← Тафсир

Тафсир · id 14404

فتح الرحمن في تفسير القرآن

مجير الدين العليمي

Полный текст (3 849 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الواو وتخفيف الصاد؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) [النساء: ١١]. ﴿جَنَفًا﴾ أي: عُدولًا عن الحقِّ، وأصلُه: الميل. ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ظلمًا. ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الموصَى لهم. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الحاضر أو وليِّ أمورِ المسلمينَ أن يأمرَ الموصِيَ بالعدل بينَ الموصَى لهم، أو يصلحَ بعدَ موتهِ بينَ ورثتِهِ وبينَ الموصَى له، ويردَّ الوصيةَ إلى العدلِ والحقِّ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعدٌ للمصلح. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ . [١٨٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ أي: فُرِضَ. ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وأصلُه في اللغة: الإمساكُ، وفي الشرعِ: إمساكٌ عن أشياءَ مخصوصةٍ بنيَّةٍ في زمنٍ معيَّنٍ من شخصٍ مخصوصٍ. ثم بَيَّنَ أن

стр. 317

هذا الصيام؛ أعني: ثلاثين يومًا، كان مفروضًا على من تقدَّمنا، ولم نُخَصَّ به بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء والأممِ، وكان صيامُ مَنْ تقدَّمنا من العتمة إلى الليلة القابلة، وكان النصارى قد يقع صيامهم في الحرِّ الشديد، فيشُقُّ عليهم، فجعلوه في الربيع، وزادوه عَشْرًا كفارةً لِما صنعوا، ثم مرض ملكُهم فبرئ، فأتمَّهُ خمسين. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما لم يَجُزْ شرعًا. ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ . [١٨٤] ﴿أَيَّامًا﴾ ظرفٌ لكُتِبَ؛ كقولك (١): نويتُ الخروجَ يومَ الجمعة. ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ مُوَقَّتاتٍ بعددٍ، وكان في ابتداء الإسلام صومُ ثلاثةِ أيام من كلِّ شهرٍ واجبًا، وصومُ عاشوراء، فَنُسِخَ بصيام رمضان، وأولُ ما نُسِخَ بعدَ الهجرةِ أمرُ القبلةِ والصومِ، وفُرِضَ رمضانُ في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا، فصام ﵇ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: راكب سفر.

стр. 318

﴿فَعِدَّةٌ﴾ مبتدأ، خبرُه محذوف، تقديره، ومعناه: فأفطرَ، فعليه صيامُ عددِ أيامِ فطرِه. ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾ نعتٌ لعِدَّة. ﴿أُخَرَ﴾ غيرِ أيامِ مرضِه وسفرِه. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: على الذين يقدرون على الصيام، وهم مَنْ (١) لا عذرَ له في الفطر، فعليه إن أفطر: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لأنهم كانوا قد خُيِّروا في ابتداء الإسلام بينَ أن يصوموا وبينَ أن يفطروا ويفتدوا، فَنُسِخَ التخييرُ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامر: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بالإضافة (مَسَاكِينَ) على الجمع بألف (٢) بعدَ السين، وافقهم هشامٌ في جمع مساكين. وقرأ الباقون: (فِدْيَةٌ) منونةً (طَعَامُ) رفعٌ (مِسْكِينٍ) على التوحيد، فمن جمعَ، نصبَ النونَ، ومن وحَّدَ، خفضَ النونَ، ونَوَّنَها (٣)، وهي ثابتةٌ في حقِّ مَنْ كان يطيقُ في حالِ الشبابِ، ثم عجزَ لكبرِهِ، فله أن يُفطرَ ويفتديَ عندَ الثلاثة، وعندَ مالكٍ يفطرُ ولا فديةَ

стр. 319

عليه، لكنْ تستحَبُّ. والفديةُ: الجزاءُ، وهو أن يُطعمَ عن كلِّ يومٍ أفطرَ مسكينًا مُدًّا مِنْ بُرٍّ، وهو رِطْلٌ وثُلُثٌ بالعراقيِّ عندَ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ نصفُ صاعٍ بُرًّا، أو صاعٌ من غيره، وقدر الصاعِ عندَه ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: زادَ على مسكينٍ واحدٍ، أو زادَ على الواجبِ عليه. ﴿فَهُوَ﴾ أي: فالتطوُّعُ. ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلف: (يَطَّوَّعْ) (١) أي: يَتَطَوَّعْ، ومحلُّ ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ رفعٌ مبتدأ، خبرُه: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: والصيامُ خير من الفديةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ، والحاملُ والمرضِعُ إذا خافتا على وَلَدَيهما وأَنْفُسِهما، أَفْطَرتا، وقَضَتا (٢) بالاتفاق، ولا فديةَ عليهِما عندَ أبي حنيفةَ، والمشهورُ عن مالكٍ وجوبُ الفديةِ على المرضِعِ دونَ الحاملِ، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ إِنْ أفطرتا خَوْفًا على أنفسِهما، فلا فديةَ، أو على الولدِ لزمَتْهما الفديةُ، وأما المريضُ والمسافرُ والحائضُ والنفساءُ، فعليهمُ القضاءُ دونَ الفديةِ بالاتفاق. ثم بين اللهُ تعالى أيامَ الصيام فقال:

стр. 320

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ . [١٨٥] ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ سُمِّيَ الشهرُ شهرًا؛ لشهرتِه، وسُمِّيَ رمضانَ من الرَّمْضاء، وهي الحجارةُ المُحَمَّاةُ. قرأ أبو عمرٍو (شَهْر رَّمَضَانَ) بإدغام الراء في الراء (١)، ورفْعُهُ مبتدأ، خبرُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ جملةً واحدة في ليلةِ القدرِ من اللَّوْحِ المحفوظِ إلى بيتِ العِزَّةِ في سماءِ الدُّنْيا، ثم نزلَ به جبريلُ ﵇ نجومًا في نَيِّفٍ وعشرينَ سنةً، وتقدَّمَ تفسيرُ معنى القرآن في الفصلِ الثامنِ أولَ التفسيرِ. قرأ ابنُ كثيرٍ (القُرَان) (وقُرَانًا) حيثُ وقعَ بفتحِ الراءِ غيرَ مهموز (٢). وعن أبي ذَرٍّ ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي ثَلاَثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى فِي سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ إِنْجِيلُ عِيسَى فِي ثَلاَثَ عَشْرَةَ مَضَيْنَ مِنْ

стр. 321

رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ زَبُورُ دَاوُدَ فِي ثَمانِي عَشْرَة لَيْلَةً (١) مَضَتْ (٢) منْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقرْآنُ علَى مُحَمَّدٍ فِي الرَّابِع وَالْعِشْيرينَ مِنْ رَمَضَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ بَعْدَهَا" (٣). ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ من الضلالة. ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ دلالاتٍ واضحاتٍ. ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ ذكر أولًا أنه هُدًى للناس، ثم ذكر ثانيًا أنه بيناتٌ من الهدى؛ ليؤذن أنه من جملةِ ما هَدَى الله تعالى به. ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ المفرِّقِ بين الحقِّ والباطِلِ. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي: كان (٤) مقيمًا في الحضر. ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ وأعاد قولَهُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ليعلم أنَّ هذا الحكمَ ثابتٌ في الناسخِ ثبوتَهُ في المنسوخ، واختلفوا في المرض الذي يُبيحُ الفطرَ, فقال أبو حنيفة ومالكٌ: يُباحُ بمطلَقِ المرضِ، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ: يُباحُ إذا خافَ ضرَرًا بزيادةِ مرضِه أو طوله، والسفرُ المبيحُ للفطرِ

стр. 322

عندَ أبي حنيفة مسيرةُ ثلاثةِ أيامٍ، وعندَ الثلاثةِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا [وهي] (١) أربعةُ بُرُدٍ، وهي يومانِ قاصدانِ، واختلفوا في أفضلِ الأمرينِ، فقال الثلاثة: الصومُ أفضلُ، [وإنْ جهدَهُ الصومُ كانَ الفطرُ أفضلَ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: الفطرُ أفضلُ] (٢)؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (٣). ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ حيثُ أباحَ الفطرَ بالمرضِ والسفرِ، واليُسْرُ: ما تسهل. ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [العُسْرُ: ضدُّ اليسر، تلخيصُه: يريدُ أن يُيَسِّرَ عليكم ولا يُعَسِّرَ] (٤). قرأ أبو جعفر (اليُسُرَ والعُسُرَ) ونحوَهما بضمِّ السين حيثُ وقعَ، والباقون: بالسكون (٥). ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ تقديرُهُ: يريدُ بكمُ اليسرَ، ويريدُ بكم لتكْمِلوا. ﴿الْعِدَّةَ﴾ بقضاءِ ما أفطرتُم في مرضِكم وسفرِكم. قرأ أبو بكرٍ،

стр. 323

ويعقوبُ (وَلِتُكَمِّلُوا) بتشديد الميم، والباقون: بالتخفيف، وهو الاختيار، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) [المائدة: ٣]. ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ أي: تُعَظِّموه حامِدينَ. ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أرشدَكم إلى ما رَضِيَ به من صومِ شهرِ رمضان. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لله على نعمِه، والمرادُ بهذا التكبيرِ: هو تكبيرُ ليلةِ الفطرِ، وهو مستحَبٌّ، واختلفَ الأئمةُ في مُدَّته، فقال مالكٌ: يكبِّرُ في يومِ الفطرِ دون ليلته، وابتداؤه من أولِ اليوم إلى أن يخرجَ الإمامُ إلى الصلاة، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ من غروبِ الشمسِ ليلةَ الفطر، وانتهاؤه عندَ الشافعيِّ إلى أن يُحْرِمَ الإمامُ بالصلاة، وعندَ أحمدَ إلى فراغ الخطبة، وقال أبو حنيفة: يكبِّرُ للأَضْحى، ولا يكبِّرُ للفطر، وعند صاحبيه يُكَبِّرُ إذا توجَّهَ للصلاة، فإذا انتهى إلى المصلَّى، سقطَ عنه التكبيرُ، والتكبيرُ في الفطرِ مطلَقٌ غيرُ مقيَّدٍ بوقتٍ ولا مكانٍ، فيكبر في المساجد، والمنازل، والطرق، وغيرها، ولا يكبر عقبَ الصلواتِ المكتوبةِ، وأما صلاةُ العيدين، فهي (٢) فرضُ كفايةٍ عندَ أحمدَ وسُنَّةٌ عندَ الشافعيِّ ومالكٍ، وعندَ أبي حنيفةَ واجبةٌ على الأعيان، وليستْ فرضًا، ويأتي الكلامُ على

стр. 324

التكبيرِ للأضحى وصفةِ التكبيرِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وأما وقتُ صلاةِ العيدِ وصفتُها وأحكامُها، فقد اتفقَ الأئمةُ على أنَّ أولَ وقتِها إذا ارتفعتِ الشمسُ، وآخرَهُ إذا زالتِ الشمسُ (١)، وسُمِّيَ عيدًا؛ لاعتيادِ الناسِ له كلَّ حينٍ، ومعاودَتِهِمْ إياه، والسُّنَّةُ أن يُنادى لها: الصَّلاةَ جامعةً، ويُشْتَرَطُ لها إذنُ الإمام، والمِصْرُ عندَ أبي حنيفة، خلافًا للثلاثةِ، كما في الجمعة، ويشترطُ الاستيطانُ، وحضورُ أربعين عند الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ ومحمدٍ تنعقدُ بثلاثةٍ سوى الإمام، وعند أبي يوسفَ اثنانِ سوى الإمامِ، وعندَ مالكٍ ليسَ لهم حدٌّ محصورٌ كما قالَ كلٌّ منهم في الجمعة، وهي ركعتان يجهرُ فيهما بالاتفاق، وصفتُها (٢) عندَ أبي حنيفة أن يكبِّرَ تكبيرةَ الافتتاحِ، وثلاثًا بعدَها، فإذا قامَ للثانيةِ، بدأ بالقراءةِ، ثم يكبِّرُ ثلاثًا، وأُخرى للركوع، فيوالي بينَ القراءتين في الركعتين، ويسكتُ بينَ كلِّ تكبيرتينِ قدرَ ثلاثِ تسبيحاتٍ، ويرفعُ يدَيه في الزوائدِ، وعندَ مالكٍ يكبِّرُ في الأولى بعدَ تكبيرة الإحرام سِتًّا، وفي الثانيةِ بعدَ القيامِ خمسًا، ويرفَعُ يديه في الأولى خاصَّةً، وليس عندَه بينَ التكبيرتين قولٌ، ولا للسكوتِ بينَهما حَدٌّ، وعندَ الشافعيِّ يكبِّرُ في الأولى بعدَ الافتتاحِ سَبْعًا، وفي الثانيةِ قبلَ القراءةِ خَمْسًا، وعندَ أحمدَ في الأولى بعدَ الافتتاحِ سِتًّا؛ كقولِ مالك، وفي الثانية بعدَ القيام خَمْسًا؛ كقولِ الشافعيِّ، واتفقَ الشافعيُّ (٣) وأحمدُ على رفعِ اليدينِ مع كلِّ تكبيرةٍ، وعلى

стр. 325

التكبيرِ والتحميدِ والتسبيحِ بينَ كلِّ تكبيرتينِ، فإذا فرغَ من الصلاةِ، خطبَ خُطْبتينِ، وهما سُنَّةٌ بالاتفاقِ، يفتتحُهما بالتكبيرِ، يحثُّهم في الفطرِ على الصدقة، ويبينُ لهم ما يُخرجون، وفي الأضحى على الأُضْحية، ويبينُ حكمَها، والتكبيراتُ الزوائدُ سُنَّةٌ بالاتفاق. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ . [١٨٦] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ منهُم بالعلمِ والإجابة. عن ابنِ عباسٍ قال: قالَ يهودُ المدينةِ: يا محمدُ! كيفَ يسمعُ دعاءنا ربُّنا وأنتَ تزعُم أن بيننا وبينَ السماء خمسَ مئةِ عامٍ، وأنَّ غلظَ كلِّ سماءٍ مثلُ ذلك؟ فنزلَتْ هذهِ الآيةُ، وفيه ضمارٌ تقديرُه: فقل لهم: إني قريب. ﴿أُجِيبُ﴾ أسمعُ للإجابة. ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) بإثبات الياء فيهما وَصْلًا، بخلافٍ عن قالون. وقرأ يعقوبُ: بإثباتهما وَصْلًا ووَقْفًا، والباقون: بحذفِهما في الحالين (١).

стр. 326

قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَا عَلَى الأَرْضِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ". وروي أن أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ الله! أقريبٌ ربُّنا فَنُناجِيهِ، أَمْ بعيدٌ فَنُنادِيه؟ فنزل: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فَلْيُجيبوا إذا دعوتُهم إلى الإيمان، والإجابة في اللغة: الطاعةُ، فالإجابةُ من الله: العطاءُ، ومن العبدِ: الطاعةُ، وحقيقتُه: فليطيعوني. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ لكي يهتدوا، والرُّشْدُ ضِدُّ الغَيِّ. قرأ وَرْشٌ: (وَلْيُؤْمِنُوا بِيَ) بفتح الياء (١). وكانَ في ابتداءِ الإسلامِ يحرمُ (٢) الأكلُ والشربُ والجماعُ في رمضانَ بعدَ النوم وبعدَ صلاةِ عشاءِ الآخرةِ، ثم إنَّ عمرَ بنَ الخطاب ﵁ واقعَ أهلَه بعدَ ما صلَّى العشاء، فلمَّا اغتسلَ، أتى النبيَّ ﷺ ، واعتذرَ إليه، ثم قامَ رجالٌ فاعترفوا بمثلِه، فنزلَ في عمرَ وأصحابِه:

стр. 327

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ . [١٨٧] ﴿أُحِلَّ﴾ أي: أُبِيحَ. ﴿لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ ظَرْفٌ لـ "أُحِلَّ". ﴿الرَّفَثُ﴾ الجماعُ ومقدِّماتُه. ﴿إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قال الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ: كلمةٌ جامِعَةٌ لكلِّ ما يريدُ الرجلُ من النساءِ (١). ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ أي: ستر منَ النارِ بالتعفُّفِ. ﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ واللباسُ: اسمٌ لكلِّ ما يستُرُ، فكأن كلَّ واحدٍ منهما سترًا لصاحبِهِ عمَّا لا يحلُّ، وجاءَ في الحديث: "مَنْ تزَوَّجَ، فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينهِ" (٢).

стр. 328

﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ﴾ تخونونَ. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ وتظلمونَها بالمجامعةِ بعدَ العشاء. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ تجاوزَ عنكُمْ. ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ مَحا ذنوبَكُمْ. ﴿فَالْآنَ﴾ ظرفٌ لقول: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ جامِعُوهُنَّ، وسُمِّيَتِ المجامعةُ مباشرةً لالتصاقِ بَشَرَتيهِما. ﴿وَابْتَغُوا﴾ اطلُبوا. ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في اللَّوْحِ المحفوظِ منَ الولدِ، وكان في ابتداءِ الإسلام إذا نامَ الإنسانُ أو صلَّى العشاءَ حَرُمَ عليهِ الطعامُ والشرابُ في صيامِ رمضانَ، فنزلَ رخصةً: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ لياليَ الصِّيامِ. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ تَبَيَّنَ الشيءُ: ظهرَ. ﴿لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ هو أولُ ما يبدو من بَياضِ النهار كالخيطِ الممدود. ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ هو ما يمتدُّ من سواد الليل مع بَياض النهار، وشُبِّها بخيطين أبيضَ وأسودَ لامتداهما، والمرادُ: الفجرُ الثاني.

стр. 329

﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيطِ الأبيضِ، واكتفى ببيان الخيطِ الأبيضِ عن بيانِ الأسودِ؛ لدلالتِهِ عليه، ولما أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولم ينزلْ منَ الفجر، كان رجالٌ إذا أرادوا الصوم، ربطَ أحدُهم في رِجْليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزالُ يأكلُ ويشربُ حتى يتبينَ له رؤيتُهما، فأنزل الله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أَنَّما يعني الليلَ والنهارَ (١)، والفجرُ فجرانِ: كاذبٌ، وصادقٌ، فالكاذبُ يطلُعُ أولًا مستطيلًا يصعَدُ إلى السماء، فبطلوعِهِ لا يخرجُ الليلُ، ولا يحرُمُ الطعامُ والشرابُ على الصائم، ثم يغيبُ فيطلُعُ بعدَهُ الصادقُ، ينتشرُ سريعًا في الأفق، ولا ظلمةَ بعدَه، فبطلوعِه يدخلُ النهار، ويحرمُ الطعامُ والشرابُ على الصائم. ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (٢). ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ المباشرةُ: الجِماعُ، نزلَتْ فيمَنْ كان يعتكِفُ في المسجد، فإذا عَرَضَتْ له حاجةٌ إلى امرأته، خَرَجَ فجامَعَها، ثُمَّ اغتسلَ فرجعَ إلى المسجد.

стр. 330

رُوِيَ عن يعقوبَ: الوَقْفُ على النون المشدَّدَةِ من جمعِ الإناثِ بالهاءِ (١) نحو: (هُنَّهْ) (وَمِنْهُنَّهْ) (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّهْ) وشبهِه حيثُ وقعَ. ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾ مقيمون ناوونَ الاعتكافَ. ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولا يجوزُ الاعتكافُ في غيرِ المساجد (٢)، وهو سنَّةٌ بالاتفاق، وهو لزومُ مسجدٍ لطاعةِ الله تعالى على صفةٍ مخصوصةٍ من مسلمٍ عاقلٍ ولو مميزًا، طاهرٍ مما يوجبُ غسلًا، ولو ساعةً، ويجوزُ غيرَ صائمٍ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ ﵄. المعنى: الجماعُ محرَّمٌ عليكم مدَّةَ اعتكافِكُمْ ليلًا ونهارًا، وهو مُفْسِدٌ له بالاتفاق، وما دونَ الجماعِ من المباشراتِ؛ كالقبلةِ واللمسِ بالشهوةِ، فمكروهٌ، ولا يفسِدُ الاعتكافَ عندَ الشافعيِّ، وقال مالكٌ: يبطل اعتكافه، وعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ: إنْ أنزلَ، بطلَ، وإلَّا فلا. ﴿تِلْكَ﴾ أي: الأحكامُ المذكورةُ وجميعُ المحرَّماتِ. ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: موانعُه، وأصلُ الحدِّ في اللغة: المنعُ، ومنهُ قيلَ للبواب: حَدّادٌ؛ لأنه يمنعُ الناسَ منَ الدخولِ. قرأ أبو عمرٍو (المَسَاجِد تَلكَ) بإدغام الدال في التاء. ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: فلا تأتوها. ﴿كَذَلِكَ﴾ هكذا.

стр. 331

﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لكي يتقوها فينجوا من العذاب. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ . [١٨٨] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ أي: لا يأكلْ بعضُكم من مالِ بعضٍ. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ من غيرِ الوجهِ الذي أباحَهُ اللهُ، وأصلُ الباطلِ: الشيءُ الذاهبُ. نزلَتْ في رجلين تخاصَما إلى النبي ﷺ في أرضٍ بينَهما، فأرادَ أحدُهما أن يحلِفَ على أرضِ أخيه (١). ﴿وَتُدْلُوا بِهَا﴾ أي: لا تُلْقوا بالأموالِ الرشوةِ، وأصلُ الإدلاءِ: إرسالُ الدَّلْو وإلقاؤه في البئر، يقال: أدلَى دَلْوَهُ: إذا أرسلَهُ. ﴿إِلَى الْحُكَّامِ﴾ قضاة السوء بإقامة شهادة الزور. ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أي: طائفةً. ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾ أي: الظلمِ. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبْطِلون. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.

стр. 332

[١٨٩] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ نزلَتْ في مُعاذِ بنِ جَبَلٍ وثعلبةَ بنِ غنمٍ الأنصارِيَّيْنِ قالا: يا رسولَ الله! ما بالُ الهلالِ يبدو دقيقًا، ثم يزيدُ حتى يمتلئ نورًا، ثم يعودُ دقيقًا كما بدأ، ولا يكون على حالة؟ فأنزل الله الآية (١)، والأهلةُ: جمعُ هلالٍ، سُمِّي بذلك؛ لرفعِ الناسِ أصواتَهُمْ عندَ رؤيته، وهو هلالٌ، إلى الليلةِ الثالثةِ (٢)، ثم يُقْمِرُ. ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ جمعُ ميقات؛ أي: معالِمُ. ﴿لِلنَّاسِ﴾ يعلمون بها أوقات زراعتهم ومتاجرهم. ﴿وَالْحَجِّ﴾ أي: يعلمون أوقات الحجِّ والعمرةِ والصيامِ والإفطارِ وغيرها، فلهذا خالف بينَهُ وبينَ الشمسِ التي هي دائمةٌ على حالةٍ واحدةٍ. ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ كان المحرمُ جاهليةً وإسلامًا لا يدخُلُ بيتًا من بابه، بل يدخلُه من خلفِهِ، فإن كانَ حائطًا، نقبَهُ، أو يَتَّخِذُ سُلَّمًا يصعَدُ منه حتى يُحِلَّ من إحرامِه، ويرونَ ذلك بِرًّا، إلا أنَّ يكون من الحُمْسِ، وهم قريشٌ وكِنانةُ، فأنزل الله الآيةَ، وسُمِّيت قريشٌ حُمْسًا؛ لشجاعتِهم وتصلُّبِهم في دينهم (٣). قرأ ابنُ كثيرٍ، وقالونُ، وابنُ عامرٍ وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ، وخلفُ (البِيُوتَ) و (بِيُوتًا) و (بِيُوتكم) (٤)

стр. 333

وشِبْهَهُ بكسرِ الباء حيثُ وقع، والباقون: بالضمِّ على الأصل (١). المعنى: ليس البرُّ ما تفعلونه. ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ ذلكَ وتجنَّبَهُ. ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ حالَ الإحرامِ. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لكي تظفروا بالهدى والبر. وأولُ ما نزلَ في أمرِ القتال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ . [١٩٠] ﴿وَقَاتِلُوا﴾ أي: و (٢) جاهدوا. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طاعتِهِ. ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ كانَ في ابتداء الإسلام أُمِرَ رسولُ الله ﷺ بالكَفِّ عن قتالِ المشركين، ثم بعدَ الهجرةِ أُمر بقتالِ مَنْ قاتلَه منهم بهذه الآية.

стр. 334

﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ لا تبدؤوهم بالقتال، ثم نُسخت بعدَ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾ أي: لا يرضى فِعْلَ. ﴿الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوِزينَ الحلالَ إلى الحرام. ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ . [١٩١] ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: وجدتُموهم، وتمكَّنتم منهُم، وأصلُ الثقافة: الحذقُ في إدراكِ الشيءِ وفعله. ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ من مكَّةَ؛ لأنهم أخرجوا المسلمين أولًا منها، ثم أَخرجَ ﷺ ثانيًا منها من لم يؤمنْ منهم يومَ الفتح، وكانوا يستَعْظِمون القتلَ في الحرمِ، ويُعَيِّرونَ بهِ المسلمينَ، فنزل: ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي: شِرْكُهم بالله. ﴿أَشَدُّ﴾ أي: أعظمُ. ﴿مِنَ الْقَتْلِ﴾ الذي يحلُّ بهم منكم في الحرَمِ والإحرامِ. ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (ولا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ) بغير ألفٍ فيهن على معنى: ولا تقتلوا بعضَهم، تقولُ العرب: قتلْنا بني فلانٍ،

стр. 335

وإنما قتلوا بعضَهم. وقرأ الباقون: بالألف (١)، من القتال (٢). كان في ابتداء الإسلام لا يحلُّ بِدايَتُهم بالقتال في البلدِ الحرام، ثم صارَ منسوخًا؛ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] . ﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يفعل بهم مثل ما فعلوا. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ . [١٩٢] ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عنِ الشركِ والقتالِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما سلَفَ من ذنوبهم. ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده. ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾. [١٩٣] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ أي: المشركين. ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شركٌ، يعني: حتى يُسْلموا.

стр. 336

﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾ أي: العبادة. ﴿لِلَّهِ﴾ وحدَه، فلا يُعبد سواه، فلا يُقبل من غير الكتابي إلا الإسلامُ أو القتلُ. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الشركِ. ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ لا ظلمَ. ﴿إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ المعنى: لا تظلموا إلا الظالمين غيرَ المنتهين، وسُمِّي جزاءُ الظالمينَ ظلمًا؛ لازدواجِ الكلام؛ كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] تلخيصُه: من آمنَ سَلِمَ، ويسمَّى الكافرُ ظالمًا؛ لوضعِه العبادةَ في غير محلِّها. ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾. [١٩٤] ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ أي: المحرم. ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ أي: مقابَلٌ به وبما فيه من قتالٍ وحجٍّ وغيرِهما. سببُ نزولها: أن رسولَ الله ﷺ خرجَ معتمِرًا في ذي القعدةِ سنةَ ستٍّ، فصَدَّه المشركون عن البيت بالحُدَيبية، فصالح أهلَ مكَّةَ على أن يرجعَ عامَهُ ذلكَ، ثم رجعَ فقضَى عُمرتَهُ في ذي القعدة أيضًا سنةَ سبعٍ من الهجرةِ، فنزلَتْ (١). تلخيصه: هذا الشهرُ بذلكَ الشهرِ.

стр. 337

﴿وَالْحُرُمَاتُ﴾ جمعُ حُرْمَةٍ. ﴿قِصَاصٌ﴾ مساواةٌ. المعنى: من هتكَ حرمةً، اقْتُصَّ منه بمثلِها، والهتكُ: خرقُ السترِ عمَّا وراءه. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وقاتلوه. ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: جازوه بعقوبةٍ مماثلةٍ عقوبته، قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ إذا انتصرتم ممَّنْ ظلمكم، فلا تظلموهُم بأخذِ أكثرَ من حَقِّكم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيصلِحُ شأنَهم. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ . [١٩٥] ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: الجهاد. سببُ نزولها البخلُ وتركُ الإنفاقِ في سبيل الله حينَ قالَ ناسٌ: لو أنفقْنا أموالنا، بقينا بلا أموال (١). ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ أصل الإلقاءِ: طرحُ الشيءِ حيث تراه، وعُبِّر عن الأنفسِ بالأيدي. المعنى: لا تطرحوا أنفسَكم. ﴿إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أي: الهلاكِ بتركِ الإنفاقِ في سبيل الله، والعربُ لا تقولُ: ألقى بيدِهِ إلَّا في الشرِّ.

стр. 338

﴿وَأَحْسِنُوا﴾ باللهِ الظنَّ، وفي الإنفاقِ من غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيما يصدُرُ منهم. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ . [١٩٦] ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإتمامُهُما أن يؤتَى بهما تامين بمناسكِهما (١) وسُنَنِهما، واتفقَ الأئمةُ على وجوبِ الحجِّ على مَنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا، واختلفوا في العُمرة، فقال الشافعيُّ وأحمدُ: هي واجبةٌ؛ لأنها قرينةُ الحجِّ في كتاب الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: هي سُنَّةٌ، وتأوَّلا قولَه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ معناه: أَتِمُّوها إذا دخلتُم فيها، أما ابتداءُ الشروعِ (٢) فيها، فتطوُّعٌ. واتفقَ الأئمةُ على جوازِ أداءِ الحجِّ على ثلاثةِ أوجُهٍ: الإفراد، والتمتُّعُ، والقِران. فصورةُ التمتعُّ: أن يعتمرَ في أشهرِ الحجِّ، ثم بعدَ الفراغ من أعمالِ

стр. 339

العُمرة يُحرِمُ بالحجِّ من مكةَ، فيحجُّ في ذلكَ العامِ، وهو الأفضلُ عندَ الإمامِ أحمدَ. وصورة الإفرادِ: أن يحجَّ، ثم بعدَ الفراغ منه يعتمرُ من خارجِ مَكَّةَ من أدنى الحِلِّ، وهو الأفضلُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ. وصورةُ القِرانِ: أن يحرمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا، أو يحرمَ بالعمرةِ ثم يُدخلُ عليها الحجَّ قبل أن يطوفَ، فيندرج أفعالُ العمرةِ في أفعال الحجِّ، وهو الأفضلُ عندَ أبي حنيفة. ويأتي الكلامُ على وجوبِ الحجِّ وشيءٍ من أحكامِه في سورة الحج عندَ تفسيرِ قوله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أصل الإحصارِ: المنعُ، والمانعُ المبيحُ للمحرمِ التحلُّلَ ما كان بعدوٍّ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ ومالكٍ، وعندَ أبي حنيفةَ كلُّ ما صَدَّ عن الوصول إلى البيت؛ كعدوٍّ، ومرضٍ، وذهابِ نفقةٍ وراحلة، وتقديرُه: إن صُدِدتم عن الوصول إلى البيت. ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ أي: فعليه ما تيسرَ. ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾ جمعُ هَدِيَّة، والهديُ: ما يُهْدَى إلى الحَرَم من نَعَمٍ وغيرِها تقرُّبًا إلى الله تعالى، والمرادُ هنا: النَّعَمُ، فأيسرُهُ شاةٌ، وأوسطُه بقرةٌ، وأعلاه بَدَنةٌ، فيتحلَّلُ المحرِمُ بذبحِ الهديِ وحَلْقِ الرأسِ حيث أُحْصرَ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ مالكٍ أن المحصَرَ بعدوٍّ لا يجبُ عليه هَدْيٌ، ويتحلَّلُ بدونه، وقال أبو حنيفةَ: يبعثُ بهديِه إلى الحَرَمِ، ويُقيم على إحرامِهِ، ويواعدُ مَنْ يذبحُهُ عنهُ، ثم يُحِلُّ. تلخيصُه: فإنْ مُنِعْتُم عن البيت مُحْرَمين، فعليكم إذا أردتم التحلَّلَ ما تَسَهَّلَ من الهَدْي.

стр. 340

﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ في حالِ الإحرام، فالحلقُ والتقصيرُ مشروعٌ في الحجِّ بالاتفاقِ، فعندَ الشافعيِّ هو ركنٌ على الأصحِّ، وعندَ الثلاثةِ واجبٌ. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مَنْحَرَهُ الذي يُذْبح فيه، فيذبحُه حيثُ يحلُّ، وتقدَّم قريبًا ذكرُ اختلافِ الأئمة في محلِّهِ. ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ في جَسده. ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ من هَوامّ أو صُداعٍ صراع (١) أو جراحةٍ (٢). المعنى: يثبتُ على إحرامِه من غيرِ حلقٍ حتى يذبَحَ هَدْيَه، إلا أن يُضْطَرَّ إلى الحلق، فإن فعلَ ذلك (٣) للضرورةِ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فعليه فديةٌ، نزلتْ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ حينَ رآه رسولُ الله ﷺ وَهَوامُّهُ تسقطُ على وجهه، فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، فأمره رسولُ الله ﷺ بالحلق والفدية، وهو بالحديبية (٤). ﴿مِنْ صِيَامٍ﴾ أي: صيامِ ثلاثةِ أيامٍ بالاتفاق. ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ يُطعمها لستةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من طعام عندَ الثلاثة، وعندَ أحمدَ مُدُّ بُرٍّ، أو نصفُ صاعِ تمرٍ أو شعيرٍ. ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ جمعُ نَسيكة، وهي ذبيحةُ شاةٍ بالاتفاق، واتفقوا على أنه مخيَّرٌ بين الصيام والذبح والتصدُّق؛ لأن (أو) للتخيير.

стр. 341

واختلفوا في الدماء المتعلِّقَةِ بالإحرام بمن تختصُّ تفرقتُها؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوزُ الذبحُ إلا بالحرم، ولا يختصُّ تفرقتهُ بأهله، وقال مالكٌ: ليس شيءٌ منها مخصوصًا، وجائز أن يفعلَها حيثُ شاء بمكةَ وغيرِها، والاختيارُ أن يأتيَ بالكفارة حيثُ وجبتْ عليه، فإن أتى بها في غيره، أجزأت عنه، وقال الشافعيُّ: الدمُ الواجبُ بفعلِ حرامٍ أو تركِ واجبٍ لا يختصُّ بزمانٍ، ويختصُّ ذبحُه بالحرم، ويجب صرفُ لحمِه إلى مساكينه، إلَّا دمَ الإحصار فحيث أُحصِرَ، وقال أحمدُ: كلُّ هديٍ أو إطعامٍ فهو لمساكين الحرم، إلا فديةَ الأذى والإحصار, فحيث وجدا، ولهُ تفرقتُها في الحرم أيضًا، أما الصومُ فيجزئ بكلِّ مكانٍ بالاتفاق. ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ من خوفكم، وبرئْتُم من مرضِكم. ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ ومعنى التمتع ﴿بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ في قول ابن عباسٍ وعطاءٍ وجماعةٍ: هو الاستمتاعُ بعدَ الخروجِ من العمرةِ بما كان محظورًا عليه في الإحرام إلى وقتِ إحرامِه بالحج، وقيل: هو الاستمتاعُ والانتفاعُ بالتقرُّبِ بها إلى الله تعالى قبلَ الانتفاعِ بالتقرُّب إلى الله تعالى بالحج (١)، ﴿فَمَنْ﴾ شرطٌ محلُّه رفعٌ ابتداء، وجوابُه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: عليه دمٌ، شاةٌ يذبحُها، لأنه ترفق بأداء النُّسكين في سَفْرَةٍ واحدةٍ، وكذا القارنُ بشرطِ ألَّا يكون (٢) من حاضري المسجدِ الحرامِ بالاتفاق، ويلزمُ دمُ التمتُّع بطلوعِ الفجرِ يومَ النحر عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ، وعند مالكٍ والشافعيِّ بإحرامِ الحجِّ، وإذا وجبَ، جازَ

стр. 342

إراقتُهُ، ولم يتوقَّتْ بوقتٍ عند الشافعيِّ، والأفضلُ عندَه إراقتُه يومَ النحر، وهو مذهبُ الثلاثة. ولوجوب الدم على المتمتع عند أَحمدَ سبعةُ شروط: أحدهما: ألَّا يكونَ من حاضري المسجد الحرام، والثاني: أن يعتمرَ في أشهر الحجِّ، والعبرةُ بالشهرِ الذي أحرم فيه، لا بالذي حَلَّ فيه، الثالث: أن يحجَّ من عامِهِ، الرابع: ألَّا يسافر بين العمرة والحج مسافةَ قصرٍ فأكثرَ، الخامسُ: أن يحلَّ من العمرة قبلَ إحرامه بالحجِّ، السادسُ: أن يحرمَ من الميقات أو من مسافةِ قصرٍ فأكثرَ من مكةَ، السابع: أن ينويَ التمتُعَّ في ابتداء العمرة، أوْ أثنائها، ولا يُعتبر وقوعُ نسكين عن واحدٍ، فلو اعتمر لنفسِه، وحجَّ عن غيره، أو عكسه، أو فعل ذلك عن اثنين، كان عليه دمُ المتعة. وعندَ الشافعيِّ أربعةُ شروطٍ: الثلاثةُ الأُوَلُ، والرابعُ: ألَّا يعود إلى ميقاتِ بلدِه لإحرامِ الحجِّ. وعند مالكٍ خمسةُ شروط: ألَّا يكونَ من حاضري المسجد الحرام، الثاني: أن يخرجَ من العمرة ولو آخرها في أشهر الحج، ولو أحرمَ قبلَها؛ كما لو أحرمَ في رمضانَ، وأكملَ سعيَهُ بدخولِ شوال، الثالث: ألَّا يعود إلى أُفُقِه أو مِثله؛ بخلاف لوْ عاد مثلُ (١) المصريِّ إلى نحوِ المدينة، الرابع: أن يكونا عن واحد؛ بأن تكونَ العمرةُ والحجُّ عن نفسه، أو عمَّن استنابَه، أما لو كان أحدُهما عن نفسه، والآخر عن غيره، سقط الهدي، الخامس: أن يكونا في عامٍ.

стр. 343

وعند أبي حنيفة أربعة: أن يحرم من الميقات، الثاني: أن يفعل أفعالَ العمرةِ أو أكثرَها في أشهر الحج، فلو طاف أقلَّ أشواطِ العمرة قبلَ أشهر الحجِّ، وأتمها فيها، وحجَّ، كان متمتعًا، وعكسه لا، لأن للأكثر حكمَ الكلِّ، الثالث: أن يحجَّ من عامِه، الرابع: ألَّا يرجع إلى وطنه، فلو خرج من الحرم، ولم يجاوز الميقات، أو خرجَ من الميقات، ولم يرجعْ إلى وطنه، فهو متمتع، وخالفه صاحباه في الثاني (١)، فقالا: إذا خرجَ من الميقات، بطلَ التمتُّعُ. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي. ﴿فَصِيَامُ﴾ أي: فعليه صيامُ. ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في وقته وأشهُرِه، فيصوم يومًا قبلَ التروية، ويومَ التروية، ويومَ عرفةَ، وهذا هو الأفضلُ عند أبي حنيفة وأحمدَ، وعند مالكٍ والشافعيِّ يُستحبُّ أن يصومَ الثلاثة قبلَ يوم عرفة؛ لأن صومه يُضعفه عن الدعاء، فإن صامه، أجزأه، ويجوزُ الصومُ قبلَه بعد الإحرام بالعمرة عندَ أبي حنيفة وأحمدَ، وعند مالكٍ والشافعيِّ بعدَ الإحرام بالحج، ولا يجوزُ صومُ هذه الثلاثةِ في أيام التشريق عندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، وقال مالكٌ وأحمدُ: يجوز، لأن نهيه ﵇ عن صيام أيام منى معناهُ التطوعُ، وهذا واجبٌ. ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم وبلدكم، فلو صامها قبلَ الرجوع، لم يجزْ في الأظهر من مذهبِ الشافعيِّ، وقالَ الثلاثةُ: يجوزُ صومُها قبلَ

стр. 344

الرجوع، لكن لا يصحُّ عندَهم صومُها في أيام التشريق، ويجوزُ صيامُها بعدَ الفراغ من أعمال الحجِّ إذا توطَّنَ بمكةَ بالاتفاق. ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ في الثوابِ والأجرِ، أو ذكرَها على وجه التأكيد، وهذا لأنَّ العربَ ما كانوا يهتدون إلى الحساب، فكانوا يحتاجون إلى فَضْلِ شرح وزيادةِ بيانٍ، وكلُّ واحدٍ من صومِ الثلاثةِ والسبعةِ لا يجبُ فيه التتابعُ بالاتفاق، وإذا فاتَ صومُ الثلاثة أيامٍ حتى أتى يومُ النحر، فعندَ أبي حنيفة لم يجزهِ إلا الدمُ، ولا يجوزُ أن يصومَ الثلاثةَ ولا السبعةَ بعدَها. وعند مالكٍ والشافعيِّ إذا فاتَ صومُها في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه، وعند أحمد إن لم يصمها في أيام منى صام بعد ذلك عشرة أيام وعليه دم مطلقًا، ويلزمه التفريق من الثلاثة والسبعة عند الشافعي، وعند أحمد لا يلزمه، وعند مالك إن شاء وصل الثلاثة بالسبعة، وإن شاء فرقها منها. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الحكم الواجب من الهدي أو الصيام عند مالك والشافعي وأحمد. ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وذلك عند أبي حنيفة وأصحابه، إشارة إلى التمتع، فلا متعة ولا قران عندهم لحاضري المسجد الحرام، فمن تمتع وقرن منهم فعليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه، واختلفوا في حاضري المسجد الحرام؛ فعند أحمد: هم أهل مكة، ومن كان من آخر الحرم دون مسافة القصر، وعند الشافعي: من كان وطنه من الحرم أقل من مسافة القصر، وعند أبي حنيفة: أهل المواقيت فما دونها، وعند مالك: أهل مكة فقط. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في أداء الأوامر. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على ارتكاب المناهي.

стр. 345

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ . [١٩٧] ﴿الْحَجُّ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ أي: وقته أشهر وهو شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة عند أبي حنيفة وأحمد، وعند الشافعي: وتسعة من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وعند مالك: وجميع ذي الحجة، فمن قال: عشر، عبَّر به عن الليالي، ومن قال: تسعة، عبَّر به عن الأيام، فإن آخر أيامه يوم عرفة وهو التاسع، وإن من قال: أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث على قول الأئمة الثلاثة لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تامًّا بقليله وكثيره، فتقول: زرتك العام، وإنما زاره في بعضه، فالميقات: زماني ومكاني، فالزماني للحج وهو ما تقدم آنفًا، وأما العمرة: فتصح في جميع السنة بالاتفاق فلو أحرم بالحج قبل أشهر صح، وانعقد عند الثلاثة، وقال الشافعي ينعقد عمرة مجزية عن عمرة الإسلام، وأما المكاني: فميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، وهو اسم لجميع الوادي وهو من المدينة على نحو ستة أميال وبينه وبين مكة نحو عشرة أيام، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة، واسمها في الأصل: مهيعة، وسميت جحفة لأن السيل جحف أهلها؛ أي: استأصلهم، وهي قرية بينها وبين مكة نحو أربعة أيام، وميقات أهل نجد اليمن ونجد الحجاز والطائف قَرْبه بإسكان الراء، ويُسمى قرن المنازل، وقرن الثعالب، وهو جبل مشرف على عرفات، وميقات أهل اليمن يلملم، وميقات أهل المشرق كخراسان

стр. 346

والعراق ذات عرق، وهذه الثلاثة بين كل واحد منها وبين مكة ليلتان وهذه المواقيت يجب الإحرام على من مر بها أو حاذاها برًّا أو بحرًا إذا كان قاصدًا مكة مريدًا للنسك من حج أو عمرة بالاتفاق، فإن لم يرد نسكًا لم يلزمه الإحرام عند الشافعي، كله يستحب. وعند الثلاثة لا يجوز دخول مكة بغير إحرام، واستثنى أبو حنيفة مَنْ منزله في الميقات أو داخله، وأباح القائلون بوجود الإحرام الدخول لمن شأنه التردد؛ كحطاب ونحوه، ويباح لقتال مباح وخوف من عدو عند الشافعي وأحمد، فإن لم يحرم من وجب عليه الإحرام فقد أساء ولا شيء عليه؛ لأن دخول محل الفرض لا يوجب الدخول في الفرض، ولا قضاء عليه لفواته، كما لا تقضى تحية المسجد إذا جلس قبل أن يصليَها، ولا فدية عليه، وهذا قول الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة في قوله يجب أن يأتي بحجة أو عمرة، فإن أتي بحجة الإسلام أو عمرة أجزأه عن عمرة الدخول، ومَنْ منزله دون الميقات فميقاته من موضعه بالاتفاق، وميقات أهل مكة للحج عند الشافعي نفس مكة فقط، وعند أبي حنيفة من حيث شاؤوا من الحرم، وعند مالك وأحمد من مكة، ويصح من الحل، وميقاتهم للعمرة من الحل كالتنعيم وغيره بالاتفاق، فلو أحرم من الحرم صح وعليه دم بالاتفاق، فلو خرج إلى الحل قبل طوافه سقط الدم عنه (١) عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة: إن خرج محرمًا ملبيًا سقط الدم، وعند صاحبيه: يسقط بعدده إلى الميقات، لبى أو لم يلبِّ، وإن رجع بعد طوافه لم يسقط الدم بالاتفاق، وعند مالك: يعيد طوافه وسعيه لكونهما وقعا بغير شرطهما، وإن حلق أعادهما أيضًا وأهدى لكونه حلق في إحرامه.

стр. 347

﴿فَمَنْ فَرَضَ﴾ أي: أوجب على نفسه. ﴿فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ بالإحرام والتلبية. ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: لا جماع فيه. ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ كل أنواع المعاصي فسوق. ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ لا خصام. ﴿فِي الْحَجِّ﴾ بأن يقول بعضهم: الحج اليوم، ويقول بعضهم: الحج غدًا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿فلا رفثٌ ولا فسوقٌ﴾ بالرفع والتنوين فيهما ﴿ولا جدالَ﴾ بالنصب من غير تنوين. وقرأ أبو جعفر الثلاثة بالرفع والتنوين. وقرأ الباقون بالنصب من غير تنوين في الثلاثة، فالقراءة بالرفع والتنوين إخبار بمعنى النهي؛ أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، وبالنصب من غير تنوين نفي، تلخيصه: لا تفعلوا ما نهيتم عنه. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: برٍّ وطاعة. ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ أي: لا يخفى عليه. ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ما تتبلغون به ويقيكم عن السؤال وغيره. نزلت فيمن كان يحج بلا زاد ويقل على الناس. ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي: اجعلوا زاد الحج الطعام، وزاد الآخرة التقوى. ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يا ذوي العقول، فمن من لم يتقه فليس بذي لبٍّ، قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر (واتقوني) بإثبات الياء حالة الوصل، وأثبتها يعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون فيهما.

стр. 348

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ . [١٩٨] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي: إثم، وأصله من الجنوح، الميل عن القصد. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ أي: تقصدوا. ﴿فَضْلًا﴾ أي: رزقًا وتفضلًا، وهو الربح في التجارة. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. نزلت لما تأثم المسلون من التجارة أيام الحج. ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دفعتم، أصل الإفاضة الدفع بكثرة، من أفاض الرجل ماءه. ﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ جمع عرفة، جمع بما حولها، وإن كانت بقعة واحدة، وهي اسم علم للموقف، سميت به لأنها وصفت لإبراهيم ﵇، فلما رآها عرفها. وقيل: إن آدم ﵇ لما أهبط وقع بالهند وحواء بجدة، فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة، وتعارفا، فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات، وقيل غير ذلك. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالدعاء والتهليل والتلبية. ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ أي: بالقرب منه، وهو ما بين جبلي مزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسر، وجميع المزدلفة موقف إلا المحسر،

стр. 349

وقيل: هو جبل قزح، وسمي مشعرًا، من الإشعار، الإعلام لأنه من معالم الحج، وأصل الحرام: المنع فلا يفعل فيه ما نهي عنه، والإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس، ومن المزدلفة قبل طلوعها يوم النحر، وسمي المزدلفة جمعًا؛ لأنه يجمع فيه بين صلاتي العشاء، والمزدلفة لازدلاف الناس إليها؛ أي: دنوُّهم منها. ﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ بالتوحيد ذكرًا حسنًا. ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ لدينه ومناسك حجه. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبل الهدى. ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ الجاهلين بعبادته وذكره. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ . [١٩٩] ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمْس يقفون بالمزدلفة ترفعًا على الناس لئلا يساووهم في الموقف والناس بعرفات، فنهوا عن ذلك بقوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ والمراد بالناس: جميع الناس إلا الحمْس. ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر ذنب المستغفر وكان رسول الله ﷺ من الحمْس، ولكنه يقف مُذْ كان بعرفة هداية من الله.

стр. 350

﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ . [٢٠٠] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ جمع منسك، أي: إذا فرغتم من عباداتكم، وذبحتم ذبائحكم بعد رمي جمرة العقبة، قرأ أبو عمرو ﴿مناسككم﴾ بإدغام الكاف الأولى في الثانية، ولم يدغم من المثلين في كلمة إلا موضعين لا غير، أحدهما هذا، والثاني في المدثر ﴿ما سلككم﴾ وأظهر ما عداهما نحو ﴿جباههم﴾ و ﴿وجوههم﴾ و ﴿بشرككم﴾ و ﴿أتحاجوننا﴾ و ﴿أتعدانني﴾ وشبهه. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبير والثناء عليه. ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ لأن العرب كانت إذا فرغت من حجها وقفت مفاخر آبائها. ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ أي: وأكثر. ﴿ذِكْرًا﴾ ثم أومأ إلى اختلاف أغراض الخلق بقوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾ يعني المشركين. ﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ كانوا لا يسألون الله في الحج إلا الدنيا، يقولون: اللهم أعطنا غنمًا وإبلًا وبقرًا وعبيدًا وغير ذلك. ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ نصيب خير.

стр. 351

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ . [٢٠١] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني المؤمنين. ﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ العلم والعبادة، قرأ أبو عمرو ﴿يقول ربنا﴾ وشبهه حيث وقع بإدغام اللام في الراء. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الجنة. وعن علي ﵁: "الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء". ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ كل ما يبعد عن الله؛ لأنه سبب العذاب، وقيل: امرأة السوء. وتلخيصه: أكثروا ذكر الله، وسلوه سعادتكم في داريه. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ . [٢٠٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المؤمنين. ﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حظ. ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ دعوا، ويسمى الدعاء كسبًا؛ لأنه عمل، والعمل يوصف بالكسب، المعنى: لهم جزء من جنس عملهم. ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إذا حاسب لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا نظر وفكر، بل أسرع من لمح البصر .

стр. 352

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ . [٢٠٣] ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبير عقب الصلوات، وعند رمي الجمرات يكبر مع كل حصاة. ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، سميت معدودات لقلتهن كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. والتشريقُ: التكبيرُ، وهو في الأضحى (١) مطلَقٌ كما تقدَّمَ في الفِطْر، ومقيَّدٌ عَقِبَ الصلواتِ، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يكبر دُبُرَ كُلِّ فريضةٍ صَلَّاها في جماعة، وعندَ مالكٍ يكبرُ عقبَ الفرائض، ولو منفردًا، وعندَ الشافعيِّ عقبَ كلِّ صلاةٍ، فريضةً كانتْ أو نافلةً، منفردًا صلاها أو في جماعة. وهذا التكبيرُ مسنونٌ عندَ الأئمةِ الثلاثة، واجبٌ عندَ أبي حنيفةَ. واختلفوا في ابتدائه وانتهائه، فقال أبو حنيفةَ: يبتدئُ عقبَ صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ إلى أن يكبرَ لصلاةِ العصر يومَ النحر، ثم يقطعُ. وقال مالك: يبتدئ عقبَ صلاةِ الظهر من يوم النحر، ويختمُ بعدَ الصبح من آخر أيام التشريق. ولا فرق عندهما بينَ المحرِمِ وغيرِه. وقال الشافعيُّ: يكبرُ الحاجُّ من ظهر النحر، ويختمُ بصبح أيام التشريق، وأما غيرُ الحاجِّ، ففيه خلاف، والذي عليه العملُ عند المحققين

стр. 353

من الشافعية أنه يكبرُ من صبحِ عرفةَ إلى العصرِ من آخرِ أيام التشريق. وقال أحمد: ابتداؤه للمُحِلِّ من صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ، وللمُحْرِم من, صلاةِ الظهرِ يومَ النحر؛ لأنه كان مشغولًا قبلَ ذلك بالتلبية، وانتهاؤه عقبَ صلاةِ العصر من آخر أيام التشريق مطلقًا. وتقدم اختلافُهم في التكبير للفطر عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما صفةُ التكبيرِ، فعندَ الشافعيِّ: الله أكبرُ ثلاثًا نَسَقًا في الأول، ثم يهلِّلُ، ويشفَعُهُ، ثم يقول: ولله (١) الحمد. وعند أبي حنيفةَ وأحمدَ: يشفعُ التكبير في أوله وآخرِه، وصفتُه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. وعن مالك كالمذهبين، وكلاهما جائز عنده، والله أعلم. ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ أي: فمن عَجِلَ وطلبَ الخروجَ من مِنًى. ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ نفرَ في اليوم الثاني من أيام التشريق، فتركَ المبيتَ بمنىً في الليلة الثالثة، وهذا النَّفْرُ الأول. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بتعجيلِه؛ لأنه مرخَّص له في ذلك. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ حتى نفر في اليوم الثالِث، وهو أفضلُ، وهذا النَّفْرُ الثاني. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بتركِ الترخُّصِ. تلخيصه: هم مخيَّرون بينَ نفرين، وإن كان المتأخِّرُ أفضلَ.

стр. 354

﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ المناهيَ، أي: جوازُ التخيير، ونفيُ الإثم لمن اتقى شيئًا نهاه اللهُ عنه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للجزاءِ، وأصلُ الحشرِ: الجمعُ وضَمُّ المتفرِّقِ. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ . [٢٠٤] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ يَروقُكَ ويعظُمُ في قلبكَ. ﴿قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يَسُرُّكَ ما يقولُه في معنى الدنيا؛ لأن دعواهُ مَحَبَّتَكَ إنما هو لطلب حَظٍّ من الدنيا. قرأ أبو عمرٍو: (يَعْجِبُك قَوْلُهُ) بإدغام الكاف في القاف. نزلتْ في الأخنسِ بِن شَرِيقٍ الثقفيِّ، وكان حلوَ الكلامَ، يَلْقى النبيَّ ﷺ ويحلِف له أنه يحبُّهُ، ويظهر الإسلامَ، وكان منافقًا (١). ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: يقول: اللهُ شاهدٌ على ما في قلبي من مَحَبَّتِكَ، ومن الإسلامِ. ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أي: هو شديدُ الجِدالِ والعداوةِ للمسلمين. ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾.

стр. 355

[٢٠٥] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أدبرَ عنكَ. ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ بعمل المعاصي. ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ بقطعِ الرَّحِمِ وسفكِ دماءِ المسلمين. ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾ الزَّرع. ﴿وَالنَّسْلَ﴾ ولدَ آدمَ والحيوانَ. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ أي: لا يرضى. ﴿الْفَسَادَ﴾ فاحذروا غضَبه عليه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾ . [٢٠٦] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: خَفِ اللهَ. ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ﴾ حملَتْهُ النَّخْوَةُ والتكبُّرُ على العمل. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: الظلم. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: كافيهِ جزاء. ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراشُ. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ . [٢٠٧] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ أي: يبيعُها.
следующие страницы →