فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة، والناس حولها يعبدون الأوثان فلا محال أن دعاءه إلى توحيد الله قد كان بلغ الكل، فنالهم الغرق؛ لإعراضهم وتماديهم.
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على نوح؛ أي: وأرسلنا إبراهيم.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أطيعوا الله وخافوه، وهذه القصة تمثيل لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عَبَدَةَ أصنام، فدعاهم إبراهيم ﵇ إلى عبادة الله، ثم فرد لهم ما هم عليه من الضلال.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير والشر.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (١) أصنامًا.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ تخلقون كذبًا.
стр. 2487
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم.
﴿فَابْتَغُوا﴾ فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فإنه المالك له.
﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمه.
﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالمعاد والحشر. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١).
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ رسلَهم، فأهلكوا.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالدلائل والنظر. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (تَرَوْا) بالخطاب، والباقون: بالغيب على الحكاية (٢).
стр. 2488
﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يخلقه ابتداءً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم شخصًا سويًّا، ثم يميته ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ حيًّا وقتَ البعث.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لا يفتقر في فعله إلى شيء.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ إلى ديارهم وآثارهم.
﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ أي: خلقه ابتداء على غير مثال.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ وهي نشأة القيام من القبور، المعنى: إذا قَدَر على بدء الخلق أولًا، فهو على إنشائه وإحيائه بعد الموت أقدرُ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (النَّشَاءَةَ) بفتح الشين والمد حيث وقع، والباقون: بسكون الشين مقصورة، وهما لغتان (١)؛ كالرأفة والرآفة، ووقف حمزة على وجهين في ذلك: أحدهما: أن يلقي حركة الهمزة على الشين، ثم يسقطها طردًا للقياس، والثاني: أن يفتح الشين، ويبدل الهمزة ألفًا إتباعًا للخط، ومثله قد سمع من العرب (٢).
стр. 2489
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على الأولى.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من حق عليه العذاب.
﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من سبقت عليه (١) الرحمة، لا معترض عليه.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ترجعون.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله، وإن هربتم.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا﴾ تعجزونه.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾ لو كنتم فيها، المعنى: لا مخلَصَ لكم من الله.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منه (٢).
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابه، والوليُّ أخصُّ من النصير.
стр. 2490
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بدلائل وحدانيته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: ييئسون منها يوم القيامة، فعبر عنها بالماضي؛ للتحقيق والمبالغة.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم، فهذه الآيات في تذكير أهل مكة، وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم ﵇.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ثم عاد إلى قصة إبراهيم، فقال تعالى:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ حين دعاهم إلى الإيمان.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وجعلها عليه بردًا وسلامًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ
стр. 2491
بَيْنِكُمْ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس: (مَوَدَّةُ) رفعًا بلا تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا بالإضافة على معنى: إن الذين اتخذوا من دون الله هي مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم، وروح عن يعقوب: (مَوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها، وقرأ الباقون: (مَوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب (١)، معناه: إنما اتخذتم هذه الأوثان مودةً بينكم.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تتوادُّون على عبادتها، وتتواصلوْن عليها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: يتبرأ القادة من الأتباع.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ المعنى: يلعن الأتباعُ القادةَ.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ جميعًا، العابدون والمعبودون، والتابعون والمتبعون.
﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يُخلصونكم منها.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ أي: لإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾ لما رأى النار لا تحرقه، وهو أول من آمن به.
стр. 2492
﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى﴾ حيث أمرني.
﴿رَبِّي﴾ بالهجرة إليه، فهاجر من كوثا سواد الكوفة إلى حران، ثم إلى فلسطين، وهو أول من هاجر، ومعه لوط وسارة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل غير ذلك، ومنه قيل: لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي يمنعني من أعدائي.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يأمرني بما فيه صلاحي.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فلم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا من نسله ﴿وَالْكِتَابَ﴾ يريد به: الجنس؛ ليتناول التوراة والزبور والإنجيل والقرآن ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ هو الثناء الحسن.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في زمرتهم، وهم الأنبياء وأتباعهم صلوات الله عليهم أجمعين.
стр. 2493
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي إتيان الرجال.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (إِنَّكُمْ) بالإخبار، وقرأ الباقون، وهم: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (أَئِنَّكمْ) بالاستفهام، فأبو عمرو يحقق الهمزة الأولى، ويسهل الثانية، وهو على أصله في إدخال ألف بينهما، والباقون: يحققون الهمزتين (١).
* * *
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ طريق المارة، كانوا يجلسون عليها، فمن مر بهم، أخذوه، فأخبثوا به. اتفق القراء على الاستفهام في هذا الحرف، وهم على أصولهم، فنافع، وابن كثير،
стр. 2494
وأبو جعفر، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: يحققون الهمزة الأولى، ويسهلون الثانية بين الهمزة والياء، ويفصل بين الهمزتين بألف: أبو جعفر، وأبو عمرو، وقالون، واختلف عن هشام، والباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: يحققون الهمزتين (١).
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ أي: مجلسكم ومتحدَّثكم، والنادي والندِيُّ: مجلس القوم ما داموا فيه، فإذا خرجوا منه، فليس بنادي ﴿الْمُنْكَرَ﴾ هو إتيان الرجالِ بعضهم بعضًا في المجالس، روي أنهم كانوا يجلسون على الطريق، وعند كل واحد منهم (٢) قصعة فيها حصًا، فمن مر بهم، حذفوه، فمن أصابه منهم، فهو أحق به، فيأخذ ما معه، وينكحه، ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض يقضي بينهم بذلك، ومنه: هو أجورُ من قاضي سدوم، وكان من أخلاقهم مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وفرقعتها، وحل الأزرار، والسباب والفحش، ورمي البندق، واللعب بالحمام.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ لما أنكر عليهم.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ له استهزاءً:
﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تعدنا من نزول العذاب.
стр. 2495
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾ .
[٣٠] فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ لوط: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بتصديق قولي.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لحملهم الناس على ما لا يجوز.
* * *
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ من الله بإسحاق ويعقوب.
قرأ هشام: (أَبْرَاهَامَ) بالألف.
﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم.
﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ بالكفر والمعاصي.
* * *
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم للرسل؛ إشفاقًا على المؤمنين، ومجادلة عنهم: أرأيتم إن كان فيهم مئة بيت من المؤمنين، أتتركونهم؟ قالوا: ليس فيهم ذلك، فجعل يتحدر حتى انتهى إلى عشرة أبيات، فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة، ولا خمسة، ولا ثلاثة، ولا اثنان، فحينئذ قال إبراهيم:
﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ سُمِّيَ بذلك؛ لأن حبه لِيطَ بقلب عمّه إبراهيم؛ أي: تعلق ولصق، وكان إبراهيم يحبه حبًّا شديدًا، فراجعوه حينئذ، و ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ لا تخف أن يقع حَيْف على مؤمن.
стр. 2496
﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: بإسكان النون الثانية، وتخفيف الجيم، والباقون: بفتح النون وتشديد الجيم (١).
﴿وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب.
* * *
﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ ظن أنهم من الإنس.
﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ فأجأته المساءة والغم خيفة عليهم من قومه. قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (سِيءَ) بإشمام السين الضم (٢).
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أصله أن الرجل إذا طالت ذراعه، أدرك ما لم يدرك القصير، فجعل ضيق الذراع عبارة عن تحمل ما لا يطاق، والمعنى: اغتم غمًّا شديدًا؛ خوفًا أن يخبث قومه بهم.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿لَا تَخَف﴾ علينا ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ بإهلاكنا إياهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون وأصحابه.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعاقبهم بغير جرم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتعريض للعذاب.
* * *
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ .
[٤١] ولما كانت العنكبوت أضعف الحيوان، وبيته أضعف البيوت، ضرب مثلًا للأصنام وعابديها، فقيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام، يرجون نفعها ونصرها.
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ تأوي إليه، وهو في غاية الضعف، لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا، وكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضرًّا.
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن نفعهم بمعبوديهم كنفع العنكبوت ببيتها، لما عبدوهم.
وروي عن علي ﵁: أنه قال: "طهروا بيوتكم من نسيج العنكبوت؛ فإن تركه يورث الفقر" (١).
* * *
стр. 2501
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ أي: قل للكفرة: إن الله يعلم ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْلَم مَّا) بإدغام الميم في الميم، والباقون: بالفك (١)، وقرأ أبو عمرو، وعاصم، ويعقوب: (يَدْعُونَ) بالغيب؛ لذكر الأمم، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)، فأما موضع (ما) من الإعراب، فقيل: معناه: أن الله يعلم الذين تدعون من دون الله من جميع الأشياء: أن حالهم هذه، وأنهم أمر لا قدرة له، و (من) تبيين، المعنى: الله مطلع عليكم وعلى أعمالكم، فيجازيكم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر على كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل شيئًا إلا بحكمة وتدبير.
* * *
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] وكان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون: إن ربَّ محمد يضرب
стр. 2502
المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فنزل: ﴿وَتِلْكَ﴾ أي: وهذه.
﴿الْأَمْثَالُ﴾ الأشباه، والمثل: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد: أمثال القرآن التي شبه ما أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة.
﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ لكفار مكة.
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ يعلم (١) فائدة ضربها.
﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ الذين يعقلون عن الله، فيعملون بطاعته، ويجتنبون سخطه.
* * *
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لدلالة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على عظم قدرته وتوحيده.
* * *
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن.
стр. 2503
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ المعروفة.
﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ ما قَبُحَ من الأعمال ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يُعرف في الشرع، قال ﷺ : "من لم تَنْهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يَزْدَدْ من الله إلا بُعدًا" (١).
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أفضل الطاعات؛ لأن ثواب الذكر الذكر، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وسئل ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أن تفارقَ الدنيا ولسانُك رَطْبٌ من ذكر الله" (٢).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء.
* * *
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ تخاصموا ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: باللين إذا بذلوا الجزية ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالمعاندة، استثناء من الجنس؛ أي: إلا الذين أبوا أن يعطوا الجزية، ونصبوا الحرب، فأولئك
стр. 2504
انتصِرُوا منهم، وجادلوهم بالسيف حتى يؤمنوا (١)، أو يُقِرُّوا بالجزية.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ المعنى: أخبروهم أنكم مؤمنون بالله، وجميع كتبه.
روي أن رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، ومُرَّ بجنازة، فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله أعلم"، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال ﷺ : "ما حدثكم أهلُ الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا، لم تصدِّقوه، وإن كان حقًّا، لم تكذِّبوه" (٢).
* * *
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكإنزالنا التوراة ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ التوراة؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ وهم من أسلم من كفار مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآن حق، فجحدوا.
* * *
стр. 2505
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن.
﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ﴾ تكتبه ﴿بِيَمِينِكَ﴾ وقوله: بيمينك؛ لأن الكتابة غالبًا تكون باليمين، المعنى: لم تكن قارئًا ولا كاتبًا، ولو كنت تعرف شيئًا من ذلك.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في نبوتك، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وإنما أخذه من كتب من تقدمه.
* * *
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: محمد ﷺ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: ذو آيات واضحات.
﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ لأنهم يجدونه في كتبهم كذلك لا يكتب ولا يقرأ، وقيل: المعنى: بل القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين الذين حفظوه؛ لأن من خصائص القرآن كونه معجزًا، وهو محفوظ في الصدور، بخلاف سائر الكتب؛ لأن من تقدم كانوا لا يقرؤون كتبهم إلا نظرًا، فإذا أطبقوه، لم يعرفوا منه شيئًا، سوى الأنبياء، وما نقل عن قارون.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ اليهود.
* * *
стр. 2506
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (آيَةٌ) على التوحيد إرادة الجنس، وقرأ الباقون: (آيَاتٌ) على الجمع؛ كالناقة، والعصا، والمائدة (١).
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرته، ينزلها إذا شاء، وليس إلي من ذلك شيء.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كُلِّفت الإنذارَ وإبانتَه بالدلائل الواضحة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ بصدقك، وهو أعظم الآيات، لأنه ثابت على مرور الأيام؛ بخلاف سائر الآيات، فإنها انعدمت.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ القرآن الذي هو آية مستمرة.
﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ تذكيرًا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
стр. 2507
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ولما لم يصدقوا بالقرآن، نزل: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ لي بالبلاغ، وعليكم بالتكذيب؛ لأنه ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه حالي وحالكم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ أي: بغير الله.
﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ والمغبونون؛ لاشترائهم الكفر بالإيمان.
* * *
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ونزل فيمن استعجل العذاب استهزاءً: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في اللوح المحفوظ؛ أنهم يعذبون فيه، وهو يوم القيامة.
﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة في الدنيا، كيوم بدر، والآخرة عند نزول الموت بهم.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه.
стр. 2508
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أعاده تأكيدًا.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جامعة لهم.
* * *
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ يُصيبهم ﴿الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من جميع جوانبهم، المعنى: إذا غشيهم العذاب، أحاطت بهم جهنم.
﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي. قرأ نافع، والكوفيون: (وَيَقُولُ) بالياء؛ أي: ويقول لهم الموكَّلُ بعذابهم، وقرأ الباقون: بالنون (١)، وهي إما نون العظمة، أو نون جماعة الملائكة.
* * *
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ونزل فيمن كان يؤذى بمكة من ضعفاء المسلمين، ويخشى الجوع إن خرج ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فاخرجوا، فأنا رازقكم حيث كنتم.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ والفاء في (فَإِيَّايَ) جواب شرط محذوف، تقديره: إن
стр. 2509
لم تتمكنوا من العبادة بأرض؛ لكثرة المعاصي، فاعبدون بغيرها، في الحديث: "من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجبَ الجنةَ، وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمدٍ" (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: (يَا عِبَادِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ ابن عامر: (أَرْضِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ يعقوب: (فَاعْبُدُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٤).
* * *
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ثم شجَّع المهاجرين بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: مرارته؛ كما يجد الذائق طعم المذوق، المعنى: كل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفًا من الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم بأعمالكم. قرأ أبو بكر عن عاصم:
стр. 2510
(يُرْجَعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ويعقوب: على أصله في فتح التاء وكسر الجيم (١).
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) بالثاء المثلثة ساكنة بعد النون، وإبدال الهمزة ياء؛ من الثواء، وهي الإقامة، يقال: ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه، وقرأ الباقون: بالباء الموحدة وفتحها وتشديد الواو وهمز بعدها (٢)، وأبو جعفر: على أصله في إبدال الهمزة ياء مفتوحة (٣)؛ من التبوء وهو المنزل، أي: لننزلنهم.
﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ علالي ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
* * *
стр. 2511
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الشدائد ومفارقة الأوطان وأذى المشركين.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يعتمدون.
* * *
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ولما قال النبي ﷺ للمؤمنين الذين كانوا بمكة، وقد آذاهم المشركون: "هاجروا إلى المدينة"، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة، وليس لنا فيها دار ولا مال، فمن يطعمنا ما ويسقينا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (١) أي: وكم.
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ هي كل نفس تدب على الأرض من الحيوان. وتقدم اختلاف القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورة الحج عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الآية: ٤٥].
﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لا تطيق حمله؛ ضعفًا عن حمله وكسبه.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ حيث كنتم.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم: لا نجد ما ننفق في المدينة.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائركم.
стр. 2512
قال ﷺ : "لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا، وتروح بطانًا" (١).
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ .
[٦١] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: كفارَ مكة.
﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود، وإن اعترفوا بذلك.
فقل: ﴿فَأَنَّى﴾ أي: فكيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن طاعته وتوحيده، مع اعترافهم أنه خالق الأشياء العظام التي هي دلائل القدرة؟! والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع.
* * *
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ .
[٦٢] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق ﴿لَهُ﴾ والضمير في قوله: (يَقْدِرُ لَهُ) لمن يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جُعلا لواحد، ويحتمل أن يكون تقديره: ويبسط لمن يشاء، ويقدر لمن يشاء، فحذف من يشاء، ووضع الضمير موضعه.
стр. 2513
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يصلح العباد، وما يفسدهم.
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ .
[٦٣] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثبوت الحجة عليكم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما يقولون؛ لأنهم مع إقرارهم بذلك يشركون.
* * *
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ .
[٦٤] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ﴾ واللهو: هو الاستمتاع بملذات الدنيا.
﴿وَلَعِبٌ﴾ أي: عبث، وسميت بذلك؛ لتشاغلهم بها، وسرعة فنائها.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: حياتها ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: حياة لا موت فيها، وسميت بالحيوان؛ لأن في الحيوان زيادة مبالغة على الحياة، وهو مصدر حَيِيَ، وقياسه حَيْيَان، قلبت الياء واوًا؛ لئلا تحذف إحدى الألفات، والحياة حركة، والموت سكون، والحيوان مقر الحياة، وهو ضربان: ماله الحاسة، والآخر ماله البقاء الدائم، تلخيصه: لهم البقاء السرمدي.
стр. 2514
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لم يؤثروا الدنيا على الآخرة.
* * *
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ .
[٦٥] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾ أي: الكفار ومعهم أصنامهم.
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في البحر، وخافوا الغرق.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لم يشركوا أحدًا معه في الدعاء.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ عنادًا.
* * *
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾ .
[٦٦] ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من النعم، لفظه أمر، ومعناه التهديد.
﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بما بأيديهم من النعم. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وقالون: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) بإسكان اللام أمرًا تهديدًا، وقرأ الباقون: بكسرها (١)، جعلوها لام كي، تلخيصه: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ذلك حين يُعاقبون.
* * *
стр. 2515
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾ .
[٦٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أهلُ مكة.
﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا﴾ يأمنون فيه.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الأصنام والشياطين ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله﴾ محمد والإسلام ﴿يَكْفُرُونَ﴾ وهذا تذكير لأهل مكة.
* * *
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ .
[٦٨] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بزعمه الشريكَ والولدَ لله تعالى.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ محمدٍ والقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ من غير توقف عنادًا.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ مقام للكافرين؟ استفهام بمعنى التقرير؛ لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي، صار إيجابًا، أي: ألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا هذا الكذب الشنيع؟!
* * *
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ .
[٦٩] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: من أجلنا؛ لنصرة ديننا.
стр. 2516
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير. قرأ أبو عمرو: (سُبْلَنَا) بإسكان الباء، والباقون: بضمها (١)، وكذلك اختلافهم في (رسلنا) و (رسلهم) و (رسلكم) حيث وقع.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنصر والمعونة، والله أعلم.
* * *
стр. 2517
سُورَةُ الرُّومِ
مكية، إلا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، آيها: ستون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وخمس مئة وأربعة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثمان مئة وتسع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
* * *
﴿الم (١)﴾ .
[١] نقل المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم؛ لأنهم أصحاب كتاب مثلهم، والمشركون يحبون ظهور فارس؛ لأنهم كانوا مجوسًا لا كتاب لهم كالمشركين، فبعث كسرى ملك فارس جيشًا، وبعث قيصر ملك الروم جيشًا، فالتقيا فغلب فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا، لنظهرن عليكم، فأنزل الله : ﴿الم﴾ (١) تقدم التنبيه على
стр. 2518
معناه، ومذهب أبي جعفر في تقطيع الحروف أول سورة العنكبوت.
* * *
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ .
[٢] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ حين قاتلهم الفرس.
* * *
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ .
[٣] ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أقربها، وهي أذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ الفرسَ.
* * *
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾ .
[٤] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ هو ما بين ثلاث إلى عشر، فلما نزلت الآيات، قال أبو بكر: "لا يقر الله أعينكم، ستكون لهم الغلبة عليكم" فَنَاحَبَهُ؛ أي: راهنه أُبي بن خلف على عشر قلص إلى ثلاث سنين، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "إنما البضع من الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، وماده في الأجل"، وذلك قبل تحريم القمار، فجعلا المناحبة على مئة قلوص إلى تسع سنين، فمات أُبي بن خلف من طعنة النبي ﷺ حين بارزه، ثم نصرت الروم بعد سبع سنين، وكان يوم الحديبية أو بدر، فأخذ أبو بكر الرهن من
стр. 2519
ورثة أُبي، وجاء به يحمله إلى النبي ﷺ ، فقال له: "تصدق به" (١). وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين واللام، و (سَيُغْلَبُونَ) بضم الياء وفتح اللام (٢)، وقالوا: نزلت حين أخبر النبي ﷺ غلبة الروم فارس، ومعنى الآية: غلبت الروم فارس في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد غلبهم سيغلبهم المسلمون في بضع سنين، وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم، قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين (٣).
وقد حكى بعض المؤرخين في معنى ذلك: أن بيت المقدس لما فتح على يد عمر بن الخطاب ﵁ في سنة خمس عشرة، أو ست عشرة من الهجرة الشريفة، واستمر بأيدي المسلمين أربع مئة وسبعًا وسبعين سنة، ثم تغلب عليه الفرنج، واستولوا عليه في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة من الهجرة الشريفة، واستمر بأيديهم إحدى وتسعين سنة، إلى أن فتحه الله على يد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ في يوم الجمعة سابع عشري رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، ووقع من الاتفاقات العجيبة أن الناصر صلاح الدين كان قبل ذلك استولى على مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مئة فامتدحه القاضي محي الدين بن الزكي قاضي دمشق بقصيدة منها:
стр. 2520
وَفَتْحُكُمْ حَلَبًا بِالسَّيْفِ في صَفَرٍ ... مبشرٌ بفتوحِ القدسِ في رَجَبِ
فكان كما قال، وفتح القدس في رجب كما تقدم، فقيل له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن مرجان (١) في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وكان الإمام أبو الحكم بن مرجان الأندلسي قد صنف تفسيره المذكور في سنة عشرين وخمس مئة، وبيت المقدس يومئذ بيد الفرنج لعنهم الله.
قال ابن خلكان في "تاريخه" في ترجمة ابن الزكي: ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية، لم أزل أتطلب تفسير ابن مرجان حتى وجدته على هذه الصورة، ولكن رأيت هذا الفصل مكتوبًا في الحاشية بخط الأصل، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب، أم هو ملحق، قال وذكر له حسابًا طويلًا وطريقًا في استخراج ذلك حين حزره من قوله تعالى: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾، انتهى (٢)، وقد صحيح البغوي الأول كما تقدم.
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ من قبل قتالهم وبعده، فأي الفريقين كان له الغلبة، فهو بأمر الله وقضائه.
﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يغلب الروم فارس.
﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
стр. 2521
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ .
[٥] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ من له كتاب على من لا كتاب له.
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصر هؤلاء تارة، وهؤلاء أخرى.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.
* * *
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر؛ أي: وعد الله وعدًا بظهور الروم على فارس.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحة وعده؛ لجهلهم.
* * *
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ .
[٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أمر معاشهم، ولا فرق بين عدم العلم وبين العلم المقصور على الدنيا.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ساهون لا يتفكرون فيها، وكرر الضمير تأكيدًا.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾ .
[٨] ثم وبخهم على ترك النظر فيما يدلهم على المطلوب منهم فقال:
стр. 2522
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ألم يحدثوا الفكرة الصالحة في قلوبهم.
فيقولوا: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يخلقهما عبثًا، بل لحكم ظاهرة ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ آتٍ (١) لوقت معلوم، إذا انتهت إليه، فنيت، وهو يوم القيامة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء.
﴿لَكَافِرُونَ﴾ جاحدون، يظنون بقاء الدنيا، وعبر عنه بلقاء الله؛ لأنه عظم الأمر، وفيه النجاة والهلكة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أهل مكة.
﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ المعنى: ألم يسافروا، فيعترفوا (٢) مصارع المهلكين؛ كعاد وثمود بعد أن.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزراعة، وسمي الثور ثورًا؛ لإثارته الأرض؛ كما سميت بقرة لبقرها الأرض.
стр. 2523
﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي: المدمَّرين ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أكثر من عمارة أهل مكة، فأُهلكوا، فما الظن بأهل مكة، وهم دونهم في العدد والعُدَد وقوة الجسد.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فلم يؤمنوا، فأهلكهم الله.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيدمرهم من غير جرم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بكفرهم.
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ أي: آخر أمر ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ العمل بكفرهم.
﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، يعني: الخلة التي تسوْؤهم، وهي جهنم.
﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: لأجل أن كذبوا (١).
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ محمد ﷺ ، والقرآن.
﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (عَاقِبَةُ) بالرفع اسم كان، وخبرها (السُّوءَى)، وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان (٢)، وتقديره: ثم كان السوءى عاقبة الذين أساؤوا.
стр. 2524
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث بعد الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: (يُرْجَعُونَ) بالغيب مع ضم حرف المضارعة، واختلف عن يعقوب، فقرأ رويس: بالخطاب، وروح: بالغيب، وكل منهما يفتح حرف المضارعة على أصل يعقوب، وقرأ الباقون: بالخطاب مع الضم (١).
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ﴾ أي: ييئس.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون من كل خير.
* * *
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ الذين عبدوهم دون الله.
﴿شُفَعَاءُ﴾ يجيرونهم من عذاب الله.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ أي: بآلهتهم ﴿كَافِرِينَ﴾ جاحدين، يتبرأ كل
стр. 2525
واحد منهم من الآخر، وكتب (شُفَعَؤُاْ) بواو قبل الألف؛ كما كتب (عُلَمَؤُاْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) في الشعراء [الآية: ١٩٧]، و (السُّوأَى) بألف قبل الياء إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدًا.
* * *
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ بستان مخضر في الجنة.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسرون، وكل أرض ذات نبات وماء روضة، ونكرت إرادةً الجنس، وتفخيمًا لها.
* * *
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ بالبعث يوم القيامة.
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يغيبون عنه.
* * *