والكافرون بقوا في عمايتهم، وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
...
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ .
[٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ استفهام إنكار جوابه محذوف؛ أي: أنرجع إذا متنا وصرنا ترابًا؟ ثم أنكروا ذلك أصلًا، فقالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ﴾ إلى الحياة ﴿بَعِيدٌ﴾ عن العادة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (أَئِذا) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء، وفصل أبو جعفر، وأبو عمرو، وقالون بين الهمزتين بألف، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، واختلف عن هشام في الفصل (١)، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتْنَا) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢).
...
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ .
[٤] قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ما تأكل من لحومهم، وهو رَدٌّ لاستبعادهم.
стр. 3187
﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين، جامع لم يفته شيء، وهو اللوح المحفوظ.
في الحديث: "كلُّ ابنِ آدمَ يَبْلى إلا عَجْبَ الذَّنَب" (١)، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم.
قال ابن عطية: وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو الحق، وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، قال ابن عطية: وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله تعالى، ولو كانت غيرها، فكيف كانت تشهد الجلود والأيدي والأرجل على الكفرة؟ إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود (٢).
وسئل شيخ الإسلام ابن حجر: هل الأجساد إذا بليت وفنيت، وأراد الله إعادتها كما كانت أولًا، هل تعود الأجساد الأول، أم يخلق الله للناس (٣) أجسادًا غير الأجساد الأول؟ فأجاب: إن الأجساد التي يعيدها الله هي الأجساد الأول، لا غيرها، قال: وهذا هو الصحيح، بل الصواب ومن قال غيره عندي، فقد أخطأ فيه؛ لمخالفته ظاهر القرآن والحديث.
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ .
[٩] ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ كثيرَ البركة، وهو المطر.
﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أشجارًا وثمارًا ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أي: وحب الزرع الذي من شأنه أن يُحصد.
...
﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا في السماء ﴿لها طَلْعٌ﴾ ثمر، والطلع: أول ظهور (١) الثمر في أكمامه قبل أن ينشق، وهو أبيض كحب الرمان ﴿نَضِيدٌ﴾ أي: منضود بعضُه فوق بعض، فما دام ملتصقًا كذلك، فهو نضيد، فإذا خرج من أكمامه وتفرق، فليس بنضيد.
...
﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ .
[١١] ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ نصب على المصدر ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالمطر.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرضًا جدبة أنبتنا فيها الكلأ. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (٢).
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإحياء ﴿الْخُرُوجُ﴾ من القبور.
стр. 3190
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قومٌ كان لهم بئر عظيمة، وهي الرس، وكل ما لم يُطْوَ من بئر أو معدن أو نحوه، فهو رَسٌّ، وتقدم ذكرهم في سورة الحج، وفي سورة الفرقان ﴿وَثَمُودُ﴾.
...
﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾ .
[١٣] ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ﴾ والمراد بفرعون: إياه وقومه.
﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ وأخواته؛ لأنهم كانوا أصهاره.
...
﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ .
[١٤] ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قوم شعيب ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّع الحِمْيَرِيُّ، ذم الله قومه، ولم يذمه؛ لأنه أسلم، وتقدم ذكر قصته في سورة الدخان.
﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء المذكورين ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كقريش ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ وجب نزول العذاب عليهم، وفيه تسلية للنبي ﷺ وتهديد لهم. قرأ ورش عن نافع: (وَعيِدِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١).
...
стр. 3191
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم وبخهم بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أفعجزنا عن الإتيان به ابتداءً، فنعجز عن إعادته؟! المعنى (١): كما لم نعجز عن ابتداء الخلق، لا نعجز عن إحيائه بعد الموت، فلما لم يؤمنوا، قيل: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ شك ﴿مِنْ خَلْقٍ﴾ بعد الموت ﴿جَدِيدٍ﴾ وهو البعث؛ لأنهم ينكرونه.
...
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ .
[١٦] ثم دل على قدرته تعالى، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ﴾ أي: تحدث ﴿بِهِ نَفْسُهُ﴾ فلا يخفى علينا ضمائره.
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ إلى الإنسان ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وهما عرقان كبيران في العنق، يقال لهما: وريدان، عن يمين وشمال، وسمي وريداً؛ لورود الروح فيه، والحبلُ هو الوريد، فأضيف إلى نفسه؛ [لاختلاف اللفظين، وقيل: ليس هذا بإضافة الشيء إلى نفسه] (٢)، بل هي (٣) كإضافة الجنس إلى نوعه، والقرب: هو بالقدرة والسلطان؛ إذ لا ينحجب عن علم الله تعالى باطن ولا ظاهر (٤).
...
стр. 3192
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ أي: واذكر إذ يتلقى ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ أي: يتلقن، ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ويكتبانه.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات ﴿قَعِيدٌ﴾ أي: مُقاعِد، وهو المجالس الملازم، ولم يقل: قعيدان اكتفاءً بأحدهما عن الآخر.
قال ﷺ : "كاتبُ الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة، كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبعَ ساعات؛ لعله يسبح أو يستغفر" (١).
* * *
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ الإنسان ﴿مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ يرقب قوله ويحفظه عليه.
﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر معه، وأراد: رقيبين وعتيدين، فاكتفى بأحدهما عن الآخر.
стр. 3193
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدتُه الذاهبة بالعقل ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بحقيقة الموت.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ﴾ أيها الإنسان ﴿تَحِيدُ﴾ تميل وتهرب.
* * *
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾.
[٢٠] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ نفخة البعث ﴿ذَلِكَ﴾ أي: النفخ.
﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ للكفار بالعذاب.
* * *
﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ مَلَكٌ يحثها إلى المحشر.
﴿وَشَهِيدٌ﴾ ملك يشهد عليها بما عملت، وهل الملكان الكاتبان في الدنيا هما اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أم غيرهما؟ فيه خلاف.
* * *
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ولما كانت الغفلة ساترة الكافر عن الإيمان وأهوال يوم القيامة،
стр. 3194
شبهت بالغطاء، فقيل: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ النازلِ بك اليوم.
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ الذي كان في الدنيا من الغفلة.
﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا.
* * *
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الملَك الموكَّل به:
﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ هذا ما هو مكتوب عندي مُعَدٌّ محضَر.
* * *
﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ثم يقال للسائق والشهيد، أو خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، والمراد: مالك؛ كأنه قيل: ألق ألق تأكيدًا ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ معاند للحق.
* * *
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ مطلقًا (١) ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم. روي عن يعقوب، وقنبل: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي).
﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٍّ في دينه.
стр. 3195
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك، مبتدأ ضُمن معنى الشرط، جوابه:
﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ من النار.
* * *
﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه المقيض له تبرُّأً منه ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أضللته أنا ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الإيمان.
* * *
﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿قَالَ﴾ أي: فيقول الله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ فما ينفعكم الخصام هنا.
﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ أي: خَوَّفتكم الرسلُ بما أعددتُ لكم من العذاب هنا إن لم تؤمنوا، أو لا بد منه.
* * *
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ ما يُغَيَّر ﴿الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بالثواب والعقاب.
﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فأعذبهم بغير جرم.
стр. 3196
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ استفهام توبيخ لداخليها، وتصديق لقوله تعالى ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨].
﴿هَلِ امْتَلأَتِ﴾ فتجيب مستفهمة تأدبًا، وليكون الجواب وفق السؤال ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ زيادة. قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: (يَوْمَ يَقُولُ) بالياء؛ أي: يقول الله، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (١)، واختلف الناس هل يقع التقرير وهي قد امتلأت، أو هي لم تمتلئ بعد؟ فقال بكل وجه جماعةٌ من المتأولين، وبحسب ذلك تأولوا قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فمن قال: إنها تكون ملأى، جعل قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ على معنى التقرير ونفي المزيد؛ أي: وهل عندي موضع يزاد فيه شيء؟ وهو قول عطاء، ومجاهد، ومن قال: إنها تكون غير ملأى، جعل قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ على معنى السؤال والرغبة بالزيادة، وهو قول ابن عباس (٢).
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزالُ جهنم تقولُ: هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمَه، فتقول قَطْ قَطْ وعزتك، وتزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى يُنشئ الله خلقًا فيسكِنَهُ فُضولَ الجنة" (٣)، وقوله: قط قط: حسبي حسبي.
стр. 3197
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ قُرِّبت ﴿الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ﴾ أي: مكانًا غير ﴿بَعِيدٍ﴾.
* * *
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾ .
[٣٢] فإذا شاهدوها وما فيها، يقال لهم: ﴿هَذَا﴾ المشاهَد.
﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ من الجزاء. قرأ ابن كثير: (يُوعَدُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ أي: رجّاع عن الذنوب ﴿حَفِيظٍ﴾ حافظ لأمر الله تعالى، ولذنوبه حتى يستغفر منها.
* * *
﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ محل (مَنْ) رفع بالابتداء والخبر؛ أي: خاف الرحمن وأطاعه، ولم يره.
﴿وَجَاءَ﴾ يوم القيامة ﴿بِقَلْبٍ﴾ سليم (٢) ﴿مُنِيبٍ﴾ مقبل على الطاعة.
* * *
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾ .
[٣٤] وخبر الابتداء ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: فيقال لهم: ادخلوا الجنة
стр. 3198
﴿بِسَلَامٍ﴾ أي: بأمن وسلامة من جميع الآفات.
﴿ذَلِكَ﴾ الدخول ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ البقاءُ في الجنة.
* * *
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ فيعطون ما شاؤوا مما يسألونه.
﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ زيادة فوق ما طلبوا، قال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم (١).
* * *
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كَمْ) للتكثير، وهي خبرية، المعنى: أهلكنا قرونًا كثيرة قبل كفار مكة.
﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: طافوا في نقوبها: طرقها.
﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: هل لهم من مفر من أمر الله ؟
* * *
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾
стр. 3199
أي: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أصغى لسماع كتاب الله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ حاضرُ القلب غيرُ غافل.
* * *
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ولما قال اليهود: يا محمد! أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة، فقال: "خلق الله الأرْضَ يومَ الأحد والإثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسمواتِ والملائكةَ يومَ الخميس إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم"، قالوا: صدقت إن أتممت، قال: "وَما ذاكَ؟ "، قالوا: ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فأنزل الله تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١) إعياء؛ لأنا منزهون عن صفات المخلوقين؛ إذ لا مماسة ثَمَّ فيقع تعب، إنما أمرنا بالشيء ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].
стр. 3200
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اليهودُ والمشركون من التشبيه والتكذيب، واختُلف في الأمر بالصبر، فبعضهم يقول: نسخ بآية السيف، وبعضهم يقول: ثابتُ، ويرى أن الصبر مأمور به في كل حال.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صلِّ حمدًا لله تعالى.
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ هما الظهر والعصر.
* * *
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: صلاة المغرب والعشاء.
﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد صلاة المغرب. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وحمزة، وخلف: (وَإِدْبارَ) بكسر الهمزة مصدر أدبر إدبارًا، وقرأ الباقون: بفتحها على جمع الدُّبُر (١).
* * *
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ ما أُخبرك به يا محمد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ هو إسرافيل ﵇ ينادي بالحشر.
стр. 3201
﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ إلي السماء، وهو صخرة بيت المقدس، وهو وسط الأرض، وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر أو ثمانية عشر ميلًا: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (الْمُنادِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢).
* * *
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ .
[٤٢] وتبدل من ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ هي النفخة الثانية ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالبعث ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور.
* * *
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ في الدنيا ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ في الآخرة.
* * *
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف له ﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو،
стр. 3202
والكوفيون: (تَشَقَّقُ) بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها (١) ﴿سِرَاعًا﴾ جمع سريع، ونصبه على الحال، أي: تتشقق الأرض عنهم، فيخرجون مسرعين.
﴿ذَلِكَ﴾ الخروجُ ﴿حَشْرٌ﴾ بعث ﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ سهل، وهو كلام معادل لقول الكفرة: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾.
* * *
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني: كفار مكة في تكذيبك، تسليةٌ له ﷺ ، وتهديد لهم ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمسلَّط تُجبرهم على الإسلام، وإنما أنت داع. قرأ أبو عمرو، والكسائي من رواية الدوري: (بِجَبّارٍ) بالإمالة، واختلف عن ابن ذكوان، وروي عن ورش وحمزة بين بين، وقرأ الباقون: بالفتح (٢).
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ قرأ ابن كثير (بِالْقُرَانِ) (٣) بالنقل، والباقون: بالهمز ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب.
стр. 3203
روى ابن عباس: "أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله! لو خوفتنا، فنزلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ " (١).
وتقدم اختلاف القراء في إثبات الياء وحذفها من (وَعِيدِي) في الحرف السابق، وكذلك اختلافهم في هذا الحرف، وكان رسول الله ﷺ يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات؛ لاشتمالها على ذكر الله تعالى، والثناء عليه، ثم على علمه بما توسوس به النفوس، وما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان، ثم تذكير الموت وسكرته، ثم تذكير القيامة وأهوالها، والشهادة على الخلائق بأعمالهم، ثم تذكير الجنة والنار، ثم تذكير الصيحة والنشور والخروج من القبور، ثم بالمواظبة على الصلوات، والله أعلم.
стр. 3204
سورة الذاريات
بإجماع المفسرين مكية، وآيها: ستون آية، وحروفها: ألف ومئتان وسبعة وثماثون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾ .
[١] ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ يعني: الرياح التي تذرو (١) التراب ذروًا، وذروًا (٢) نصب على المصدر. قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وحمزة: بإدغام التاء في الذال، والباقون: بكسر التاء من غير إدغام (٣).
* * *
﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾.
[٢] ﴿فَالْحَامِلَاتِ﴾ أي: السحاب الموقراة بالماء.
﴿وِقْرًا﴾ ثقلًا، مفعول (الحاملات).
стр. 3205
﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ .
[٣] ﴿فَالْجَارِيَاتِ﴾ أي: السفن.
﴿يُسْرًا﴾ تجري في الماء جريًا سهلًا (١). قرأ أبو جعفر: (يُسُرًا) بضم السين، والباقون: بإسكانها (٢)، ويسرًا مصدر في موضع الحال؛ أي: ميسرة.
* * *
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ .
[٤] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق؛ من الأرزاق والأمطار وغيرها على ما أمروا به، و (٣) (أَمْرًا) مفعول (الْمُقَسِّماتِ)، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء؛ لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته.
* * *
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾ .
[٥] وجواب القسم؛ ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ من الثواب والعقاب.
﴿لَصَادِقٌ﴾ أي: لوعد صادق.
* * *
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ أي: الحساب والجزاء ﴿لَوَاقِعٌ﴾ لا محالة.
стр. 3206
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ الطرائق التي تكون في السماء من آثار الغيم، جمع حبيكة، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
* * *
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾ .
[٨] جوابه: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة.
﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ تصديق وتكذيب بمحمد، أو في قول مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: شاعر، وقوم: مجنون، إلى غير ذلك.
* * *
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ .
[٩] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ يُصرف عن الإيمان به.
﴿مَنْ أُفِكَ﴾ من صُرف عن السعادة في الأزل.
* * *
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي: لُعن الكذابون أصحابُ القول المختلف.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾ .
[١١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ أي: في غلبة الجهل، غافلون عما يراد بهم.
стр. 3207
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿يَسْأَلُونَ﴾ استهزاء: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: متى يوم الجزاء؟
* * *
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ .
[١٣] قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ أي: يكون هذا الجزاء في يوم.
﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يعذبون.
* * *
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] فإذا عذبوا، قيل لهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي: حريقكم.
﴿هَذَا﴾ العذابُ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا به واستهزاء.
* * *
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (وَعِيُونٍ) بكسر العين، والباقون: بضمها (١).
стр. 3208
﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿آخِذِينَ﴾ قابلين ﴿مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ بسرور؛ لأنه في غاية الجودة، فليس فيه ما يُرَدُّ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: المتقون ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أعمالَهم.
* * *
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ .
[١٧] لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ خبر (كان).
﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ ينامون، و (ما) زائدة، و (قَليلًا) نعت لمصدر محذوف؛ أي: هجوعًا قليلًا؛ أي: كانوا في معظم الليل يصلون ويذكرون.
* * *
﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قيل: يا رسول الله! كيف الاستغفار؟ قال: "قولوا: اللهمَّ اغفر لنا، وارحمنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم" (١).
* * *
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ﴾ الطالب ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ أي: يُحسب غنيًّا، فيحرم؛ لتعففه.
стр. 3209
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ دلالات على التوحيد.
﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ وإذا ساروا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات.
* * *
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ آيات أيضًا بتنقلها من حال إلى حال، ثم إلى الزوال.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الصنعة، فتستدلون بها على صانعها؟
* * *
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي: المطر؛ لأنه سبب الرزق.
﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الجنة؛ لأنها فوق السماء السابعة، وجميع المقدر مكتوب في السماء.
* * *
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ثم أقسم بنفسه فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ﴾ أي: هذا القول.
﴿لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فتقولون: لا إله إلا الله. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (مِثْلُ) برفع اللام صفة لـ (حقٌ)؛
стр. 3210
لأنه نكرة لكثرة المماثل، و (ما) زائدة تعطي تأكيدًا، وقرأ الباقون: بالنصب صفة لمصدر محذوف (١)؛ أي: إنه لحق حقًّا مثلَ ما إنكم تنطقون.
قال الحسن في هذه الآية: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "قاتل الله أقوامًا أقسمَ الله لهم بنفِسه، فلم يصدِّقوه" (٢).
* * *
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام: (إِبْراهامَ) بالألف، وأبو عمرو: (حَدِيث ضيْفِ) بإدغام الثاء في الضاد (٣)، وضيف اسم جنس يقع للجمع والواحد، وروي أن أضياف إبراهيم هؤلاء: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأتباع لهم من الملائكة صلى الله عليه وعليهم.
﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ لأنهم كرام على الله، ولأن إبراهيم خدمهم هو وامرأته، وسماهم ضيفًا؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف.
قال ﷺ : "مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليكرمْ ضيفَه" (٤).
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأضمر في نفسه ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنه ظنهم أعداءً؛ لعدم أكلهم، ولغرابة شكلهم.
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ روي أن جبريل مسح بجناحه العجل، فقام يمشي خلف أمه.
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ﴾ هو إسحق ﵇ ﴿عَلِيمٍ﴾ يكمُلُ علمُه إذا بلغ.
قرأ ابن كثير: ﴿وَبَشَّرُوهُو﴾ بواو يصلها بهاء الكناية في الوصل وشبهه حيث وقع.
* * *
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ سارة إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم.
﴿فِي صَرَّةٍ﴾ شِدَّة صوت؛ من الصرير.
﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ لطمته بجميع أصابعها تعجُّبًا كعادة النساء إذا أنكرن شيئًا.
﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فكيف ألد؟ والعقيم: من مُنع الولد، والعُقْم في اللغة: المنع، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك.
* * *
﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾ مثلَ ذلك الذي بشرنا به ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ وإنما نخبرك به عنه.
стр. 3213
﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ ذو الحكمة ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالمصالح وغير ذلك من المعلومات.
* * *
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾ .
[٣١] ثم ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﵇ للملائكة:
﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ والخطب: الأمر المهم، وقلما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره، حتى قالوا: خطوب الزمان، ونحو هذا، فكأنه يقول لهم: ما هذه الطامة التي جئتم لها؟
* * *
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعني: قوم لوط، والمجرم: فاعلُ الجرائم، وهي صعاب المعاصي.
* * *
﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ مطبوخٍ بالنار، روي أنه طين طبخ نار جهنم حتى صار حجارة كالآجُرّ.
* * *
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلَّمة، عليها اسمُ من يُرمى بها، ونصبه على الحال.
стр. 3214
﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ والمسرف: الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطلقًا، فهو لأبعد الغايات: الكفر فما دونه.
* * *
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ في قرى لوط، وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذلك معلوم.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن آمن بلوط منجيًا لهم، وذلك قوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨١].
* * *
﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.
* * *
﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا﴾ في مدينة قوم لوط، وهي سدوم.
﴿آيَةً﴾ عبرة ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فإنهم المعتبرون بها.
* * *
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ .
[٣٨] وتعطف على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾ أي: وتركنا فيه
стр. 3215
وقصته أثرًا أيضًا هو آية ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو صاحب مصر.
﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة ظاهرة.
* * *
﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أعرض عن الإيمان بجمعه؛ لأنهم له كالركن للبناء.
﴿وَقالَ﴾ لموسى: هو ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ تقسيم ظن؛ أي: إنه لا بد أن يكون أحدَهما.
* * *
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ فطرحناهم في البحر.
﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم: الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يُلام عليه.
* * *
﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾
[٤١] ﴿وَفِي عَادٍ﴾ أي: في إهلاكهم آيةٌ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ التي لا خير فيها، لا تفلح شجرًا، ولا تسوق مطرًا، وهي الدبور.
* * *
﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أنفسِهم وأموالهم.
﴿أَتَتْ﴾ مرَّت ﴿عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ البالي.
стр. 3216
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿وَفِي﴾ هلاكِ (١) ﴿ثَمُودَ﴾ آيةٌ.
﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم، وهي ثلاثة أيام.
* * *
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾ .
[٤٤] وذلك أنهم لما عقروا الناقة، قيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام.
﴿فَعَتَوْا﴾ ترفعوا ﴿عَن﴾ امتثال ﴿أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ بعد الأيام الثلاثة. قرأ الكسائي: (الصَّعْقَةُ) بإسكان العين من غير ألف، والباقون: بكسر العين وألف قبلها (٢)، وهي على القراءتين: الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من الرعد: صاعقة، وهي التي معها النار ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها نهارًا.
* * *
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ ما قدروا على النهوض عند نزول العذاب بهم.
﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ممن أهلكهم.
والصحة والمرض، والكفر والإيمان، ونحو هذا ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون الخالق فتعبدونه.
* * *
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوبة والطاعة ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
* * *
﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ .
[٥١] ثم نهى عن عبادة كل مدعو من دون الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وكرر ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ حرصًا على هدايتهم.
* * *
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: سيرة الأمم كذلك ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قبلَ قومك يا محمد.
﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا﴾ له: أنتَ ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ تلخيصه: المرسلون قبلك كُذِّبوا كما كُذِّبت.
* * *
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ توقيف وتعجيب من تراود نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق أزمانهم؛ أي: إنهم لم يتواصوا.
стр. 3219
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ جمعَهم على ذلك الطغيان، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله.
* * *
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ .
[٥٤] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لأنك بلغت الرسالة.
* * *
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ .
[٥٥] ﴿وَذَكِّرْ﴾ عِظْ بالقرآن ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولمن قُضِي (١) له أن يكون منهم.
قال ابن عطية: وعلى هذا التأويل، فلا نسخ في الآية، إلا في معنى الموادعة التي فيها؛ فإنّ آية السيف نسخت جميع الموادعات (٢).
* * *
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ .
[٥٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قال ابن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵄: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا
стр. 3220
لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية (١)، فعبر عن ذلك بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ إذ العبادة هي مضمن الأمر، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته.
* * *
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ .
[٥٧] ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ لي، ولا لأنفسهم وغيرهم.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ولا أنفسَهم ولا غيرَهم.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ .
[٥٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ الذي يرزق كلَّ ما يفتقر إلى الرزق.
﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة نعتًا لـ (ذو)، المعنى: أنا غني عنكم، فاشتغلوا بما أمرتكم به تفلحوا.
* * *
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ .
[٥٩] ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالكفر ﴿ذَنُوبًا﴾ نصيبًا من العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ﴾ نصيب ﴿أَصْحَابِهِمْ﴾ المراد: من تقدم من الأمم المعذبة، وهذا
стр. 3221
استعارة؛ لأن الذَّنوب: الدلو العظيمة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة (١) الماء بالدلاء.
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالعذاب، فهو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم.
قرأ يعقوب: (لِيَعْبُدُوِني) (يُطْعِمُوني) (يَسْتَعْجِلُوني) بإثبات الياء فيهن وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢).
* * *
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه بالعذاب، وهو يوم القيامة، والويل: الشقاء والهم، وروي أن في جهنم واديًا يسمى ويلًا، والله أعلم.
стр. 3222
سورة الطور
مكية بإجماع المفسرين، وآيها: تسع وأربعون آية، وحروفها ألف وثلاث مئة وثمانية أحرف، وكلمها: ثلاث مئة واثنتا عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالطُّورِ (١)﴾ .
[١] ﴿وَالطُّورِ﴾ هو الجبل بالسريانية، والمراد: الذي كلم الله عليه موسى ﵇، واسمه زبير، وهو بمدين.
* * *
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَكِتَابٍ﴾ هو ما كتبه الله لموسى من التوراة، وقيل: هو القرآن ﴿مَسْطُورٍ﴾ مكتوب، والسطر: ترتيب الحروف المكتوبة.
* * *
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ .
[٣] ﴿فِي رَقٍّ﴾ جلد، وسمي رقًا؛ لأنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان ﴿مَنْشُورٍ﴾ مبسوط، وهو خلاف المطوي.
стр. 3223
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هو بيت في السماء السابعة حذاء العرش بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، والمعمور: المأهول، وعمارته بالملائكة.
* * *
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ هو السماء.
* * *
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء، والجمهور على أنه بحر الدنيا، والواو الأولى للقسم، وباقيها للعطف.
* * *
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ .
[٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ لنازلٌ، والمراد: عذاب الآخرة للكفار.
* * *
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ .
[٨] ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ يدفعه.
стр. 3224
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب، فتجيء وتذهب ﴿مَوْرًا﴾ مصدر.
* * *
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ كما يسر السحاب ﴿سَيْرًا﴾ ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخرًا كالعهن المنفوش؛ لهول ذلك اليوم.
* * *
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ .
[١١] والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ عاطفة جملة على جملة، وهي تتضمن ربطَ المعنى وتأكيدَه، وإثباتَ الويل.
﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ للرسل، وتقدم ذكر الويل في آخر الذاريات.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ والخوض: التخبط في الأباطيل تَشَبُّهٌ بخوض الماء ﴿يَلْعَبُونَ﴾ استهزاءً بالنبي ﷺ .
* * *
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ .
[١٣] وتبدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يُدْفَعون بعنف.
стр. 3225
﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ بأن تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ونواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون في النار.
* * *
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] فإذا جُعلوا (١) فيها، قيل لهم تبكيتًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا﴾ في الدنيا ﴿تُكَذِّبُونَ﴾.
* * *
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم قيل لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ العذابُ ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ العذابَ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدلّ عليه؟!
* * *
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿اصْلَوْهَا﴾ ادخلوها، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ عليها ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ﴾ خبر محذوف (٢) المبتدأ؛ أي: صبرُكم وجزعُكم سواءٌ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لأن صبركم لا ينفعكم.
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: هذا عذابكم حتمٌ لا بدَّ منه جزاءَ أعمالكم.