﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ .
[٢٠١] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني المؤمنين.
﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ العلم والعبادة، قرأ أبو عمرو ﴿يقول ربنا﴾ وشبهه حيث وقع بإدغام اللام في الراء.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ الجنة. وعن علي ﵁: "الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء".
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ كل ما يبعد عن الله؛ لأنه سبب العذاب، وقيل: امرأة السوء. وتلخيصه: أكثروا ذكر الله، وسلوه سعادتكم في داريه.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ .
[٢٠٢] ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المؤمنين.
﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ حظ.
﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ دعوا، ويسمى الدعاء كسبًا؛ لأنه عمل، والعمل يوصف بالكسب، المعنى: لهم جزء من جنس عملهم.
﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إذا حاسب لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا نظر وفكر، بل أسرع من لمح البصر .
стр. 352
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ .
[٢٠٣] ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالتكبير عقب الصلوات، وعند رمي الجمرات يكبر مع كل حصاة.
﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام التشريق وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، سميت معدودات لقلتهن كقوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠].
والتشريقُ: التكبيرُ، وهو في الأضحى (١) مطلَقٌ كما تقدَّمَ في الفِطْر، ومقيَّدٌ عَقِبَ الصلواتِ، فعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ يكبر دُبُرَ كُلِّ فريضةٍ صَلَّاها في جماعة، وعندَ مالكٍ يكبرُ عقبَ الفرائض، ولو منفردًا، وعندَ الشافعيِّ عقبَ كلِّ صلاةٍ، فريضةً كانتْ أو نافلةً، منفردًا صلاها أو في جماعة.
وهذا التكبيرُ مسنونٌ عندَ الأئمةِ الثلاثة، واجبٌ عندَ أبي حنيفةَ.
واختلفوا في ابتدائه وانتهائه، فقال أبو حنيفةَ: يبتدئُ عقبَ صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ إلى أن يكبرَ لصلاةِ العصر يومَ النحر، ثم يقطعُ.
وقال مالك: يبتدئ عقبَ صلاةِ الظهر من يوم النحر، ويختمُ بعدَ الصبح من آخر أيام التشريق.
ولا فرق عندهما بينَ المحرِمِ وغيرِه.
وقال الشافعيُّ: يكبرُ الحاجُّ من ظهر النحر، ويختمُ بصبح أيام التشريق، وأما غيرُ الحاجِّ، ففيه خلاف، والذي عليه العملُ عند المحققين
стр. 353
من الشافعية أنه يكبرُ من صبحِ عرفةَ إلى العصرِ من آخرِ أيام التشريق.
وقال أحمد: ابتداؤه للمُحِلِّ من صلاةِ الفجرِ يومَ عرفةَ، وللمُحْرِم من, صلاةِ الظهرِ يومَ النحر؛ لأنه كان مشغولًا قبلَ ذلك بالتلبية، وانتهاؤه عقبَ صلاةِ العصر من آخر أيام التشريق مطلقًا.
وتقدم اختلافُهم في التكبير للفطر عندَ تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأما صفةُ التكبيرِ، فعندَ الشافعيِّ: الله أكبرُ ثلاثًا نَسَقًا في الأول، ثم يهلِّلُ، ويشفَعُهُ، ثم يقول: ولله (١) الحمد.
وعند أبي حنيفةَ وأحمدَ: يشفعُ التكبير في أوله وآخرِه، وصفتُه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وعن مالك كالمذهبين، وكلاهما جائز عنده، والله أعلم.
﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ أي: فمن عَجِلَ وطلبَ الخروجَ من مِنًى.
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ نفرَ في اليوم الثاني من أيام التشريق، فتركَ المبيتَ بمنىً في الليلة الثالثة، وهذا النَّفْرُ الأول.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بتعجيلِه؛ لأنه مرخَّص له في ذلك.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾ حتى نفر في اليوم الثالِث، وهو أفضلُ، وهذا النَّفْرُ الثاني.
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بتركِ الترخُّصِ. تلخيصه: هم مخيَّرون بينَ نفرين، وإن كان المتأخِّرُ أفضلَ.
стр. 354
﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ المناهيَ، أي: جوازُ التخيير، ونفيُ الإثم لمن اتقى شيئًا نهاه اللهُ عنه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للجزاءِ، وأصلُ الحشرِ: الجمعُ وضَمُّ المتفرِّقِ.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ .
[٢٠٤] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ يَروقُكَ ويعظُمُ في قلبكَ.
﴿قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: يَسُرُّكَ ما يقولُه في معنى الدنيا؛ لأن دعواهُ مَحَبَّتَكَ إنما هو لطلب حَظٍّ من الدنيا. قرأ أبو عمرٍو: (يَعْجِبُك قَوْلُهُ) بإدغام الكاف في القاف. نزلتْ في الأخنسِ بِن شَرِيقٍ الثقفيِّ، وكان حلوَ الكلامَ، يَلْقى النبيَّ ﷺ ويحلِف له أنه يحبُّهُ، ويظهر الإسلامَ، وكان منافقًا (١).
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: يقول: اللهُ شاهدٌ على ما في قلبي من مَحَبَّتِكَ، ومن الإسلامِ.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أي: هو شديدُ الجِدالِ والعداوةِ للمسلمين.
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾.
﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: طلبَ رضوانِ الله. قرأ الكسائي: (مَرْضَاةِ) بالإمالة، ووقف بالهاء حيثُ وقعَ (١). سببُ نزولِها أن المشركين كانوا (٢) أَسَروا خُبَيْبَ بنَ عَدِيٍّ الأنصاريَّ وصلبوه بالتَّنْعيم، فلما بلغ (٣) النبيَّ ﷺ هذا الخبرُ، قال لأصحابه: "أَيُّكُمْ يُنْزِلُ خُبَيْبًا عن (٤) خَشَبَتِهِ وَلَهُ الجَنَّةُ؟ فقال الزبيرُ بنُ العوَّام: أنا وأخي المقداد بنُ الأسودِ، فخرجا يمشيان بالليل، ويَكْمُنان بالنهار، حتى أتيا التنعيمَ ليلًا، وأنزلاه، وقَدِما على رسولِ الله ﷺ وجبريلُ عندَهُ، فقال: يا محمدُ! إن الملائكةَ لَتُباهي بهذين مِنْ أصحابِكَ، فنزل فيهما: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ حينَ شَرَيا أنفسَهما لإنزالِ خُبيب من خَشَبته، وقيلَ غيرُ ذلك، والقصةُ فيها طولٌ واختلافٌ بين المفسرين (٥).
﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَن كلَّفهم الجهادَ لحصولِ الثوابِ لهم.
стр. 357
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ .
[٢٠٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ أصلُه: الاستسلامُ والانقياد، والمرادُ: الإسلامُ، ويقالُ للصلح: سلْم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وأبو جعفرٍ: (السَّلْمِ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١).
﴿كَافَّةً﴾ أي: جميعًا، وأصلُها من الكفِّ: الجمع. نزلت في مؤمني أهلِ الكتاب عبدِ الله بنِ سلامٍ وأصحابِه، وذلك أنهم كانوا يُعَظِّمونَ السبتَ، ويكرهون لحومَ الإبل بعدَما أسلموا، وقالوا: يا رسول الله! إن التوراةَ كتابُ الله، فدعْنا فَلْنُقِمْ بها صلاتنَا بالليل، فأنزل الله تعالى الآية (٢).
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: آثارَه فيما زَيَّنَ لكم من تحريمِ السبتِ ولحومِ الإبلِ وغيرِه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة.
стр. 358
﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ .
[٢٠٩] ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ أي: مِلْتُم عن الإسلامِ مجتمعين.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: الدَّلالاتُ على أنَّ ما دعيتم إليه حقٌّ.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: غالبٌ قادرٌ على الانتقام.
﴿حَكِيمٌ﴾ لا ينتقمُ إلا بالحق.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ .
[٢١٠] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون، النظرُ والانتظارُ: الإمهالُ.
المعنى: ما ينتظرُ تاركو الدخولِ في الإسلام.
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ جمعُ ظُلَّةٍ، وهي ما أَظَلَّ.
﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ وهو السحابُ الأبيضُ الرقيقُ سُمِّيَ غمامًا؛ لأنه يَغُمُّ؛ أي: يَسْتر.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: ﴿والملائكةِ﴾ بالخفضِ عطفًا على الغمام، تقديرُه: معَ الملائكة، وقرأ الباقون: بالرفعِ على معنى: إلا أنْ يأتيهم اللهُ والملائكة في ظُلَلٍ من الغمام (١)، والأَوْلى في هذه الآيةِ وفي
стр. 359
ما شاكَلَها أن يؤمنَ الإنسانُ بها، ويُمِرَّها كما جاءت بلا كيفٍ، ويَكِلَ علمَها إلى الله سبحانه، وهو مذهبُ أئمةِ السلف وعلماءِ السنة، قال سفيانُ بنُ عُيينةَ: كلُّ ما وصف الله تعالى به نفسَه في كتابه، فتفسيرهُ قراءتُه، والسكوتُ عنهُ، ليسَ لأحدٍ أن يفسِّرَهُ إلا اللهُ ورسولهُ (١).
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فُرِغَ من حسابهم، ووجبَ العذابُ، وذلكَ فصلُ اللهِ (٢) القضاءَ بالحقِّ بينَ عبادهِ يومَ القيامةِ.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ويعقوبُ: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون: بضمِّ التاءِ وفتحِ (٣) الجيم (٤).
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾.
стр. 360
[٢١١] ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يا محمدُ! سلْ يهودَ المدينة.
﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ أعطينا آباءهم وأسلافَهم.
﴿مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ دلالةٍ واضحةٍ على نبوةِ موسى ﵇، وقيل: معناه: الدلالاتُ التي في التوراة والإنجيلِ على نبوةِ محمدٍ ﷺ .
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ﴾ يُنْكِرْ ويغيِّرْ.
﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أي: الدلائل على نبوة محمد ﷺ .
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ أي: بعد ما عرفَها وصَحَّتْ عنده.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبُه (١) أشدَّ عقوبة.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ .
[٢١٢] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ نزلَتْ في مشركي العرب: أبي جهلٍ وأصحابِه، كانوا يتنعمون بما بُسِطَ لهم في الدنيا من المال، ويُكَذِّبون بالمعادِ، والمزيِّنُ اللهُ تعالى بأنْ خلقَ الأشياءَ العجيبةَ، فنظروا إليها فأعجبتهم، فَفُتِنوا بها (٢).
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يستهزئون بالفقراء من المؤمنين؛ كعبدِ الله بن مسعود، وعمارِ بنِ ياسر، وصُهيبٍ، وخُبيبٍ، وبلالٍ، وغيرهم.
стр. 361
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لأن هؤلاءِ الفقراءَ في أعلى عليين في الجنة، وهؤلاء الكفارَ في أسفلِ السافلين في النار.
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ رزقًا واسعًا من غيرِ تقتير.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ .
[٢١٣] ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ متفقين على دينٍ واحدٍ وهو الإسلامُ، من آدمَ إلى نوحٍ، ثم اختلفوا.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ وجملتُهم مئةُ ألفِ نبيٍّ وأربعةٌ وعشرونَ ألفَ نبيٍّ، والمرسلون منهم ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عَشَرَ، والمذكورون في القرآن باسم العَلَم ستةٌ وعشرون نبيًّا، وهم: محمدُ، وآدمُ، وإدريسُ، ونوحٌ، وهودٌ، وصالحٌ، وإبراهيمُ، ولوطٌ، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، ويوسفُ، وأيوبُ، وذو الكِفْلِ، وشُعيبٌ، وموسى، وهارونُ، وداودُ، وسليمانَ، وعُزَيْرٌ، ويونُسُ، وزكريّا، ويحيى، وإلياسُ، واليسعُ، وعيسى -صلواتُ الله عليهم أجمعين-، وأُشير إلى أشموئيلَ بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وأُشير إلى أَرْميا بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وأُشير إلى يوشَعَ في سورة الكهف بقولهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٠]، وأُشير إلى إخوةِ يوسفَ بقوله: ﴿لَقَدْ
стр. 362
كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: ٧]، ويأتي ذكرُ أسمائِهم عندَ تفسيرِ الآية، والأسباطُ ذُكروا إجمالًا، وهم من ذريةِ أولادِ يعقوبَ الاثني عَشَرَ، وكانَ فيهم أنبياءُ، وفي لقمانَ وذي القَرْنينِ خلافٌ كالخَضِر.
﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بالثوابِ للمؤمن.
﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالعقابِ للعاصي.
﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ المرادُ: الجنسُ، لا أنه معَ كلِّ نبيٍّ كتابٌ؛ لأن منهم من لم يكن له كتابٌ، وإنما أخذ بكتبِ مَنْ قبلَه.
﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: الصدق.
﴿لِيَحْكُمَ﴾ قرأ أبو جعفر: (لِيُحْكَمَ) بضم الياء وفتح الكاف؛ لأنَّ الكتابَ لا يحكمُ في الحقيقة إنما يُحْكَمُ به، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الكاف؛ أي: لِيَحْكُم الكتابُ؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (١) [الجاثية: ٢٩].
﴿بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: في دينِ الإسلام.
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أي: في الحقِّ.
﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: أُعطوا الكتابَ المنزلَ.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ على صدقِ الكتبِ.
стр. 363
﴿بَغْيًا﴾ حَسَدًا.
﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بينَ المختلفينَ؛ بأن كذَّبَ بعضٌ (١) بعضًا، وكتموا صفةَ محمدٍ ﷺ على حُطامِ الدنيا ورياستِها.
﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقولُه: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ للمختلَفِ فيه. تلخيصُهُ: فهدى اللهُ المؤمنين إلى الحقِّ [المختلَف فيه من الحقِّ] (٢).
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بعلمِه وإرادته. قيلَ في هذه الآية: اختلفوا في القِبْلَة، فمنهم من يصلِّي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا اللهُ للكعبةِ، واختلفوا في الصيام، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام، فأخذتِ اليهودُ السبتَ، والنصارى الأحدَ، فهدانا الله للجمعة، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعله اليهودُ لغيرتهم ولدَ زِنًى، وجعلَه النصارى إلهًا، فهدانا الله للحقِّ فيه (٣).
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُه. واختلافُ القراء في الهمزتين من قوله: (يشاء إلى) كما تقدَّم في قوله: و ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢].
стр. 364
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ .
[٢١٤] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ نزلَتْ في غزوةِ الخندق لما أصابَ المسلمين الجهدُ؛ تطييبًا لقلوبهم، وقيل: في حرب أُحد (١).
تلخيصُه: أَظَننتم أنكم تدخلون الجنةَ من غيرِ مَشَقَّةٍ.
﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾ و (لما) فيه معنى التوقُّع. المعنى: إن إتيانَ ذلكَ متوقَّع منتظَرٌ.
﴿مَثَلُ﴾ أي: شَبَهُ.
﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أي: مضوا.
﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ منَ النبيينَ والمؤمنين.
﴿مَسَّتْهُمُ﴾ أصابَتْهُم.
﴿الْبَأْسَاءُ﴾ الفقرُ.
﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ المرضُ.
﴿وَزُلْزِلُوا﴾ أُزعجوا بأنواعِ البلاء.
﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ المعنى: إن الأهوال اشتدَّت عليهم إلى غايةٍ قالَ فيها الرسولُ والمؤمنونَ استبطاءً للنصرِ لا شَكًّا:
стр. 365
﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الذي وَعَدناه؟ قال الله تعالى:
﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ غيرُ متأخِّر. قرأ نافعٌ: (حَتَّى يَقُولُ) بالرفع على أنه في معنى الحال، نحو: شربتِ الإبلُ حتى يجيءُ البعيرُ يجرُّ بطنَه، فهيَ حالٌ ماضيةٌ مَحْكِيَّةٌ، وقرأ الباقون: بالنصب بإضمارِ (أن)، وجعلِ الفعلِ مستقبَلًا؛ أي: إلى أن يقول (١).
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ .
[٢١٥] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ نزلتْ في عَمْرِو بنِ الجَمُوح، وكان شيخًا ذا مال، فقال: يا رسول الله! بماذا نتصدَّقُ، وعلى من ننفق؟ فأنزلها الله تعالى (٢)، و (ما) استفهامٌ. المعنى: أيُّ شيء الذي يُنفقونَهُ؟.
﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ وقوله:
﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ بيانٌ للمنفَقِ، ثم بَيَّنَ مَصْرِفَ النفقةِ بقوله:
стр. 366
﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ تلخيصُه: ما أنفقتُم من حلالٍ، فهو خيرٌ كلُّه إذا كان على هؤلاء المذكورينَ.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ يجازيكم به، ثم نُسخت بفرض الزكاة.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ .
[٢١٦] ﴿كُتِبَ﴾ فُرِضَ.
﴿عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أي: الجهادُ، وهو قتالُ الكفار، وهو فرضُ كفايةٍ إذا قامَ به من يَكْفي، سقطَ عن الباقين الفرضُ؛ كصلاةِ الجنازةِ، وردِّ السلامِ بالاتفاق.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شاقٌّ عليكم.
﴿وَعَسَى﴾ من أفعال المقارَبَةِ فيهِ طَمَعٌ.
﴿أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأن في الغزو إحدى الحسنيين: إما الظَّفَرُ والغَنيمةُ، وإما الشهادةُ والجنةُ.
﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ يعني: القعودَ عن الغَزْوِ.
﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لما فيه من فَواتِ الغَنيمةِ والأجر.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ مصالحَكُمْ.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ.
стр. 367
روي أن النبيَّ ﷺ بعثَ عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ، وهو ابنُ عمةِ النبيِّ ﷺ في آخِرِ جُمادى الآخرةِ قبلَ بَدْرٍ بشهرينِ في سَرِيَّةٍ على رأسٍ سبعةَ عشرَ شَهْرًا من مقدِمِه المدينةَ؛ ليرصُدوا عِيرًا لقريشٍ فيها عمرُو بنُ الحَضرَمِيِّ وثلاثةٌ معهُ، وهم الحَكَمُ بنُ كَيْسانَ، وعثمانُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، ونَوْفَلُ بنُ عبدِ اللهِ المخزومِيَّانِ، فقتلوا عَمْرَو بنَ الحضرميِّ، فكانَ أولَ قتيل من المشركين، واستأسروا الحكمَ وعثمانَ، فكانا أولَ من أُسِرَ في الإسلام، وأَفْلَتَ نوفلُ، فأعجزَهم، وكانت الوقعةُ ببطنِ نخلةَ بينَ مكةَ والطائفِ، وجاء عبدُ اللهِ وأصحابُه النبيَّ ﷺ بالعِيرِ والأسيرينِ، وقالوا: يا رسول الله! قتلنا ابنَ الحضرميِّ، ثم أمسينا فرأينا هلالَ رَجَبٍ، فما ندري أفي رجبٍ أصبناهُ أم في جُمادى؟ قال ابن عباس: كانوا يحسبونَ تلكَ الليلةَ من جُمادى، وكانتْ من رجبٍ، فوقف رسولُ الله ﷺ العيرَ والأسيرين، وامتنع عن أخذِها، فعظمَ ذلكَ على أهلِ السريَّةِ، وسُقِطَ في أيديهم، وقال المشركون: قد استحلَّ محمدٌ الشهرَ الحرام، فنزل:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾.
стр. 368
[٢١٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (١) يعني: رجبًا، سُمِّيَ بذلك لتحريمِ القتالِ فيه.
﴿قِتَالٍ فِيهِ قُلْ﴾ يا محمدُ.
﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عظيمٌ، تمَّ الكلامُ هاهنا، ثم ابتدأه فقال:
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وصدُّكُم المسلمينَ عن الإسلام.
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: باللهِ.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: مكةَ، عطفٌ على سبيل الله.
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ أي: أهلِ المسجد.
﴿مِنْهُ﴾ وهم النبيُّ ﷺ والمؤمنون.
﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعظمُ وِزْرًا من القتال في الشهر الحرام.
﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ أي: الشركُ.
﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: من قتلِ ابنِ الحضرميِّ في الشهرِ الحرام، فلما نزلَتْ أخذَ رسولُ الله ﷺ العيرَ، فعزلَ منه الخمسَ، وقسمَ الباقيَ بينَ أصحابِ السريةِ، وكانتْ أولَ غنيمةٍ في الإسلام، وبعثَ أهلُ مكةَ في فداءِ أسيريهم، فقال: بل نَقِفُهُمْ حتى يَقْدُمَ سعدٌ وعُتبةُ، فإن لم يقدما، قتلناهما بهما، فلما قدما، فاداهم، فأما الحكمُ بنُ كيسان، فأسلمَ وأقامَ مع النبيِّ ﷺ بالمدينة، فقتل يومَ بئرِ مَعونةَ شَهيدًا، وأما عثمانُ بنُ عبد الله، فرجع إلى مكةَ، فماتَ بها كافرًا، وأما نوفلٌ، فضربَ بطنَ فرسِه يومَ
стр. 369
الأحزاب ليدخلَ الخندقَ، فوقعَ في الخندقِ مع فرسه، فتحطَّما جميعًا، وقتلَه اللهُ، فطلب المشركون جيفَتَهُ بالثمن، فقالَ رسول الله ﷺ : "خُذُوهُ؛ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ" (١)، قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ أي: الكفار.
﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أيها المؤمنون.
﴿حَتَّى﴾ أي: كي.
﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ أي: يصرِفوكم.
﴿عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ قَدَروا، ثُمَّ تهددهم بقوله:
﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ﴾ أي: يرجعْ.
﴿مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إلى دينِهم.
﴿فَيَمُتْ﴾ عطفٌ على ﴿يَرْتَدِدْ﴾.
﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾ أي: مرتدًا و (من) رفع ابتداء، خبرُه:
﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بَطَلَتْ حسناتهم.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لأن عباداتهم لم تَصِحَّ في الدنيا، فلم يُجَازوا عليها في الأخرى.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ في هذا دليلٌ للشافعي
стр. 370
وأحمد أن الردَّةَ لا تحبطُ العمل حتى يموتَ مرتدًّا، وأبو حنيفةَ ومالكٌ يبطلانه بالردَّة، وإن رجعَ مسلمًا.
واختلفوا في حكم المرتدِّ، وهو الذي يكفرُ بعد إسلامه - والعياذ بالله -، فقال أبو حنيفةَ: يجبُ قتلُه في الحال، ولكن يُستحبُّ أن يُحبس ثلاثةَ أيامٍ، ويُعرض عليه الإسلامُ، وتُكشف شُبْهَتُهُ، فإن أسلمَ، وإلا قُتل، ويُكره القتلُ قبلَ العرض.
وقال مالكٌ وأحمدُ: يجب أن يُستتابَ ثلاثًا، فإن تابَ، وإلَّا قتل.
وقال الشافعيُّ: تجبُ استتابتُه في الحال، فإن أَصَرَّ، قُتل، وإن أسلم، صَحَّ وتُرِك.
واختلفوا في المرأة إذا ارتدَّتْ، فقال أبو حنيفة: تُحبس وتُخرج في كل أيام، ويُعرض عليها الإسلامُ، وتُضربُ حتى تسلم، ولا تُقتل.
وعند الثلاثة: حكمُها كالرجل في الاستتابة والقتل.
ولما أنزلت الآية، قال أصحابُ السرية: يا رسول الله! أنؤجَرُ على فعلنا هذا؟ فأنزل الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ .
[٢١٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ لأنهم فارقوا أهلَهم ومنازلَهم.
﴿وَجَاهَدُوا﴾ فجعلَها جهادًا، جمعَ بينَ هذه الخصالِ ترغيبًا، وإن كان الثوابُ حاصلًا بكلِّ واحدةٍ منها.
стр. 371
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: طاعةِ الله.
﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أخبرَ أنهم على رجاء الرحمة، و (رَحْمَتَ) رسمت بالتاء في سبعة مواضع، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفرُ الخطأ، ويُجْزِلُ الثوابَ والأجرَ.
وكانت الخمرُ حلالًا إجماعًا، وكان المسلمون يشربونها، فجاء معاذُ بنُ جَبَلٍ وعمرُ بنُ الخطاب بجماعة، فقالوا: يا رسول الله! أَفْتِنا في الخمرِ، فإنها مَذْهَبَةٌ للعقل، مَسْلَبَةٌ للمال، ورُوي أنه سُئل عن الخمرِ والميسرِ معًا فنزلت (١):
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ .
[٢١٩] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ وهو المُسْكِرُ، لأنه يَخْمُرُ العقلَ؛ أي: يسترُهُ.
﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ القِمارُ؛ لأنه يأخذ مال غيره بسهولة ويُسر؛ أي: يسألونك عن جوازِ تناولهما واستعمالهما؛ لأن السؤالَ لم يكن عن أعيانهما.
стр. 372
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ أي: وزر. قرأ حمزة والكسائي: (إثْمٌ كَثِيرٌ) بالثاء المثلثة، والباقون: بالباء (١)، فتركَها قوم لقوله: (إِثمٌ كَبِيرٌ)، وشربها قومٌ لقوله:
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ بلذَّةِ الشربِ والفرح، وإصابةِ المالِ من غيرِ كَدٍّ ولا تعب.
ثم دعا عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ جماعة، فَسَكِروا، فأَمَّهم بعضُهم في المغربِ، فقرأ: قل يا أيها الكافرون. أعبدُ ما تعبدون، بحذف (لا) فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها في حالِ السُّكر.
ثم دعا عتبانُ بنُ مالكٍ جماعةً، فشربوا الخمرَ، فأنشدَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ قصيدةً فيها هجاءُ الأنصار، فضربَ بعضُ الأنصار رأسَ سعدٍ بِلَحْيِ جمل، فشجَّهُ مُوضِحَةً، فشكا إلى النبيِّ ﷺ ، فقال عمرُ: اللهمَّ بَيِّنْ لنا في الخمرِ بيانَ شِفاء، فنزل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ في المائدة إلى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فقال عمرُ: انتهينا، فَحُرِّمَتِ الخمرُ، وأُريقت (٢).
والخمرُ ما غَلَى واشتدَّ وقذَف بالزَّبَدِ من غيرِ طبخِ النار، من عصيرِ
стр. 373
العنبِ والرُّطَبِ، ونقيعِ الزَّبيبِ والتمرِ، وغيرِها، يُحَدُّ شاربُهُ، ويُفَسَّقُ، ويَكْفُرُ مُسْتَحِلُّها باتفاقِ الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: إنما يكفرُ باستحلالِ ما اتخذ من عصيرِ العنب فقط، ولا يُحَدُّ عندَه بشربِ غيرِه حتى يسكرَ.
وقدرُ الحدِّ للحرِّ أربعون جلدةً عندَ الشافعيِّ، وثمانون عندَ الثلاثة، ويتنصَّفُ (١) بالرِّقِّ باتفاقِهم.
والميسرُ: قالَ ابنُ عباسٍ: كان الرجلُ في الجاهليةِ يخاطِرُ الرجلَ على أهله وماله، فأَيُّهما قمرَ صاحبَهُ، ذهبَ بأهلِه ومالِه، فأنزل اللهُ الآيةَ (٢).
وكان أصلُ الميسر أنَّ أهلَ الثروةِ من العرب يشترونَ جَزُورًا، ويُجَزِّئونها عشرةَ أجزاء، ثم يقتسمونَ (٣) عليها بعشرةِ قِداح يقالُ لها: الأزلامُ لسبعةٍ منها أنصباءُ، وثلاثةٌ لا أنصباءَ لها، فمن خرجَ سهمُه من السبعة، أخذَ نصيبَه، ومن خرج سهمُه من الثلاثة، لا يأخذ شيئًا، ويغرمُ ثمنَ الجزورِ كلِّه، ثم يدفعون ذلكَ الجزورَ إلى الفقراء، ولا يأكلون منه شيئًا، وكانوا يفتخرون بذلك، ويذمُّون مَنْ لم يفعلْه.
﴿وَإِثْمُهُمَا﴾ بعدَ التحريم.
﴿أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ قبلَه.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ أي: في الصدقة، وذلك أن رسول الله ﷺ حَثَّهم على الصدقة، فقالوا: ماذا ننفقُ؟.
﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ هو ما فضلَ عن الحاجة. قرأ أبو عمرٍو: (العَفْوُ) بالرفع،
стр. 374
معناهُ: الذي تنفقون هو العفوُ. وقرأ الباقون: بالنصب؛ أي: قلْ أنفقوا العفوَ (١)، ثم نُسخ بآية الزكاة، ثم خاطبَ النبي ﷺ والمرادُ: الأمةُ، فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ .
[٢٢٠] ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ المعنى: هكذا يبينُ الله لكم الآياتِ في أمر الدنيا والآخرة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في أمرهما، فتسعَوْنَ فيما هو صلاحُكم فيهما، ولا وقفَ على (تتفكرون) لئلَّا يفصل بين العامل ومعموله.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ لما نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، فتركوهم، واجتنبوا مُؤَاكلتهم، فاشتدَّ ذلك عليهم، فسألوا رسولَ الله ﷺ ، فنزل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: الإصلاحُ لأموالهم من غيرِ أجرةٍ، ولا أخذِ عِوَضٍ خَيرٌ وأعظمُ أجرًا.
﴿الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ والمرادُ: الوثنياتُ: بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقوله ﷺ : "نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا" (١)، فلا يجوزُ لمسلمٍ نكاحُ الوثنيَّات، ولا المجوسيَّات، ولا غيرِهن من أنواعِ المشركاتِ اللاتي لا كتابَ لهنَّ بالاتفاق، وسببُ نزولِها: أن أبا مَرْثَدٍ سألَ النبيَّ ﷺ عن تزويجِ عَناقَ، وكانت مشركةً، فنزلت (٢):
﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بجمالِها ومالِها. نزلَتْ في خَنْساءَ: وَليدةٍ سوداءَ كانَتْ لحذيفةَ بنِ اليمان، قالَ حذيفةُ: يا خنساء! قد ذُكِرْتِ في الملأِ على سوادِكِ ودهامَتِكِ، فأعتقَها وتزوَّجها (٣)، والمرادُ: كلُّ امرأةٍ مؤمنةٍ، حُرَّةً كانت أو أَمَةً.
﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لا تُزَوِّجوهم.
﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فلا يجوزُ تزويج مسلمة بكافرٍ إجماعًا.
стр. 377
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ لأنَّ الخلقَ كلَّهم عبيدُ الله وإماؤه، و (لو) هنا بمعنى (إن).
﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: المشركين.
﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ أعمالِ أهلِ.
﴿النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو﴾ على لسانِ رسلِهِ (١).
﴿إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: إلى أعمالِها.
﴿بِإِذْنِهِ﴾ بإرادتِهِ.
﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ﴾ أوامرَهُ ونواهِيَهُ.
﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون.
وكانتِ اليهودُ إذا حاضَتْ منهم المرأةُ، لم يؤاكِلوها، ولم يشارِبوها، ولم يجالِسوها، فسُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ .
[٢٢٢] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٢) هو مصدرُ حاضَتْ تحيضُ حَيْضًا
стр. 378
ومَحيضًا، وأصلُه: الانفجارُ والسيلانُ. والمعنى: يسألونك عن الوطء في زَمَنِ المحيضِ.
﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي: مستقذَرٌ يؤذي مَنْ يقربُه مُجامِعًا.
﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فاتركوا مجامعتَهُنَّ أيامَ حيضِهن.
﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ مجامِعينَ، فيحرم وَطْءُ الحائضِ، ويعصي فاعلُه بالاتفاقِ، أما الملامسةُ والمضاجَعَةُ معها، فجائزٌ بالاتفاقِ. واختلفَ الأئمةُ في وجوبِ الكفارةِ على من وَطِئَ الحائضَ، فذهبَ أكثرُهم أَنه لا كفَّارةَ عليه، منهم: مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، قالوا: يستغفرُ اللهَ ويتوبُ إليه، ويُستحبُّ عندَ الشافعيِّ أن يتصدَّقَ بدينارٍ إن جامعَ في إقبالِ الدمِ، أو بنصفِ ينارٍ إن جامعَ في إدبارهِ، وذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه، منهم: الإمامُ أحمدُ ﵁، فيجب عندَهُ على مَنْ جامعَ -ولو بحائلٍ- قبلَ انقطاعِ الحيضِ في الفرجِ دينارٌ أو نصفُه على التَّخْييرِ، ويجزئُ إلى مسكينٍ واحدٍ؛ كنذرٍ مطلقٍ، وتسقط بالعجز، وكذا هي إن طاوعَتْهُ -ولو كانَ ناسِيًا أو مُكْرَهًا أو جاهِلَ الحيضِ أو التحريم، أوهما-، واللهُ أعلم.
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: ينقطعَ الدمُ. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ: (يَطَّهَّرْنَ) بفتح الطاء والهاء وتشديدهما، يعني: يغتسلْنَ (١).
стр. 379
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلْنَ.
﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهن.
﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والمرادُ: الفرج.
قال ابن عباس: طَؤُوهُنَّ في الفَرْجِ، ولا تَعْدُوه إلى غيرِه (١)، أي: اتَّقوا الأدبارَ.
ولا يجوز وطءُ الحائضِ حتى ينقطعَ دمُها وتغتسلَ عندَ الشافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ، وعند أبي حنيفة يجوزُ وطؤها إذا انقطعَ دمُها نهايةَ حيضِها، وإن لم تغتسلْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ من الذنوبِ، ولا يعودون إليها.
﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الشرك، وبالماءِ من الأحداثِ والنجاساتِ.
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ .
[٢٢٣] ﴿نِسَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، خبرُه:
﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أي: مَزْرَعٌ ومَنْبَتٌ للولدِ بمنزلةِ الأرضِ للنباتِ؛ تشبيهًا لما يلقى في أرحامِهِنَّ من النُّطَفِ بالبذْرِ.
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ نساءكم.
стр. 380
﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ مُقبلاتٍ ومُدْبِرات. المعنى: جامِعُوهنَّ من أيِّ شِقٍّ شئتُم في المأتَى، وكانت اليهودُ تقولُ في الذي يأتي امرأتَهُ (١) من دُبرِها في قُبلها: إن الولدَ يكونُ أحولَ، فنزلتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ولا يجوزُ إتيانُ المرأةِ في دُبُرِها بالاتفاق، وعن مالكٍ ﵁ أنه قيلَ له: إنه نُقِلَ عنكَ أنك أَبَحْتَهْ، فقال: كَذَبُوا عليَّ، كذبوا عليَّ (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" (٣).
وعن أبي هريرةَ أيضًا عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فقد كَفَرَ بِمَا أُنَزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" (٤) رواهُنَّ كُلَّهن الأثرُم. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: (شِيتُمْ) بغير همز، والباقون: بالهمز (٥).
﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ التسميةُ عندَ الجماع.
وعن رسولِ الله ﷺ أنه قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا
فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١).
﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ .
[٢٢٥] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾ أي: لا (٢) يعاقِبُكم.
﴿اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ اللَّغْوُ: كُلُّ مطروحٍ من الكلام لا يُعْتَدُّ به، وأصلهُ: الباطلُ، واللغوُ في اليمين: ما سبقَ إليه اللسانُ من غير قصدِ اليمين؛ نحو: لا واللهِ، وبلى والله عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ هو أن يحلفَ على شيء يرى أنه صادقٌ، ثم يظهرُ خلافُ ذلك، ولا كفارةَ فيه ولا إثمَ بالاتفاق، وقوله:
﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ حالٌ من اللغو؛ أي: باللغو كائنًا في أيمانكم.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ أي: يعاقبُكم.
﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: نَوَتْ.
﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وفُهْتُمْ به. قرأ ورشٌ، وأبو جعفرٍ: (يُوَاخِذُكُمْ) بفتح الواو بغير همز (٣).
стр. 383
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يَعْجَلُ بالمؤاخذةِ.
وتنعقدُ اليمينُ باللهِ وبأسمائهِ وصفاتِه بالاتفاق، وعند الثلاثةِ تنعقدُ إذا حلفَ بكلامِ اللهِ، أو بالمصحفِ، أو بالقرآنِ، خلافًا لأبي حنيفةَ، وتنعقدُ عندَ الإمامِ أحمدَ بالنبيِّ ﷺ خاصَّةً؛ خلافًا للثلاثة، فإذا حلفَ على أمرٍ مستقبَلٍ، فَحَنِثَ، فعليه كفارةٌ بالاتفاق، وإن حلفَ على أمرٍ ماضٍ أنه كانَ، ولم يكنْ، أو بالعكسِ، عالمًا كان أو جاهلًا، فَحَنِثَ، فهيَ (١) اليمينُ الغموسُ؛ لغمسِهِ في الإثم، فتجبُ الكفارةُ عندَ الشافعيِّ، ولا تجبُ عندَ الثلاثةِ؛ لأنه إنْ كان عالمًا، فهي كبيرةٌ، ولا كفارةَ في الكبائر، وإن كان جاهلًا، فهي يمينُ اللغو.
وقد رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ حلَفَ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، نَازَعَ اللهَ فيها حَوْلَهُ وقُوَّتَهُ، عَجَّلَ اللهُ لَهُ العُقُوبَةَ قَبْلَ ثَلاَثٍ"، وصفةُ اليمينِ أن يقولَ: تقلَّدْتُ الحولَ والقوَّةَ دونَ حولِ اللهِ وقُوَّتهِ، إلى حَوْلي وَقُوَّتي إِنْ لَمْ يَكُنْ ما قُلْتُه حَقًّا. ونُقل أَنَّ بعضَ الناسِ حلفَ بهذهِ اليمين، وكان كاذبًا، فهلكَ في يومِهِ، ذُكر ذلكَ في "شرح المقامات" للشريشي (٢) بأبسطَ من هذا.
стр. 384
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ .
[٢٢٦] ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ يُقْسِمون.
﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ المعنى: يَبْعُدُون من نسائِهم مُؤْلينَ.
﴿تَرَبُّصُ﴾ أي: انتظارُ.
﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ تلخيصهُ: استقرَّ للمؤلين تربُّصُ أربعةِ أشهرٍ. والإيلاءُ من المرأةِ عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: أنْ يحلفَ ألَّا يقربَها أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ، فإذا مضتْ، وقفَ، فإما أن يجامِعَ، أو يطلِّقَ، فإن امتنعَ، طلَّقَ عليه القاضي، وإن عجزَ عن الجماعِ، فاءَ بلسانِهِ، فيقولُ: إذا قَدَرْتُ جامَعْتُ، وعند (١) أبي حنيفةَ: هو أن يحلفَ ألَّا يقربَها أربعةَ أشهرٍ فصاعدًا، أو ألَّا يقربها مطلَقًا، وعليه كفارةٌ إن وَطِئَها قبلَ المدةِ، فإنِ انقضتِ الأربعةُ أشهر (٢)، وقعتْ تطليقةٌ بائنةٌ عندَ أبي حنيفةَ.
ومدةُ الإيلاءِ في الحرِّ والعبدِ سَواءٌ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ يتَنَصَّفُ (٣) بالرِّقِّ، فأبو حنيفةَ يعتبرُ رِقَّ المرأة، ومالكٌ يعتبرُ رِقَّ الزوج؛ كما قالا في الطلاق، ويأتي ذكرُه قريبًا.
﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ رَجَعُوا عن اليمين.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للمؤمنين.
﴿رَحِيمٌ﴾ ولهم.
стр. 385
﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ .
[٢٢٧] ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ أي: أوقَعوه، وأصلُ العزمِ والعزيمةِ: عَقْدُ القلبِ على إمضاءِ شيءٍ يريدُ فعلَه، والطلاقُ: هو حَلُّ قيدِ النكاحِ أو بعضِه بوقوعِ ما يملكُهُ من عددِ الطلقات، أو بعضها، وأصلُه من الإطلاق.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم.
﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ .
[٢٢٨] ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ أى: المُخَلَّياتُ من حبالِ أزواجِهِنَّ بعدَ الدخولِ بهنَّ.
﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ينتظرْنَ، وهذا خبرٌ معناه: أَمْرٌ؛ أي: لِيَتَرَبَّصْنَ.
﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ فلا يَتَزَوَّجْن.
﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ جمعُ قَرْءٍ -بفتح القاف، وقد يضم-, ومعناه في اللغة: الوقتُ المعتادُ ترَدُّدُهُ، وهو الحيضُ عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ، والطهرُ عند مالكٍ والشافعيِّ، وفائدةُ الخلافِ أن المعتدَّه إذا شرَعَتْ في الحيضةِ الثالثةِ، انقضَتْ عِدَّتُها عندَ مَنْ يجعلُه الطهرَ، ويحسبُ بقيةَ الطهرِ الذي وقعَ فيه الطلاق قَرْءًا، وعندَ مَنْ يجعلُه الحيضَ لا تنقضي عِدَّتُها حتى تطهُرَ من
стр. 386
الحيضةِ الثالثةِ، وزادَ الإمامُ أحمدُ: حتى تغتسلَ، أو يمضيَ وقتُ صلاة.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الحيضِ والحبلِ، وهو أن يريدَ الرجلُ مراجعَتَها، فتقول: قد حضتُ الثالثةَ، أو تنكرُ الحبلَ ليبطلَ حقُّ الزوجِ من الرجعةِ والولدِ، وربما أسقطَتِ الولدَ خوفًا ألَّا تعودَ.
﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لأن المؤمنَ يخافُ هذا الفعلَ.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ جمعُ بَعْلٍ، وهو الزوجُ، سُمِّيَ بذلك لقيامِهِ بأمرِ الزوجةِ، وأصلُ البعلِ: السيدُ والمالكُ، والبِعالُ النكِّاحُ.
﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أَوْلى برجعتِهِنَّ.
﴿فِي ذَلِكَ﴾ في العِدَّةِ.
﴿إِنْ أَرَادُوا﴾ أي: الزوجُ والزوجةُ والوليُّ بالرجعَةِ.
﴿إِصْلَاحًا﴾ بينَهُما وحُسْنَ عشرةٍ.
﴿وَلَهُنَّ﴾ على الرِّجالِ.
﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ للرجال من الحقوق.
﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بما عُرِفَ شَرْعًا. قال ﷺ : "إِنَّ أَكْمَلَ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ" (١).
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بالمَهْرِ وإنفاقِ المال. قرأ يعقوبُ: (عَلَيْهُنَّ) بضم الهاء حيثُ وقع (٢).
стр. 387
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال ﷺ : "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١).
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ .
[٢٢٩] ﴿الطَّلَاقُ﴾ تقديرُه: عَدَدُ الطلاقِ الذي يملكُ الزوجُ بعدَهُ الرَّجْعَةَ.
﴿مَرَّتَانِ﴾ كانَ الناس في الابتداءِ يُطَلِّقونَ من غيرِ حَصْر ولا عَدَدٍ، وكانَ الرجلُ يطلِّقُ امرأتَهُ، فإذا قاربَت انقضاء عِدَّتها، راجعَها، ثم طَلَّقَها كذلكَ، ثم راجعَها، يقصدُ بذلك مُضارَّتَها، فنزلتِ الآيةُ، وقولُه مَرَّتان؛ أي: مرةً بعدَ مرةٍ، ولم يُرِدِ الجمعَ بينهما، فإن راجعَها بعدَ الثانيةِ.
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ شرعًا؛ أي: يُمسكُها بما عُرفَ من الحقوق، ولا يراجعُها بقصدِ تطويلِ العِدَّةِ مضارَّةً لها.
﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أصلُ التسريحِ: الإرسالُ؛ كالطلاقِ من الإطلاق.
المعنى: يتركُها، ولا يقصدُها بسوء.
стр. 388
وصريحُ اللفظِ الذي يقعُ به الطلاقُ من غير نيةٍ عندَ مالكٍ والشافعيِّ ثلاثةٌ: الطلاق، والفِراقُ، والسَّراحُ، وعندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ هو لفظُ الطلاقِ.
واختلف الأئمةُ فيما إذا كان أحدُ الزوجين رقيقًا، فقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: يعتبَرُ عددُ الطلاق بالزوج، فيملكُ الحرُّ على زوجتِهِ الأمةِ ثلاثَ طلقاتٍ، والعبدُ لا يملكُ على زوجته الحرَّةِ إلا طلقتينِ، وقال أبو حنيفةَ: الاعتبارُ بالمرأةِ، فيملكُ العبدُ على زوجتِهِ الحرَّةِ ثلاثَ طلقاتٍ، ولا يملكُ الحرُّ على زوجتِهِ الأمةِ إلا طلقتين.
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج.
﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من المهور.
﴿شَيْئًا﴾ ثم استثنى الخُلْعَ، فقال:
﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ تقديره: إِلَّا أَنْ يخافا تركَ حدودِ اللهِ المعروفةِ شرعًا من حُسْنِ الصحبةِ. قرأ أبو جعفرٍ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (يُخَافَا) بضمِّ الياء؛ أي: يُعْلَمَ ذلك منهما؛ يعني: يعلم المسلمون والقاضي ذلك من الزوجين؛ بدليل قوله:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ فجعلَ الخوفَ لغيرِ الزوجين، ولم يَقُلْ: فإن خافا. وقرأ الباقون: بفتح الياء (١)؛ أي: يعلم الزوجانِ من أنفسِهما.
стр. 389
﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ نزلت في جميلةَ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سلولَ وزوجِها ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماس، وكان يحبُّها، وهي تُبْغِضُه، وكان قد أعطاها حديقةً، فافتدَتْ بها نفسَها منهُ، وهو أولُ خُلْعٍ في الإسلام (١).
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: على الزوج فيما أخذ، ولا على الزوجة.
﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نفسَها من المال؛ لأنها ممنوعةٌ من إتلافِ المالِ بغيرِ حقٍّ، وهذه الآيةُ دليلُ جواز الخُلْعِ بسؤالِ الزوجةِ على مالٍ تفتدي به نفسَها.
واختلفَ الأئمهُّ في الخلع، فقال الثلاثةُ: هو تطليقةٌ بائنةٌ، وقال أحمدُ: هو فَسْخُ عِصْمَةٍ إذا وقعَ بلفظِ خُلْعٍ، أو فَسْخٍ، أو مفاداةٍ لا يُنقصُ عدد الطلاقِ، وهو قولُ ابن عباسٍ، وعبدِ الله بنِ عمَر، واحتجَّ ابن عباس بقولهِ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فذكرَ تطليقتين والخلعَ وتطليقةً بعدها، ولم يَكُ للخُلْعِ حكمٌ يُعْتَدُّ به، فلو كان الخلعُ طلاقًا، لكانَ الطلاق أربعًا، ولأنَّها فُرْقَةٌ خلَتْ عن صريح الطلاقِ ونيتهِ، فكانتْ فسخًا كسائر الفُسوخِ، ومن قالَ: هو طلقةٌ، جعل الطلقة الثالثة: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: هذه أوامرُه ونواهيه.
стр. 390
﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ لا تتجاوزوها.
﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ يتجاوَزُها.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ .
[٢٣٠] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الطلقةَ الثالثةَ.
﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: بعدَ الطلقةِ الثالثةِ.
﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ غيرَ مطلِّقِها، فيجامعُها. والنكاحُ شرعًا: يتناولُ العَقْدَ والوَطْءَ جميعًا، فهو حقيقةٌ فيهما عندَ الإمامِ أحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ هو حقيقة في الوطء، مَجازٌ في العقدِ، وعندَ الشافعيِّ بالعكس، وهو في اللغةِ الضَّمُّ والجمعُ، فعلى القول بأنه حقيقةٌ في العقد، فهو ضمُّ وجمع بالنسبة إلى الإيجابِ والقَبولِ؛ فإنَّ القبولَ يُضمُّ ويُجْمَعُ إلى الإيجاب، وعلى القولِ بأنه حقيقةٌ في الوطءِ، فهو ضمٌّ وجمعٌ بالنسبةِ إلى جمعِ أحدِ الفَرْجينِ إلى الآخر وضمِّهِ إليه؛ لأن الزوجينِ حالةَ الوطءِ يجتمعانِ، وينضَمُّ كلُّ واحدٍ منهما (١) إلى صاحبِه حتى يصيرا كالشَّخْصِ الواحدِ، والحقيقةُ: اللفظُ المستعملُ فيما وُضعَ له، والمجازُ: اللفظُ