← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾ . [٤٤] ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بجانب غروب الشمس من الطور، وهو الذي كان فيه الميقات؛ حيث ناجى موسى ربه. ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أي: عهدنا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون. ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الحاضرين ذلك المقام، فتذكرَه من ذات نفسك. ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾ . [٤٥] ﴿وَلَكِنَّا﴾ أوحينا إليك ذلك، وأوحينا إليك أَنَّا. ﴿أَنْشَأْنَا﴾ بعد عهد الوحي إليه إلى عهدك ﴿قُرُونًا﴾ كثيرة. ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ﴾ أي: على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيه. ﴿الْعُمُرُ﴾ أي: أمد انقطاع الوحي، فجددنا بك العهد. ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب. ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ على أهل مكة ﴿آيَاتِنَا﴾ أي: لم تشاهد ما تقدمك، فتخبر به أهل مكة. ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إليك بأخبار المتقدمين، فتتلوها عليهم. ***

стр. 2452

﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾ . [٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ناحية الجبل. ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ليلة المناجاة، والمعنى: لو لم نوح إليك هذا كله، ما علمت. ﴿وَلَكِنْ﴾ أعلمناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم أهل مكة. ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأن أهل مكة لم يجئهم نذير قبل محمد ﷺ ، وكانوا في فترة بينه وبين عيسى ﵇، وهي مدة تقرب من ست مئة سنة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون. ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ . [٤٧] ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي، وجواب (لولا) محذوف يقتضيه الكلام، تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه من العقوبة. ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ ينذرنا. ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين، فأرسلناك؛ لتزول حجتهم، وينقطع عذرهم ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 2453

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾ . [٤٨] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ يعني: القرآن، ومحمد ﷺ . ﴿قَالُوا﴾ كفار مكة: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ هَلَّا أُعطي محمد. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة وغيرها من الآيات. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد ﷺ . ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أي: موسى ومحمد ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا، وهذا قول العرب، وقيل المراد: موسى وهارون، وهو قول من لم يؤمن بهما في زمانهما. قرأ الكوفيون: (سِحْرَانِ) بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف قبلها؛ أي: التوراة والقرآن، يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع، وقرأ الباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، على المعنى الأول (١). ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ منهم من كتبهم ﴿كَافِرُونَ﴾ وكان العرب قد بَعثوا إلى رؤساء اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد ﷺ ، فأخبروهم أنه صادق، وأن نعته وصفته عندهم. ...

стр. 2454

﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ . [٤٩] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ يعني: التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ . [٥٠] ولما كان (فأتوا) أمرًا، والأمر يقتضي الإجابة، قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دعاءك إلى الإتيان بكتاب. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في كفرهم. ﴿وَمَنْ﴾ استفهام نفي. ﴿أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾؟ المعنى: لا أحد أضل ممن اتبع هواه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم باتباع الهوى. ... ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾ . [٥١] ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أنزل عليهم القرآن متواصلًا. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الأدلة، فيؤمنون.

стр. 2455

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ . [٥٢] ونزل في علماء المؤمنين من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، مبتدأً ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ (١) الضمير للقرآن، وخبر (الذين): ﴿هُمْ بِهِ﴾ بمحمد ﷺ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه مذكر في كتبهم. ... ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾ . [٥٣] ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل وجوده ونزوله ﴿مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين بمحمد ﷺ . ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ . [٥٤] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يضعف لهم أجرهم ضعفين؛ لإيمانهم بالكتابين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على العمل بالشريعتين ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون بالطاعة المعصية المتقدمة ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في الطاعة. ...

стр. 2456

﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ . [٥٥] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ القبيحَ من القول، واللغو من الكلام: ما هو ساقط العبرة، وهو الذي لا معنى له ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون: تبًّا لكم، تركتم دينكم، فيعرضون عنهم، ولا يردون عليهم. ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فكلٌّ مطالب بعمله. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام توديع ومتاركة، وليس هو سلام التحية؛ أي: لا نعارضكم في شيء ما؛ لأنا. ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبتهم؛ لئلا نكون مثلهم، والجهل نقيصة، وهو معرفة الشيء على خلاف ما هو عليه، وهذا منسوخ بآية السيف. ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ . [٥٦] ولما حرص النبي ﷺ في إيمان أبي طالب، نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) هدايتَه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فيدخله في الإسلام.

стр. 2457

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بالمستعدين لذلك. ... ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ . [٥٧] ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي: يأخذْنا العرب لقتلنا، والقائلون قريش، وسبب نزولها: أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي ﷺ : إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا إن اتبعناك على دينك، خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة، والاختطاف: الانتزاع بسرعة، فنزل توبيخًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ (١) نسكنهم ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ يأمنون فيه العدو والخسف مع كفرهم، فكيف لو أسلموا؟! إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمِنون؛ حيث كانوا لحرمة الحرم. ﴿يُجْبَى﴾ يجمع، ويحمل ﴿إِلَيْهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (تُجْبَى) بالتاء على التأنيث؛ لأجل الثمرات، وقرأ الباقون: بالياء

стр. 2458

على التذكير؛ للحائل بين الاسم المؤنث والفعل (١) ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم. ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ونصبه حال من (ثمرات). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق؛ لأنهم جهلة لا يتفطنون له. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ . [٥٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ﴾ أهل ﴿قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ والبطر: الطغيان في النعمة. قال ﷺ : " [فاضوا] في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام" (٢). ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: يسكنها المارة والمسافرون ساعة أو يومًا. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ جميعَ المخلوقات. ...

стр. 2459

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ . [٥٩] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ في كل زمان. ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أي: في أعظمها ﴿رَسُولًا﴾ ينذرهم؛ لأن الرسل إنما تبعث غالبًا إلى الأشراف، وهم غالبًا يسكنون المدن، وقيل: المراد بأم القرى هاهنا: مكة، وبالرسول: محمد ﷺ . قرأ حمزة، والكسائي: (إِمِّهَا) بكسر الهمزة حالة الوصل إتباعًا، وإذا ابتدأا، ضماها، وبه قرأ الباقون في الحالين (١). ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ترغيبًا وترهيبًا. ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون؛ أي: أهلكتهم بظلمهم. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ . [٦٠] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أسباب الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم أنتم وهي إلى فناء. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لأنه مستمر.

стр. 2460

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي خير من الفاني. قرأ أبو عمرو: (يَعْقِلُونَ) بالغيب، وهو أبلغ في الموعظة، وقرأ الباقون: بالخطاب، وهو وجه من أبي عمرو، إلا أن الأشهر عنه الغيب (١). ... ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ . [٦١] فبعد ذكر الحياة الدنيا، وما عند الله، وتفاوتهما، عَقَّبه بالفاء مدخلًا عليها همزة الاستفهام، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ هو الجنة. ﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ صائر إليه. ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويزول عن قريب. ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في النار؟! روي أنها نزلت في النبي ﷺ وأبي جهل، وقيل: نزلت في حمزة وعلي وأبي جهل، وقيل: في عمار والوليد بن المغيرة، وقيل: في المؤمن والكافر (٢). قرأ الكسائي، وقالون، وأبو جعفر بخلاف عنه: (ثُمَّ هْوَ) بإسكان الهاء تخفيفًا، والباقون: بضمها (٣).

стр. 2461

في الحديث: "من كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همّه، جعل الله الغناء في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (١). ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ . [٦٢] ﴿وَيَوْمَ﴾: واذكر يوم. ﴿يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أين هم شركائي في الدنيا؟ ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾ . [٦٣] ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ثبت عليهم مقتضاه، وهو: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وهم رؤوس الكفر: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أي: أضللناهم كما ضللنا، لم نُكرههم على الغي، إنما غووا باختيارهم، مع تسويلنا لهم. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم ومن كفرهم، فصرنا أعداء، وكذبوا علينا. ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إنما عبدوا أهواءهم. ...

стр. 2462

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾ . [٦٤] ﴿وَقِيلَ﴾ لمن عبد غير الله توبيخًا وتهديدًا: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ استعينوا بآلهتكم؛ لتخلصكم من العذاب. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لم يجيبوهم بنفع؛ لعجزهم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ لأربابهم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جوابه محذوف؛ أي: لما اتبعوهم في الدنيا، ولما رأوا العذاب في الأخرى. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ . [٦٥] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: يسأل الله الكفارَ. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين دعوهم إلى الله، وهذا النداء كالأول، ويحتمل أن يكون كل منهما بواسطة من الملائكة، ويحتمل غير ذلك. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾ . [٦٦] ﴿فَعَمِيَتْ﴾ خفيت ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ الأخبار. ﴿يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن خبر. ***

стр. 2463

﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾ . [٦٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الناجين، و (عَسَى) حرف تَرَجٍّ، وهو من الله واجب. ... ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [٦٨] ولما قال المشركون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، نزل جوابًا لهم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) لا مانع له. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليس لهم الاختيار في شيء، ثم نزه نفسه تعالى فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به. ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ . [٦٩] ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ تخفي. ﴿صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يُظْهِرون.

стр. 2464

﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ . [٧٠] ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ﴾ أي: هو مستحقُّه. ﴿فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ يحمده أولياؤه في الدارين. ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ فصلُ القضاء بين الخلائق. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ . [٧١] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني يا أهل مكة. ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا نهار معه. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة. ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماعَ فهم وقبول، وقرن بالضياء السمع؛ لأن السمع [يدرك] للأبصار البصر. قرأ قنبل عن ابن كثير: (بِضِئَاءٍ) بهمزتين، والباقون: بفتح الياء والهمز بعدها (٢)، واختلاف القراء في (أَرَأَيْتُمْ)

стр. 2465

كاختلافهم في ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ . [٧٢] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا ليل فيه. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ استراحةً عن متاعب الأشغال. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قدرةَ الله، فتوحدون؟! وقرن بسكون الليل البصر؛ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما لا تبصر أنت من السكون. ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ . [٧٣] ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالنهار. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمَ الله سبحانه.

стр. 2466

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ . [٧٤] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يومَ. ﴿يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وكرر هذا المعنى إبلاغًا وتحذيرًا، وهذا النداء هو ظهور كل ما وعد الرحمن على ألسنة المرسلين؛ من وجوب الرحمة لقوم، والعذاب لآخرين، ومن خضوع كل جبار، وذلة الكل لعزة رب العالمين، فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار، فيقول الله لهم على معنى التوبيخ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾؟! ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ . [٧٥] ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أخرجنا في ذلك اليوم ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: شاهدًا، وهو رسولها، وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر، تقديره: ليشهد الشهيد على الأمة بخيرها وشرها. ﴿فَقُلْنَا﴾ للأمم على جهة استبراء الحجة والإعذار في المحاورة: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن لله شريكًا، فيسقط حينئذ في أيديهم. ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الإلهية، لا شريك له. قال ابن عطية: ومن هذه الآية انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم: أبقيَتْ لك حجة؟ (١)

стр. 2467

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل في الدنيا. ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ . [٧٦] ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ هو اسم أعجمي؛ كهارون، فلذلك لم ينصرف، وهو ابن عم موسى على الأشهر؛ لأنه يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، وموسى بن عمران بن فاهث، وفد من بني إسرائيل بإجماع، وآمن بموسى، واتبعه، وكان يلقب: المنور؛ لحسن صوته، وكان يقرأ التوراة من قلبه، وكان عاملًا لفرعون. ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ترفع وجاوز الحد على بني إسرائيل، بظلمه وكفره وكثرة ماله، وخالف موسى، وكَذَّبه. ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ الأموالَ المدخرة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (ما) موصولة، و (مفاتحه) جمع مفتاح -بالكسر-، وهو الذي يُفتح به الباب. ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: تُثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها، وكان فقرًا جدًّا، فتعلم صنعة الكيمياء من كلثوم أخت موسى، وكانت تعرف ذلك، فرزق مالًا عظيما يُضرب به المثل على طول الدهر، وكان مفاتيح كنوزه تحمل على أربعين بغلًا، وقيل غير ذلك. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ متعلق بقوله ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ والمراد بقومه: المؤمنون منهم ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ بحطام الدنيا.

стр. 2468

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ البَطِرين بالمال، ولم يشكروا على ما أُعطوا. ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ . [٧٧] ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ اطلبْ فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة الجنةَ، وهو أن تشكره على نعمه، وتنفقَ المال في رضاه. ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ هو أن تأخذ ما يكفيك. ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فيما أنعم عليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا تعصِ؛ لأن من عصى الله، فقد طلب الفساد في الأرض. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لسوء أفعالهم. ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ . [٧٨] ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أي المال. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ من ﴿عِنْدِي﴾ أي: علم الله فيَّ خيرًا، فرآني أهلًا لذلك، ففضلني بالمال عليكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (عِنْدِيَ) بفتح

стр. 2469

الياء، والباقون: بإسكانها، واختلف عن ابن كثير (١)، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الكافرة. ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمال، وهذا توبيخ له؛ لأنه كان قد علم حال من تقدمه وهلاكه، فلم ينزجر. ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لعلمه بهم، بل يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾ . [٧٩] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ في زينته على بغلة شهباء عليها سرج ذهب، ومعه أربعة آلاف فارس (٢) ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاث مئة غلام، وعن يساره ثلاث مئة جارية، عليهم الحلي والديباج (٣) ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ من المال ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ جَدٌّ وبَخْتٌ عظيم من الدنيا.

стр. 2470

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ . [٨٠] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم أحبار بني إسرائيل الزاهدون في الدنيا لغابطي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ وأصل وَيْل: الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر. ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ صَدَّق بتوحيد الله. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مما أُوتي قارون في الدنيا. ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يوفق هذه الكلمة التي قالها العلماء، وقيل: لا يرزق الأعمال الصالحة. ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله. ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ . [٨١] وسبب هلاك قارون: أنه بغى على موسى، وكان أول طغيانه: أن أوحي إلى موسى: أنْ مُرْ بني إسرائيل أن يعلقوا أرديتهم خيوطًا أربعة خضرًا على لون السماء يذكرون إذا رأوها أن كلامي نزل منها، قال موسى: ألا نأمرهم بجعلها كلها خضرًا؛ فإنهم يحقرون هذه الخيوط؟ فقال: يا موسى! إن من أمري ليس بصغير وإن هم لم يطيعوني في الصغير، لم يطيعوني في الكبير، فأمرهم، ففعلوا، وامتنع قارون، ولما عبروا البحر، جعل موسى الجودة والقربان في هارون، فقال: يا موسى! تذهب بالرسالة، وهارون

стр. 2471

بالقربان والجودة، فما يبقى لي، وأنا أقرأ بني إسرائيل للتوراة؟! ليس لي على هذا صبر، فقال موسى: من الله، فقال: لا أصدقك حتى تأتي على ذلك بآية، فأمر موسى أشراف قومه بوضع عصيهم في بيت، ففعلوا، وباتوا يحرسونها، فأصبحت عصا هارون مورقة خضراء، فقال قارون: ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل موسى، وجعل موسى يداريه؛ لما بينهما من القرابة، وهو لا يلتفت إليه، وبنى دارًا، وصَفَّحها بالذهب، وجعل أبوابها ذهبًا، وتكبر بسبب كثرة ماله على موسى، ولما نزلت الزكاة، صالحه موسى على أن يعطيه عن كل ألف دينار دينارًا، وعن كل ألف درهم درهمًا، وعن كل ألف شاةٍ شاة، ثم رجع موسى إلى بيته، فجمعها، فرآها جملة عظيمة، فلم تسمح بذلك نفسه، فمنعها، وخرج عن طاعة موسى، وأحضر امرأة بَغِيًّا، وأمرها بقذف موسى بنفسها، فلما كان يوم العيد، قام موسى خطيبًا، فقال: من سرقَ قطعناه، ومن زنى غيرَ محصَنٍ جلدناه، ومن زنى محصنًا رجمناه، فقال قارون: ولو كنت أنت؟! قال: وإن كنت أنا، فقال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأُحضرت، فأنشدها موسى بالله أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جُعلًا على أن أرميكَ بنفسي، فخرَّ موسى ساجدًا يبكي، وقال: يا رب! إن قارون قد بغى علي، فأقبل موسى حتى دخل قارون، وقال: يا عدو الله! تبعث إلي المرأة على رؤوس بني إسرائيل تريد فضيحتي؟! يا أرض خذيه، فساخت داره في الأرض ذراعًا، وسقط قارون عن سريره، فأخذته الأرض إلى ركبتيه، فقال: يا موسى! أغثني، فقال: يا عدو الله تبني مثل هذه الدار، وتشرب في آنية الذهب والفضة، وأنا أدعوك إلى [حظك] فلا تقبله، وتقول: إنما أوتيته على علم عندي؟! يا أرض خذيه، فأخذته، روي أنه ناشده سبعين مرة،

стр. 2472

وهو لا يلتفت إليه؛ لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيه، فانطبقت عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) من دون عذابه، فأوحى الله إلى موسى: ما أغلظَ قلبَكَ، استغاث بك سبعين مرة فلم تغثه؟! فوعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة واحدة، لأغثته. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ الممتنعين مما حل به. روي أنه خُسف به إلى الأرض السفلى، ولما خسفت به، قال بنو إسرائيل: إنما دعا عليه ليستبد بأمواله، فدعا موسى، فخسف بجميع أمواله (٢). ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾ . [٨٢] ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾ أي: صار أولئك الذين تمنوا ما رزق من المال والزينة. ﴿بِالْأَمْسِ﴾ أي: بالوقت القريب منهم، استعاره هنا؛ لأن أمس عبارة عن اليوم الذي قبل يومك، يتندمون.

стр. 2473

و ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ يضيق. ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فلم يعطنا ما تمنينا. ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ لتوليده فينا ما ولده فيه، فخسف به لأجله. ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لنعمة الله؛ كقارون. (وَيْكَأَنَّ) كتبت موصولة كلمة واحدة في جميع المصاحف، وكذلك (وَيْكَأَنَّهُ) لكثرة الاستعمال، لأن أصلها: (وَيْ) تعجب و (ما) متصلة بـ (أن) عند البصريين، ولذلك فتحت الهمزة، فصار معناها الندامة، والتنبيه على الخطأ، وعند الكوفيين أن (وَيْكَ) ويلك، ومعناها: ألم تر، واختلف في الوقف عليهما، فوقف أبو عمرو: (وَيْك) على الكاف مقطوعة من الهمزة، وإذا ابتدأ، ابتدأ بالهمزة (أَنَّ)، و (أَنَّهُ)، ووقف الكسائي (وَيْ) على الياء مقطوعة من الكاف، وإذا ابتدأ، ابتدأ بالكاف (كَأَنَّ) و (كَأَنَّهُ)، ووقف الباقون (وَيْكَأَنَّ) (وَيْكَأَنَّهُ) موصولة اتباعًا للمصحف، وهذا هو الأولى والمختار في مذاهب الجميع؛ اقتداء بالجمهور، وأخذًا بالقياس الصحيح (١)، وقرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (لَخَسَفَ) بفتح الخاء والسين، الفاعل الله تعالى، وقرأ الباقون: بضم الخاء وكسر السين مجهولًا (٢). ...

стр. 2474

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [ القصص: ٨٣]. [٨٣] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي: الجنة. ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ بَغْيًا. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ عَمَلًا بالمعاصي ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. عن علي ﵁: أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدوة (١). ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ . [٨٤] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بعمل صالح. ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ أي: من ثوابها الموازي لهما. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أخبر تعالى أن السيئة لا يُضاعف جزاؤها؛ فضلًا منه ورحمة. ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾ . [٨٥] ولما خرج رسول الله ﷺ من الغار مهاجرًا إلى المدينة، سار في

стр. 2475

غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن، رجع إلى الطريق، ونزل الجحفة بين مكة والمدينة، فاشتاق إلى مكة، فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (١) أنزله شيئًا بعد شيء ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة، ولما وُعد ﷺ بالعَوْد إلى مكة بعد قول المشركين له: إنَّكَ لفي ضلال مبين، نزل: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: هو أعلم بالفريقين، فيجازي كلًّا بعمله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ . [٨٦] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: يوحى إليك القرآن. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ نصب على أنه استثناء منقطع؛ أي: لكن رحمة من ربك، فأعطاك القرآن. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ مُعينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عبادتهم.

стр. 2476

﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾ . [٨٧] ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ لا يصرفُنَّكَ. ﴿عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ عن قراءتها، والعمل بها. ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: بعد وقت إنزالها إليك، و (إذ) تضاف إلى الزمان؛ كحينئذ. قرأ يعقوب: (يَصُدُّنْكَ) مجزوم النون، والباقون: بفتحها مشددة (١). ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى توحيده ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الخطاب الظاهر للنبي ﷺ ، والمراد: أهل دينه، وجميع الآية يتضمن المهادنة والموادعة، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وسبب هذه الآية: ما كانت قريش تدعو رسول الله ﷺ من تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمرَ الغرانيق كما تقدم في سورة الحج. ... ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ . [٨٨] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ نهي عما هم بسبيله، فهم المراد، وإن عري اللفظ عن ذكرهم. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا هو.

стр. 2477

﴿الْحُكْمُ﴾ فصلُ القضاء، وإنفاذُ القدرة في الدارين. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخبار بالحشر والعودة من القبور. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم حيث وقع؛ من رجوع الآخرة، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١)، قال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو بالوجهين (٢)، والله أعلم.

стр. 2478

سُوْرَةُ العَنْكَبُوتِ مكية، إلا الصدر منها العشر الآيات، فإنها مدنية، نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وآيها: تسع وستون آية، وحروفها: أربعة آلاف ومئة وخمسة وتسعون حرفًا، وكلمها: تسع مئة وثمانون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١)﴾ . [١] ﴿الم﴾ تقدم الكلام عليه أول سورة البقرة، وملخصه: أن معناه: أنا الله أعلم، وتقدم الخلاف في الحروف التي في أوائل السور أول سورة مريم. قرأ أبو جعفر: بتقطيع الحروف، يسكت على كل حرف سكتة يسيرة كما تقدم التنبيه عليه غير مرة. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾ . [٢] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ قرأ ورش: (المَ احَسِبَ النَّاسُ) بفتح الميم وحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الميم تخفيفًا، ويجوز بالمد والقصر في (ميم) كما تقدم عن الجمهور حالة الوصل في أول سورة آل عمران،

стр. 2479

لكن الوصل هنا مختص بمذهب ورش، وقرأ الباقون: بإسكان الميم وفتح الهمزة (١). ﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ استفهام تقريع وتوبيخ، والمعنى: أظنوا تركهم غيرَ مفتونين؛ لقولهم: آمنا؟! والفتنة: الامتحان بالشدائد، تلخيصه: لا بد من امتحانهم، وإذا أحب الله عبدًا، جعله للبلاء غرضًا. نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك (٢)، فنزلت الآية تسلية ومعلمة أن هذه سيرة الله في عباده اختبارًا للمؤمنين؛ ليعلم الصادق، ويرى ثواب الله له، ويعلم الكاذب، ويرى عقاب الله إياه. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب في هذه الجماعة، فهي في معناها باقية في أمة محمد ﷺ موجود حكمها بقية الدهر (٣) . ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾. [٣] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كالأنبياء والأولياء، فمنهم من نُشر

стр. 2480

بالمنشار، وعذب بأنواع العذاب، فلم ينصرف عن دينه. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ بالامتحان ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فليظهرن الصادق من الكاذب. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ . [٤] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (أم) معادلة للألف في قوله: (أَحَسِبَ)، المعنى: أظن المسيئون، وهم الكفار. ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا أي: يفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم؟! ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس حكمًا يحكمون لأنفسهم بهذا الظن. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ . [٥] ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ يأمل ثوابه، ويخشى البعث والحساب. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ هو الأمد المضروب للثواب والعقاب ﴿لَآتٍ﴾ لكائن. روي عن يعقوب، وقنبل: الوقف بالياء على (لآتِي). ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فلا يفوته شيء. ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ . [٦] ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ جهاد حرب، أو جهاد نفس، بالصبر على مضض الطاعة.

стр. 2481

﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثوابه لها. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فلا حاجة به إلى جهادهم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾ . [٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لنبطلنها بسترها وترك العقوبة عليها. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: نضاعف لهم الحسنات. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ . [٨] ونزل في سعد بن أبي وقاص، وهو من السابقين الأولين لما أسلم، فحلفت أمه ألَّا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بمحمد، فقال: والله! لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما كفرت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) نصب بـ (وصينا)؛ أي: وصيناه أن يفعل بهما ما يحسن. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنه لي شريك. ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك، وجاء في الحديث: "لا طاعة للمخلوق في

стр. 2482

معصية الخالق" (١)، ثم أوعد بالمصير إليه، فقال: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من صالح أعمالكم وسيئها، وأجازيكم عليها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾ . [٩] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي﴾ زمرة. ﴿الصَّالِحِينَ﴾ وهم الأنبياء والأولياء، وهي الجنة. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ . [١٠] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: طاعته والإسلام. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ﴾ أي: عذاب ﴿النَّاسِ﴾ إياه هنا ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فساوى بين العذابين، فخاف العاجل، وأهمل الآجل، وهم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذى من الكفار، صرفهم عن الإيمان. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ دولة للمؤمنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المرتدون.

стр. 2483

﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على دينكم، ولكنا أُكرهنا على الكفر، فقال تعالى: تكذيبًا لهم: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ من الإيمان والكفر؟! ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ . [١١] ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حقيقةَّ، فثبتوا على الإيمان عند البلاء. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ في إيمانهم؛ بترك الإسلام عند البلاء. وهذه الآيات العشر من أول السورة إلى هنا مدنية، وباقي السورة مكية. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ . [١٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ الطريق الذي نسلكه في ديننا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أوزاركم؛ أي. إن كان فيها إثم، فنحتمله، فأخبر الله أن ذلك باطل، وأنهم لو فعلوه، لم يتحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياهم التي تختص بهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يزعمون؛ لأنهم لو يعلمون أنهم لا يقدرون على ذلك، وهذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم.

стр. 2484

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ . [١٣] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أوزار أعمالهم التي عملوها. ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ هي أثقال الذين أضلوهم. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾ سؤال توبيخ. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ على الله من الكذب. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ . [١٤] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ﴾ بقي ﴿فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ينذرهم فلا يلتفتون إليه، وفسر العدد بسنة، ثم بعام؛ استثقالًا لتكرير لفظ واحد بلا فائدة، ولما جاء بقصة نوح تهويلًا لما جرى عليه من قومه، ذكر الألف أولًا؛ ليكون أفخم في أذن السامع، ثم أخرج منها الخمسين؛ إيضاحًا لمجموع العدد. وقد وقع في كلام المؤرخين أن نوحًا عاش العدد المذكور فقط، وظاهر الآية الشريفة يخالفه؛ لأنه يدل على أنه لبث العدد المذكور في قومه بعد إرساله إليهم ينذرهم، وأن الطوفان وقع بعد ذلك، وقد روي أنه عاش ألفًا وأربع مئة وخمسين سنة، وهو يوافق الآية الشريفة؛ لأن ظاهرها يدل على أنه عاش أكثر مما ذكره المؤرخون، وتقدم ذكر نسبه وتاريخ مولده ومحل قبره في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾

стр. 2485

[الآية: ٣٣]، وتقدم ذكر الاختلاف عمره حين بعثه الله إلى قومه في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] وتقدم ذكر تاريخ ركوبه في السفينة، وخروجه منها، وما بين الطوفان والهجرة الشريفة النبوية المحمدية في سورة هود عند آخر القصة. فلما أنذرهم هذه المدة، وهي تسع مئة وخمسون سنة، فلم يؤمنوا، أذن له في الدعاء، فدعا عليهم. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ ما أطاف وأحاط بغلبة؛ كالسيل، فغرقوا. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ مشركون. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ . [١٥] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ من الغرق. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينة، أو العقوبة. ﴿آيَةً﴾ علامة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد اختلف في ذلك، فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض، وهي المختصة بقوم نوح، وقالت فرقة هي الجمهور: وإنما غرقت المعمورة كلها، وهذا هو ظاهر الأمر؛ لاتخاذه السفينة، وغير ذلك من الدلائل. فإن قيل: كيف غرق الجميع، والرسالة إلى البعض؟ فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصت شيء بأمة ليس هو بألَّا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بألَّا تؤخذ بفعال غيرها، ولا يبث العبادات

стр. 2486

فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة، والناس حولها يعبدون الأوثان فلا محال أن دعاءه إلى توحيد الله قد كان بلغ الكل، فنالهم الغرق؛ لإعراضهم وتماديهم. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ . [١٦] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على نوح؛ أي: وأرسلنا إبراهيم. ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أطيعوا الله وخافوه، وهذه القصة تمثيل لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عَبَدَةَ أصنام، فدعاهم إبراهيم ﵇ إلى عبادة الله، ثم فرد لهم ما هم عليه من الضلال. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير والشر. ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ . [١٧] ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (١) أصنامًا. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ تخلقون كذبًا.

стр. 2487

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم. ﴿فَابْتَغُوا﴾ فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فإنه المالك له. ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمه. ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالمعاد والحشر. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ . [١٨] ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ رسلَهم، فأهلكوا. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ . [١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالدلائل والنظر. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (تَرَوْا) بالخطاب، والباقون: بالغيب على الحكاية (٢).

стр. 2488

﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يخلقه ابتداءً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم شخصًا سويًّا، ثم يميته ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ حيًّا وقتَ البعث. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لا يفتقر في فعله إلى شيء. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ . [٢٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ إلى ديارهم وآثارهم. ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ أي: خلقه ابتداء على غير مثال. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ وهي نشأة القيام من القبور، المعنى: إذا قَدَر على بدء الخلق أولًا، فهو على إنشائه وإحيائه بعد الموت أقدرُ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (النَّشَاءَةَ) بفتح الشين والمد حيث وقع، والباقون: بسكون الشين مقصورة، وهما لغتان (١)؛ كالرأفة والرآفة، ووقف حمزة على وجهين في ذلك: أحدهما: أن يلقي حركة الهمزة على الشين، ثم يسقطها طردًا للقياس، والثاني: أن يفتح الشين، ويبدل الهمزة ألفًا إتباعًا للخط، ومثله قد سمع من العرب (٢).

стр. 2489

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على الأولى. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ . [٢١] ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من حق عليه العذاب. ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من سبقت عليه (١) الرحمة، لا معترض عليه. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ترجعون. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾ . [٢٢] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله، وإن هربتم. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا﴾ تعجزونه. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ لو كنتم فيها، المعنى: لا مخلَصَ لكم من الله. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منه (٢). ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابه، والوليُّ أخصُّ من النصير.

стр. 2490

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ . [٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بدلائل وحدانيته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: ييئسون منها يوم القيامة، فعبر عنها بالماضي؛ للتحقيق والمبالغة. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم، فهذه الآيات في تذكير أهل مكة، وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم ﵇. ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ . [٢٤] ثم عاد إلى قصة إبراهيم، فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ حين دعاهم إلى الإيمان. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وجعلها عليه بردًا وسلامًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون. ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ . [٢٥] ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ
следующие страницы →