← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

عاصم: (أَتَوْهُ) بفتح التاء وقصر الهمزة على صيغة الفعل الماضي؛ أي: جاؤوا لأمر الله؛ أي: أجابوه، وقرأ الباقون: بمد الهمز وضم التاء على وزن فاعِلُوه: (١) اسم فاعل من المجيء. ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين. ... ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة؛ من جمدَ مكانَه. ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ المعنى: إذا رأيت الجبال وقت النفخة الأولى، ظننتها ثابتة في مكان واحد؛ لعظمتها؛ لأن النظر لا يحيط بها، وهي في الحقيقة تسير سيرًا سريعًا كالسحاب إذا ضربته الريح. ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ أي: فعلَه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أحكمَه. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ من الأفعال الباطنة والظاهرة، فيجازيهم عليها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وهشام: (يَفْعَلُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (٢). ...

стр. 2417

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ . [٨٩] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: "فمنها يصير الخير إليه" (١)؛ يعني: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فلا؛ فإنه ليس شيء خيرًا من قول: لا إله إلا الله. ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرأ الكوفيون: (فَزَعٍ) بالتنوين (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم؛ أي: فزع شديد، وقرأ الباقون: بغير تنوين على إضافة (فَزَعِ) إلى (يَوْمِئِذٍ)؛ لأنه أعم؛ فإنه يقتضي الأمن من فزع ذلك اليوم، ويفتح نافع وأبو جعفر ميم (يَوْمَئِذٍ)، ويكسرها الباقون (٢). ... ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ . [٩٠] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: ألقوا رؤوسهم. ﴿فِي النَّارِ﴾ ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي والشرك؟!

стр. 2418

﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ . [٩١] ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إنما أمرت. ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: مكة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلَها حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم أحد، ولا يصاد صيد ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ بالملك والعبودية. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: عابدًا لله. ... ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ . [٩٢] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ واتل معناه: تابعْ بقراءتك بين آياته، واسرُدْ. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الإسلام ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثوابه. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان، وأخطأ طريق الهدى. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين، فليس علي إلا التبليغ للرسالة، وهذا نُسخ بآية السيف. ... ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ . [٩٣] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعدٌ بعذاب الدنيا؛ كبدر والفتح ونحوهما، وبعذاب الآخرة.

стр. 2419

﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أنها آيات الله حين (١) لا تنفع المعرفة. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب للكفار، وقرأ الباقون: بالغيب إخبارًا عنهم (٢)، والله أعلم. ...

стр. 2420

سورة القصص مكية، إلا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الآية: ٥ ٢ إلى ٥٥]، وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة بالجحفة وقت هجرة النبي ﷺ ، وهي قوله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [الآية: ٨٥]، وآيها: ثمان وثمانون آية، وحروفها: خمسة آلاف وثماني مئة حرف، وكلمها: ألف وأربع مئة وإحدى وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١)﴾ . [١] ﴿طسم﴾ تقدم الكلام عليه ومذاهب القراء فيه أول الشعراء. ... ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾. [٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرَآنُ مبينٌ للأحكام. ... ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ . [٣] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ نقص عليك شيئًا من خبرهما.

стр. 2421

﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق الذي لا شك فيه. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون بأن ما تأتيهم به صدق. ... ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ . [٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ استكبر وتجبر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مصر. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فرقًا مختلفة في خدمته. ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم بنو إسرائيل، ثم فسر الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ والسبب في ذلك: أن كاهنًا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكُك على يده، فطمع بجهله أن يرد القدر، وسُمي: هذا استضعافًا؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فكذلك اجترأ على خلق كثير من أولاد الأنبياء كما تقدم في سورة البقرة لتخيل فاسد. ... ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ . [٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: بني إسرائيل، يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن ننعم ونعظم المن عليهم، ولما كانت إرادة الله تعالى بالمنة عليهم بالنجاة وغيرها كائنة لا محالة،

стр. 2422

جعلت الإرادة كأنها مقارنة استضعافهم. ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادةً يقتدى بهم في الخير. وتقدم اختلاف القراء في (أَئِمَّةً) في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [الآية: ٧ ٣]. ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أملاكَ فرعونَ والقبط. ... ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نوطِّنَ لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مستقرًا. ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل. ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يَتَوَقَّون مما أخبرهم به الكاهن؛ أي: سيظهر للقبط ما كانوا يخافونه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وَيَرَى) بالياء وفتحها، وإمالة فتحة الراء بعدها، ورفع الأسماء الثلاثة فاعلين، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وكسر الراء، ونصب الأسماء الثلاثة مفعولًا (١). ... ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يوخابد بنت لاوا، وحيَ إلهام لا نبوة.

стр. 2423

﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ما أمكنك إخفاؤه، ولما وضعت موسى أمه، وخرجت القابلة من عندها، رآها بعض العيون، فقالت أخته: هذا الحرسي بالباب، فألقته أمه في التنور وهو يُسْجَر، فدخلوا فقالوا: ما شأن هذه القابلة عندك؟ قالت: هي مصافية لي فأرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ القتلَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ البحر، والمراد هنا: النيل. ﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الغرق ولا الضيعة ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ على فراقه. ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتربيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فجمع في (١) هذه الآية بين أمرين ونهيين، وخبرين وبشارتين، والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق لمتوقع، والحزن خوف يلحق لواقع، فخافت عليه، فوضعته في تابوت مطبق، ثم ألقته في النيل ليلًا (٢). ... ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ . [٨] وكان لفرعون إبنة يحبها، وبها برص، فوصفوا لها ريق حيوان شبه الإنسان يخرج من النيل يوم كذا عند طلوع الشمس، تلطخ به وجهها، فتبرأ، فأقبل التابوت على وجه الماء، فقال فرعون: عليَّ به.

стр. 2424

﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أخذوه، والالتقاط: هو وجود الشيء من غير طلب، وتقدم حكم اللقطة واللقيط في سورة يوسف (١). ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ يقتل رجالهم. ﴿وَحَزَنًا﴾ يسبي (٢) نساءهم، واللام في (لِيَكُونَ) تشبه لام (كي)، وتسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وحُزْنًا) بضم الحاء وسكون الزاي، والباقون: بفتحهما، لغتان (٣) بمعنى. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كل شيء؛ لأنهم قتلوا ألوفًا لأجله، ثم أخذوا موسى ليكبر وليفعل بهم ما كانوا يحذرون، ففتح التابوت، فوجدوا فيه طفلًا (٤) صغيرًا في مهده بين عينيه نور، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يرضع منه لبنًا، ولعابه يسيل، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوه من التابوت، عمدت إلى مكان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقبلته وضمته إلى صدرها. ...

стр. 2425

﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ . [٩] وأحبه فرعون وزوجته آسية بنت مزاحم وابنته حبًّا شديدًا، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك! إن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقًا، فاقتله، فهم فرعون بقتله، فثبطته عنه آسية، وكانت من خيار النساء من بنات الأنبياء من بني إسرائيل، وكانت أمًّا للمساكين، ترحمهم وتتصدق عليهم. ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ﴾ أي: هو قرة ﴿عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (امْرَأَهْ) (قُرَّهْ) بالهاء فيهما (١). ﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ قال ﷺ : "لو قالت يومئذ: قرةُ عين لي كما هو لك، لهداه الله كما هداها" (٢)، فاستوهبت آسية موسى من فرعون، فوهبها إياه، فتوسمت فيه النجابة. فقالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في مهامنا ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أن هلاكهم على يده، وسمته آسية موسى؛ لأن تابوته وجد بين الماء والشجر، والماء في لغتهم (مو)، والشجر (شا). قال ابن عباس: "لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: ﴿عَسَى

стр. 2426

أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، لنفعه الله، ولكنه أبي؛ للشقاء الذي كتبه الله عليه" (١). ... ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه؛ لأنها دهشت لما علمت أن فرعون قد التقطه، وكانت قد نسيت وعدَ الله بسلامته. ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بأمر موسى، وتبوح بسرها. ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددنا عليه بالصبر والعصمة. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]. ... ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ مريم: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتبعي أثره، وانظري فيه. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: بعد. روي أنها كانت تمشي جانبًا، وتنظر إليه مزورة اختلاسًا، تُري أنها لا تنظره.

стр. 2427

﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته، وأنها ترقبه. ... ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ . [١٢] وكان هَمُّ امرأةِ فرعون من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكلما أتوه بمرضعة، لم يأخذ ثديها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ جمع مرضعة؛ أي: منعناه عن شرب لبن غير أمه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل قَصِّها أثرَه. ﴿فَقَالَتْ﴾ أخته حين رأت ذلك: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ يضمونه ﴿لَكُمْ﴾، ويرضعونه، وهي امرأة قد قُتل ولدها، فأحبُّ شيء إليها أن تجد صغيرًا ترضعه. ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح: ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، فقال لها هامان: قد عرفت أهله؟ قالت: إنما قلت: هم للملك ناصحون، قالوا: نعم. ... ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ . [١٣] فجاءت بأمها وهو يصيح بعد أن مكث ثماني ليال لا يقبل ثديًا، وهم في طلب مرضعة له، فلما شم ريحها، قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت حتى قبل ثديك؟ قالت: إني طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أوتى بصبي

стр. 2428

إلا قبل ثديي، فدفعه إليها، وأجرى أجرتها عليها، فكانوا يعطونها كل يوم دينار (١) , وأخذتها؛ لأنها مال حربي، لا أنها أجرة حقيقة على إرضاعها ولدَها، فذهبت به إلى بيتها، فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ برد موسى إليها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه. ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ علمَ مشاهدة. ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ الذي وعدها به ﴿حَقٌّ﴾ برده إليها. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحةَ ذلك، فمكث عندها إلى أن فطمته، وردَّته، فتبناه فرعون وآسية. ... ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى قوته، وهو ما فوق الثلاثين ﴿وَاسْتَوَى﴾ اعتدلت قوته، وبلغ أربعين سنة، وهو سن بعث الأنبياء. ﴿آتَيْنَاهُ﴾ قبل نبوته ﴿حُكْمًا﴾ حكمة وفقهًا ﴿وَعِلْمًا﴾ بمصالح الدارين، فكان يتكلم بالحق، وينكر عليهم قبل النبوة. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم. ...

стр. 2429

﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿وَدَخَلَ﴾ موسى ﴿الْمَدِينَةَ﴾ هي مدينة مَنْف من أرض مصر، وتقدم ذكرها في سورة يوسف، وهي مدينة فرعون موسى التي كان ينزلها، وفيها كانت الأنهار تجري تحت سريره. روي أن فرعون خاف من موسى، فأخرجه من مدينته، فغاب عنها سنتين، حتى كبر واشتد، فدخلها مستخفيًا ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ وقت غرة ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يوم عيد لهم، وهم مشغولون بلهوهم. ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ﴾ إسرائيليًّا وقبطيًّا ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ يختصمان. ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أتباعه، روي أنه السامري ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط الذين هم على دين فرعون. ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ طلب منه الغوث ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ وهو الإسرائيلي. ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وهو القبطي، وكان موسى قد أعطي شدة عظيمة. ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ بالعصا، ولم يتعمد قتله، بل أراد دفع ظلمه. ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله، فندم، فدفنه في الرمل. و ﴿قَالَ هَذَا﴾ القتل ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: بسببه؛ لأنه هيج غضبي. ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة، وهذا كان قبل النبوة، وهو مقتضى التلاوة، والسورة تدل عليه.

стр. 2430

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتل القبطي من غير أمر. ﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لاستغفاره. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوب عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم. ... ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بإنعامك ﴿عَلَيَّ﴾ بالمغفرة والقوة والحكم، قسم محذوف الجواب، تقديره: أقسم بما أنعمت لأتوبنَّ، وتفسير الجواب. ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عونًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ للكافرين , وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرًا، قال ابن عباس: "لم يستثنِ، فابتُلي من الغد" (١). ... ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ على نفسه، ونصبُه على الحال. ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر المكروه بأن يستعاد.

стр. 2431

﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه، ويصيح به من بعد على قبطي آخر، قال ابن عباس: أُتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا واحدًا، فخذ لنا حقنا، فقال: ابغوا لي قاتله، ومن يشهد عليه، فلا نستقيم أن نقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيًّا، فاستغاثه على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي (١). ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ أي: قال للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر الغواية؛ لأنك تسببت لقتل رجل، وتقاتل آخر. ... ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ . [١٩] وكان موسى قد غضب غضبًا شديدًا ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ قرأ أبو جعفر: (يَبْطُشَ) بضم الطاء، والباقون: بكسرها (٢)، وذلك أن موسى أدركته الرقة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يقصد قتله؛ لمكان غضبه، وسمع قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.

стр. 2432

فثم ﴿قَالَ﴾ الإسرائيلي: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾ أي: ما تريد ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل ظلمًا. ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فلما قال ذلك، علموا حينئذ من قاتلُ الأول، فوصل ذلك إلى فرعون، فهمُّوا بقتل موسى. ... ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾ . [٢٠] قلما أرسل فرعون الذباحين لقتله، أخذوا الطريق الأعظم. ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ مؤمن، وكان ابنَ عم فرعون، واسمه خربيل، وقيل غيره، وهو مؤمن آل فرعون. ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخرها. ﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبًا حتى يسبق إلى موسى، فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقًا آخر. ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يعني: أشراف قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون بسببك. ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج. ... ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿فَخَرَجَ﴾ موسى ﴿مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ التعرُّضَ له في الطريق.

стр. 2433

﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين، فلما أخبر فرعون بهربه، بعت في طلبه، فقال: اركبوا بنيان الطريق؛ فإنه لا يعرف الطريق. ... ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ . [٢٢] وخرج موسى هاربًا بلا زاد ولا ظهر، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل حتى ترى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خفُّ قدميه. ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ قصدها ماضيًا إليها، وهي قرية شعيب، سميت بمدين بن إبراهيم، وهي على بحر القلزم، وتقدم ذكرها في سورة الأعراف (١) وطه، وهي على مسيرة اثني عشر يومًا من مصر، وكان موسى لا يعرف طريقها، فلذلك. ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصدَ الطريق ووسطَه إليها، فبُعث إليه ملك، فدله على الطريق. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ...

стр. 2434

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: وصل إليه وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جماعة ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم. ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ من مكان أسفل منهم ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ تَكُفَّان غنمَهما عن الماء؛ لئلا تختلط بغنم القوم؛ لضعفها عن السقي معهم. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ غنمنا معهم؛ لعجزنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء؛ لأنا لا نستطيع أن نزاحم الرجال. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وأبو عمرو: (يَصْدُرَ) بفتح الياء وضم الدال على اللزوم؛ أي: يذهب الرعاء بمواشيهم عن الماء، والباقون: بضم الياء وكسر الدال (١)، فالمفعول محذوف؛ أي: يصدر الرعاء مواشيهم من الماء، وأشمَّ الصاد الزاي حمزة، والكسائي، وخلف، ورويس، والرعاء جمع راع؛ كتاجر وتجار. ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على رعي الغنم، وهو شعيب، وهو نبي القوم، وكلهم يحسدونه على ما آتاه الله، قال لهما موسى: وهذا الماء لهم

стр. 2435

خاصة؟ قالتا: لا، بل لجميع الخلق، وكانوا إذا فرغوا، عمدوا إلى حجر عظيم لا يرفعه إلا عشرة نفر يطبقونه على رأس البئر؛ لئلا يقدر على تنحيته. ... ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ . [٢٤] فسكت موسى ﵇ حتى فرع الناس من سقي أغنامهم، فأطبقوا الحجر، وانصرفوا، فقام موسى، وقال للمرأتين: قرِّبا أغنامكما من الحوض، ثم إنه تقدم إلى البئر، وضرب الصخرة برجله، فدحاها أربعين ذراعًا على ضعفه من الجوع وسقوط خُفِّ قدمه. ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أغنامهما. ﴿ثُمَّ﴾ بعد فراغه ﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ كان ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ طعام قليل أو كثير. ﴿فَقِيرٌ﴾ محتاج. ... ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾ . [٢٥] فانصرفت المرأتان إلى أبيهما شعيب، فأخبرتاه بما كان، فقال

стр. 2436

لإحداهما: اذهبي فأتيني به ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ واضعة كم درعها على وجهها حياء منه، فأومأت إليه. ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أجرَ سقيك، فقام موسى، ومرت المرأة بين يديه، فكشفت الريح عن ساقيها، فقال لها موسى: تأخري ورائي، ودليني على الطريق، فتأخرت، وكانت تقول: عن يمينك، وشمالك، وقدامك، حتى وقف على باب شعيب (١)، فلما ردت المرأة لأبيها، وأخبرته، فأذن له بالدخول، وشعيب يومئذ شيخ كبير، وقد كُفَّ بصره، فسلم موسى عليه، فرد ﵇، وعانقه، ثم أجلسه بين يديه، وكان قد هُيئ العشاء، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال: معاذ الله، فقال شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضًا عما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضًا من الدنيا، فقال شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نَقْري الضيف، ونطعم الطعام، فأكل على اسم الله، فلما فرغ من أكله، حمد الله، وأثنى عليه بالجميل، ثم سأله شعيب عن حاله وقصته. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ من حين مولده إلى حين جاءه. ﴿قَالَ﴾ له شعيب: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: فرعون وقومه؛ لأنه لم يكن له سلطان على مدين. ...

стр. 2437

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ . [٢٦] ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتخذه أجيرًا يرعى غنمنا. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ﴾ على العمل ﴿الْأَمِينُ﴾ فقال لها أبوها: وما علمُك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته، فإنه رفع الحجر من رأس البئر، لا يرفعه إلا عشرة، وأما أمانته، فإنه قال لي: امش خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قرأ أبو جعفر، وابن عامر: (يَا أَبَتَ) بفتح التاء حيث وقع على تقدير: يا أبتاه، ووقفوا (يَا أَبَهْ) بالهاء الساكنة، ووافقهما على الوقف ابن كثير، ويعقوب، وقرأ الباقون، ومنهم ابن كثير، ويعقوب: بكسر التاء لأن. . . . به، والجزم يحرك إلى الكسر (١). ... ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ . [٢٧] فرغب شعيب في تزويجه. و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ واسمها صافوراء، وهي التي ذهبت إليه وطلبت استئجاره. قرأ ابن كثير: (هَاتينِّ) بالمد وتشديد النون (٢).

стр. 2438

﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تكون أجيرًا ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: سنين، منصوب على الظرف، واحدتها حجة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: خدمة عشر سنين ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع لا إلزام مني. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام أتم الأجلين. ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ أُرِيدُ) (سَتَجِدُنِيَ) بفتح الياء فيهما، وقرأ الباقون: بإسكانهما فيهما (١). ... ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ . [٢٨] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الشرط. ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ لا تخرج عنه. ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أي: أيَّ الأجلين، و (ما) صلة ﴿قَضَيْتُ﴾ أتممت، الثمانَ أو العشرَ ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فلا يُعتدى ﴿عَلَيَّ﴾ بطلب الزيادة على أحدهما.

стр. 2439

﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حفيظ، فجمع شعيب المؤمنين من أهل مدين، وزَوَّجه ابنته صافوراء، ودخل موسى البيت، وأقام يرعى غنم شعيب عشرَ سنين. والإجارة: بيعُ المنفعة بعِوَض، وهي -بكسر الهمزة-: مصدر أَجَره يأجُره أجرًا، وإجارة، فهو مأجور، واشتقاقها من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، ومن شرط صحتها أن تكون المنفعة والعوض معلومين بالاتفاق، فإذا استأجر رجل رجلًا لعمل معين؛ كخياطة ثوب، أو بناء حائط، أو رعي غنم، ونحو ذلك بأجرة معلومة، صح بغير خلاف. وتقدم ذكر الخلاف في منافع الحر، هل يجوز أن تكون صداقًا؟ في سورة النساء، وأما إجارة الملك في العقار ونحوه، فتصح مدة معلومة، وإن طالت، بالاتفاق، واختلفوا في إجارة الوقف، فقال أبو حنيفة: لا تزاد على ثلاث سنين، وقال مالك: تجوز سنتين، ولمن مرجعها له عشر سنين، وقال الشافعي وأحمد: تجوز مدة يمكن فيها بقاء العين غالبًا، وهي عند أبي حنيفة عقد جائز تنفسخ بموت أحد المتعاقدين إن عقدها لنفسه، وإن عقدها لغيره لا تنفسخ؛ كالوكيل والوصي ومتولي الوقف لبقاء المستحق عليه والمستحق، حتى لو مات المعقود له صارت عند مالك والشافعي وأحمد عقدًا لازمًا لا تنفسخ بالموت، والوارث قائم مقامه، وإذا كانت الأجرة مؤجلة، فمات المستأجر، فمذهب أحمد أن الأجرة على حكمها في التأجيل، وتقدم بها وارثه مؤجلة، وعند مالك والشافعي تحل الأجرة بالموت.

стр. 2440

﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾ . [٢٩] ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ المشروطَ بينهما؛ أي: أتمه، مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم قصد المسير إلى أهله، فبكى شعيب، وقال: يا موسى! كيف تخرج عني وقد ضعفتُ وكبرتُ؟! فقال له: قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي، فإنهم في مملكة فرعون، فقام شعيب، وبسط يديه، وقال: يا رب إبراهيمَ الخليل، وإسماعيلَ الصفي، وإسحاقَ الذبيح، ويعقوبَ الكظيم، ويوسفَ الصديق! رُدَّ قوتي وبصري، فأَمَّنَ موسى على دعائه، فرد الله عليه بصره وقوته، ثم أوصاه بابنته. ﴿وَسَارَ﴾ موسى ﴿بِأَهْلِهِ﴾ نحو مصر ﴿آنَسَ﴾ أبصر. ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: من جهته ﴿نَارًا﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة، فضرب خيمته على الوادي، وأدخل أهله فيها، وهطلت السماء بالمطر والثلج، وكانت امرأته حاملًا، فأخذها الطلق، فأراد أن يقدح، فلم يظهر له نار، فاغتمَّ لذلك، فلما رأى النار من بعيد. ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ قرأ أبو جعفر: (لِأَهْلِهُ امْكُثُوا) بضم الهاء في الوصل (١).

стр. 2441

﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق؛ لأنه كان قد أخطأ الطريق. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (إِنِّي آنَسْتُ) (لَعَلِّي آتِيكُمْ) بإسكان الياء فيهما، وافقهم ابن عامر في (إِنِّي آنَسْتُ)، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (١). ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ قرأ عاصم: (جَذْوَةٍ) بفتح الجيم، وحمزة وخلف: بضمها، والباقون: بكسرها، وكلها لغات صحيحة (٢)، معناها: قطعة غليظة من حطب فيها نار لا لهبَ لها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون. ... ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ . [٣٠] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ﴾ من جانب. ﴿الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ عن يمين موسى. قرأ يعقوب: (الْوَادِي) بإثبات الياء حالة الوقف. ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ وهي القطعة من الأرض بلا شجر، وبركتها؛

стр. 2442

لأن الله كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: من ناحيتها، وهي شجرة عُنَّاب. ﴿أَنْ﴾ يحتمل أن تكون مفسرة؛ لأن النداء قول، أو مخففة من الثقيلة؛ أي: نودي بأن. ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾ . [٣١] ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، وتقدم اختلاف القراء في (رَآهَا) في سورة الأنبياء. ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ هاربًا منها ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يلتفت، فنودي: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ عن المخاوف. ... ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.

стр. 2443

[٣٢] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ هو القميص، وتقدم الكلام عليه في سورة النمل. ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَص، فخرجت لها شعاع كضوء الشمس. ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي: يدَك ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن كثير: (الرَّهَبِ) بفتح الراء والهاء، ورواه حفص عن عاصم: بفتح الراء وإسكان الهاء، وقرأ الباقون: بضم الراء وإسكان الهاء، وكلها لغات بمعنى الخوف (١)، ومعنى الآية: إذا هالَكَ أمرُ يدك، وما تَرى من شعاعها، فأدخلْها في جيبك، تَعُدْ إلى حالتها الأولى. ﴿فَذَانِكَ﴾ إشارة إلى العصا واليد البيضاء. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ورويس: بتشديد النون والمد، وهي لغة قريش، والباقون: بالتخفيف (٢) ﴿بُرْهَانَانِ﴾ حجتان ومعجزتان. ﴿مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم. ...

стр. 2444

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ . [٣٣] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بها. قرأ يعقوب: (يَقتُلُوني) بإثبات الياء (١). ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ . [٣٤] ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ فإنما قال ذلك؛ للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه. ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ معينًا. ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بتلخيص الحق، وتقرير الحجة، لا أن يقول له: صدقت، أو للجماعة: صدقوه، يؤيد ذلك قوله قبل: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ لأن ذلك يقدر عليه الفصيح وغيره. ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ يعني: فرعون وقومه. قرأ حفص: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ نافع (رِدًا) منون غير مهموز بوزن سِوًى طلبًا للخفة، وقرأ أبو جعفر: (رِدَا) بالألف من غير تنوين في الحالين، وقرأ

стр. 2445

الباقون: بإسكان الدال وبالهمز والتنوين (١)، وقرأ عاصم وحمزة: (يُصَدِّقُنِي) برفع القاف على الحال؛ أي: رِدْءًا مصدقًا، وقرأ الباقون: بالجزم جوابًا لـ (أرسلْه) (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ ورش عن نافع: (يُكَذِّبُوني) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (٤). ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ . [٣٥] ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنقويك بأخيك، والعضد: قوام اليد، وبشدتها تشتد، وهو ما بين المرفق والكتف، ويقال للضعيف: هو يد بلا عضد، وكان هارون يومئذ بمصر. ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قوة بالعصا، وحجة.

стр. 2446

﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي: تمتنعان منهم بآياتنا، فلا يصلون إليكما بسوء. ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبةُ على فرعون وقومه. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾ . [٣٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات. ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مختلق ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي تدعونا إليه ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كائنًا في أيامهم. ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾ . [٣٧] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ قرأ ابن كثير: (قَالَ مُوسَى) بغير واو؛ كما هي في مصحف أهل مكة على الاستئناف، وقرأ الباقون: بالواو، وكذلك هي في مصاحفهم (١)؛ لأنه عطف جملة على جملة. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ بالحق من المبطل. ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: العقبى المحمودة في الدار الآخرة.

стр. 2447

﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون لا ينجح سعيهم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ أَعْلَمُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَكُونُ لَهُ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء؛ لتأنيث العاقبة (٢). ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾ . [٣٨] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفى علمه بإله غيره دون وجوده؛ إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم، ولذلك أمر ببناء الصرح؛ ليصعد إليه، ويطلع على الحال بقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ اجعله آجرًا، وهو أول من عمله. ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ قصرًا عاليًا. ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ﴾ أصعد ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فأقتله. ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى في ادعائه إلهًا غيري. ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول هذا جهلًا وتمويهًا على قومه. قرأ

стр. 2448

الكوفيون، ويعقوب: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون بفتحها (١). وكان من قصة الصرح: أن هامان جمع خمسين ألف بنَّاء وصانع، وأخذوا في ذلك، وأسسوا حتى بنوا الصرح، وارتفع في الهواء ارتفاعًا لم يبلغه أحد من الخلق، أراد الله أن يفتنهم فيه، واشتد ذلك على موسى وهارون؛ لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه، فلما فرغوا منه، ارتقى فرعون فوقه، وأخذ سهمًا، فرمى به نحو السماء، فرد إليه وهو ملطخ دمًا، قال: قد قتلت إله موسى، ثم أمر الله جبريل ﵇ أن يهدم الصرح، فجعل عاليه سافله، وهلك تحته ألف ألف رجل من عسكر فرعون، ولم يبق أحد ممن عمل فيه إلا هلك؛ ممن كان على دين فرعون (٢). ... ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ . [٣٩] ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير استحقاق. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع، وحمزة، والكسائي،

стр. 2449

ويعقوب، وخلف: (يَرْجِعُونَ) بفتح الياء، وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١). ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ . [٤٠] ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحر. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وحذِّرْ قومك من مثلها. قال ﷺ حكاية عن الله تعالى: "الكبرياءُ ردائي، والعَظَمَةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما، ألقيته في النار" (٢). ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾ . [٤١] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قدوة للضلال، ورؤساء ﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ عمل

стр. 2450

أهل ﴿النَّارِ﴾ وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في (أَئِمَّةً) أول السورة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يُمنعون من العذاب. ... ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ . [٤٢] ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا وعذابًا. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المشوَّهين بسواد الوجه وزرقة العيون. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ . [٤٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. ﴿بَصَائِرَ﴾ جمع بصيرة، وهي نور القلب؛ كالبصر نور العين ﴿لِلنَّاسِ﴾ فقط، ليبصروا ذلك الكتاب، ويهتدوا به ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ بما فيه من المواعظ. ***

стр. 2451

﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بجانب غروب الشمس من الطور، وهو الذي كان فيه الميقات؛ حيث ناجى موسى ربه. ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أي: عهدنا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون. ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الحاضرين ذلك المقام، فتذكرَه من ذات نفسك. ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَلَكِنَّا﴾ أوحينا إليك ذلك، وأوحينا إليك أَنَّا. ﴿أَنْشَأْنَا﴾ بعد عهد الوحي إليه إلى عهدك ﴿قُرُونًا﴾ كثيرة. ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ﴾ أي: على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيه. ﴿الْعُمُرُ﴾ أي: أمد انقطاع الوحي، فجددنا بك العهد. ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب. ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ على أهل مكة ﴿آيَاتِنَا﴾ أي: لم تشاهد ما تقدمك، فتخبر به أهل مكة. ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إليك بأخبار المتقدمين، فتتلوها عليهم. ***

стр. 2452

﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ناحية الجبل. ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ليلة المناجاة، والمعنى: لو لم نوح إليك هذا كله، ما علمت. ﴿وَلَكِنْ﴾ أعلمناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم أهل مكة. ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأن أهل مكة لم يجئهم نذير قبل محمد ﷺ ، وكانوا في فترة بينه وبين عيسى ﵇، وهي مدة تقرب من ست مئة سنة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون. ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي، وجواب (لولا) محذوف يقتضيه الكلام، تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه من العقوبة. ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ ينذرنا. ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين، فأرسلناك؛ لتزول حجتهم، وينقطع عذرهم ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 2453

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ يعني: القرآن، ومحمد ﷺ . ﴿قَالُوا﴾ كفار مكة: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ هَلَّا أُعطي محمد. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة وغيرها من الآيات. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد ﷺ . ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أي: موسى ومحمد ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا، وهذا قول العرب، وقيل المراد: موسى وهارون، وهو قول من لم يؤمن بهما في زمانهما. قرأ الكوفيون: (سِحْرَانِ) بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف قبلها؛ أي: التوراة والقرآن، يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع، وقرأ الباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، على المعنى الأول (١). ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ منهم من كتبهم ﴿كَافِرُونَ﴾ وكان العرب قد بَعثوا إلى رؤساء اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد ﷺ ، فأخبروهم أنه صادق، وأن نعته وصفته عندهم. ...

стр. 2454

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ يعني: التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ولما كان (فأتوا) أمرًا، والأمر يقتضي الإجابة، قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دعاءك إلى الإتيان بكتاب. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في كفرهم. ﴿وَمَنْ﴾ استفهام نفي. ﴿أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾؟ المعنى: لا أحد أضل ممن اتبع هواه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم باتباع الهوى. ... ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أنزل عليهم القرآن متواصلًا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الأدلة، فيؤمنون.

стр. 2455

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ونزل في علماء المؤمنين من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، مبتدأً ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ (١) الضمير للقرآن، وخبر (الذين): ﴿هُمْ بِهِ﴾ بمحمد ﷺ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه مذكر في كتبهم. ... ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل وجوده ونزوله ﴿مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين بمحمد ﷺ . ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يضعف لهم أجرهم ضعفين؛ لإيمانهم بالكتابين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على العمل بالشريعتين ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون بالطاعة المعصية المتقدمة ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في الطاعة. ...
следующие страницы →