استعارة؛ لأن الذَّنوب: الدلو العظيمة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة (١) الماء بالدلاء.
﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالعذاب، فهو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم.
قرأ يعقوب: (لِيَعْبُدُوِني) (يُطْعِمُوني) (يَسْتَعْجِلُوني) بإثبات الياء فيهن وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢).
* * *
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾ .
[٦٠] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه بالعذاب، وهو يوم القيامة، والويل: الشقاء والهم، وروي أن في جهنم واديًا يسمى ويلًا، والله أعلم.
стр. 3222
سورة الطور
مكية بإجماع المفسرين، وآيها: تسع وأربعون آية، وحروفها ألف وثلاث مئة وثمانية أحرف، وكلمها: ثلاث مئة واثنتا عشرة كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالطُّورِ (١)﴾ .
[١] ﴿وَالطُّورِ﴾ هو الجبل بالسريانية، والمراد: الذي كلم الله عليه موسى ﵇، واسمه زبير، وهو بمدين.
* * *
﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ .
[٢] ﴿وَكِتَابٍ﴾ هو ما كتبه الله لموسى من التوراة، وقيل: هو القرآن ﴿مَسْطُورٍ﴾ مكتوب، والسطر: ترتيب الحروف المكتوبة.
* * *
﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)﴾ .
[٣] ﴿فِي رَقٍّ﴾ جلد، وسمي رقًا؛ لأنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان ﴿مَنْشُورٍ﴾ مبسوط، وهو خلاف المطوي.
стр. 3223
﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ .
[٤] ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هو بيت في السماء السابعة حذاء العرش بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، والمعمور: المأهول، وعمارته بالملائكة.
* * *
﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ .
[٥] ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ هو السماء.
* * *
﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ .
[٦] ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء، والجمهور على أنه بحر الدنيا، والواو الأولى للقسم، وباقيها للعطف.
* * *
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ .
[٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ لنازلٌ، والمراد: عذاب الآخرة للكفار.
* * *
﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾ .
[٨] ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ يدفعه.
стр. 3224
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ .
[٩] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب، فتجيء وتذهب ﴿مَوْرًا﴾ مصدر.
* * *
﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ كما يسر السحاب ﴿سَيْرًا﴾ ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخرًا كالعهن المنفوش؛ لهول ذلك اليوم.
* * *
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ .
[١١] والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ عاطفة جملة على جملة، وهي تتضمن ربطَ المعنى وتأكيدَه، وإثباتَ الويل.
﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ للرسل، وتقدم ذكر الويل في آخر الذاريات.
* * *
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ والخوض: التخبط في الأباطيل تَشَبُّهٌ بخوض الماء ﴿يَلْعَبُونَ﴾ استهزاءً بالنبي ﷺ .
* * *
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ .
[١٣] وتبدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يُدْفَعون بعنف.
стр. 3225
﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ بأن تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ونواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون في النار.
* * *
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾ .
[١٤] فإذا جُعلوا (١) فيها، قيل لهم تبكيتًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا﴾ في الدنيا ﴿تُكَذِّبُونَ﴾.
* * *
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ .
[١٥] ثم قيل لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ العذابُ ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ العذابَ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدلّ عليه؟!
* * *
﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿اصْلَوْهَا﴾ ادخلوها، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ عليها ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ﴾ خبر محذوف (٢) المبتدأ؛ أي: صبرُكم وجزعُكم سواءٌ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لأن صبركم لا ينفعكم.
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: هذا عذابكم حتمٌ لا بدَّ منه جزاءَ أعمالكم.
стр. 3226
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ إخبار لمحمد ﷺ ومعاصريه، لما فرغ من ذكر عذاب الكفار، عقب ذلك بنعيم المتقين؛ ليبين الفرق، ويقع التحريض على الإيمان.
* * *
﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿فَاكِهِينَ﴾ قرأ أبو جعفر: (فَكِهِينَ) بغير ألف بعد الفاء، يعني: مسرورين، وقرأ الباقون: بالألف، يعني: متنعمين (١).
﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ من إنعامه ورضاه عنهم ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.
* * *
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾ .
[١٩] ثم يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أكلًا وشربًا.
﴿هَنِيئًا﴾ لا تنغيص فيه، ونصبه على المصدر.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ معناه: إن رُتَب الجنة ونعيمها هي بحسب الأعمال، وأما نفس دخولها، فهو برحمة الله وتغمده، والأكل والشرب والتهني ليس من الدخول في شيء، وأعمال العباد الصالحة لا توجب
стр. 3227
على الله التنعيم إيجابًا، لكنه قد جعلها أمارة على من سبق في علمه تنعيمه، وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي في الأعمال.
* * *
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال. قرأ أبو جعمر: (مُتَّكِينَ) بإسكان الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١) ﴿عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ صُفَّ بعضُها إلى بعض.
﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ قَرنَّاهم، وليس في الجنة تزويج كالدنيا ﴿بِحُورٍ﴾ جمع حوراء، وهي البيضاء القوية بياض العين وسواد سوادها.
﴿عِينٍ﴾ جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين مع جمالها.
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ .
[٢١] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (وَأَتْبَعْناهُمْ) بقطع الألف وفتحها وإسكان التاء والعين ونون وألف بعدها، والباقون: (وَاتَّبَعَتْهُمْ) بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وتاء ساكنة بعدها (٢).
стр. 3228
﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر: بألف بعد الياء على الجمع، وأبو عمرو وحده يكسر التاء والهاء، ويعقوب وابن عامر يضمانهما، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد مع ضم التاء والهاء (١).
﴿بِإِيمَانٍ﴾ المعنى: أن المؤمنين اتبعتهم ذريتهم، وهم أولادهم الصغار والكبار بسبب إيمانهم، فكبارهم بإيمانهم بأنفسهم، وصغارهم بأن أتُبِعوا في الإِسلام بآبائهم بسبب إيمانهم؛ لأنَّ الولد يُحكم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه إذا أسلم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه دون أمه، وأما إذا مات أحد أبويه في دار الإسلام، فقال أحمد: يحكم بإسلامه، وهو من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة، واختلفوا في إسلام الصبي المميز ورِدَّته، فقال الثلاثة: يصحان منه، وقال الشافعي: لا يصحان.
﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المؤمنين في الجنة بدرجاتهم، وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجة آبائهم؛ تكرمة لآبائهم؛ لتقر بذلك أعينهم. قرأ ابن كثير، والكوفيون: (ذُرَيَّتهمْ) بغير ألف على التوحيد مع فتح التاء، وقرأ الباقون: بالألف على الجمع مع كسر التاء.
﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ قرأ ابن كثير: بكسر اللام، والباقون: بنصبها (٢).
стр. 3229
﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِنْ) الأولى متعلقة بـ (ألتناهم)، والثانية زائدة، المعنى على القراءتين: ما نقصناهم من عملهم شيئًا.
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ﴾ من خير وشر ﴿رَهِينٌ﴾ مرهون، فنفس المرء مرهونة بعمله، ومطالَبة ومجازاة به.
* * *
﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ زِذْناهم في وقت بعد وقت.
﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وإن لم يصرحوا بطلبه.
* * *
﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتداولون بينهم ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ خمرًا.
﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أي: لا يُذهب عقولَهم فَيَلْغُوا ويأثموا كشاربي خمر الدنيا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (لا لَغْوَ وَلا تأثِيمَ) بفتح الواو والميم بغير تنوين، والباقون: برفعهما مع التنوين (١).
* * *
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾ .
[٢٤] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ مع ذلك للخدمة.
стр. 3230
﴿غِلْمَانٌ﴾ أرقّاءُ ﴿لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ حسنًا ولطافة.
﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون (١) في الصَّدَف. قرأ أبو جعفر: (لُوْلُؤٌ) بإسكان الواو الأولى ورفع الثانية منونة من غير همز فيهما (٢)، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو: بإبدال الهمز الأول، وبالهمز في الثاني، والباقون: بالهمز فيهما.
قال ﷺ : "أدنى أهلِ الجنة منزلةً مَنْ ينادي الخادمَ من خدامه، فيجيبه ألفُ خادمٍ ببابه: لَبَّيْكَ لَبيك" (٣).
* * *
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾ .
[٢٥] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بعدَ اجتماعِهم ودورانِ الكأس عليهم ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضًا؛ تلذذًا واعترافًا بالنعمة عما كانوا عليه، وما وصلوا إليه.
стр. 3231
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾ .
[٢٦] ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ في الدنيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذابه تعالى.
* * *
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ .
[٢٧] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ اسمٌ من أسماء جهنم، والسموم: الحار الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في هذه الآية.
* * *
﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ .
[٢٨] ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل البعث ﴿نَدْعُوهُ﴾ نعبده موحِّدين ﴿إِنَّهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: بفتح الهمزة، أي: لأنه، وقرأ الباقون: بكسرها على الاستئناف (١) ﴿هُوَ الْبَرُّ﴾ المحسن الصادق في وعده ﴿الرَّحِيمُ﴾ العظيم الرحمة.
* * *
﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ .
[٢٩] ﴿فَذَكِّرْ﴾ دُمْ على تذكير المشركين ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ برحمته
стр. 3232
وعصمته، و (نِعْمَت) رُسمت بالتاء، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (١) ﴿بِكَاهِنٍ﴾ هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ كما يقولون.
* * *
﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ .
[٣٠] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون: هو ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ﴾ ننتظر.
﴿بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ حوادثَ الدهر، فيهلك كغيره من الشعراء.
* * *
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾ .
[٣١] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ انتظروا هلاكي، وعيدٌ في صيغة أمر.
﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ المنتظرين هلاككم، فُعذِّبوا بالسيف يوم بدر.
﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾ .
[٣٢] ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ عقولُهم ﴿بِهَذَا﴾ القولِ المتناقض، وهو قولهم له ﷺ : ساحر، كاهن، شاعر، وذلك أن عظماء قريش كانوا يعرفون (٢) بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمرهم معرفة الحق من الباطل.
стр. 3233
﴿أَمْ هُمْ﴾ بل هم ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ مجاوزون الحدَّ في العناد.
* * *
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾ .
[٣٣] ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقَ محمدٌ القرآن.
﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ المعنى: لم يمتنعوا عن الإيمان بالقرآن لأنه مختلَق، بل تكبرًا.
* * *
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ .
[٣٤] فإن كان كما زعموا مختلقًا ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: مثلِ القرآن ونظمِه وحسنِ بيانه ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في قولهم.
* * *
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أي: من غير مقدر.
﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ لأنفسهم، ولا بد للخلق من خالق، فهلَّا يوحِّدون خالقهم.
* * *
﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فلا يعبدون خالقهما (١).
﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ بخالقهما.
стр. 3234
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ﴾ أي: مفاتيح خزائن رحمة ﴿رَبِّكَ﴾ من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا. قرأ أبو عمرو: (خَزائِن رَّبِّكَ) بإدغام النون في الراء (١).
﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ المسلطون الجبارون. قرأ هشام عن ابن عامر، وقنبل عن ابن كثير، وحفص عن عاصم، بخلاف عن الثاني والثالث: (الْمُسَيْطِرُونَ) بالسين، وقرأ حمزة: بين الصاد والزاي، بخلاف عن رواية خلاد، وقرأ الباقون: بالصاد الخالصة (٢).
* * *
﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ .
[٣٨] ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ يرتقون به إلى السماء ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ الوحيَ وكلامَ الملائكة، فيقولوا ما شاؤوا، فإن كان كذلك.
﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ فَرَضًا على دعواهم ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة.
* * *
﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ .
[٣٩] ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ بزعمكم.
стр. 3235
﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ فيه تسفيه لهم، وإشعار بأن مَنْ هذا رأيه، فلا (١) يُعَدُّ من العقلاء.
* * *
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على الإنذار ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي: غُرم، وهو ما يلزم أداؤه، فهم بذلك ﴿مُثْقَلُونَ﴾ فلا يُسْلِمون.
* * *
﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ اللوح المحفوظ.
﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه، ويخبرون الناس به.
* * *
﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ مكرًا بك؛ ليهلكوك.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ المهلكون (٢) جزاء كيدهم.
* * *
﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾ .
[٤٣] ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يستحق العبادة ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من
стр. 3236
الآلهة، وجميع ما في هذه السورة من ذكر (أَمْ) استفهام غير عاطفة، واستفهم تعالى مع علمه بهم؛ تقبيحًا عليهم، وتوبيخًا لهم؛ كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله.
* * *
﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ قطعًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ عليهم؛ ليعذَّبوا به.
﴿يَقُولُوا﴾ عنادًا وجهلًا: ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ بعضُه فوق بعض يَسقينا.
* * *
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يعاينوا. قرأ أبو جعفر: (يَلْقوْا) بفتح الياء وإسكان اللام وفتح القاف من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وألف بعدها وضم القاف (١).
﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وذلك عند النفخة الأولى. قرأ ابن عامر، وعاصم: (يُصْعَقُونَ) بضم الياء؛ أي: يهلكون، وقرأ الباقون: بفتحها؛ أي: يموتون (٢).
стр. 3237
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾ .
[٤٦] وتبدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾ ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ من الإغناء في رد العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله.
* * *
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل المعد لهم يوم القيامة، وهو القتل ببدر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بذلك.
* * *
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ فيهم بالإمهال، ولا يضيق صدرك. قرأ أبو عمرو: (واصْبِر لِّحُكْمِ) بإدغام الراء في اللام، وروي عنه الإظهار، والوجهان صحيحان عنه (١).
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بحيث نراك ونلحظك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: قل: سبحان الله وبحمده ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من منامك.
* * *
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: صلِّ له، يعني: المغرب والعشاء.
стр. 3238
﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ يعني: الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم؛ أي: تغيب بضوء الصبح. اتفق القراء على كسرة الهمزة في (وَإِدْبارَ النُّجُومِ)؛ إذ المعنى على المصدر؛ أي: وقت أُفول النجوم وذهابها، لا جمع دبر، كما تقدم لبعض القراء في (وَأَدْبارَ السُّجُودِ) في سورة (ق) [الآية: ٤٠]، والله سبحانه أعلم.
* * *
стр. 3239
سورة النجم
مكية بإجماع من (١) المتأولين، وآيها: اثنتان وستون (٢) آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وخمسة أحرف، وكلمها ثلاث مئة وستون كلمة، وهي أول سورة أعلنَ بها رسول الله ﷺ وجهرَ بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفيها سجد، وسجد معه المؤمنون والمشركون، والجن والإنس غير أبي لهب؛ فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا.
وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا: إن محمدًا ﷺ يتقول القرآن، ويختلق أقواله، فنزلت الآية في ذلك.
وهذه السورة أول المفصل على أحد القولين في مذهب مالك، وتقدم التنبيه عليه في أول الشورى عند ذكر القول الآخر، وقد ذكر اختلاف الأئمة في المفصل في أول التفسير، ثم ذكر كل مذهب في محله، وهو عند أول الشورى، والحجرات، وق، وهذا المحل، والله الموفق.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾.
стр. 3240
[١] ﴿وَالنَّجْمِ﴾ يعني: الثريا، والعرب لا تقول النجم مطلَقًا إلا للثريا.
﴿إِذَا هَوَى﴾ سقط عند غروبه، وقيل: المراد: الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على رسول الله ﷺ نجومًا؛ أي: أقدارًا مقدرة في أوقات ما، ويجيء (هَوَى) على هذا التأويل بمعنى: نزل.
قال ابن عطية: وفي هذا المعنى بُعد وتحامُل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، والخلاف في هذه كالخلاف في تلك (١)، وهو قسم بالنجم وقتَ هويِّه، أو بالقرآن وقتَ نزوله.
* * *
﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ .
[٢] وجواب القسم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ عن طريق الهدى ﴿وَمَا غَوَى﴾ ما لابسَ الغَيَّ، وهو نقيض الرشد. قرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: بإمالة رؤوس آي هذه السورة؛ بخلاف عنهما، وافقهما على الإماله: حمزة، والكسائي، وخلف (٢).
* * *
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ .
[٣] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: لا يتكلم بالباطل عن هوى نفسه.
стр. 3241
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ .
[٤] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: نطقُه ﷺ بالقرآن وما يأتيه من السماء ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إليه، لم يقله من تلقاء نفسه.
* * *
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ .
[٥] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ هو جبريل ﵇، والقوى: جمع القوة.
* * *
﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ .
[٦] ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قوة شديدة في خلقه ﴿فَاسْتَوَى﴾ فاستقر جبريل.
* * *
﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ .
[٧] ﴿وَهُوَ﴾ يعني: محمدًا، المعنى: استوى جبريل ومحمدٌ ليلة المعراج.
﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ عند مطلع الشمس.
* * *
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ .
[٨] ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ قَرُب جبريل من محمَّد ﴿فَتَدَلَّى﴾ زادَ في القُرب، والأكثرون على أن هذا الدنوَّ والتدلِّي منقسم بين جبريل ﵇، ومحمد ﷺ ، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من سدرة المنتهى.
стр. 3242
وقال ابن عباس: "هو محمدٌ دنا وتدلى من ربه".
وحكي عن ابن عباس أيضًا: "هو الربُّ دنا من محمَّد، فتدلَّى إليه؛ أي: أمرُه وحكمُه" (١).
قال القاضي أبو الفضل ﵁ في كتاب "الشفا": فاعلم أن ما وقع في إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله، فليس بدنو مكان ولا قرب حدًّا، بل كما ذكرنا عن جعفر الصادق: "فليس بدنو حَدّ، وإنما دنوُّ النبي من ربه وقربُه منه إبانةُ عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس، وبسط وإكرام" (٢).
стр. 3243
﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ .
[٩] ﴿فَكَانَ قَابَ﴾ قدرَ ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ بل أقرب، فمن جعل الضمير عائدًا إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، واتضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمَّد ﷺ ، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب قربٌ بالإجابة والقبول، وإتيانٌ بالإحسان وتعجيل المأمول، وإنما ذكر (القَوْسَين)؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس، ويقال: قاب قوسين؛ يعني: قدر ذراعين، وإنما سمي الذراع قوسًا؛ لأنه يقاس به الأشياء.
* * *
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ .
[١٠] ﴿فَأَوْحَى﴾ اللهُ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ ﷺ ﴿مَا أَوْحَى﴾ قوله تعالى: (مَا أَوْحَى) إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عُرف من ذلك فرضُ الصلاة.
* * *
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ .
[١١] ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ قرأ أبو جعفر، وهشام عن ابن عامر: (كَذَّبَ) بتشديد الذال؛ يعني: ما كذب قلب محمَّد ﷺ .
﴿مَا رَأَى﴾ بعينه، وقرأ الباقون: بتخفيفها (١)؛ أي: ما ارتابَ القلب،
стр. 3244
وقرأ ورش عن نافع: (الْفُوَادُ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز، تلخيصه: لم يوهم القلبُ العينَ غيرَ الحقيقة، بل صَدَّق رؤيتَها.
واختلف السلف والخلف هل رأى نبينا ﷺ ربه ليلة الإسراء؟ فأنكرته عائشة، وخالفها ابن عباس وجمع، وتقدم الكلام في ذلك مستوفىً في أول سورة الإسراء في قصة المعراج.
* * *
﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ .
[١٢] ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: (أَفَتَمْرُونَهُ) بفتح التاء وإسكان الميم من غير ألف؛ أي: أتجحدونه، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الميم وألف بعدها؛ أي: أتجادلونه (١) ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ لأن المشركين أنكروا إسراءه ﷺ ، ومشاهدتَه جبريل ﵇.
* * *
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ .
[١٣] فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى محمدٌ جبريلَ على صورته حقيقة، وعلى قول ابن عباس ومَنْ وافقه: رأى رَبَّه. قرأ ورش، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وخلف، وابن ذكوان بخلاف عنه: (رَآهُ) بإمالة الهمزة والراء، وأمال الدوري عن أبي عمرو الهمزة بخلاف عنه، وأمال السوسي الراء (٢).
стр. 3245
﴿نَزْلَةً﴾ مرةً ﴿أُخْرَى﴾ لأنه ﷺ عرج إلى السماء مرات بسبب الصلوات، فكان لكل عرجة نزلة.
* * *
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ .
[١٤] وكانت الرؤيا ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، لا يتجاوزها أحد من الملائكة ولا غيرهم، ولا يعلم ما وراءها إلا هو تعالى، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها.
* * *
﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ .
[١٥] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن جنة المأوى عنده، وهي الجنة التي يأوي إليها الملائكة.
* * *
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ .
[١٦] ﴿إِذْ يَغْشَى﴾ يغطِّي ﴿السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ العامل في (إِذْ) (رَآهُ)، والمعنى: رآه في هذه الحال، و ﴿مَا يَغْشَى﴾ معناه: من قدرة الله وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك مبهم على جهة التفخيم والتعظيم.
قال ﷺ : "رأيتُ على كل ورقة منها ملكًا قائمًا يُسَبِّحُ الله" (١).
стр. 3246
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ .
[١٧] ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ ما مال بصر محمَّد يمينًا ولا شمالًا، أضاف الأمر للبصر.
﴿وَمَا طَغَى﴾ أي: ما جاوز ما رأى.
* * *
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ .
[١٨] ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ التي يمكن أن يراها البشر الآيةَ ﴿الْكُبْرَى﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان: (ما رَأَى) (لَقَدْ رَأَى) بإمالة الراء والهمزة، واختلف عن هشام وأبي بكر، وأمال أبو عمرو الهمزة فقط.
* * *
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ .
[١٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لما فرغ من ذكر عظمة الله تعالى وقدرته، قال على جهة التوقيف: أرأيتم هذه الأوثانَ وحقارتَها، وبعدَها عن هذه القدرة والصفات العلية ﴿اللَّاتَ﴾ صنم ثقيف بالطائف. قرأ رويس عن يعقوب: بتشديد التاء، ويمدُّ الساكنين، وقرأ الباقون: بتخفيفها، والكسائي يقف عليها بالهاء (١).
стр. 3247
﴿وَالْعُزَّى﴾ سَمُرة كانت غطفان تعبدها، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها، واجتث أصلها، فخرجت من أصلها شيطانة، فقتلها.
* * *
﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ .
[٢٠] ﴿وَمَنَاةَ﴾ اسم علم (١) لصنم هُذيل وخُزاعة، وألفها منقلبة عن ياء؛ لأنها من مني يمني. قرأ ابن كثير: (مَناءَةَ) بهمزة بعد الألف، فيمد للاتصال، وقرأ الباقون: بغير همز، والوقف عليها لجميع القراء بالهاء اتباعًا للرسم (٢) ﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لـ (مناة)؛ لأنها ثالثة الصنمين.
﴿الْأُخْرَى﴾ نعت ذم، نحو: و ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]؛ أي: ضعفاؤهم لرؤسائهم؛ أي: مناة الحقيرة، وقيل: اللات والعزى ومناة كانت أصنامًا من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله سبحانه، فقالوا: من الله: اللات، ومن العزيز: العزى، ومن المنان: مناة، ومعنى الآية: أخبرونا ألهذه الآلهة المعبودة قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله تعالى؟! وتقدم في سورة الحج ما ألقاه الشيطان في قراءة النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية.
стр. 3248
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾ .
[٢١] ولما قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، مع كراهتهم البنات، نزل إنكارًا عليهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ المعنى: إذا كرهتم البنات، فكيف تجعلون لكم البنين، وله تعالى البنات؟!
* * *
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ .
[٢٢] ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ جائرة؛ حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قرأ ابن كثير: (ضِئْزَى) بالهمز؛ من ضأزه يضأزه ضأزًا، وقرأ الباقون: بغير همز (١)؛ من ضازه يضيزه ضيزًا.
* * *
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ .
[٢٣] ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الأصنام ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ لا حقيقة تحتها من نفع أو ضر ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: سميتم بها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ آلهة تخرُّصًا.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾ بتلك الأسماء ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة على تسميتهم، ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ في قولهم: إنها آلهة ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ الخبيثة مما زين لهم الشيطان.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ على لسان الرسل.
وبين قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الشرك، فاللام في (لِيَجْزِيَ) متعلق بمعنى الآية: إذا كان أعلم بهم، جازى كلًّا بما يستحقه.
﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدوا ربهم ﴿بِالْحُسْنَى﴾ بالجنة.
* * *
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ .
[٣٢] ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ الشرك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كَبِيرَ) بكسر الباء من غير ألف ولا همز على التوحيد، والباقون: بفتح الباء وألف وهمزة مكسورة بعدها على الجمع (١).
﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ ما فَحُش من الذنوب ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ استثناء منقطع، واللمم: ما صغر من الذنوب؛ كالغمزة والنظرة واللمسة والقبلة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لمن فعل ذلك وتاب.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلق أباكم آدمَ من تراب.
﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين، سمي جنينًا؛ لاجتنانه؛ أي (٢): استتاره في البطن.
стр. 3252
﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ حمزة: (إِمِّهاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة فقط، وكل منهما بشرط الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١).
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تُثنوا عليها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ وأخلصَ العمل.
* * *
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣)﴾ .
[٣٣] كان الوليد بن المغيرة المخزومي قد سمع قراءة النبي ﷺ ، وجلس إليه، ووعظه رسول الله ﷺ ، فقرب إلى الإسلام، وطمع النبي ﷺ فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين، وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجعْ إلى دينك، أثبت عليه، وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما همَّ به من الإسلام، وضل ضلالًا بعيدًا، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشحَّ، فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (٢) عن الإيمان.
* * *
﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾ .
[٣٤] ﴿وَأَعْطَى﴾ صاحبَه ﴿قَلِيلًا﴾ من ماله ﴿وَأَكْدَى﴾ قطعَ عطيته بخلًا، وأصله من الكدْيَة: أرضٌ صلبة كالصخرة تمنع حافرَ البئر من النفوذ.
стр. 3253
﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾ .
[٣٥] ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أعلمَ من الغيب أنَّ مَنْ تحمل ذنوبَ أحد، فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك ﴿فَهُوَ﴾ لهذا الذي علمه ﴿يَرَى﴾ الحقَّ، وله فيه بصيرة؟!
* * *
﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾ .
[٣٦] ﴿أَمْ﴾ هو جاهل ﴿لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني: أسفار التوراة. قرأ أبو جعفر: (يُنَبَّا) بإبدال الهمز، والباقون: بالهمز (١)(٢).
* * *
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ .
[٣٧] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (أَبْراهامَ) بالألف، والباقون: بالياء (٣) ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: تمم ما أُمر به، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه.
عن أبي ذر الغفاري (٤) ﵁ قال: قلتُ: يا رسول الله! كم من كتابٍ أنزل الله ؟ قال: "مئة كتاب، وأربعة كتب،
стр. 3254
أنزل الله (١) على آدم عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل الله (٢) التوراة والإنجيل والزبور والفرقان"، قلت: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالًا: أيها الملِكُ المبتلى المغرور! إني لم أبعثك فتجمعَ الدنيا بعضَها إلى بعض، ولكن بعثتُك، تردُّ دعوة المظلوم، فإني لا أردها، وإن كانت من كافر، وكان فيها أمثال منها: على العاقل -ما لم يكن مغلوبًا على عقله- أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، ويفكر في صنع الله، وساعة يحاسب نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وغيرهما، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن علم أن كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه".
ويأتي ما نقل من صحف موسى آخر سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
* * *
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ .
[٣٨] ثم بين تعالى ما في صحفهما، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل حاملة حملَ غيرِها بأن تؤخذ بإثمها، وفي هذا إبطال قول من قال للوليد بن المغيرة: إنه يحمل عنه الإثم.
стр. 3255
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ .
[٣٩] وتعطف على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عمل ونوى، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت، فلكون الناوي له كالنائب عنه.
واختلف الأئمة فيما يُفعل من القرب؛ كالصلاة والصيام وقراءة القرآن والصدقة (١)، ويُهدى ثوابه للميت المسلم، فقال أبو حنيفة وأحمد: يصل ذلك إليه، ويحصل له نفعه بكرم الله ورحمته، وقال الشافعي ومالك: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية، وفي الحج، وأما في غير ذلك من الطاعات؛ كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره، لا يجوز، ويكون ثوابه لفاعله، وعند المعتزلة: ليس للإنسان جعلُ ثواب عملِه في شيء من الأعمال لغيره، ولا يصل، ولا ينفعه.
واختلفوا فيمن مات قبل أن يحج، فقال أبو حنيفة ومالك (٢): يسقط عنه الحج بالموت، ولا يلزم الحج عنه إلا أن يوصي بذلك، وقال الشافعي وأحمد: لا يسقط عنه، ويلزم الحج عنه من رأس ماله.
واختلفوا فيمن لم يحج عن نفسه، هل يصح أن يحج عن غيره؟ فقال أبو حنيفة ومالك: يصح، ويجزئ عن الغير مع الكراهة، وقال الشافعي وأحمد: لا يصح، فلو فعل، وقع عن نفسه.
وأما الصلاة، فهي عبادة بدنية، لا تصح فيها النيابة بمال ولا بدن بالاتفاق، وعند أبي حنيفة: إذا مات وعليه صلوات، يعطى لكل صلاة
стр. 3256
نصف صاع بر، أو صاع من تمر، أو شعير، أو قيمة ذلك فدية تصرف للمساكين، وليس للمدفوع إليه عدد مخصوص، فيجوز أن يدفع لمسكين واحد الفدية عن عدة صلوات، ولا يجوز أن تدفع فدية صلاة لأكثر من مسكين، ثم لا بد من الإيصاء بذلك، فلو تبرع الورثة بذلك، جاز من غير لزوم، وهو من مفردات مذهبه، وهو (١) خلاف (٢) للثلاثة.
* * *
﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠)﴾ .
[٤٠] ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ في ميزانه يوم القيامة.
* * *
﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ .
[٤١] ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي: يُجزى (٣) العبدُ سعيَه ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكملَ، والقراءة بفتح (أَنَّ) على أن (٤) هذا كله في صحف موسى.
* * *
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ .
[٤٢] ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي: الانتهاء، وهو رجوع الخلائق إليه تعالى بعد الموت، فيجازيهم.
стр. 3257
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾
[٤٣] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ذكر الضحك والبكاء؛ لأنهما صفتان تجمعان أوصافًا كثيرة من الناس؛ إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى بهاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده.
* * *
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾ .
[٤٤] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ في الدنيا.
﴿وَأَحْيَا﴾ للبعث، فلا يقدر على الإماتة والإحياء غيره.
* * *
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥)﴾ .
[٤٥] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ من كل حيوان.
* * *
﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ .
[٤٦] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ تُراق في الرحم.
* * *
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾ .
[٤٧] ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ الخلقة ﴿الْأُخْرَى﴾ للبعث بعد الموت. وتقدم اختلاف القراء في (النَّشْأَةَ) في سورة العنكبوت.
стр. 3258
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾ .
[٤٨] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾ الناسَ بالكفاية والأموال.
﴿وَأَقْنَى﴾ أعطى القُنية وما يدخرونه بعد الكفاية.
* * *
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ .
[٤٩] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهو كوكب خلف الجوزاء، وهما شعريان، يقال لأحدهما: العبور، وهي اليمانية، وللأخرى: الغميصاء، والمراد هنا: العبور، وهي أشد ضياء، عبدها أبو كبشة من خزاعة، وخالف قريشًا في عبادة الأوثان، فلذلك كانوا يسمون النبي ﷺ : ابن أبي كبشة؛ لخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنَّه هُّوَ) بإدغام الهاء في الهاء في الأحرف الأربعة؛ بخلاف عن رويس (١).
* * *
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ .
[٥٠] ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (عادً الأُولى) بإدغام التنوين في اللام وتشديدها مضمومة بلا همز بعدها، على أنهم لم يحركوا التنوين؛ لالتقاء الساكنين، بل أدغموه في لام التعريف بعد أن حركوا اللام بحركة الهمزة التي هي فاء الفعل حتى ساغ
стр. 3259
الإدغام فيه، وقرأ الباقون وهم: ابن كثير، والكوفيون، وابن عامر: بكسر التنوين؛ لاجتماع الساكنين، وإسكان اللام، وتحقيق الهمزة بعدها (١)، وهذا حكم الوصل، وأما حكم الابتداء، فيجوز في مذهب أبي عمرو، ويعقوب، وقالون، وأبي جعفر إذا لم يهمزوا الواو ثلاثةُ أوجه: (ألُولى) بإثبات همزة الوصل وضم اللام بعدها، الثاني: (لُولَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل قبلها اكتفاء عنها بتلك الحركة، الثالث: (الأُولَى) ترد الكلمة إلى أصلها، فتأتي بهمزة الوصل وإسكان اللام وتحقيق الهمزة المضمومة بعدها، وعن قالون في الابتداء بها في وجه همز الواو [ثلاثة أوجه: الأول: (الُؤْلَى) بهمزة الوصل وضم اللام وهمزة ساكنة على الواو] (٢)، والثاني: (لُؤْلَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل وهمز الواو، الثالث: (الأُولَى) كوجه أبي عمرو الثالث، وعن أبي جعفر في هذه الأوجه الثلاثة خلاف، وكلهم يقف على (عادًا) بالألف؛ لأنها بدل من التنوين؛ لأنه اسم رجل، وعاد الأولى هم قوم هود، أُهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادًا الأولى.
* * *
﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾ .
[٥١] ﴿وَثَمُودَ﴾ هم قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة. قرأ عاصم،
стр. 3260
وحمزة، ويعقوب: بغير تنوين: اسم للقبيلة، وقرأ الباقون: بالتنوين (١): اسم للأب، منصوب بأهلكنا مقدرة، وكل من نَوَّنَ وقف بالألف، ومن لم ينون، وقف بغير ألف، وإن كانت مرسومة، فبذلك جاءت الرواية عنهم منصوصة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا.
* * *
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾ .
[٥٢] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أهلكناهم أيضًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلَ عاد وثمود ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ لطولِ دعوة نوح إياهم، وعتوِّهم على الله بالمعصية والتكذيب.
* * *
﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ .
[٥٣] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ قرى قوم لوط. قرأ أبو جعفر: (والْمُوْتَفِكَةَ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز، واختلف عن قالون (٢).
﴿أَهْوَى﴾ أسقطَ؛ لأنَّ جبريل ﵇ رفعها إلى السماء، ثم أسقطها مقلوبة إلى الأرض.