القراء في الهمزتين من (الدُّعَاءَ إِذَا) كاختلافهم فيهما من (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) في سورة الكهف [الآية: ١٠٢].
...
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ .
[٨١] ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قرأ حمزة: (تَهْدِي) بالتاء وفتحها وإسكان الهاء من غير ألف (٢)، ونصب (العُمْيَ) مفعولًا، وقرأ الباقون: بالباء وكسرها وفتح الهاء وألف بعدها، وجر (العُمْيِ) (٣)، ووقف يعقوب (بِهَادِي) بإثبات الياء (٤)، تلخيصه: لا سبيل إلى هداية هؤلاء عن ضلالتهم؛ حيث الهداية لا تحصل إلا بالبصر.
﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون.
...
стр. 2412
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ .
[٨٢] ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب العذاب.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ من ظهور أشراط الساعة.
﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قيل: هي رجل، وأكثرهم: هي دابة، وظهورُها من أشراط الساعة.
قال ابن عباس: "هي ذات زغب وريش، لها أربع قوائم" (١).
روي أن لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، ولون نمر، وصدر أسد، وخاصرة هر، وقرن إيل، وقوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا (٢).
في الحديث: أن طولها ستون ذراعًا.
وعنه ﷺ : "أنها تخرج من الصفا أول ما يبدو رأسها ذات وبر وريش، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب" (٣)، وروي غير ذلك.
﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قال ابن عباس: "تكلم المؤمن والكافر" (٤).
стр. 2413
﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ قرأ الكوفيون، ويعقوب: (أَنَّ النَّاسَ) بفتح الألف؛ أي: تخبر الدابة من رآها أن أهل مكة ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ وقرأ الباقون: بالكسر على الاستئناف (١)؛ أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون: لا يصدقون.
...
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾ .
[٨٣] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَحْشُرُ﴾ نجمع.
﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: من كل قرن من الناس متقدم؛ لأن كل عصر لم يَخْلُ من كَفَرة بالله، من لدن تفرق بني آدم، (مِنْ) للتبعيض، والمراد: الرؤساء.
﴿فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن، و (مِنْ) للتعيين؛ لأن جميع الكفار مكذبون.
﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحبس أولهم على آخرهم، فيحشر رؤساء الأمم بين يدي أممهم إلى الموقف حتى يجتمعوا، ثم يساقون إلى النار.
...
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
стр. 2414
[٨٤] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ تعالى تهديدًا لهم:
﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ أي: كذبتم بها غير عالمين بها، ولم تتفكروا في صحتها، بل كذبتم جاهلين، ونصب (عِلْمًا) على التمييز.
﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أم أي شيء كنتم تعملون بعد ذلك؟ وهو للتبكيت؛ إذ لم يفعلوا غير التكذيب.
...
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ .
[٨٥] ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب.
﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ بتكذيبهم بآيات الله.
﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ باعتذار لختم أفواههم.
...
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ .
[٨٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ أي: خلقناه.
﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنوم والقرار.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيئًا، تُبْصَر فيه الأشياء.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون فيعتبرون.
***
стр. 2415
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ .
[٨٧] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم.
﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ هو قرن ينفخ فيه إسرافيل ﵇.
﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا.
روي أن النفخات ثلاث: الأولى نفخة الصور للفزع، والثانية نفخة الصعق للموت، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين للبعث، وهذه النفخة الأولى، المعنى: إذا نفخ في الصور، مات من شدة النفخة جميع الخلائق.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من ثبت عليه من الملائكة، ثم يموتون بعد ذلك، وقيل الاستثناء: فيمن قضى الله من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن ينالهم نوع الفزع في الصور، قال ﷺ : "ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من رفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممن استثنى الله، أم رفع رأسه قبلي؟ ومن قال: أنا خير من يونس بن متَّى، فقد كذب" (١).
﴿وَكُلٌّ﴾ أي: جميع الخلائق ﴿أَتَوْهُ﴾ قرأ حمزة، وخلف، وحفص عن
стр. 2416
عاصم: (أَتَوْهُ) بفتح التاء وقصر الهمزة على صيغة الفعل الماضي؛ أي: جاؤوا لأمر الله؛ أي: أجابوه، وقرأ الباقون: بمد الهمز وضم التاء على وزن فاعِلُوه: (١) اسم فاعل من المجيء.
﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين.
...
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ .
[٨٨] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة؛ من جمدَ مكانَه.
﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ المعنى: إذا رأيت الجبال وقت النفخة الأولى، ظننتها ثابتة في مكان واحد؛ لعظمتها؛ لأن النظر لا يحيط بها، وهي في الحقيقة تسير سيرًا سريعًا كالسحاب إذا ضربته الريح.
﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ أي: فعلَه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أحكمَه.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ من الأفعال الباطنة والظاهرة، فيجازيهم عليها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وهشام: (يَفْعَلُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (٢).
...
стр. 2417
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ .
[٨٩] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: "فمنها يصير الخير إليه" (١)؛ يعني: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فلا؛ فإنه ليس شيء خيرًا من قول: لا إله إلا الله.
﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرأ الكوفيون: (فَزَعٍ) بالتنوين (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم؛ أي: فزع شديد، وقرأ الباقون: بغير تنوين على إضافة (فَزَعِ) إلى (يَوْمِئِذٍ)؛ لأنه أعم؛ فإنه يقتضي الأمن من فزع ذلك اليوم، ويفتح نافع وأبو جعفر ميم (يَوْمَئِذٍ)، ويكسرها الباقون (٢).
...
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ .
[٩٠] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: ألقوا رؤوسهم.
﴿فِي النَّارِ﴾ ويقال لهم تبكيتًا:
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي والشرك؟!
стр. 2418
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ .
[٩١] ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إنما أمرت.
﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: مكة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلَها حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم أحد، ولا يصاد صيد ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ بالملك والعبودية.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: عابدًا لله.
...
﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ .
[٩٢] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ واتل معناه: تابعْ بقراءتك بين آياته، واسرُدْ.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الإسلام ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثوابه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان، وأخطأ طريق الهدى.
﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين، فليس علي إلا التبليغ للرسالة، وهذا نُسخ بآية السيف.
...
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ .
[٩٣] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعدٌ بعذاب الدنيا؛ كبدر والفتح ونحوهما، وبعذاب الآخرة.
стр. 2419
﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أنها آيات الله حين (١) لا تنفع المعرفة.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب للكفار، وقرأ الباقون: بالغيب إخبارًا عنهم (٢)، والله أعلم.
...
стр. 2420
سورة القصص
مكية، إلا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الآية: ٥ ٢ إلى ٥٥]، وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة بالجحفة وقت هجرة النبي ﷺ ، وهي قوله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [الآية: ٨٥]، وآيها: ثمان وثمانون آية، وحروفها: خمسة آلاف وثماني مئة حرف، وكلمها: ألف وأربع مئة وإحدى وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم (١)﴾ .
[١] ﴿طسم﴾ تقدم الكلام عليه ومذاهب القراء فيه أول الشعراء.
...
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾.
[٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرَآنُ مبينٌ للأحكام.
...
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ نقص عليك شيئًا من خبرهما.