← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عشرَ شهرًا إلى بيت المقدس، وكان يحبُّ أن يتوجَّهَ إلى الكعبة؛ لأنها كانتْ قبلةَ أبيه إبراهيم ﵇، وكان اليهودُ يقولون: يخالفُنا محمد في ديننا، ويتبعُ قبلَتَنا، فجعلَ ينظرُ إلى السماءِ رجاءَ أن ينزلَ عليه الوحيُ بالتوجُّه إليها، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١). ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلَنُحَوِّلَنَّكَ. ﴿قِبْلَةً﴾ أي: إلى قبلة. ﴿تَرْضَاهَا﴾ أي: تحبُّها. ﴿فَوَلِّ﴾ فحوِّلْ. ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ أي: نحوَ. ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وأراد به الكعبةَ، والحرامُ: المحرَّمُ. ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ من بَرٍّ أو بحرٍ، شرقٍ أو غربٍ. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ عندَ الصلاة، وكان تحويلُ القبلة في رَجَبٍ بعدَ زوالِ الشمسِ من السُّنةِ الثانيةِ من الهجرة قبلَ قتالِ بدرٍ بشهرين، ونزلتْ هذه الآيةُ ورسول الله ﷺ في مسجدِ بني سَلِمَةَ، وقد صلَّى بأصحابِه ركعتين من صلاة الظهرِ، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزابَ، وحوَّل الرجالَ مكانَ النساء، والنساءَ مكانَ الرجال، فَسُمِّي ذلك المسجدُ مسجدَ القِبْلَتين، وأهلُ قُباء وصل الخبرُ إليهم في صلاة الصبح (٢).

стр. 282

وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: "بَيْنا الناسُ بِقُباءَ في صلاةِ الصُّبْح إذْ جاءهم آتٍ، وقال لهم: إنَّ رسولَ الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلةَ قرآن، وقد أُمِرَ أَنْ يستقبلَ الكعبةَ، فاستقبِلُوها"، وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (١)، فلما تحولت القبلةُ، قالت اليهود: يا محمَّدُ! ما هو إلَّا شيءٌ تبتدعُه من تلقاء نفسك، فتارةً تصلِّي إلى بيتِ المقدس، وتارةً إلى الكعبة، ولو ثبتَّ على قبلتِنا، لكنَّا نرجو أن تكون صاحِبَنا الذي ننتظره (٢)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ﴾ يعني: أمرَ الكعبةِ. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنه في بشارةِ أنبيائهم أنه يصلِّي إلى القبلتين، ثم هَدَّدهم فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، ورَوْحٌ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، يريد: إنكم يا معشر المؤمنين تطلبونَ مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم. وقرأ الباقونَ بالغيب؛ يعني: ما أنا بغافل عما يفعلُ اليهود، فأجازيهم في الدنيا والآخرة (٣).

стр. 283

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ . [١٤٥] ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: اليهودَ والنصارى. ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ أي: معجزةٍ وبرهانٍ على صدقك في أمر القبلةِ وغيرِها. ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ يعني: الكعبةَ. ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ لأنك على الحقِّ، وقبلتُكَ غيرُ منسوخةٍ أبدًا. ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، وهو المغرب، والنصارى تستقبل المشرق، وقبلةُ المسلمين الكعبةُ، وكل طائفة تعتقد أن الحقَّ دينُها، ثم خوطبَ ﷺ والمرادُ غيرُه بقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ مرادهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ﴾ أي: وصلَ إليك. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ اليقينِ من أمرِ القبلةِ وشرائعِ الإسلام. ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وتمَّ الوقفُ هنا. عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَا بَيْنَ المشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" (١)، والمرادُ بالمشرِقِ: مشرقُ الشتاء في أقصرِ يوم في

стр. 284

السنة، وبالمغربِ: مغربُ الصيفِ في أطولِ يومٍ في السنة، فأقصرُ الأيام في الشتاء يومُ آخِرِ القوسِ، وهو انسلاخُ فصلِ الخريف، وكذلكَ اليومُ الذي يليه، وهو أولُ الجَدْي افتتاحُ فصلِ الشتاء، ويأتي ذلك في شهر كيهَك من السنة القبطية، وفي شهر كانون الأول من السنة السريانية، وأطولُ الأيام في الصيف يومُ آخرِ الجَوْزاء، وهو انسلاخُ فصلِ الربيع، وكذا اليومُ الذي يليه، وهو أولُ السَّرَطانِ افتتاحُ فصلِ الصيف، ويأتي ذلك في شهر بؤنة من السنة القبطية، وفي شهر حَزيرانَ من السنة السريانية، فمن جعلَ مغربَ الصيفِ في هذا الوقتِ عن يمينه، ومشرقَ الشتاء في ذلك الوقتِ عن يساره، كان وجهُه إلى القبلة، وهذا لمن يكونُ في المدينة الشريفة -على الحالِّ بها أفضلُ الصلاةِ والسلام-، وبيتُ المقدس ومصرُ والشامُ وما والاها ممن يستقبلُ الجدارَ الشاميَّ من الكعبةِ الشريفة، وهو الذي يليه حِجْرُ إسماعيلَ ﵇ وبأعلاه الميزابُ. ومن دلائلِ القبلةِ القطبُ، وهو نجمٌ، وقيلَ نقطةٌ إذا جعلَه المصلِّي وراءَ ظهرِه بالشامِ وما حاذاها، وخلفَ أُذنه اليمنى بالمشرقِ، وعلى عاتقِهِ الأيسرِ بإقليم مصر وما والاه، كان مستقبلًا للقبلة (١)، والله أعلم. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ . [١٤٦] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ مبتدأٌ، خبره:

стр. 285

﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ والمراد: أن مؤمني أهل الكتاب عبدَ الله بنَ سلامٍ وأصحابَه يعرفون محمدًا أنه نبيٌّ حقّ بما شاهدوه في كتبِهم. ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من الصِّبيان، قال عبدُ اللهِ بنُ سلام: "لقدْ عرفتُ محمَّدًا حينَ رأيتُهُ كمعرفةِ ابني، ومعرفتي له أشدُّ من معرفةِ ابني؛ لأن نَعْتهُ في كتابنا، ولا أَدري ما تصنعُ النِّساءُ لولا النعتُ" (١). ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي: من جُهَّالهم ومعانِديهم. ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: نعتَه ﷺ وأمرَ الكعبة. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وتمَّ الوقفُ هنا. ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ . [١٤٧] ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، وخبرُه: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: هذا الحقُّ. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين فيما أُخبرتَ به. ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.

стр. 286

[١٤٨] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: لكلِّ أهلِ (١) مِلَّة (٢) قبلة، والوِجْهَةُ: اسمٌ للمتوجَّه إليه. ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قرأ ابن عامر: (مُوَلَّاهَا) بفتح اللام وألف بعدها؛ أي: المستقبِلُ مصروفٌ إليها، والباقون: بكسر اللام وياء بعدها على معنى مستقبِلُها (٣). ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ بادِرُوا بالطاعات. ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾ أنتم وأعداؤكم. ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يومَ القيامة، فيجزيكم بأعمالِكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ . [١٤٩] ﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ أي: أيَّ مكانٍ. [﴿خَرَجْتَ﴾ لسفرٍ. ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ نحوَ.

стр. 287

﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ﴾ أي: التولِّي. ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ أبو عمرٍو بالغيب، والباقون بالخطاب (١)] (٢). ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾ . [١٥٠] ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ التكريرُ تأكيد النسخ؛ ليعلمَ أن ذلك عزمةٌ لا بدَّ من فعلِها، ثم أومأ إلى علَّة ذلك فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ المعنى: أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة يدفعُ احتجاجَ اليهود بأن المنعوتَ في التوراة قبلتُه الكعبةُ، وأن محمدًا يجحدُ ديننا، ويتبعُنا في قبلتنا، والمشركينَ بأنه يدَّعي مِلَّةَ إبراهيم، ويخالف قبلته. قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ: (لِيَلَّا) بفتح الياء بغير همز (٣).

стр. 288

﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ استثناءٌ من الناس، وهم اليهودُ ومشركو العرب، والمرادُ بالحجة: الاعتراضُ والمجادلةُ، لا الحجةُ حقيقةً، والمجادلةُ الباطلةُ قد تسمَّى حُجَّة؛ كقوله (١): ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦]، أما قريشٌ تقولُ: رجعَ إلى الكعبة؛ لأنه علمَ أنها الحقُّ، وأنها قبلةُ آبائه، فهكذا يرجعُ إلى ديننا، وأما اليهودُ تقول: لم ينصرفْ عن بيتِ المقدسِ معَ علمِه أنه حقٌّ إلا أنه يعملُ برأيه. ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ في توجُّهكم إلى الكعبة، وتظاهُرِهِم عليكم؛ فإني وليُّكم بالحجَّةِ والنُصْرَة. ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ بامتثالِ أمري؛ ثم عطفَ على قولهِ ﴿لِئَلَّا﴾ قولَه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بهدايتي إياكم إلى الكعبة (٢) وغيرِها، ومن تمامِ النعمة الموتُ على الإسلام. ثم عطفَ على ما تقدَّم قولَه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ من الضلالة، ولعل وعسى (٣) من اللهِ واجبان؛ لأنهما للرجاء والإطماع، والكريمُ لا يُطْمِعُ إلا فيما يفعل. ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾.

стр. 289

[١٥١] ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ هذهِ الكافُ للتشبيه ترجعُ إلى ما قبلَها، معناه: ولأتمَّ نعمتي عليكم كما أرسَلْنا فيكم يا معشرَ العرب. ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ أي: محمدًا ﷺ . ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ القرآنَ. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يحملُكُم على ما تصيرونَ به أَزْكِياء. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السُّنَّةَ. ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ من اِلأحكامِ وشرائعِ الإسلام. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ . [١٥٢] ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ بطاعتي. ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بمغفرتي. قرأ ابنُ كثيرٍ: (فَاذْكُرُونِيَ) بفتحِ الياء (١). ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ بالطاعة. ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ بالمعصية، فشكرُ المنعمِ وهو الثناءُ على الله على إنعامِه واجب شَرْعًا بالاتفاق، لا عقلًا، فمن لم تبلُغْه دعوةُ نبيٍّ، لا يأثمُ بتركِه، خلافًا للمعتزلة. قرأ يعقوبُ (تَكْفُرُوني) بإثبات الياء (٢).

стр. 290

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ . [١٥٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ على تركِ المعاصي. ﴿وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالعَوْنِ والنُّصْرَة. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ . [١٥٤] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ أي: هم أمواتٌ. ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ نزلتْ في قتلى بَدْرٍ من المسلمين، وكانوا أربعةَ عشرَ رجلًا، ستةٌ من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، فقيل: ماتَ فلانٌ وفلانٌ، وانقطع عنهم نعيمُ الدنيا، فأنزلها الله (١)، كما قالَ في شهداء أحد: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ . [١٥٥] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنختبرَنَّكمْ يا أمةَ محمد، ليظهرَ لكم منكمُ

стр. 291

المطيعُ من العاصي، لا لنعلمَ شيئًا لم نكنْ عالمين به. ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ أي: خوفِ العدوِّ. ﴿وَالْجُوعِ﴾ أي: القَحْطِ. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالخسرانِ والهلاكِ. ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتلِ والموتِ. ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجائِحَةِ، وهي ما يستأصِلُ الشيءَ. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ يا محمدُ على البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ . [١٥٦] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: نائبةٌ. ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ عَبيدًا مُلْكًا. ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ في الآخرة، وفي الحديثِ: "مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، جَبَرَ اللهُ مُصيبَتَهُ" (١). ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ . [١٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ أهل هذهِ الصِّفَةِ.

стр. 292

﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: رحمةٌ؛ فإنَّ الصلاةَ من الله رحمةٌ، وجمع (١) الصلوات؛ أي: رحمةٌ بعدَ رحمةٍ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ ذكرها تأكيدًا. قرأ الكسائيُّ: (وَرَحْمِهْ) بإمالة الميم حيث وقف على هاء التأنيث (٢). ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ إلى الاسترجاعِ، وإلى سعادةِ الدارين. ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ . [١٥٨] ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ جمعُ صَفاةٍ، وهي الصخرةُ الصُّلبة الملساءُ. ﴿وَالْمَرْوَةَ﴾ الحجرُ الرخْوُ، والمراد بهما: المكانان المعروفان بطرَفي المسعَى بمكةَ المشرفة. قرأ الكسائيُّ: (وَالمَرْوِهْ) بإمالةِ الواو حيثُ وقف على هاء التأنيث. ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ من أَعلام دينه فالمطافُ والمواقفُ والمناحرُ كلُّها شعائرُ (٣)، ومثلُها المشاعر، والمرادُ بالشعائر ها هنا: المناسكُ التي جعلها الله أَعلامًا لطاعته. ﴿فَمَنْ﴾ شرطٌ محلُّها رفعٌ ابتداءً. ﴿حَجَّ﴾ أي: قصدَ. ﴿الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أي: زارَ، فالحجُّ في اللغةِ: القصدُ، وفي الشرع:

стр. 293

اسمٌ لأفعالٍ مخصوصةٍ، والعمرةُ في اللغة: الزيارةُ. ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ فلا إثمَ. ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ أى: يدورَ. ﴿بِهِمَا﴾ وأصل الطواف المشيُ حولَ الشيء، والمرادُ هنا: السعيُ بينَهما، وسببُ نزولِ هذه الآية: أنه كان على الصفا والمروةِ صنمانِ يَسافُ ونائلةُ، وكان يسافُ على الصَّفا، ونائلةُ على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينَ الصفا والمروة تعظيمًا للصَّنمين، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلامُ، وكُسرت الأصنام، فتحرَّجوا السعيَ بينَ الصفا والمروة لأجل الصنمين، فأذنَ الله فيه، وأخبرَ أنه من شعائر الله (١). واختلفَ العلماءُ في حكم هذه الآية ووجوب السعي بينَ الصفا والمروة في الحجِّ والعمرة، فعند مالكٍ والشافعيِّ وأحمَد أنه ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا به، وعند أبي حنيفة أنه واجبٌ، وليس بركنٍ، وعلى من تركَهُ دمٌ. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: من تبرَّع بما لم يجبْ عليه، وتقديرُه: بخيرٍ، فلما حُذفَ الجارُّ، تعدَّى الفعلُ، فنصبَ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (يَطَّوَعْ) بالياء وتشديد الطاء وجزم العين، بمعنى يتطوَّعْ (٢). وقرأ الآخرون: بالتاء وفتح العين على الماضي (٣).

стр. 294

﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ أي: مجازِ له. ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيته، والشكرُ من الله أن يعطيَ فوق ما يستحقُّ، يشكرُ اليسيرَ، ويعطي الكثيرَ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ . [١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ نزلت في علماء اليهود، كتموا صفةَ محمدٍ ﷺ ، وآيةَ الرجم، وغيرَها من الأحكام التي كانت في التوراة (١). ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يُبعدهم الله عن رحمته، وأصلُ اللعنِ: الطردُ. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: يسألون الله أن يلعنهم يقولون: اللهم العنهم، واللاعنون الثقلان والملائكة، ثم استثنى فقال:

стр. 295

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ . [١٦٠] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ من الكفرِ، وأسلَموا. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ الأعمالَ بينهم وبينَ الله. ﴿وَبَيَّنُوا﴾ أي: أظهروا ما كَتَموا. ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أتجاوزُ عنهم، وأقبلُ توبَتَهم. ﴿وَأَنَا التوَّابُ﴾ الرَّجَّاعُ بقلوبِ عبادي المنصرفةِ عني إليَّ. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم بعدَ إقبالهم عليَّ، والتوبة: حلُّ عَقْدِ الإصرارِ على الذنب وربطُ العزيمةِ بالقلبِ على البعدِ عن مقاربتهِ، مع الندمِ عليه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ . [١٦١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الكاتمين، ولم يتوبوا. ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لأن الله تعالى يلعنُهم يومَ القيامة، ثم يلعنُهم الملائكةُ، ثم يلعنُهم الناسُ، والظالمُ يلعنُ الظالمينَ، ومن لعنَ الظالمين وهو ظالمٌ، فقد لعنَ نفسَه. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ . [١٦٢] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ مقيمينَ في اللعنةِ، أو في النارِ.

стр. 296

﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا يُرفع عنهم. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يُمْهَلون (١) فيعتذرون. ولما قالَ كفارُ قريشٍ لمحمدٍ ﷺ صِفْ لنا رَبَّكَ، نزلَ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ . [١٦٣] ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿إِلَهٌ﴾ وصفة الخبر: ﴿وَاحِدٌ﴾ فردٌ لا نظيرَ له في ذاته، ولا شريكَ له في صفاته. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ تلخيصُه: الألوهيةُ مختصَّةٌ به. ولما سمعَ المشركون هذهِ الآيةَ، قالوا له ﷺ : إن كنتَ صادقًا، فَأْتِ بآية يُعْرَفُ (٢) بها صدْقُك، فنزل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ . [١٦٤] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) جمعَ السمواتِ؛ لأن كلَّ

стр. 297

سماء ليست من جنس الأخرى، ووحَّدَ الأرضَ؛ لأنها من جنسٍ واحد، وهو الترابُ. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تَعاقُبهما في الذهابِ والمجيء، والزيادةِ والنقصانِ، والنورِ والظلمة. ﴿وَالْفُلْكِ﴾ السُّفُن، واحده وجمعه سواء، فإذا أُريدَ به الجمعُ يؤنَّثُ، وفي الواحدة يُذَكَّر، قال الله تعالى في الواحدةِ والتذكير: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾ [الصافات: ١٤٠]، وقال في الجمعِ والتأنيثِ: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ﴾ [يونس: ٢٢]. ﴿الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ مُوقَرَةً لا ترسُبُ؛ أي: لا تجلس تحت الماء. ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي. ﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الحمل فيها، والركوبِ عليها. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: مطر. ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾ أي: بالماء. ﴿الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: يبسها. ﴿وَبَثَّ﴾ أي: فَرَّقَ. ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ لأن بثَّ الدوابِّ يكونُ بعدَ حياةِ الأرضِ بالمطر؛ لأنهم ينمونَ بالخصب، ويعيشون بالمطر، والدابَّهُ: كُلُّ ما يَدُبُّ. ﴿وَتَصْرِيفِ﴾ أي: وتَنْقيلِ.

стр. 298

﴿الرِّيحَ﴾ من مهابِّها قَبولًا ودَبورًا، وجَنوبًا وشَمالًا، وحارةً وباردةً، وعاصفةً ولَيِّنَةً، وعَقيمًا ولاقِحًا، وغير ذلك. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرِّيحِ) بغير ألف على التوحيد. والباقون: بالألف على الجمع (١). والريحُ أعظمُ جندِ الله تعالى، وتذكَّرُ وتؤنَّثُ، وسُمِّيت ريحًا؛ لأنها تريح النفوس، والرياحُ ثمانية: أربعةٌ للرحمة، وهي: المبشِّراتُ، والناشِراتُ، والذارياتُ، والمرسَلاتُ، وأربعة للعذاب: وهي: العقيمُ، والصَّرْصَرُ في البَرِّ، والعاصِفُ والقاصِفُ في البحر. ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ أي: المقيمِ المذَلَّلِ للرياح، سُمِّيَ سَحابًا؛ لأنه يُسْحَبُ؛ أي: يسيرُ في سرعة كأنه ينسحبُ؛ أي: يُجَرُّ. ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تقلِّبه في الجوِّ كيفَ شاءتْ بمشيئة الله تعالى، فيمطِرُ (٢). ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ينظرونَ بعقولهم، فيعلمون أنَّ لهذه الأشياء خالِقًا وصانِعًا، فيوحِّدونه، فبعدَ ثُبوتِ الألوهيةِ عَنَّفَ الكفارَ أَنْ عبدوا غيرَهُ، ووصفَ الأبرارَ فقال:

стр. 299

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ . [١٦٥] ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: المشركين. ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أصنامًا يعبدونها. ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أي: يحبون آلهتهم كحبِّ المؤمنين لله تعالى، ثم فضَّلَ محبةَ المؤمنين (١) بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ من حبِّ الكفارِ الأندادَ؛ لأن المؤمنين لا يعدِلُون عن الله تعالى بكلِّ حالٍ، والكافرون يَعْدِلون عن أربابهم في الشدائد إلى الله تعالى، وإذا اتَّخذوا صَنَمًا، ثم رأوا أحسنَ منه، طرحوا الأولَ، واختاروا الثاني. ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (تَرَى) بالتاء خطابًا للنبي ﷺ ، معناه: لو ترى يا محمدُ الذين ظلموا؛ أي: أشركوا، في شدةِ العذاب، لرأيتَ أمرًا عظيمًا. وقرأ الباقون: (يَرَى) بالياء، معناه: ولو يرى الذين ظلموا أنفسَهم عندَ رؤية العذابِ، لعرفوا مَضَرَّةَ الكفر. (٢).

стр. 300

﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ بالعينِ يومَ القيامة. قرأ ابنُ عامِرٍ: (يُرَوْنَ) بضمِّ الياء مجهولًا، والباقون: بفتحها معلومًا (١)، و (إذ) للماضي، ووقعت هنا للمستقبَل؛ لأنَّ خبر الله عن المستقبَل في الصحة كالماضي. ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ﴾ أي: القدرةَ الإلهيةَ والغلبةَ. ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ معناهُ: لرأوا وأيقنوا أنَّ القوةَ لله. قرأ أبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (إِنَّ القُوَّةَ)، و (إِنَّ الله) بكسر الألف فيهما على الاستئناف (٢). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ وتبدلُ من ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾. ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾ . [١٦٦] ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ هم الرؤساءُ المقتدَى بهم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (٣). ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ هم الأتباع، وأصل التبرؤ: التخلُّص.

стр. 301

﴿وَرَأَوُا﴾ أي: تبرؤوا في (١) حالِ رؤيتِهم. ﴿الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ أي: عنهم. ﴿الْأَسْبَابُ﴾ الوصُلاتُ التي كانت بينهم في الدنيا؛ من القرابات، والموالاة، والمخالَّةِ، وصارتْ عداوةً. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ . [١٦٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ يعني: الأتباع. ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعةً إلى الدنيا. ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي: من المتبوعين. ﴿كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ اليومَ. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أراهم العذاب كذلك. ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ كتبرُّؤ (٢) بعضِهم من بعض. ﴿حَسَرَاتٍ﴾ نداماتٍ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جمعُ حَسْرة. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ لأنهم خُلِقوا لها.

стр. 302

ونزلَ في ثقيفٍ وخُزاعةَ وغيرِهم ممَّنْ حَرَّمَ على نفسِه الوصيلةَ والبَحِيرةَ وغيرَهما: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ . [١٦٨] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (مِنْ) تبعيض؛ لأن ليس كلُّ ما فيها يؤكَلُ. ﴿حَلَالًا﴾ الحلال: ما لا يُعاقَبُ عليه، وهو ما أطلقَ الشرعُ فعلَه، مأخوذٌ منَ الحلِّ، وهو الفتحُ. ﴿طَيِّبًا﴾ طاهرًا من جميع الشُّبَهِ. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ آثارَه وطرَقه. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وحفصٌ، ويعقوبُ، وقنبلٌ (خُطُوَاتِ) بضم الطاء حيثُ وقع، والباقون: بسكونها (١). ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ مظهرُ العداوةِ بَيِّنُها، ثم ذكر عداوته فقال:

стр. 303

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ . [١٦٩] ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾ أي: الإثمِ، وأصلُه: ما يَسُوءُ صاحِبَهُ. ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ وهي أقبحُ المعاصي وأخبثُها. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من تحريمِ الحرثِ والأنعامِ وغيرِهما؛ لأنه لا علمَ لكم بذلك. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ . [١٧٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في تحليلِ ما حَرَّموا على أنفسِهم من الحرثِ والأنعامِ والبَحيرةِ والسائبةِ، والهاءُ والميم في (لَهُمْ) عائدةٌ على الناس في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾. ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ قرأ الكسائيُّ: (بَل نتَّبِع) بإدغام اللام في النون (١). ﴿مَا أَلْفَيْنَا﴾ وجَدْنا. ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ في التحريم والتحليل، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: كيف يَتَّبعون آباءهم، وآباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ من الدِّين.

стр. 304

﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ للصواب، المعنى: أيتبعونهم ولو كانوا ضلالًا؟! ثم ضرب لهم مثلًا، فقال - جل ذكره -: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ . [١٧١] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ النَّعِيقُ: صوتُ الراعي بالغنم، وهي لا تسمعُ إلا صوتًا وزَجْرًا، ولا تفقَهُ شيئًا آخَرَ، وكذلك الكفارُ في دعاءِ النبيِّ لهم إلى الهداية، فمعنى الآية: مثلُكَ يا محمدُ في دعائِكَ الكفارَ إلى الهداية، وعدمِ هدايتهم، كمثلِ الذي يُصَوِّتُ. ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ منه كالبهائم. ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ تلخيصُه: لا ينتفعُ الكفارُ بشيء من وَعْظِكَ يا محمدُ، وإن سمعوا صوتَكَ. ﴿صُمٌّ﴾ تقول العرب لمن يسمعُ ولا يعقلُ: كأنه أصمُّ. ﴿بُكْمٌ﴾ عن الخيرِ لا يقولونه. ﴿عُمْيٌ﴾ عن الهدى لا يُبْصرونه. ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الموعظةَ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ . [١٧٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ أي: حلالاتِ.

стр. 305

﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي: كلوا رزقكم. ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على نعمه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ثم بين المحرَّماتِ فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ . [١٧٣] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ وهي ما لم تُدْرَكْ ذكاتُها مما (١) يُذْبَحُ. قرأ أبو جعفرٍ: ﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتشديد في كلِّ القرآن (٢). ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ أي: واستثنى الشارعُ من الميتةِ السمكَ والجرادَ، ومن الدَّمِ الكبدَ والطِّحالَ، فأحلَّهما. ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ أي: جميعَ أجزائِه، فعبَّرَ عن ذلكَ باللحم؛ لأنه معظَمُهُ. ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ذُكِر عليه اسمُ غيرِ الله، وهو ما ذُبِحَ للأصنامِ والطواغيتِ، وأصلُ الإهلالِ: رفعُ الصوتِ، وكانوا عندَ ذبحِهم لآلهتِهم يرفعون أصواتَهم بِذِكْرها.

стр. 306

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: أُلْجِئ وأُحْوِجَ إلى أكلِ الميتة، وحَدُّ الاضطرارِ أن يخافَ على نفسِه، أو على بعضِ أعضائِه التلفَ، فليأكُلْ. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَمَنُ اضْطُرَّ) بضمِّ النون، وأبو جعفر: بكسر الطاء (١). ﴿غَيْرَ﴾ نصبٌ [على] (٢) الحال. ﴿بَاغٍ﴾ أي: خارجٍ على السلطان، وأصلُ البغيِ: الفسادُ. ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: عاصٍ بسفره، روي عن يعقوبَ الوقفُ بالياء على (بَاغِي) وَ (عَادِي) (٣)، وأصلُ العدوانِ: الظلمُ، فلا يجوزُ للعاصي بسفرِهِ أكلُ الميتةِ للضرورة، ولا الترخُّصُ برُخَصِ المسافرينَ عند الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفة، واختلفوا في مقدارِ ما يحلُّ للمضطرِّ أكلُه من الميتة، فقال مالكٌ: يأكل حتى يشبعَ، وقالَ الثلاثةُ: يأكلُ مقدارَ ما يُمسِكُ رمقَهُ، وجوابُ (فَمَن): ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا حَرَجَ عليه في أكلِها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن أكلَ في حالِ الاضطرار.

стр. 307

﴿رَحِيمٌ﴾ بترخيصِه ذلكَ. ونزل لمّا غَيَّرَ علماءُ اليهودِ صفةَ محمدٍ ﷺ ؛ خوفًا على فواتِ رياسَتِهم ومآكلِهم التي كانوا يصيبونها من سِفْلَتِهم رجاءَ أن يكونَ النبيُّ المبعوثُ منهم (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ . [١٧٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: صفةَ محمدٍ ﷺ ونبوَّتَهُ. ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ أي: بالمكتوبِ. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عوضًا يسيرًا، يعني: المآكلَ التي يصيبونها من سِفْلَتهم. ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا﴾ ما يُؤَدِّيهم. ﴿النَّارَ﴾ وهو الرِّشْوَةُ والحرامُ، فلمَّا كان ذلكَ يُفضي بهم إلى النار، فكأنهم أكلوا النارَ. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بالرحمة، وبما يَسُرُّهم إنما يكلِّمُهم بالتوبيخِ. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لا يُطَهِّرُهم (٢) من دَنسَ الذنوب. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلِم.

стр. 308

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾ . [١٧٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: استبدَلُوا الكفر بالإيمان. ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ قرأ السوسي، ورُوَيْسٌ (وَالعَذَاب بالمَغْفِرَةِ) (الكِتَاب بالحَقِّ) بإدغامِ الباء في الباء (١)، ثم أعجبَ من حالهم وملازمتِهم ما يُوجبُ لهم النارَ، فقال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ وأصلُ الصبرِ: الإمساكُ في ضيقٍ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾ . [١٧٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: العذابُ مبتدأ، خبرُه: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: بسببِ أنَّ الله. ﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ أي: الكتبَ. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بما لا شكَّ فيه ولا تناقضَ، فاختلفوا فيها، فآمنوا ببعضٍ، وكفروا ببعض. ﴿وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ﴾ خلافٍ. ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الهدَى.

стр. 309

ولما صَلَّى اليهودُ نحوَ المغربِ، وادَّعَوْا أنه البِرُّ، والنصارى نحوَ المشرقِ، وادَّعَوْا أنه البِرُّ، نزلَ ردًّا عليهم: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ . [١٧٧] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ وهو كلُّ عملِ خيرٍ يُفضي بصاحبه إلى الجنة، وأصلُه: التوسُّعُ في فعلِ الخير. قرأ حمزةُ، وحفصٌ: (البِرَّ) بنصِب الراء، والباقون: برفعها، فمن قرأ بالرفع، جعل البرَّ اسمَ ليس، وخبرُها (أن تولوا)، ومن قرأ بالنصب، جعلَ (أن تولوا) الاسمَ (١). ﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ المعنى: ليس البرُّ صلاتِكم إلى غير القبلة. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ أي: وإنما البر. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ بتخفيفِ النون (٢)، ورفعِ الراء مبتدأ، خبرُه:

стр. 310

﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ يعني: الكتبَ المنزلةَ. ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ أجمعَ. ﴿وَآتَى﴾ أي: أعطى. ﴿الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: حبِّ المال في حال صِحَّته ومَحَبَّتِهِ. ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أهلَ القرابة، وقَدَّمهم؛ لأنهم أحقُّ. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ، سُمِّي به لملازمتِهِ الطريقَ. ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ المستَطْعِمين. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ المكاتبَين. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى﴾ أي: أعطى ﴿الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ فيما بينَهم وبينَ الله ، وفيما بينَهم وبينَ الناس. ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ إذا وَعَدُوا (١) أَنْجزوا، وإذا حَلَفوا أو نَذَروا أَوْفَوا، وإذا قالوا صَدَقوا، وإذا ائْتُمِنوا أَدَّوْا. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ منصوبٌ على المدح، والعربُ تنصبُ الكلام على المدح والكرم؛ كأنهم يريدون إفرادَ الممدوحِ والمذمومِ، ولا يُتبعونه أولَ الكلام وينصبونه.

стр. 311

﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ الشدَّةِ والفقرِ. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرضِ والزَّمانَةِ. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ القتالِ والحربِ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فيما عاهدوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ محارمَ الله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ . [١٧٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ فُرِضَ. ﴿عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ المساواةُ. ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ والقصاصُ: المماثلةُ في الجراحِ والدِّيات، وأصلُه من قَصَّ الأثرَ: إذا تبَعَهُ، وهو أن يُفعل بالجاني مثلُ ما فَعل، وسببُ نزولها أنه كان بين حَيَّين في الجاهلية جراحاتٌ ودياتٌ لم تُسْتَوْفَ حتى جاءَ الإسلام، فأقسمَ أحدُ الحيينِ ليقتلنَّ (١) بالرجلِ الواحد الرجلينِ، فنزلَت (٢). ﴿الْحُرُّ﴾ مبتدأ، خبرُه تقديره: مأخوذ.

стр. 312

﴿بِالْحُرِّ﴾ كذلك ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ اختلفَ الأئمةُ في حكم الآية، فمالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ ﵃ لا يقتلون الحرَّ بالعبد، ولا المؤمنَ بالكافر، ويجعلون هذه الآيةَ مفسِّرَةً للمبهَم في قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأن تلكَ حكايةُ ما خوطبَ به اليهودُ في التوراة، وهذه خطاب للمسلمين، وما فرض عليهم فيها، واستثنى مالك فقال: إلا أن يقتلَ المسلمُ الكافرُ غيلةً، فيُقتلُ به، وأبو حنيفة ﵁ يقتلُ الحرُّ بالعبدِ، والمؤمنَ بالكافر، يجعلُ (١) هذه الآية منسوخَةً بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وبدليل ما رُوي: "المُسْلِمُونَ تتَكافَأُ دِمَاؤُهُمْ" (٢)، ولأنَّ التفاضُلَ في الأنفسِ (٣) غيرُ معتبَرٍ؛ بدليلِ قتلِ الجماعةِ بالواحدِ بالاتفاق، واتفقوا على أنه يُقْتل الذكرُ بالأنثى، وعكسُه، والصغيرُ بالكبير، والصحيحُ بالأعمى، وبالزَّمِنِ، وبناقِصِ الأطرافِ، وبالمجنونِ. ونقل الزمخشريُّ في "كَشَافِه" أنَّ مذهبَ مالكٍ والشافعي لا يقتل الذكرُ بالأنثى؛ أخذًا بهذه الآية (٤)، وهو وهمٌ؛ فإن مذهبَهما يُقْتَلُ الذكرُ بالأنثى، وعكسُه، وقد صرَّحَ بذلك علماءُ المذهبَيْنِ في كتبهِم المبسوطاتِ والمختصراتِ. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: تُرِكَ له، وصُفِحَ عنهُ من الواجِبِ عليه،

стр. 313

وهو القصاص في قتل العمد، ورُضي منه بالدية، وأصلُ العفوِ: المحوُ والتجاوزُ، وقولُه: (مِنْ أَخيهِ)؛ أي: من دمِ أخيهِ المقتولِ، وقولُه: (شيءٌ) دليل على أن بعض الأولياء إذا عَفَا، سقطَ القَوَدُ، وتَعَيَّنَتِ الدِّيَةُ؛ لأنَّ شيئًا من الدم قد بطلَ، وهو قولُ الثلاثة، وقال مالكٌ: إن عَفَا بعضُ مَنْ له الاستيفاءُ، فإن كانَ الجميعُ رجالًا، سقطَ القودٌ، وإن كُنَّ نساءً، نظرَ الحاكمُ، فإن كانوا رجالًا ونساءً، لم يسقطْ إلا بهما، أو ببعضِهما، وإلا فالقولُ قولُ المقتصِّ، ومهما سقطَ البعضُ، تعيَّنَ لباقي الورثة نصيبُهم من ديةِ عمدٍ. ﴿فَاتِّبَاعٌ﴾ أي: على الطالبِ للدياتِ الاتباعُ. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ فلا يأخذُ منه أكثرَ من الدية، ولا يطالبُه بعنفٍ. ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ أي: على المطلوبِ منه أداءُ الديةِ إلى وليِّ الدمِ. ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بلا مماطلةٍ ولا بَخْس، وهذا تأديبٌ للقاتل، ولوليِّ الدمِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من العفوِ وأخذِ الدية. ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لأن القصاص كان حتمًا على اليهود، وحُرِّمَ عليهِمُ العفوُ والديةُ، وكانتِ الديةُ حَتْمًا على النصارى، وحُرِّمَ عليهم القصاصُ، فَخيِّرَتْ هذه الأمةُ بينَ الأمرين تخفيفًا ورحمةً. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ أي تجاوزَ ما شُرِعَ، فقتلَ الجانيَ بعدَ العفوِ وقَبولِ الدية، أو قتلَ غيرَ القاتلِ. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ أخذِ الدية. ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.

стр. 314

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ . [١٧٩] ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: بقاءٌ؛ لأنه يزجُرُ عن القتل. ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ العقولِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: تنتهونَ عن القتل مخافةَ القَوَد. وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناس: القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ . [١٨٠] ﴿كُتِبَ﴾ أي: فُرِضَ. ﴿عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابُه من الأمراضِ. ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالًا. ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ والفاء مقدرة؛ أي: فالوصيةُ رفع مبتدأ، خبرُه: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ كانت فريضةً في ابتداء الإسلام، ثم نُسخت بآيةِ الميراثِ، وبقولِ النبيِّ ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (١) ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالعدلِ، لا يزيدُ على الثلثِ، ولا يوصي لغنيٍّ ويدعُ الفقيرَ.

стр. 315

﴿حَقًّا﴾ نصبٌ على المصدَر؛ أي: جَعَلَ الوصيةَ حقًّا. ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ الله. ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ . [١٨١] ﴿فَمَنْ﴾ شرطٌ مبتدأ. ﴿بَدَّلَهُ﴾ غَيَّرَ الإيصاءَ. ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ أي: قولَ الموصي، والجوابُ: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ أي: حرجُ الإيصاءِ المبدَّلِ. ﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ والميتُ بريءٌ منه ثم تهدَّدَ المبدِّلَ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لِما وَصَّى به الموصي. ﴿عَلِيمٌ﴾ بتبديل المبدِّلِ. ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ . [١٨٢] ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أي: علم. ﴿مِنْ مُوصٍ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (مُوَصٍّ) بفتح الواو وتشديد الصاد؛ لقوله تعالى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقرأ الباقون: بسكون

стр. 316

الواو وتخفيف الصاد؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) [النساء: ١١]. ﴿جَنَفًا﴾ أي: عُدولًا عن الحقِّ، وأصلُه: الميل. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ظلمًا. ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الموصَى لهم. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الحاضر أو وليِّ أمورِ المسلمينَ أن يأمرَ الموصِيَ بالعدل بينَ الموصَى لهم، أو يصلحَ بعدَ موتهِ بينَ ورثتِهِ وبينَ الموصَى له، ويردَّ الوصيةَ إلى العدلِ والحقِّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعدٌ للمصلح. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ . [١٨٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أي: فُرِضَ. ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وأصلُه في اللغة: الإمساكُ، وفي الشرعِ: إمساكٌ عن أشياءَ مخصوصةٍ بنيَّةٍ في زمنٍ معيَّنٍ من شخصٍ مخصوصٍ. ثم بَيَّنَ أن

стр. 317

هذا الصيام؛ أعني: ثلاثين يومًا، كان مفروضًا على من تقدَّمنا، ولم نُخَصَّ به بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء والأممِ، وكان صيامُ مَنْ تقدَّمنا من العتمة إلى الليلة القابلة، وكان النصارى قد يقع صيامهم في الحرِّ الشديد، فيشُقُّ عليهم، فجعلوه في الربيع، وزادوه عَشْرًا كفارةً لِما صنعوا، ثم مرض ملكُهم فبرئ، فأتمَّهُ خمسين. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما لم يَجُزْ شرعًا. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ . [١٨٤] ﴿أَيَّامًا﴾ ظرفٌ لكُتِبَ؛ كقولك (١): نويتُ الخروجَ يومَ الجمعة. ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ مُوَقَّتاتٍ بعددٍ، وكان في ابتداء الإسلام صومُ ثلاثةِ أيام من كلِّ شهرٍ واجبًا، وصومُ عاشوراء، فَنُسِخَ بصيام رمضان، وأولُ ما نُسِخَ بعدَ الهجرةِ أمرُ القبلةِ والصومِ، وفُرِضَ رمضانُ في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا، فصام ﵇ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: راكب سفر.

стр. 318

﴿فَعِدَّةٌ﴾ مبتدأ، خبرُه محذوف، تقديره، ومعناه: فأفطرَ، فعليه صيامُ عددِ أيامِ فطرِه. ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾ نعتٌ لعِدَّة. ﴿أُخَرَ﴾ غيرِ أيامِ مرضِه وسفرِه. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: على الذين يقدرون على الصيام، وهم مَنْ (١) لا عذرَ له في الفطر، فعليه إن أفطر: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لأنهم كانوا قد خُيِّروا في ابتداء الإسلام بينَ أن يصوموا وبينَ أن يفطروا ويفتدوا، فَنُسِخَ التخييرُ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامر: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بالإضافة (مَسَاكِينَ) على الجمع بألف (٢) بعدَ السين، وافقهم هشامٌ في جمع مساكين. وقرأ الباقون: (فِدْيَةٌ) منونةً (طَعَامُ) رفعٌ (مِسْكِينٍ) على التوحيد، فمن جمعَ، نصبَ النونَ، ومن وحَّدَ، خفضَ النونَ، ونَوَّنَها (٣)، وهي ثابتةٌ في حقِّ مَنْ كان يطيقُ في حالِ الشبابِ، ثم عجزَ لكبرِهِ، فله أن يُفطرَ ويفتديَ عندَ الثلاثة، وعندَ مالكٍ يفطرُ ولا فديةَ

стр. 319

عليه، لكنْ تستحَبُّ. والفديةُ: الجزاءُ، وهو أن يُطعمَ عن كلِّ يومٍ أفطرَ مسكينًا مُدًّا مِنْ بُرٍّ، وهو رِطْلٌ وثُلُثٌ بالعراقيِّ عندَ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ نصفُ صاعٍ بُرًّا، أو صاعٌ من غيره، وقدر الصاعِ عندَه ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: زادَ على مسكينٍ واحدٍ، أو زادَ على الواجبِ عليه. ﴿فَهُوَ﴾ أي: فالتطوُّعُ. ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلف: (يَطَّوَّعْ) (١) أي: يَتَطَوَّعْ، ومحلُّ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ رفعٌ مبتدأ، خبرُه: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: والصيامُ خير من الفديةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ، والحاملُ والمرضِعُ إذا خافتا على وَلَدَيهما وأَنْفُسِهما، أَفْطَرتا، وقَضَتا (٢) بالاتفاق، ولا فديةَ عليهِما عندَ أبي حنيفةَ، والمشهورُ عن مالكٍ وجوبُ الفديةِ على المرضِعِ دونَ الحاملِ، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ إِنْ أفطرتا خَوْفًا على أنفسِهما، فلا فديةَ، أو على الولدِ لزمَتْهما الفديةُ، وأما المريضُ والمسافرُ والحائضُ والنفساءُ، فعليهمُ القضاءُ دونَ الفديةِ بالاتفاق. ثم بين اللهُ تعالى أيامَ الصيام فقال:

стр. 320

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ . [١٨٥] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ سُمِّيَ الشهرُ شهرًا؛ لشهرتِه، وسُمِّيَ رمضانَ من الرَّمْضاء، وهي الحجارةُ المُحَمَّاةُ. قرأ أبو عمرٍو (شَهْر رَّمَضَانَ) بإدغام الراء في الراء (١)، ورفْعُهُ مبتدأ، خبرُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ جملةً واحدة في ليلةِ القدرِ من اللَّوْحِ المحفوظِ إلى بيتِ العِزَّةِ في سماءِ الدُّنْيا، ثم نزلَ به جبريلُ ﵇ نجومًا في نَيِّفٍ وعشرينَ سنةً، وتقدَّمَ تفسيرُ معنى القرآن في الفصلِ الثامنِ أولَ التفسيرِ. قرأ ابنُ كثيرٍ (القُرَان) (وقُرَانًا) حيثُ وقعَ بفتحِ الراءِ غيرَ مهموز (٢). وعن أبي ذَرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي ثَلاَثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى فِي سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ إِنْجِيلُ عِيسَى فِي ثَلاَثَ عَشْرَةَ مَضَيْنَ مِنْ
следующие страницы →